<?xml version='1.0' encoding='UTF-8' standalone='yes'?>
<TEI xmlns="http://www.tei-c.org/ns/1.0" xmlns:xsi="http://www.w3.org/2001/XMLSchema-instance" xsi:schemaLocation="http://www.tei-c.org/ns/1.0 http://arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de/schema/alc-tei.xsd">
  <teiHeader>
    <fileDesc>
      <titleStmt>
        <title type="short">Metaphysics</title>
        <title xml:lang="la">Liber de philosophia prima sive scientia divina</title>
        <title xml:lang="ar-Latn">al-Šifāʾ: al-Ilāhiyyāt</title>
        <title xml:lang="en">Metaphysics (of The Cure)</title>
        <author ref="http://d-nb.info/gnd/118505254">
          <name xml:lang="ar-Latn">Ibn Sīnā</name>
          <name xml:lang="la">Avicenna</name>
        </author>
         <respStmt>
          <resp>transcribed by</resp>
          <name>Samer Alsaj</name>
        </respStmt>
        <respStmt>
          <resp>and</resp>
          <name>Azzam Hasan, with notes containing corrections from Bertolacci 2006, pp. 489–557</name>
        </respStmt>

      </titleStmt><editionStmt><edition>0.4.0</edition></editionStmt>
      <publicationStmt>
            <publisher>Institute of Philosophy, University of Würzburg</publisher>
            <address>
               <addrLine>Residenz, Südflügel</addrLine>
               <addrLine>97070 Würzburg</addrLine>
               <addrLine>Germany</addrLine>
            </address>
            <availability status="free">
               <licence target="https://creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0/">Creative Commons
                  Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0)</licence>
            </availability>
         </publicationStmt>
         <seriesStmt>
            <title ref="http://arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de">
               Arabic and Latin Corpus
            </title>
            <respStmt>
               <resp>edited by</resp>
               <name ref="https://d-nb.info/gnd/11800638X">Dag Nikolaus Hasse</name>
            </respStmt>
            <respStmt>
               <resp>together with</resp>
               <name ref="http://d-nb.info/gnd/112492051X">Jon Bornholdt</name>
               <name ref="http://d-nb.info/gnd/1139662686">Andreas Büttner</name>
               <name ref="http://d-nb.info/gnd/1162927666">Irina Galynina</name>
            </respStmt>
         </seriesStmt>
         <sourceDesc>
        <bibl type="primary">Ibn Sīnā (Avicenna), <hi rend="italic">The Metaphysics</hi> of <hi rend="italic">The Healing (al-Šifāʾ:
            al-Ilāhiyyāt)</hi>, ed. and transl. Michael E. Marmura (Provo, UT, 2005).</bibl>
      </sourceDesc>
      <sourceDesc>
        <bibl type="secondary" xml:id="source_2" n="ed. Cairo vol. 1">Ibn Sīnā (Avicenna), <hi rend="italic">al-Šifāʾ: al-Ilāhiyyāt (1)</hi>, ed. Ǧurǧ Š.
          Qanawātī and Saʿīd Zāyid (Cairo, 1960).</bibl>
      </sourceDesc>
      <sourceDesc>
        <bibl type="secondary" xml:id="source_3" n="ed. Cairo vol. 2">Ibn Sīnā (Avicenna), <hi rend="italic">al-Šifāʾ: al-Ilāhiyyāt (2)</hi>, ed. Muḥammad
          Y. Mūsā, Sulaymān Dunyā and Saʿīd Zāyid (Cairo, 1960).</bibl>
      </sourceDesc>
      <sourceDesc>
        <bibl type="secondary" xml:id="source_4" n="Bertolacci 2006">Amos Bertolacci, <hi rend="italic">The Reception of Aristotle’s</hi> Metaphysics <hi rend="italic">in Avicenna’s</hi> Kitāb al-Šifāʾ: <hi rend="italic">A Milestone of Western Metaphysical Thought</hi> (Leiden/Boston, 2006).</bibl>
      </sourceDesc>
    </fileDesc>
    <profileDesc>
      <langUsage>
        <language ident="ar">Arabic</language>
      </langUsage>
    </profileDesc>
  </teiHeader>
  <text>
<body>
<div type="book">
<pb n="1"/>
<head>
<lb n="1"/>بسم اللّه الرحمن الرحيم
<lb n="2"/> الحمد للّه رب العالمين وصلاته على النبى المصطفى محمد وآله الأكرمين أجمعين.
<lb n="3"/> الفن الثالث عشر من كتاب الشفاء فى الإلهيات.
<lb n="4"/>المقالة الأولى
<lb n="5"/> وهى ثمانية فصول</head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="6"/>[الفصل الأول]
<lb n="7"/><num>ا</num>فصل
<lb n="8"/>فى ابتداء طلب موضوع الفلسفة الأولى لتتبين إنيته فى العلوم </head>
<p n="1">
<lb n="9"/>
<pb n="3" edRef="#source_2"/>وإذ قد وفقنا اللّه ولى الرحمة والتوفيق، فأوردنا ما وجب إيراده من
<lb n="10"/> معانى العلوم المنطقية والطبيعية والرياضية، فبالحرى أن نشرع فى تعريف المعانى الحكمية،
<lb n="11"/> ونبتدئ مستعينين بالله فنقول:
<pb n="2"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>إن العلوم الفلسفية، كما قد أُشير إليه فى مواضع أخرى من الكتب، تنقسم
<lb n="2"/> إلى النظرية وإلى العملية. قد أُشير إلى الفرق بينهما وذُكر أن النظرية هى التى <choice>
<sic>نطلب</sic>
<corr>يُطلب<note>according to Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice> فيها
<lb n="3"/> استكمال القوة النظرية من النفسِ بحصول العقل بالفعل، وذلك
<pb n="4" edRef="#source_2"/> بِحصول العلم التصوّرى
<lb n="4"/> والتصديقى بأمور ليست هى هى بأنها من أعمالنا وأحوالنا، فتكون الغاية فيها حصول رأى
<lb n="5"/> واعتقاد ليس رأيًا واعتقادًا فى كيفية عمل أو كيفية مبدأ عمل من حيث هو مبدأ عمل. وأن
<lb n="6"/> العملية هى التى يطلب فيها أولًا استكمال القوة النظرية بحصول العلم التصوّرى والتصديقى
<lb n="7"/> بأمور هى هى بأنها أعمالنا، ليحصل منها ثانيًا استكمال القوة العملية بالأخلاق. </p>
<p n="3">
<lb n="8"/>وذكر أن النظرية تنحصر فى أقسام ثلاثة هى: الطبيعية، والتعليمية، والإلهية. </p>
<p n="4">
<lb n="9"/> وأن الطبيعية موضوعها الأجسام من جهة ما هى متحركة وساكنة، وبحثها
<lb n="10"/> عن العوارض التى تعرض لها بالذات من هذه الجهة. </p>
<p n="5">
<lb n="11"/>وأن التعليمية موضوعها إما ما هو كم مجرد عن المادة بالذات، وإما ما هو
<lb n="12"/> ذو كم. والمبحوث عنه فيها أحوال تعرض للكم بما هو كم. ولا يؤخذ فى حدودها نوع
<lb n="13"/> مادة، ولا قوة حركة. </p>
<p n="6">
<lb n="14"/>وأن الإلهية تبحث عن الأمور المفارقة للمادة بالقوام والحد. </p>
<p n="7">
<lb n="15"/>وقد سمعت أيضا أن الإلهى هو الذى يبحث فى الأسباب الأولى
<lb n="16"/> للوجود الطبيعى والتعليمى وما يتعلق بهما، وعن <choice>
<sic>مسبب</sic>
<corr>سبب<note>according to Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice> الأسباب ومبدأ المبادئ وهو
<lb n="17"/> الإله تعالى جده.
<pb n="5" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="18"/>فهذا هو قدر ما يكون قد وقفت عليه فيما سلف لك من الكتب. ولم يتبين
<lb n="19"/> لك من ذلك الموضوع للعلم الإلهى ما هو بالحقيقة إلا إشارة جرت فى كتاب البرهان
<pb n="3"/>
<lb n="1"/> من المنطق إن تذكرتها. وذلك أن فى سائر العلوم قد كان يكون لك شىء هو موضوع،
<lb n="2"/> وأشياء هى المطلوبة، ومبادئ مسلمة منها تؤلف البراهين. والآن، فلست تحقق حق
<lb n="3"/> التحقيق ما الموضوع لهذا العلم، وهل هو ذات العلة الأولى حتى يكون المراد معرفة صفاته
<lb n="4"/> وأفعاله أو معنى آخر. </p>
<p n="9">
<lb n="5"/>وأيضا قد كنت تسمع أن ههنا فلسفة بالحقيقة، وفلسفة أولى، وأنها تفيد
<lb n="6"/> تصحيح مبادئ سائر العلوم، وأنها هى الحكمة بالحقيقة. وقد كنت تسمع تارة أن الحكمة
<lb n="7"/> هى أفضل علم بأفضل معلوم، وأخرى أن الحكمة هى المعرفة التى هى أصح معرفة واتقنها،
<lb n="8"/> وأخرى أنها العلم بالأسباب الأولى للكل. وكنت لا تعرف ما هذه الفلسفة الأولى، وما
<lb n="9"/> هذه الحكمة، وهل الحدود والصفات الثلاث لصناعة واحدة، أو لصناعات مختلفة كل
<lb n="10"/> واحدة منها تسمى حكمة. </p>
<p n="10">
<lb n="11"/>ونحن نبين لك الآن أن هذا العلم الذى نحن بسبيله هو الفلسفة الأولى، وأنه
<lb n="12"/> الحكمة المطلقة، وأن الصفات الثلاث التى رُسم بها الحكمة هى صفات صناعة واحدة،
<lb n="13"/> وهذه هى الصناعة. وقد علمٍ أن لكل علم موضوعًا يخصه، فلنبحث الآن عن الموضوع
<lb n="14"/> لهذا العلم، ما هو، ولننظر هل الموضوع لهذا العلم هو إنية الله تعالى جده، أو ليس ذلك،
<lb n="15"/> بل هو شىء من مطالب هذا العلم، فنقول: </p>
<p n="11">
<lb n="16"/> إنه لا يجوز أن يكون ذلك هو الموضوع، وذلك لأن موضوع كل علم هو أمر
<lb n="17"/> مُسلّم الوجود فى ذلك العلم، وإنما يبحث عن أحواله. وقد
<pb n="6" edRef="#source_2"/> عُلم هذا فى مواضع
<lb n="18"/> أخرى. ووجود الإله تعالى جده لا يجوز أن يكون مسّلما فى هذا العلم كالموضوع، بل
<lb n="19"/> هو مطلوب فيه. وذلك لإنه إن لم يكن كذلك لم يخل إما أن يكون مسلّما فى هذا العلم
<pb n="4"/>
<lb n="1"/> و مطلوبًا فى علم آخر، وإما أن يكون مسلّمًا فى هذا العلم وغير مطلوب فى علم آخر.
<lb n="2"/> وكلا الوجهين باطلان. وذلك لأنه لا يجوز أن يكون مطلوبًا فى علم آخر، لأن العلوم
<lb n="3"/> الأخرى إما خلقية أو سياسية، وإما طبيعية، وإما رياضية، وإما منطقية. وليس فى
<lb n="4"/> العلوم الحكمية علم خارج عن هذه القسمة، وليس ولا فى شىء منها يُبحث عن إثبات
<lb n="5"/> الإله تعالى جده، ولا يجوز أن يكون ذلك. وأنت تعرف هذا بأدنى تأمل لأصول كررت
<lb n="6"/> عليك. ولا يجوز أيضا أن يكون غير مطلوب فى علم آخر لأنه يكون حينئذ غير مطلوب
<lb n="7"/> فى علم البتة. فيكون إما بيّنا بنفسه، وإما مأيوسا عن بيانه بالنظر، وليس بيّنا بنفسه ولا
<lb n="8"/> مأيوسا عن بيانه، فإن عليه دليلا. ثم المأيوس عن بيانه كيف يصح تسليم وجوده؟ فبقى
<lb n="9"/> أن البحث عنه إنما هو فى هذا العلم. </p>
<p n="12">
<lb n="10"/>ويكون البحث عنه على وجهين: أحدهما البحث عنه من جهة وجوده،
<lb n="11"/> والآخر من جهة صفاته. وإذا كان البحث عن وجوده فى هذا العلم، لم يجز أن يكون
<lb n="12"/> موضوع هذا العلم، فإنه ليس على علم من العلوم إثبات موضوعه، وسنبين لك عن قريب
<lb n="13"/> أيضا، أن البحث عن وجوده لا يجوز أنيكون إلا فى هذا العلم، إذ قد تبيّن لك من حال
<lb n="14"/> هذا العلم أنه بحث عن المفارقات للمادة أصلًا. وقد لاح لك فى الطبيعيات أن الإله غير
<lb n="15"/> جسم، ولا قوة جسم،
<pb n="7" edRef="#source_2"/>بل هو واحد بريئ عن المادة، وعن مخالطة الحركة من كل
<lb n="16"/> جهة. فيجب أن يكون البحث عنه لهذا العلم. والذى لاح لك من ذلك فى الطبيعيات
<lb n="17"/> كان غريبا عن الطبيعيات، ومستعملا فيها، منه ما ليس منها، إلا أنه أريد بذلك أن يُعجَّل
<lb n="18"/> للإنسان وقوف على إنية المبدأ الأول فتتمكن منه الرغبة فى اقتباس العلوم، والانسياق إلى
<lb n="19"/> المقام الذى هناك ليتوصل إلى معرفته بالحقيقة.
<pb n="5"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="1"/>ولما لك يكن بد من أن يكون لهذا العلم موضوع وتبين لك أن الذى يُظَن أنه
<lb n="2"/> هو موضوعه ليس بموضوعه، فلننظر: هل موضوعه الأسباب القصوى للموجودات كلها
<lb n="3"/> أربعتها إلا واحدا منها الذى لم <choice>
<sic>يكن</sic>
<corr>يمكن<note>according to Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice> القول به؟ فإن هذا أيضا قد يظنه قوم. </p>
<p n="14">
<lb n="4"/>لكن النظر فى الأسباب كلها أيضا لا يخلو إما أن ينظر فيها بما هى موجودات
<lb n="5"/> أو بما هى أسباب مطلقة، أو بما هى كل واحد من الأربعة على النحو الذى نحصه. أعنى
<lb n="6"/> أن يكون النظر فيها من جهة أن هذا فاعل، وذلك قابل، وذلك شىء آخر؛ أو من جهة
<lb n="7"/> ما هى الجملة التى تجمع منها. </p>
<p n="15">
<lb n="8"/>فنقول: لا يجوز أن يكون النظر فيها بما هى أسباب مطلقة، حتى يكون
<lb n="9"/> الغرض من هذا العلم هو النظر فى الأمور التى تعرض للأسباب بما هى أسباب مطلقة.
<lb n="10"/> ويظهر هذا من وجوه: أحدها، من جهة أن هذا العلم يبحث عن معان ليست هى من
<lb n="11"/> الأعراض الخاصة بالأسباب بما هى أسباب، مثل الكلى والجزئى، والقوة والفعل، والإمكان
<lb n="12"/> والوجوب وغير ذلك.
<pb n="8" edRef="#source_2"/>ثم من البيّن الواضح أن هذه الأمور فى أنفسها بحيث يجب
<lb n="13"/> أن يبحث عنها، ثم ليست من الأعراض الخاصة بالأمور الطبيعية والأمور التعليمية. ولا
<lb n="14"/> هى أيضا واقعة فى الأعراض الخاصة بالعلوم العملية. فيبقى أن يكون البحث عنها للعلم
<lb n="15"/> الباقى من الأقسام وهو هذا العلم. </p>
<p n="16">
<lb n="16"/>وايضا فأن العلم بالأسباب المطلقة حاصل بعد العلم بإثبات الأسباب للأمور
<lb n="17"/> ذوات الأسباب. فإنا ما لم نثبت وجود الأسباب للمسبَّبات من الأمور بإثبات أن لوجودها
<lb n="18"/> تعلقًا بما يتقدمها فى الوجود، لم يلزم عند العقل وجود السبب المطلق، وأن ههنا سببًا ما.
<lb n="19"/> وأما الحس فلا يؤدى إلا إلى الموافاة. وليس إذا توافى شيئان، وجب أن يكون أحدهما
<pb n="6"/>
<lb n="1"/> سببا للآخر. والإقناع الذى يقع للنفس لكثرة ما يورده الحس والتجربة فغير متأكد، على ما
<lb n="2"/> علمت، إلا بمعرفة أن الأمور التى هى موجودة فى الأكثر هى طبيعية واختيارية. وهذا فى
<lb n="3"/> الحقيقة مستند إلى إثبات العلل، والإقرار بوجود العلل والأسباب. وهذا ليس بيٍّنا أوليا
<lb n="4"/> بل هو <choice>
<sic>مشهود</sic>
<corr>مشهور<note>see fn. and Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice>، وقد علمت الفرق بينهما. وليس إذا كان قريبا عند العقل، من البين
<lb n="5"/> بنفسه أن للحادثات مبدأ ما يجب أن يكون <choice>
<sic>بيَّنا</sic>
<corr>بيِّنا</corr>
</choice> بنفسه، مثل كثير من الأمور الهندسية
<lb n="6"/> المبرهن عليها فى كتاب أوقليدس. ثم البيان البرهانى لذلك ليس فى العلوم الأخرى، فإذن
<lb n="7"/> يجب أن يكون فى هذا العلم. </p>
<p n="17">
<lb n="8"/>فكيف يمكن أن يكون الموضوع للعلم المبحوث عن أحواله فى المطالب
<lb n="9"/> مطلوب الوجود فيه؟ وإذا كان كذلك فبيِّن أيضا أنه ليس البحث عنها من جهة
<pb n="9" edRef="#source_2"/>
<lb n="10"/> الوجود الذى يخص كل واحد منها، لأن ذلك مطلوب فى هذا العلم. ولا أيضا من جهة ما
<lb n="11"/> هى جملة ما وكل، لست أقول جملى وكلى. فإن النظر فى أجزاء الجملة أقدم من النظر
<lb n="12"/> فى الجملة، وإن لم يكن كذلك فى جزئيات الكلى باعتبار قد علمته، فيجب أن يكون
<lb n="13"/> النظر فى الأجزاء إما فى هذا العلم فتكون هى أولى بأن تكون <choice>
<sic>موضوعة</sic>
<corr>موضوعه<note>according to Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice>، أو يكون فى
<lb n="14"/> علم آخر. وليس علم آخر يتضمن الكلام فى الأسبأب القصوى غير هذا العلم. وأما إن
<lb n="15"/> كان النظر فى الأسباب من جهة ما هى موجودة وما يلحقها من تلك الجهة فيجب إذن أن
<lb n="16"/> يكون الموضوع الأول هو الموجود بما هو موجود. </p>
<p n="18">
<lb n="17"/>فقد بان أيضًا بطلان هذا النظر، وهو أن هذا العلم موضوعه الأسباب
<lb n="18"/> القصوى، بل يجب أن يُعلم أن هذا كماله ومطلوبه.
<pb n="10" edRef="#source_2"/>
<pb n="7"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/>[الفصل الثاني]
<lb n="2"/><num>ب</num>فصل
<lb n="3"/>فى تحصيل موضوع هذا العلم </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>فيجب أن ندل على الموضوع الذى لهذا العلم لا محالة حتى يتبيّن لنا الغرض
<lb n="5"/> الذى هو فى هذا العلم، فنقول: </p>
<p n="2">
<lb n="6"/>إن العلم الطبيعى قد كان موضوعه الجسم، ولم يكن من جهة ما هو موجود،
<lb n="7"/> ولا من جهة ما هو جوهر، ولا من جهة ما هو مؤلف من مبدئيه، أعنى الهيولى والصورة،
<lb n="8"/> ولكن من جهة ما هو موضوع للحركة والسكون. والعلوم التى تحت العلم الطبيعى أبعد
<lb n="9"/> من ذلك. وكذلك الخلقيات. </p>
<p n="3">
<lb n="10"/>وأما العلم الرياضى فقد كان موضوعه إما مقدارًا مجردًا فى الذهن عن المادة،
<lb n="11"/> وإما مقدارًا مأخوذًا فى الذهن مع مادة، وإما عددًا مجردًا عن المادة. وإما عددًا فى
<lb n="12"/> مادة. ولم يكن أيضا ذلك البحث متجهًا إلى إثبات أنه مقدار مجرد أو فى مادة أو عدد
<lb n="13"/> مجرد أو فى مادة، بل كان <choice>
<sic>فى</sic>
<corr>من<note>according to Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice> جهة الأحوال التى تعرض له بعد وضعه كذلك. والعلوم
<lb n="14"/> التى تحت الرياضيات أولى بان لا يكون نظرها إلا فى العوارض التى <choice>
<sic>يلحق</sic>
<corr>تلحق<note>see fn. and Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice> أوضاعًا
<lb n="15"/> أخص من هذه الأوضاع. </p>
<p n="4">
<lb n="16"/>والعلم المنطقى، كما علمت، فقد كان موضوعه المعانى المعقولة الثانية التى
<lb n="17"/> تستند إلى المعانى المعقولة الأولى من جهة كيفية ما يتوصل بها من معلوم
<pb n="11" edRef="#source_2"/> إلى
<lb n="18"/> مجهول، لا من جهة ما هى معقولة ولها الوجود العقلى الذى لا يتعلق بمادة أصلا أو يتعلق
<lb n="19"/> بمادة غير جسمانية. ولم يكن غير هذه العلوم علوم أخرى.
<pb n="8"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>ثم البحث عن حال الجوهر بما هو موجود وجوهر، وعن الجسم بما هو
<lb n="2"/> جوهر، وعن المقدار والعدد بما هما موجودان، وكيف وجودهما، وعن الأمور الصورية
<lb n="3"/> التى ليست فى مادة أو هى مادة غير مادة الأجسام، وأنها كيف تكون وأى نحو من
<lb n="4"/> الوجود يخصها، فما يجب أن يجرد له بحث. وليس يجوز أن يكون من جملة العلم
<lb n="5"/> بالمحسوسات، ولا من جملة العلم بما وجوده فى المحسوسات، لكن التوهم والتحديد
<lb n="6"/> يجرده من المحسوسات. فهو إذن من جملة العلم بما وجوده مباين. </p>
<p n="6">
<lb n="7"/>أما الجوهر فبيِّن أن وجوده بما هو جوهر فقط غير متعلق بالمادة وإلا لما كان
<lb n="8"/> جوهرٌ إلا محسوسًا. وأما العدد فقد يقع على المحسوسات وغير المحسوسات، فهو بما
<lb n="9"/> هو عدد غير متعلق بالمحسوسات. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>وأما المقدار فلفظه أسم مشترك، <choice>
<sic>فيه</sic>
<corr>فمنه<note>according to Bertolacci 2006, 489</note></corr>
</choice> ما يقال له مقدار، ويعنى به البعد المقوم
<lb n="11"/> للجسم الطبيعى، ومنه ما يقال <note>له, add. according to Bertolacci 2006, 489</note> مقدار، ويعنى به كمية متصلة تقال على الخط والسطح
<lb n="12"/> والجسم المحدود. وقد عرفت الفرق بينهما. وليس ولا واحد منهما مفارقا للمادة، ولكن
<lb n="13"/> المقدار بالمعنى الأول وإن كان لا يفارق المادة فإنه أيضا مبدأ لوجود الأجسام الطبيعية.
<lb n="14"/> فإذا كان مبدأ لوجودها لم يجز أن يكون
<pb n="12" edRef="#source_2"/> متعلق القوام بها بمعنى أنه يستفيد القوام
<lb n="15"/> من المحسوسات، بل المحسوسات تستفيد منه القوام. فهو إذا أيضا متقدم بالذات على
<lb n="16"/> المحسوسات. وليس الشكل كذلك، فإن الشكل عارض لازم للمادة بعد تجوهرها جسما
<lb n="17"/> متناهيا موجودا وحملها سطحا متناهيا. فإن الحدود تجب للمقدار من جهة استكمال
<lb n="18"/> المادة به <choice>
<sic>وتلزمه</sic>
<corr>ويلزمه<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice> من بعد. فإذا كان كذلك لم يكن الشكل موجودا إلا فى المادة ولا علة
<lb n="19"/> أولية لخروج المادة إلى الفعل.
<pb n="9"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="1"/>وأما المقدار بالمعنى الآخر فإن فيه نظرًا من جهة وجوده، ونظرًا من جهة
<lb n="2"/>
<choice>
<sic>الموجود</sic>
<corr>الوجود<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice>عوارضه. فأما النظر فى أن وجود أيّ أنحاء الوجود هو، ومن أى أقسام ،
<lb n="3"/> فليس هو بحثًا أيضًا عن معنى متعلق بالمادة. </p>
<p n="9">
<lb n="4"/>فأما موضوع المنطق من جهة ذاته فظاهر أنه خارج عن المحسوسات. </p>
<p n="10">
<lb n="5"/>فبين أن هذه كلها تقع فى العلم الذى يتعاطى ما لا يتعلق قوامه بالمحسوسات،
<lb n="6"/> ولا يجوز أن يوضع لها موضوع مشترك تكون هى كلها حالاته وعوارضه إلا الموجود. فإن
<lb n="7"/> بعضها جواهر، وبعضها كميات، وبعضها مقولات أخرى؛ وليس يمكن أن <choice>
<sic>يعمهما</sic>
<corr>يعمها<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice> معنى
<lb n="8"/> محقق إلا حقيقة معنى الوجود. </p>
<p n="11">
<lb n="9"/>وكذلك قد يوجد أيضا أمور يجب أن تتحدد وتتحقق فى النفس، وهى
<lb n="10"/> مشتركة فى العلوم. وليس ولا واحد من العلوم يتولى الكلام فيها مثل الواحد
<pb n="13" edRef="#source_2"/> بما هو
<lb n="11"/> واحد، والكثير بما هو كثير، والموافق والمخالف، والضد وغير ذلك، فبعضها يستعملها
<lb n="12"/> استعمالا فقط، وبعضها إنما يأخذ حدودها، ولا يتكلم فى نحو وجودها. وليست
<lb n="13"/> عوارض خاصة لشىء من موضوعات هذه العلوم الجزئية، وليست من الأمور التى يكون
<lb n="14"/> وجودها إلا وجود الصفات للذوات ولا أيضا هى من الصفات التى تكون لكل شىء،
<lb n="15"/> فيكون كل واحد منها مشتركًا لكل شىء. ولا يجوز أن <choice>
<sic>يختص</sic>
<corr>تختص<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice> أيضا بمقولة ولا يمكن أن
<lb n="16"/>
<choice>
<sic>يكون</sic>
<corr>تكون<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice> من عوارض شىء إلا الموجود بما هو موجود. </p>
<p n="12">
<lb n="17"/>فظاهر لك من هذه الجملة أن الموجود بما هو موجود أمر مشترك لجميع هذه،
<lb n="18"/> وأنه يجب أن يجعل الموضوع لهذه الصناعة لما قلنا. ولأنه غنى عن تعليم ماهيته وعن
<lb n="19"/> إثباته، حتى يحتاج إلى أن يتكفل علم غير هذا العلن بإيضاح الحال فيه لإستحالة أن يكون
<pb n="10"/>
<lb n="1"/> إثبات الموضوع وتحقيق ماهيته فى العلم الذى هو موضوعه بل تسليم إنيته وماهيته فقط،
<lb n="2"/> فالموضوع الأول لهذا العلم هو الموجود بما هو موجود؛ ومَطَالبُه الأمور التى تلحقه بما هو
<lb n="3"/> موجود من غير شرط. </p>
<p n="13">
<lb n="4"/>وبعض هذه الأمور هى له كالأنواع: كالجوهر والكم والكيف؛ فإنه ليس يحتاج
<lb n="5"/> الموجود فى أن ينقسم إليها، إلى إنقسام قبلها، حاجة الجوهر إلى انقسامات، حتى يلزمه
<lb n="6"/> الانقسام إلى الإنسان وغير الإنسان. وبعض هذه <note>له, add. according to Bertolacci 2006, 490</note> كالعوارض الخاصة، مثل الواحد والكثير،
<lb n="7"/> والقوة والفعل، والكلى والجزئى؛ والممكن والواجب، فإنه ليس يحتاج الموجود فى قبول هذه
<lb n="8"/> الأعراض والاستعداد لها إلى أن يتخصّص طبيعيًا أو تعليميًا أو خلقيًا أو غير ذلك.
<pb n="14" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="9"/>ولقائل أن يقول، إنه إذا جعل الموجود هو الموضوع لهذا العلم لم يجز
<lb n="10"/> أن يكون إثبات مبادئ الموجودات فيه، لأن البحث فى كل علم هو عن لواحق
<lb n="11"/> موضوعه لا عن مبادئه. </p>
<p n="15">
<lb n="12"/>فالجواب عن هذا أن النظر فى المبادئ أيضا هو بحث عن عوارض هذا
<lb n="13"/> الموضوع، لأن الموجود كونه مبدأ غير مقوِّم له ولا ممتنع فيه؛ بل هو بالقياس إلى طبيعة
<lb n="14"/> الموجود أمر عارض له، ومن العوارض الخاصة به. لأنه ليس شىء أعم من الموجود،
<lb n="15"/> فيلحق غيره لحوقًا أوليًا. ولا أيضا يحتاج الموجود إلى أن يصير طبيعيا أو تعليميا أو شيئا
<lb n="16"/> آخر حتى يعرض له أن يكون مبدأ. ثم المبدأ ليس المبدأ للموجود كله، ولو كان مبدأ
<lb n="17"/> للموجود كله لكان مبدأ لنفسه؛ بل الموجود كله لا مبدأ له، إنما المبدأ مبدأ للموجود
<lb n="18"/> المعلول. فالمبدأ هو مبدأ لبعض الموجود. فلا يكون هذا العلم يبحث عن مبادئ الموجود
<pb n="11"/>
<lb n="1"/> مطلقًا، بل إنما يبحث عن مبادئ بعض ما فيه كسائر العلوم الجزئية؛ فإنها وإن كانت لا
<lb n="2"/> تبرهن على وجود مبادئها المشتركة، إذ لها مبادئ يشترك فيها جميع ما ينحوه كل واحد
<lb n="3"/> منها، فإنها تبرهن على وجود ما هو مبدأ لما <choice>
<sic>بعدها</sic>
<corr>بعده<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice> من الأمور التى فيها. </p>
<p n="16">
<lb n="4"/>ويلزم هذا العلم أن ينقسم ضرورة إلى أجزاء. منها ما يبحث عن الأسباب
<lb n="5"/> القصوى، فإنها الأسباب لكل موجود معلول من جهة وجوده، ويبحث عن السبب الأول
<lb n="6"/> الذى يفيض عنه كل موجود معلول بما هو موجود معلول لا بل ما هو وجود متحرِّك فقط أو
<lb n="7"/> متكمَّم فقط. ومنها ما يبحث عن العوارض للموجود. ومنها مايبحث عن مبادئ العلوم
<lb n="8"/> الجزئية. ولأن مبادئ كل علم
<pb n="15" edRef="#source_2"/> أخص هى مسائل العلم فى <choice>
<sic>الأعلى</sic>
<corr>الأعم<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice>، مثل مبادئ
<lb n="9"/> الطب فى الطبيعى، والمساحى فى الهندسة، فيعرض إذن فى هذا العلم أن يتضح فيه
<lb n="10"/> مبادئ العلوم الجزئية التى تبحث عن أحوال الجزئيات <choice>
<sic>الموجودة</sic>
<corr>الموجود<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice>الموجودة. </p>
<p n="17">
<lb n="11"/>فهذا العلم يبحث عن أحوال الموجود، والأمور التى هى له كالأقسام
<lb n="12"/> والأنواع، حتى يبلغ إلى تخصيص يحدث معه موضوع العلم الطبيعى فيسلمه إليه،
<lb n="13"/> وتخصيص يحدث معه موضوع الرياضى فيسلمه إليه، وكذلك فى غير ذلك. وما قبل
<lb n="14"/> ذلك التخصيص <choice>
<sic>كالمبدأ</sic>
<corr>وكالمبدأ له<note>according to Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice>
<choice>
<sic>فنبحث</sic>
<corr>فيبحث<note>see fn. and Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice> عنه <choice>
<sic>ونُقرر</sic>
<corr>ويُقرر<note>see fn. and Bertolacci 2006, 490</note></corr>
</choice>] حاله.فتكون إذن مسائل هذا العلم <note>بعضهاله, add. according to Bertolacci 2006, 491</note>
<lb n="15"/> فى أسباب الموجود المعلول بما هو موجود معلول، وبعضها فى عوارض الموجود، وبعضها
<lb n="16"/> فى مبادئ العلوم الجزئية. </p>
<p n="18">
<lb n="17"/>فهذا هو العلم المطلوب فى هذه الصناعة وهو الفلسفة الأولى، لأنه العلم بأول
<lb n="18"/> الأمور فى الوجود، وهو العلة الأولى وأول الأمور فى العموم، وهو الوجود والوحدة.
<lb n="19"/> وهو أيضا الحكمة التى هى أفضل علم بافضل معلوم؛ فإنها أفضل علم أى اليقين، بأفضل
<pb n="12"/>
<lb n="1"/> المعلوم أى الله تعالى وبالأسباب من بعده. وهو أيضا معرفة الأسباب القصوى للكل. وهو
<lb n="2"/> أيضا المعرفة بالله، وله حد العلم الإلهى الذى هو أنه علم بالأمور المفارقة للمادة فى الحد
<lb n="3"/> والوجود، إذ الموجود بما هو موجود ومبادئه وعوارضه ليس شىء منها، كما اتضح، إلا
<lb n="4"/> متقدم الوجود على المادة وغير متعلق الوجود بوجودها. </p>
<p n="19">
<lb n="5"/>وإن بحث فى هذا العلم عما لا يتقدم المادة، فإنما يُبحث فيه عن معنى.
<lb n="6"/> ذلك المعنى غير محتاج الوجود إلى المادة، بل الأمور المبحوث عنها فيه هى أقسام
<lb n="7"/> أربعة: فبعضها بريئة عن المادة وعلائق
<pb n="16" edRef="#source_2"/> المادة أصلا. وبعضها يخالط المادة، ولكن
<lb n="8"/> مخالطة السبب المقوم المتقدم وليست المادة بمقوم له. وبعضها قد فى المادة وقد يوجد
<lb n="9"/> توجد لا فى المادة مثل العلية والوحدة، فيكون الذى لها بالشركة بما هى هى أن لا تكون
<lb n="10"/> مفتقرة التحقق إلى وجود المادة، وتشترك هذه الجملة أيضا فى أنها غير مادية الوجود أى
<lb n="11"/> غير مستفادة الوجود من المادة. وبعضها أمور مادية، كالحركة والسكون، ولكن ليس
<lb n="12"/> المبحوث عنه فى هذا العلم حالها فى المادة، بل نحو الوجود الذى لها. فإذا أخذ هذا
<lb n="13"/> القسم مع الأقسام الأخرى اشتركت فى فى أن نحو البحث عنها هو من جهة معنى غير قائم
<lb n="14"/> الوجود بالمادة. وكما أن العلوم الرياضية قد كان يوضع فيها ما هو متحدد بالمادة، لكن
<lb n="15"/> نحو النظر والبحث عنه كان من جهة معنى غير متحدد بالمادة، وكان لا يخرجه تعلق ما
<lb n="16"/> يبحث عنه بالمادة عن أن يكون البحث رياضيا، كذلك الحال ههنا. </p>
<p n="20">
<lb n="17"/>فقد ظهر ولاح أن الغرض فى هذا العلم أى شىء هو. </p>
<p n="21">
<lb n="18"/>وهذا العلم يشارك الجدل والسفسطة من وجه، ويخالفهما من وجه،
<lb n="19"/> ويخالف كل واحد منهما من وجه. أما مشاركتهما فلأن ما يبحث عنه فى هذا العلم
<pb n="13"/>
<lb n="1"/> لا يتكلم فيه صاحب علم جزئى، ويتكلم فيه الجدلى والسوفسطائى. وأما المخالفة فلأن
<lb n="2"/> الفيلسوف الأول من حيث هو فيلسوف أول لا يتكلم فى مسائل العلوم الجزئية وذانك
<lb n="3"/> يتكلمان. وأما مخالفته للجدل خاصة فبالقوة، لأن الكلام الجدلى يفيد الظن لا اليقين كما
<lb n="4"/> علمت فى صناعة المنطق. وأما مخالفة السوفسطائية فبالإرادة، وذلك لأن هذا يريد الحق
<lb n="5"/> نفسه، وذلك يريد أن يظن به انه حكيم يقول الحق وإن لم يكن حكيما.
<pb n="17" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="6"/> [الفصل الثالث]
<lb n="7"/><num>ج</num> فصل
<lb n="8"/> فى منفعة هذا العلم ومرتبته واسمه </head>
<p n="1">
<lb n="9"/>وأما منفعة هذا العلم، فيجب أن تكون قد وقفت فى العلوم التى قبل هذا على
<lb n="10"/> أن الفرق بين النافع وبين الخير ما هو، وأن الفرق بين الضار وبين الشر ما هو، وأن النافع هو
<lb n="11"/> السبب الموصل بذاته إلى الخير، والمنفعة هى المعنى الذى يوصل به الشر إلى الخير.
<lb n="12"/> وإذ قد تقرر هذا فقد علمت أن العلوم كلها تشترك فى منفعة واحدة وهى: تحصيل كمال
<lb n="13"/> النفس الإنسانية بالفعل مهيئة إياها للسعادة الأخروية. ولكنه إذا فُتش فى رؤوس الكتب
<lb n="14"/> عن منفعة العلوم لم يكن القصد متجهًا إلى هذا المعنى، بل إلى معونة بعضها فى بعض،
<lb n="15"/> حتى تكون منفعةُ علم ما هى معنى يتوصل منه إلى تحقيق علم آخر غيره. </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>وإذا كانت المنفعة بهذا المعنى فقد يقال قولًا مطلقًا، وقد يقال قولًا مخصصًا.
<lb n="17"/> فأما المطلق فهو أن يكون النافع موصّلا إلى تحقيق علم آخر كيف كان، وأما المخصّص فأن
<lb n="18"/> يكون النافع موصّلا إلى ما هو أجل منه، وهو الغاية له إذ هو لأجله بغير انعكاس.
<pb n="14"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>فإذا أخذنا المنفعة بالمعنى المطلق كان لهذا العلم منفعة.
<pb n="18" edRef="#source_2"/>وإذا أخذنا المنفعة
<lb n="2"/> بالمعنى المتخصص كان هذا العلم أجل من أن ينفع فى علم غيره، بل سائر العلوم تنفع فيه. </p>
<p n="4">
<lb n="3"/>لكن إذا قسمنا المنفعة المطلقة إلى أقسامها كانت ثلاثة أقسام: قسم يكون
<lb n="4"/> الموصل منه موصلًا إلى معنى أجل منه؛ وقسم يكون الموصل منه موصلا إلى معنى مساوٍ
<lb n="5"/> له؛ وقسم يكون الموصل منه موصِّلًا إلى معنى دونه، وهو أن يفيد فى كمال دون ذاته.
<lb n="6"/> وهذا إذا طلب له أسم خاص كان الأولى به الإفاضة، والإفادة، والعناية، <choice>
<sic>والرياسة</sic>
<corr type="MAR">والرئاسة</corr>
</choice>، أو
<lb n="7"/> شىء مما يشبه هذا إذا استقريت الألفاظ الصالحة فى هذا الباب عثرت عليه. </p>
<p n="5">
<lb n="8"/>والمنفعة المخصصة قريبة من الخدمة. وأما الإفادة التى تحصل من الأشرف
<lb n="9"/> فى الأخس فليس تشبه الخدمة. وأنت تعلم أن الخادم ينفع المخدوم، والمخدوم أيضا ينفع
<lb n="10"/> الخادم، أعنى المنفعة إذا أخذت مطلقة ويكون نوع كل منفعة ووجه الخاص نوعا آخر.
<lb n="11"/> فمنفعة هذا العلم الذى بيّنا وحهها هى إفادة اليقين بمبادئ العلوم الجزئية، والتحقق لماهية
<lb n="12"/> الأمور <choice>
<sic>المشترك</sic>
<corr>المشتركة<note>according to Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> فيها، وإن لم تكن مبادئ. فهذا إذن منفعة الرئيس للمرؤوس، والمخدوم
<lb n="13"/> للخادم، إذ نسبة هذا العلم إلى العلوم الجزئية نسبة الشىء الذى هو المقصود معرفته فى
<lb n="14"/> هذا العلم إلى الأشياء المقصود معرفتها فى تلك العلوم. فكما أن ذلك مبدأ لوجود تلك،
<lb n="15"/> فكذلك العلم به مبدأ لتحقق العلم بتلك.
<pb n="19" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="16"/>وأما مرتبة هذا العلم فهى أن يتعلم بعد العلوم الطبيعية والرياضية. أما الطبيعية،
<lb n="17"/> فلأن كثيرا من الأمور المسلمة فى هذا مما تبين فى علم الطبيعى مثل: الكون، والفساد،
<lb n="18"/> والتغير، والمكان، والزمان وتعلق كل متحرك بمحرك، وانتهاء المتحركات إلى محرك أول،
<lb n="19"/> وغير ذلك. وأما الرياضية، فلأن الغرض الأقصى فى هذا العلم وهو معرفة تدبير <choice>
<sic>البارى</sic>
<corr type="MAR">البارئ</corr>
</choice>
<pb n="15"/>
<lb n="1"/> تعالى، ومعرفة الملائكة الروحانية وطبقاتها، ومعرفة النظام فى ترتيب الأفلاك، ليس يمكن أن
<lb n="2"/> يتوصل إلا بعلم الهيئة، وعلم الهيئة لا يتوصل<note>إليه, add. according to Bertolacci 2006, 491</note> إليه إلا بعلم الحساب والهندسة. وأما الموسيقى
<lb n="3"/> وجزئيات الرياضيات والخلقيات والسياسة فهى نوافع غير ضرورية فى هذا العلم. </p>
<p n="7">
<lb n="4"/>إلا أن لسائل أن يسأل فيقول: إنه إذا كانت المبادئ فى علم الطبيعة والتعاليم
<lb n="5"/> إنما تُبرهَن فى هذا العلم وكانت مسائل العلمين تُبرهَن بالمبادئ، وكانت مسائل ذينك العلمين
<lb n="6"/> تصير مبادئ لهذا العلم، كان ذلك بيانًا دوريًا ويصير آخر الأمر بيانا للشىء من نفسه،
<lb n="7"/> والذى يجب أن يقال فى حل هذه الشبهة هو ما قد قيل وشرح فى كتاب البرهان. وإنما
<lb n="8"/> نورد منه مقدار الكفاية فى هذا الموضوع فنقول: </p>
<p n="8">
<lb n="9"/>إن المبدأ للعلم ليس إنما يكون مبدأ لأن جميع المسائل تستند فى براهينها إليه
<lb n="10"/> بفعل أو بقوة، بل ربما كان المبدأ مأخوذا فى براهين بعض هذه المسائل، ثم قد يجوز أن
<lb n="11"/> تكون فى العلوم مسائل براهينها لا تستعمل <choice>
<sic>وصفا</sic>
<corr>وضعا<note>see fn. and Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> البتة؛ بل إنما
<pb n="20" edRef="#source_2"/> تستعمل
<lb n="12"/> المقدمات التى لا برهان عليها. على أنه إنما يكون مبدأ العلم بالحقيقة إذا كان يفيد
<lb n="13"/> أخذه اليقين المكتسب من العلة، وأما إذا كان ليس يفيد العلة، فإنما يقال له مبدأ العلم على
<lb n="14"/> نحوٍ آخر. وبالحرىّ أن يقال له مبدأ على حسب ما يقال للحس مبدأ، من جهة أن الحس
<lb n="15"/> بما هو حس يفيد الوجود فقط. </p>
<p n="9">
<lb n="16"/>فقد ارتفع إذن الشك، فإن المبدأ الطبيعى يجوز أن يكون بيّنا بنفسه، ويجوز
<lb n="17"/> أن يكون بيانه فى الفلسفة الأولى بما ليس يتبين به [فيما] بعد، ولكن أنما تتبين به فيها
<lb n="18"/> مسائل أخرى حتى يكون ما هو مقدمة فى العلم الأعلى لإنتاج ذلك المبدأ لا يتعرض له فى
<lb n="19"/> إنتاجه من ذلك المبدأ، بل له مقدمة أخرى. وقد يجوز أن يكون العلم الطبيعى أو الرياضى
<pb n="16"/>
<lb n="1"/> أفادنا برهان «أن» وإن لم يفدنا فيه برهان «اللم» ثم يفيدنا هذا العلم فيه برهان «لِمَ»
<lb n="2"/> خصوصًا فى العلل الغائية البعيدة. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>فقد اتضح إنه إما أن يكون ما هو مبدأ بوجه ما لهذا العلم من المسائل التى فى
<lb n="4"/> العلوم الطبيعية ليس فى بيانه من مبادئ تتبين فى هذا العلم، بل من مبادئ بيِّنة بنفسها؛ وإما
<lb n="5"/> أن يكون بيانه من مبادئ هى مسائل فى هذا العلم، لكن ليس تعود فتصير مبادئ لتلك
<lb n="6"/> المسائل <choice>
<sic>لعينها</sic>
<corr>يعينها<note>according to Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> بل لمسائل أخرى؛ وإما أن تكون تلك المبادئ لأمور من هذا العلم لتدل على
<lb n="7"/> وجود ما يراد أن <choice>
<sic>نبين</sic>
<corr>ببين<note>see fn. and Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> فى هذا العلم لمَّيته. ومعلوم أن هذا الأمر إذا كان على هذا الوجه
<lb n="8"/> لم يكن بيان دور البتة، حتى يكون بيانا يرجع إلى أخذ الشىء فى بيان نفسه.
<pb n="21" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="9"/>ويجب أن تعلم أن فى نفس الأمر طريقًا إلى أن يكون الغرض من هذا العلم
<lb n="10"/> تحصيل <choice>
<sic>مبدأ</sic>
<corr>مبتدأ<note>according to Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice>
<choice>
<sic>إلا</sic>
<corr>لا<note>see fn. and Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> بعد علم آخر. فإنه سيتضح لك فيما بعد إشارة إلى أن لنا سبيلا إلى
<lb n="11"/> إثبات المبدأ الأول لا من طريق الإستدلال من الأمور المحسوسة، بل من طريق مقدمات كلية
<lb n="12"/> عقلية توجب للوجود مبدأ واجب الوجود وتمنع أن يكون متغيرِّا أو متكثرا فى جهة،
<lb n="13"/> وتوجب أن يكون هو مبدأ للكل، وأن يكون الكل يجب عنه على ترتيب الكل. لكنا لعجز
<lb n="14"/> أنفسنا لا نقوى على سلوك ذلك الطريق البرهانى الذى هو سلوك عن المبادئ إلى الثوانى،
<lb n="15"/> وعن العلة إلى المعلول، إلا فى بعض جمل مراتب الموجودات منها دون التفصيل. </p>
<p n="12">
<lb n="16"/>فإذن من حق هذا العلم فى نفسه أن يكون مقدمًا على العلوم كلها، إلا أنه من
<lb n="17"/> جهتنا يتأخر عن العلوم كلها، فقد تكلمنا على مرتبة هذا العلم من جملة العلوم. </p>
<p n="13">
<lb n="18"/>وأما أسم هذا العلم فهو أنه: «<choice>
<sic>ما</sic>
<corr>فيما<note>according to Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> بعد الطبيعة». ويعنى بالطبيعة لا القوة التى هى
<lb n="19"/> مبدأ حركة وسكون، بل جملة الشىء الحادث عن المادة الجسمانية وتلك القوة والأعراض.
<pb n="17"/>
<lb n="1"/> فقد قيل أنه قد يقال: الطبيعة، للجرم الطبيعى الذى له طبيعة. والجرم الطبيعى هو الجرم
<lb n="2"/> المحسوس بما له من الخواص والأعراض. ومعنى «ما بعد الطبيعة» بعدية بالقياس إلينا.
<lb n="3"/> فإن أول ما نشاهد الوجود، ونتعرف عن أحواله
<pb n="22" edRef="#source_2"/> نشاهد هذا الوجود الطبيع.
<lb n="4"/> وأما الذى يستحق أن يسمى به هذا العلم إذا اعتبر بذاته، فهو أن يقال له علم «ما قبل
<lb n="5"/> الطبيعة»، لأن الأمور المبحوث عنها فى هذا العلم، هى بالذات والعموم، قبل الطبيعة. </p>
<p n="14">
<lb n="6"/>ولكنه لقائل أن يقول: إن الأمور الرياضية المحضة التى ينظر فيها فى الحساب
<lb n="7"/>والهندسة، هى أيضا «قبل الطبيعة»، وخصوصا العدد فإنه لا تعلق لوجوده بالطبيعة البتة،
<lb n="8"/> لأنه قد يوجد لا فى الطبيعة، فيجب أن يكون علم الحساب والهندسة علم «ما قبل الطبيعة». </p>
<p n="15">
<lb n="9"/>فالذى يجب أن يقال فى هذا التشكيك هو أنه: أما الهندسة فما كان النظر
<lb n="10"/> فيه منها إنما هو فى الخطوط والسطوح والمجسمات. فمعلوم أن موضوعه غير مفارق
<lb n="11"/> للطبيعة فى القوام، فالأعراض اللازمة له أولى بذلك. وما كان موضوعه المقدار المطلق
<lb n="12"/> فيؤخذ فيه المقدار المطلق على أنه مستعد لأية نسبة اتفقت، وذلك ليس للمقدار بما هو
<lb n="13"/> مبدأ للطبيعيات وصورة؛ بل بما هو مقدار وعرض. وقد عرف فى شرحنا للمنطقيات
<lb n="14"/> والطبيعيات الفرق بين المقدار الذى هو <choice>
<sic>يعد</sic>
<corr>بعد<note>see fn. and Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> الهيولى مطلقا، وبين المقدار الذى هو كم،
<lb n="15"/> وأن أسم المقدار يقع عليهما بالإشتراك. <choice>
<sic>وإدا</sic>
<corr>وإذا<note>see fn. and Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> كان كذلك فليس موضوع الهندسة بالحقيقة
<lb n="16"/> هو المقدار المعلوم المقوم للجسم الطبيعى، بل المقدار المقول على الخط والسطح والجسم.
<lb n="17"/> وهذا هو المستعد للنسب المختلفة.
<pb n="23" edRef="#source_2"/>
<pb n="18"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="1"/>وأما العدد فالشبهة فيه آكد، ويشبه فى ظاهر النظر أن يكون علم العدد هو
<lb n="2"/> علم «ما بعد الطبيعة». إلا أن يكون علم «ما بعد الطبيعة» إنما يعنى به شىء آخر، وهو
<lb n="3"/> علم «ما هو مباين» من كل الوجوه للطبيعة، فيكون قد سُمِّى هذا العلم بأشرف ما فيه.
<lb n="4"/> كما يُسمَّى هذا العلم بالعلم الإلهى أيضا، لأن المعرفة بالله تعالى هى غاية هذا العلم. وكثيرا
<lb n="5"/> ما تسمى الأشياء من جهة المعنى الأشرف، والجزء الأشرف، والجزء الذى هو كالغاية.
<lb n="6"/> فيكون كأن هذا العلم هو العلم الذى كماله، وأشرف اجزائه، ومقصوده الأول، هو معرنة
<lb n="7"/> ما يفارق الطبيعة من كل وجه. وحينئذ إذا كانت التسمية موضوعة بإزاء هذا المعنى لا
<lb n="8"/> يكون لعلم العدد مشاركة له فى معنى هذا الإسم، فهذا هذا. </p>
<p n="17">
<lb n="9"/>ولكن البيان المحقق لكون علم الحساب خارجا عن علم «ما بعد الطبيعة»
<lb n="10"/> هو أنه سيظهر لك أن موضوعه ليس هو العدد كل كل وجه، فإن العدد قد يوجد فى
<lb n="11"/> الأمور المفارقة، وقد يوجد فى الأمور الطبيعية، وقد يعرض له وضع فى الوهم مجردًا عن
<lb n="12"/>
<choice>
<sic>كل شىء</sic>
<corr>شىء<note>according to Bertolacci 2006, 491</note></corr>
</choice> وهو عارض له. وإن كان لا يمكن أن يكون العدد موجودًا، إلا عارضًا لشىء
<lb n="13"/> فى الوجود. فما كان من العدد وجوده فى الأمور المفارقة، امتنع أن يكون موضوعا لأية
<lb n="14"/> نسبة اتفقت من الزيادة و<choice>
<sic>اليقصان</sic>
<corr>النقصان<note>see fn. and Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice>، بل إنما يثبت على ما هو عليه فقط، بل إنما <choice>
<sic>يجب</sic>
<corr>يجوز<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice>
<lb n="15"/> أن يوضع بحيث يكون قابلًا لأى زيادة اتفقت، ولأى نسبة اتفقت إذا كان فى هيولى
<lb n="16"/> الأجسام التى هى بالقوة كل نحو من المعدودات، أو كان فى الوهم؛ وفى الحالين جميعا
<lb n="17"/> هو غير مفارق
<pb n="24" edRef="#source_2"/> للطبيعة. </p>
<p n="18">
<lb n="18"/>فإذن علم الحساب من حيث ينظر فى العدد إنما ينظر فيه وقد حصل له
<lb n="19"/> الاعتبار الذى <choice><sic>أنما</sic><corr>إنما</corr></choice> يكون له عند كونه فى الطبيعة، ويشبه أن يكون أول نظره فيه هو فى
<pb n="19"/>
<lb n="1"/> الوهم، ويكون إنما هو فى الوهم بهذه الصفة، لأنه وهم له مأخوذ من أحوال طبيعية لها أن
<lb n="2"/> تجتمع وتفترق وتتحدد وتنقسم. </p>
<p n="19">
<lb n="3"/>فالحساب ليس نظرا فى ذات العدد، ولا نظرا فى عوارض العدد من حيث
<lb n="4"/> هو عدد مطلقا؛ بل هو فى عوارضه من حيث هو يصير بحال تقبل ما أشير إليه، وهو حينئذ
<lb n="5"/> مادى أو وهمى إنسانى يستند إلى المادة. </p>
<p n="20">
<lb n="6"/>وأما النظر فى ذات العدد، وفيما يعرض له من حيث لا يتعلق بالمادة ولا
<lb n="7"/> يستند إليها، فهو لهذا العلم.
<pb n="25" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="8"/> [الفصل الرابع]
<lb n="9"/>
<num>د</num>فصل
<lb n="10"/> فى جملة ما يتكلم فيه فى هذا العلم </head>
<p n="1">
<lb n="11"/>فينبغى لنا فى هذه الصناعة أن نعرف حال نسبة الشىء والموجود إلى
<lb n="12"/> المقولات؛ وحال العدم؛ وحال الوجوب، <choice>
<sic>أى</sic>
<corr>فى<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> الوجود الضرورى وشرائطه؛ وحال الإمكان
<lb n="13"/> وحقيقته، وهو بعينه النظر فى القوة والفعل؛ وأن ننظر فى حال الذى بالذات والذى
<lb n="14"/> بالعرض؛ وفى الحق والباطل؛ وفى حال الجوهر، وكم أقسام هو، لأنه ليس يحتاج الموجود
<lb n="15"/> فى أن يكون جوهرا موجودا إلى أن يصير طبيعيا أو تعليميا، فإن ههنا جواهر خارجة
<lb n="16"/> عنهما. فيجب أن نعرف حال الجوهر الذى هو كالهيولى، وأنه كيف هو، وهل هو مفارق
<lb n="17"/> أو غير مفارق، ومتفق النوع أو مختلف، وما نسبته إلى الصورة، أن الجوهر الصورى
<pb n="20"/>
<lb n="1"/> كيف هو، وهل هو أيضًا <choice>
<sic>مفارقٍ</sic>
<corr>مفارقٌ<note>see fn. and Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> أو ليس بمفارق، وما حال المركب، وكيف حال كلّ
<lb n="2"/> واحد منهما عند الحدود، وكيف مناسبة ما بين الحدود والمحدودات. </p>
<p n="2">
<lb n="3"/>ولأن مقابل الجوهر بنوع ما هو العرض، فينبغى أن نتعرف فى هذا العلم طبيعة
<lb n="4"/> العرض، وأصنافه، وكيفية الحدود التى تحد بها الأعراض، ونتعرف حال مقولة مقولة
<lb n="5"/> من الأعراض، وما أمكن فيه أن يظن أنه جوهر وليس
<pb n="26" edRef="#source_2"/> بجوهرٍ، فنبيّن عرضيته،
<lb n="6"/> ونعرف مراتب الجواهر كلها بعضها عن بعض فى الوجود بحسب التقدم والتأخر، ونعرف
<lb n="7"/> كذلك حال الأعراض. </p>
<p n="3">
<lb n="8"/>ويليق بهذا الموضوع أن نتعرف حال الكلّى والجزئى؛ والكلّ والجزء؛
<lb n="9"/> وكيف وجود الطبائع الكلية، وهل لهاوجود فى الأعيان الجزئية؛ وكيف وجودها
<lb n="10"/>فى النفس، وهل لها وجود مفارق للأعيان والنفس. وهنالك نتعرف حال الجنس والنوع، 
<lb n="11"/> وما يجرى مجراهما. </p>
<p n="4">
<lb n="12"/>ولأن الموجود لا يحتاج فى كونه علة أو معلولا إلى أن يكون طبيعيًا أو تعليميًا
<lb n="13"/> أو غير ذلك، فبالحرى أن نتبع ذلك الكلام فى العلل، وأجناسها، وأحوالها، وأنها كيف
<lb n="14"/> ينبغى أن تكون الحال بينها وبين المعلولات، وفى تعريف الفرقان بين المبدأ الفاعلى وبين
<lb n="15"/> غيره، وأن نتكلم فى الفعل والإنفعال، وفى تعريف الفرقان بين الصورة والغاية، واثبات كل
<lb n="16"/> واحد منهما، وأنهما فى كل طبقة يذهب إلى علّةٍ أولى. </p>
<p n="5">
<lb n="17"/> ونبين الكلام فى المبدأ والابتداء، ثم الكلام فى التقدم والتأخر والحدوث،
<lb n="18"/> وأصناف ذلك، وأنواعه، وخصوصية كل نوع منه، وما يكون متقدما فى الطبيعة ومتقدما
<pb n="21"/>
<lb n="1"/> عند العقل، وتحقيق الأشياء المتقدمة عند العقل، ووجه مخاطبة من أنكرها، فما كان فيه
<lb n="2"/> من هذه الأشياء رأى مشهور مخالف للحق نقضناه. </p>
<p n="6">
<lb n="3"/>فهذه وما يجرى مجراها لواحق الوجود بما هو وجود، ولأن الواحد مساوق
<lb n="4"/> للوجود فيلزمنا أن ننظر أيضا فى الواحد، وإذا نظرنا فى الواحد وجب أن ننظر فى
<lb n="5"/> الكثير، ونعرف التقابل بينهما.
<pb n="27" edRef="#source_2"/>وهناك يجب أن ننظر فى العدد، وما نسبته
<lb n="6"/> إلى الموجودات، وما نسبة الكم المتصل، الذى يقابله بوجه ما، إلى الموجودات، ونعد
<lb n="7"/> الآراء الباطلة كلها فيه، ونعرّف أنه ليس شىء من ذلك مفارقًا ولا مبدأ للموجودات،
<lb n="8"/> ونثبت العوارض التى تعرض للأعداد، والكميات المتصلة، مثل الأشكال وغيرها. ومن
<lb n="9"/> توابع الواحد: الشبيه، والمساوى، والموافق، والمجانس، والمشاكل، والمماثل، والهو هو.
<lb n="10"/> فيجب أن نتكلم فى كل واحد من هذه ومقابلاتها، وأنها مناسبة للكثرة مثل الغير الشبيه،
<lb n="11"/> وغير المساوى، وغير المجانس، وغير المشاكل، والغير بالجملة، والخلاف، والتقابل،
<lb n="12"/> وأصنافها، والتضاد بالحقيقة، وماهيته. </p>
<p n="7">
<lb n="13"/>ثم بعد ذلك ننتقل إلى مبادئ الموجودات فنثبت المبدأ الأول وأنه واحد حق
<lb n="14"/> فى غاية الجلالة، ونعرّف أنه من كم وجه «واحد»، ومن كم وجه «حق»، وأنه كيف
<lb n="15"/> يعلم كل شىء، وكيف هو قادر على كل شىء، وما معنى أنه يعلم وأنه يقدر، وأنه جواد،
<lb n="16"/> وأنه سلام أى خير محض، معشوق لذاته، وهو اللذيذ الحق، وعنده الجمال الحق، ونَفْسَخ
<lb n="17"/> ما قيل وظُنَّ فيه من الآراء المضادة للحق. </p>
<p n="8">
<lb n="18"/>ثم نبيّن كيف نسبته إلى الموجودات عنه، وما أول الأشياء التى توجد عنه.
<lb n="19"/> ثم كيف تترتب عنه الموجودات مبتدئة من الجواهر الملكية العقلية، ثم الجواهر الملكية
<pb n="22"/>
<lb n="1"/> النفسانية، ثم الجواهر الفلكية السماوية، ثم هذه العناصر، ثم المكونات عنها، ثم الإنسان.
<lb n="2"/> وكيف تعود إليه هذه الأشياء، وكيف هو مبدأ
<pb n="28" edRef="#source_2"/>لها فاعلى، وكيف هو مبدأ لها
<lb n="3"/> كمالى، وماذا تكون حال النفس الإنسانية إذا انقطعت العلاقة بينها وبين الطبيعة، وأى
<lb n="4"/> مرتبة تكون مرتبة وجودها. وندل فيما بين ذلك على جلالة قدر النبوة، ووجوب طاعتها،
<lb n="5"/> وأنها واجبة من عند الله، وعلى الأخلاق والأعمال التى تحتاج إليها النفوس الإنسانية مع
<lb n="6"/> الحكمة فى أن يكون لها السعادة الأخروية. ونعرف أصناف السعادات. </p>
<p n="9">
<lb n="7"/>فإذا بلغنا هذا المبلغ ختمنا كتابنا هذا، والله المستعان به على ذلك.
<pb n="29" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="8"/> [الفصل الخامس]
<lb n="9"/><num>ه</num>فصل
<lb n="10"/> فى الدلالة على الموجود والشىء وأقسامها الأُوَل، بما يكون فيه تنبيه على الغرض </head>
<p n="1">
<lb n="11"/>فنقول: إن الموجود، والشىء، والضرورى، معانيها ترتسم فى النفس ارتسامًا
<lb n="12"/> أوليًا، ليس ذلك الارتسام مما يُحتاج إلى أن يُجلب بإشياء أعرف منها. فإنه كما أن فى باب
<lb n="13"/> التصديق مبادئ أولية، يقع التصديق لها لذاتها، ويكون التصديق بغيرها، بسببها، وإذا لم
<lb n="14"/>
<choice>
<sic>يخطر</sic>
<corr>تخطر<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> بالبال أو لم يفهم اللفظ الدال عليها، لم يمكن التوصل إلى معرفة ما يعرف بها، وإن
<lb n="15"/> لم يكن التعريف الذى يحاول أخطارها بالبال أو تفهيم ما يدل به عليها من الألفاظ محاولًا
<lb n="16"/> لإفادة علم ليس فى الغريزة؛ بل مُنَبِّهًا على تفهيم ما يريده القائل ويذهب اليه؛ وربما كان ذلك
<lb n="17"/> بأشياء هى فى <choice>
<sic>نفسها</sic>
<corr>أنفسها<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> أخفى من المراد تعريفه، لكنها لعلة ما وعبارة ما صارت أعرف.
<pb n="23"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>كذلك فى التصورات أشياء هى مبادئ للتصور، وهى متصورة لذواتها، وإذا
<lb n="2"/> أريد أن يدل عليها لم يكن ذلك بالحقيقة تعريفا لمجهول؛ بل تنبيهًا وإخطارًا بالبال، بأسمٍ أو
<lb n="3"/> بعلامةٍ، ربما كانت فى نفسها أخفى منه، لكنها لعلة ما وحال ما تكون أظهر دلالة. </p>
<p n="3">
<lb n="4"/>فإذا استعملت تلك العلامة تنبهت النفس على إخطار ذلك المعنى بالبال، من
<lb n="5"/> حيث أنه هو المراد لا غيره، من غير أن تكون العلامة بالحقيقة معلمة
<pb n="30" edRef="#source_2"/> إياه. </p>
<p n="4">
<lb n="6"/>ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر فى ذلك إلى
<lb n="7"/> غير النهاية، أو لَدارَ. </p>
<p n="5">
<lb n="8"/>وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها،
<lb n="9"/> كالموجود، والشىء <choice>
<sic>الواحد</sic>
<corr>والواحد<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> وغيره. ولهذا ليس يمكن أن يبيّن شىء منها بِبَيان لا دور فيه
<lb n="10"/> البتة، أو بيان شىءٍ أعرف منها. ولذلك من حاول أن <choice>
<sic>يقوم</sic>
<corr>يقول<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> فيها شيئًا وقع فى إضطراب،
<lb n="11"/> كمن يقول: إن من الحقيقة الموجود أن يكون فاعلًا أو منفعلًا؛ وهذا إن كان ولا بد فمن
<lb n="12"/> أقسام الموجود، والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل. وجمهور الناس يتصوّرون حقيقة
<lb n="13"/> الموجود ولا يعرفون البتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا، وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح
<lb n="14"/> لى ذلك إلا بقياس لا غير، فكيف يكون حال من يروم أن يعرّف حال الشىء الظاهر بصفة
<lb n="15"/> له، تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له؟ </p>
<p n="6">
<lb n="16"/>وكذلك قول من قال: إن الشىء هو الذى يصح عنه الخبر، فإن «يصح» أخفى
<lb n="17"/> من «الشىء» و «الخبر» أخفى من «الشىء»، فكيف يكون هذا تعريفًا للشىء؟ وإنما
<lb n="18"/> تعرف الصحة ويعرف الخبر بعد أن يستعمل فى بيان كل واحد منهما أنه «شىء» أو أنه
<lb n="19"/> «أمر» أو أنه «ما» أو أنه «الذي»، وجميع ذلك كالمرادفات لأسم الشىء.
<pb n="24"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="1"/>فكيف يصح أن يعرف الشىء تعريفا حقيقيا بما لم يعرف إلا به؟ نعم، ربما كان
<lb n="2"/> فى ذلك أو أمثاله تنبيه ما. وأما بالحقيقة فإنك إذا قلت إن الشىء هو ما يصح الخبر عنه،
<lb n="3"/> تكون كأنك قلت: إن الشىء هو الشىء الذى يصح الخبر عنه، لأن معنى «ما» و«الذي»
<lb n="4"/> و«الشىء» معنى واحد، فتكون قد أخذت الشىء فى حد الشىء.
<pb n="31" edRef="#source_2"/>على أنا لا
<lb n="5"/> ننكر أن يقع بهذا أو ما يشبهه، مع فساد مأخذه، تنبيه بوجه ما على الشىء. </p>
<p n="8">
<lb n="6"/>ونقول: إن معنى <choice>
<sic>الوجود</sic>
<corr>الموجود<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> ومعنى الشىء متصوران فى الأنفس، وهما معنيان.
<lb n="7"/> [والموجود] والمثبت والمحصل أسماء مترادفة على معنى واحد، ولا نشك فى أن معناها
<lb n="8"/> قد حصل فى نفس من يقرأ هذا الكتاب. </p>
<p n="9">
<lb n="9"/>والشىء وما يقوم مقامه قد يدل به على معنى آخر فى اللغات كلها، فإن لكل
<lb n="10"/> أمر حقيقة هو بها ما هو، فالمثلث حقيقة أنه مثلث، وللبياض حقيقة أنه بياض، وذلك
<lb n="11"/> هو الذى ربما سميناه الوجود الخاص، ولم نرد به معنى الوجود الإثباتى. فإن لفظ الوجود
<lb n="12"/> يدل به أيضا على معانى كثيرة، منها الحقيقة التى عليها الشىء، فكأنه ما عليه يكون
<lb n="13"/> الوجود الخاص للشىء. </p>
<p n="10">
<lb n="14"/>ونرجع فنقول: إنه من البين أن لكل شىء حقيقة خاصة هى ماهيته، ومعلوم
<lb n="15"/> أن حقيقة كل شىء الخاصة به غير الوجود الذى يرادف الإثبات. </p>
<p n="11">
<lb n="16"/>وذلك لأنك إذا قلت: حقيقة كذا موجودة إما فى الأعيان، أو فى الأنفس،
<lb n="17"/> أو مطلقا <choice>
<sic>يعمها</sic>
<corr>يعمهما<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice> جميعا، كان لهذا معنى محصل مفهوم. ولوقلت: إن حقيقة كذا، حقيقة
<lb n="18"/> كذا، أو أن حقيقة كذا حقيقة، لكان حشوا من الكلام غير مفيد. ولو قلت: إن حقيقة
<lb n="19"/> كذا شىء، لكان أيضا قولًا غير مفيد ما يجهل؛ واقل إفادة منه أن تقول: إن الحقيقة
<pb n="25"/>
<lb n="1"/> شىء، إلا أن يعنى بالشىء، الموجود، كأنك قلت: إن حقيقة كذا حقيقة موجودة. وأما
<lb n="2"/> إذا قلت: حقيقة آ شىء ما، و حقيقة ب شىء آخر، فإنما صح هذا وأفاد لأنك تضمر
<lb n="3"/> فى نفسك أنه شىء آخر مخصوص مخالف
<pb n="32" edRef="#source_2"/> لذلك الشىء الآخر، كما لو قلت:
<lb n="4"/> إن حقيقة أ وحقيقة بَ حقيقة أخرى. ولولا هذا الإضمار وهذا الإقتران جميعا لم يفد،
<lb n="5"/> فالشىءئ يراد به هذا المعنى. ولا يفارق لزوم معنى الوجود إياه البتة، بل معنى <choice>
<sic>الوجود</sic>
<corr>الموجود<note>according to Bertolacci 2006, 492</note></corr>
</choice>
<lb n="6"/> يلزمه دائما، لأنه إما موجودًا فى الأعيان، أو موجودا فى الوهم والعقل، فإن لم
<lb n="7"/> يكن كذا لم يكن شيئا. </p>
<p n="12">
<lb n="8"/>وأن ما يقال: إن الشىء هو الذى يخبر عنه، حق؛ ثم الذى يقال، مع هذا،
<lb n="9"/> إن الشىء قد يكون معدوما على الإطلاق، أمر يجب أن ينظر فيه. فإن عنى بالمعدوم
<lb n="10"/> المعدوم فى الأعيان، جاز أن يكون كذلك، فيجوز أن يكون الشىء ثابتا فى الذهن معدوما
<lb n="11"/> فى الأشياء الخارجة. وإن عنى غير ذلك كان باطلا، ولم يكن عنه خبر البتة، ولا كان
<lb n="12"/> معلومًا إلا على أنه متصور فى النفس فقط. فأما أن يكون متصَوَّرًا فى النفس صورة تشير
<lb n="13"/> إلى شىء خارج فكلاّ. </p>
<p n="13">
<lb n="14"/>أما الخبر، فلأن الخبر يكون دائمًا عن شىءٍ متحقّق فى الذهن. والمعدوم
<lb n="15"/> المطلق لا يخبر عنه بالإيجاب، وإذا أخبر عنه بالسلب أيضا فقد جعل له وجود بوجه ما
<lb n="16"/> فى الذهن. لأن قولنا: «هو»، يتضمن إشارة، والإشارة إلى المعدوم ــ الذى لا صورة
<lb n="17"/> له بوجه من الوجوه فى الذهن ــ محال. فكيف يوجب على المعدوم شىء، ومعنى
<lb n="18"/> قولنا: إن المعدوم «كذا»، معناه أن وصف «كذا» حاصل للمعدوم، ولافرق بين الحاصل
<lb n="19"/> والموجود؟ فنكون كأنا قلنا: إن هذا الوصف
<pb n="33" edRef="#source_2"/>موجود للمعدوم. بل نقول:
<pb n="26"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="1"/>إنه لا يخلو أن ما يوصف به المعدوم ويحمل عليه إما أن يكون موجودا
<lb n="2"/> وحاصلا للمعدوم أو لا يكون موجودًا حاصلًا له؛ فإن كان موجودا وحاصلا للمعدوم،
<lb n="3"/> فلا يخلو إما أن يكون فى نفسه موجودا أو معدوما، فإن كان موجودا فيكون للمعدوم
<lb n="4"/> صفة موجودة، وإذا كانت الصفة موجودة، فالموصوف بها موجود لا محالة، فالمعدوم
<lb n="5"/> موجود، وهذا محال؛ وإن كانت الصفة معدومة، فكيف يكون المعدوم فى نفسه موجودا
<lb n="6"/> لشىء؟ فإن ما لا يكون موجودا فى نفسه، يستحيل أنيكون موجودا للشىء. نعم قد
<lb n="7"/> يكون الشىء موجودًا فى نفسه ولا يكون موجودا لشىء آخر. </p>
<p n="15">
<lb n="8"/>فأما إن لم تكن الصفة موجودة للمعدوم فهى نفى الصفة عن المعدوم، فإنه إن
<lb n="9"/> لم يكن هذا هو النفى للصفة عن المعدوم، فإذا نفينا الصفة عن المعدوم، كان مقابل هذا،
<lb n="10"/> فكان وجود الصفة له؛ وهذا كله باطل. </p>
<p n="16">
<lb n="11"/>وإنما نقول: إن لنا علمًا بالمعدوم، فلأن المعنى إذا تحصل فى النفس فقط ولم
<lb n="12"/> يُشر فيه إلى خارج، كان المعلوم نفس ما فى النفس فقط، والتصديق الواقع بين المتصور من
<lb n="13"/> جزئيه هو أنه جائز فى طباع هذا المعلوم وقوع نسبة له معقولة إلى خارج، وأما فى هذا
<lb n="14"/> الوقت فلا نسبة له، فلا معلوم غيره. </p>
<p n="17">
<lb n="15"/>وعند القوم الذين يرون هذا الرأى، أن فى جملة ما يخبر عنه ويعلم أمورًا
<lb n="16"/> لا شيئية لها فى العدم، ومن شاء أن يقف على ذلك فليرجع إلى ما هذوا به من أقاويلهم
<lb n="17"/> التى لا تستحق فضل الاشتغال بها.
<pb n="34" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="18">
<lb n="18"/>وإنما وقع اولئك فيما وقعوا فيه بسبب جهلهم بأن الإخبار إنما يكون عن
<lb n="19"/> معانٍ لها وجود فى النفس، وإن كانت معدومة فى الأعيان، ويكون معنى الإخبار عنها
<pb n="27"/>
<lb n="1"/> أنلها نسبة ما إلى الأعيان. مثلا إن قلت: إن القيامة «تكون» فَهِمْت القيامة وفَهِمْت
<lb n="2"/> «تكون»، وحملت «تكون» التى فى النفس، على القيامة التى فى النفس، بأن هذا
<lb n="3"/> المعنى إنما يصح فى معنى آخر معقول أيضا، وهو معقول فى وقت مستقبل، أن يوصف
<lb n="4"/> بمعنى ثالث معقول، وهو معقول الوجود. وعلى هذا القياس الأمر فى الماضى. فبين أن
<lb n="5"/> المخبر عنه لا بد من أن يكون موجودًا وجودا ما فى النفس. والإخبار فى الحقيقة<choice>
<sic>فى الحقيقة</sic>
<corr>بالحقيقة<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> هو عن
<lb n="6"/> الموجود فى النفس، وبالعرض عن الموجود فى الخارج. </p>
<p n="19">
<lb n="7"/>وقد فهمت الآن أن الشىء بماذا يخالف المفهوم للموجود والحاصل، وأنهما
<lb n="8"/> مع ذلك متلازمان. </p>
<p n="20">
<lb n="9"/>وعلى أنه قد بلغنى أن قومًا يقولون: أن الحاصل يكون حاصلا، وليس
<lb n="10"/> بموجود، وقد تكون صفة الشىء ليس شيئا لا موجودا ولا معدوما، وأن «الذي»
<lb n="11"/> و»ما» يدلان على غير ما يدل عليه الشىء. فهؤلاء ليسوا من جملة المميِّزين. وإذا أخذوا
<lb n="12"/> بالتمييز بين هذه الألفاظ من حيث مفهوماتها إنكشفوا. </p>
<p n="21">
<lb n="13"/>فنقول الآن: إنه وإن لم يكن الموجود، كما علمت، جنسًا، ولا مقولًا
<lb n="14"/> بالتساوى على ما تحته، فإنه معنى متفق فيه على التقديم والتأخير. وأول ما يكون، يكون
<lb n="15"/> للماهية التى هى الجوهر ثم يكون لما بعده. وإذ هو معنى واحد
<pb n="35" edRef="#source_2"/>على النحو الذى
<lb n="16"/> أومأنا إليه فتلحقه عوارض تخصه، كما قد بينا من قبل. فلذلك يكون له علم واحد يتكفل
<lb n="17"/> به. كما أن لجميع ما هو صحى علما واحدا. </p>
<p n="22">
<lb n="18"/>وقد يعسُر علينا أن نعرّف حال الواجب والممكن والممتنع بالتعريف المحقق
<lb n="19"/> أيضا؛ بل بوجه العلامة. وجميع ما قيل فى تعريف هذه مما بلغك عن الأولين قد يكاد يقتضى
<pb n="28"/>
<lb n="1"/> دورا. وذلك لأنهم، على ما مر لك فى فنون المنطق، إذا أرادوا أن يحدوا الممكن، أخذوا
<lb n="2"/> فى حده إما الضرورى وإما المحال ولا وجه غير ذلك. وإذا أرادوا أن يحدوا الضرورى،
<lb n="3"/> أخذوا فى حده إما الممكن وإما المحال. وإذا أرادوا أن يحدوا المحال أخذوا فى حده إما
<lb n="4"/> الضرورى وإما الممكن. مثلًا إذا حدوا الممكن قالوا مرة، إنه غير الضرورى أو أنه المعدوم
<lb n="5"/> فى الحال الذى ليس وجوده، فى أى وقت فُرض من المستقبل، بمحال. ثم إذا احتاجوا إلى
<lb n="6"/> أن يحدوا الضرورى قالوا: إما أنه الذى لا يمكن أن يفرض معدوما، أو إنه الذى إذا فرض
<lb n="7"/> بخلاف ما هو عليه كان محالا. فقد أخذوا الممكن تارة فى حده، والمحال أخرى. وأما
<lb n="8"/> الممكن فقد كانوا أخذوا، قبل، فى حده إما الضرورى وإما المحال. ثم المحال، إذا ارادوا أن
<lb n="9"/> يحدوه، أخذوا فى حده إما الضرورى بأن يقولوا: إن المحال هو ضرورى العدم؛ وإما الممكن
<lb n="10"/> بأن يقولوا: إنه الذى لا يمكن أن يوجد؛ أو لفظًا آخر يذهب مذهب هذين. </p>
<p n="23">
<lb n="11"/>وكذلك ما يقال من أن الممتنع هو الذى لا يمكن أن يكون، أو هو الذى يجب
<lb n="12"/> أن لا يكون. والواجب هو الذى هو ممتنع ومحال أن لا يكون، أو ليس
<pb n="36" edRef="#source_2"/> بممكن أن
<lb n="13"/> لا يكون. والممكن هوالذى ليس يمتنع أن يكون أو لا يكون، أو الذى ليس بواجب أن
<lb n="14"/> يكون وأن لا يكون. وهذا كله كما تراه دور ظاهر. وأما كشف الحال فى ذلك فقد مرّ
<lb n="15"/> لك فى أنولوطيقا. </p>
<p n="24">
<lb n="16"/>على أن أوْلى هذه الثلاثة فى أنيتصور أولا، هو الواجب. وذلك لأن
<lb n="17"/> الواجب يدل على تأكد الوجود، والوجود أعرف من العدم، لأن الوجود يعرف بذاته،
<lb n="18"/> والعدم يعرف، بوجه ما من الوجوه، بالوجود. </p>
<p n="25">
<lb n="19"/>ومن <choice>
<sic>تفهمنا</sic>
<corr>تفهيمنا<note>see fn. and Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> هذه الأشياء يتضح لك بطلان قول من يقول: إن المعدوم يعاد
<lb n="20"/> لأنه أول شىء مخبر عنه بالوجود. وذلك أن المعدوم إذا أعيد يجب أن يكون بينه وبين ما
<pb n="29"/>
<lb n="1"/> هو مثله، لو وجد بدله، فرق. فإن كان مثله إنما ليس هو لأنه ليس الذى كان عدم، وفى
<lb n="2"/> حال العدم كان هذا غير ذلك. </p>
<p n="26">
<lb n="3"/>فقد صار المعدوم موجودا على النحو الذى أو مأنا إليه فيما سلف آنفا.
<lb n="4"/> وعلى أن المعدوم إذا أعيد احتيج أن تعاد جميع الخواص التى كان بها هو ما هو. ومن
<lb n="5"/> خواصه وقته، وإذا أعيد وقته كان المعدوم غير معاد، لأن المعاد هو الذى يوجد فى وقت
<lb n="6"/> ثان. فإن كان المعدوم تجوز إعادته وإعادة جملة المعلومات التى كانت معه، والوقت إما
<lb n="7"/> شىء له حقيقة وجود قد عدم، أو موافقة موجود لعرض من الأعراض، على ما عرف
<lb n="8"/> من مذاهبهم، جاز أن يعود الوقت والأحوال، فلا يكون وقت ووقت، فلا يكون عود. </p>
<p n="27">
<lb n="9"/>على أن العقل يدفع هذا دفعًا لا يحتاج فيه إلى بيان، وكل ما يقال فيه فهو
<lb n="10"/> خروج عن طريق التعليم.
<pb n="37" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="11"/> [الفصل السادس]
<lb n="12"/><num>و</num>فصل
<lb n="13"/>فى ابتداء القول فى الواجب الوجود، والممكن الوجود،
<lb n="14"/> وأن الواجب الوجود لا علة له، وأن الممكن الوجود معلول،
<lb n="15"/> وأن الواجب الوجود غير مكافئ لغيره فى الوجود، ولا متعلق بغيره فيه </head>
<p n="1">
<lb n="16"/>ونعود إلى ما كنا فيه فنقول: إن لكل واحد من الواجب الوجود، والممكن
<lb n="17"/> الوجود، خواص. فنقول: إن الأمور التى تدخل فى الوجود تحتمل فى العقل الإنقسام إلى
<pb n="30"/>
<lb n="1"/> قسمين، فيكون منها ما إذا اعتبر بذاته لم يجب وجوده، وظاهر أنه لا يمتنع أيضا وجوده،
<lb n="2"/> وإلا لم يدخل فى الوجود، وهذا الشىء هو فى حيّز الإمكان، ويكون منها ما إذا اعتبر
<lb n="3"/> بذاته وجب وجوده. </p>
<p n="2">
<lb n="4"/>فنقول: إن الواجب الوجود بذاته لا علة له، وإن الممكن الوجود بذاته له علة،
<lb n="5"/> وإن الواجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته، وإن الواجب الوجود لا يمكن
<lb n="6"/> أن يكون وجوده مكافئا لوجود آخر، فيكمون كل واحد منهما مساويا للآخر فى وجوب
<lb n="7"/> الوجود ويتلازمان. وأن الواجب الوجود لا يجوز أنيجتمع وجوده عن كثرة البتة. وأن
<lb n="8"/> الواجب الوجود لا يجوز أن تكون الحقيقة التى له مشتركا فيها بوجه من الوجوه، حتى
<lb n="9"/> يلزم تصحيحنا ذلك أن يكون واجب الوجود غير مضاف، ولا متغير، ولا متكثر،
<lb n="10"/> ولا مشارك فى وجوده الذى يخصه.
<pb n="38" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="11"/>أما الواجب الوجود لا علة له، فظاهر. لأنه إن كان لواجب الوجود علة
<lb n="12"/> فى وجوده، كان وجوده بها. وكل ما وجوده بشىء، فإذا اعتبر بذاته دون غيره لم يجب
<lb n="13"/> له وجود، وكل ما إذا اعتبر بذاته دون غيره، ولم<choice>
<sic>ولم</sic>
<corr>لم<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> يجب له وجود، فليس واجب الوجود
<lb n="14"/> بذاته. فبين أنه إن كان لواجب الوجود بذاته علة لم يكن واجب الوجود بذاته، فقد ظهر
<lb n="15"/> أن الواجب الوجود لا علة له. وظهر من ذلك أنه لا يجوز أن يكون شىء واجب الوجود
<lb n="16"/> بذاته، وواجب الوجود بغيره، لأنه إن كان يجب وجوده بغيره، فلا يجوز أن يوجد دون
<lb n="17"/> غيره، <choice>
<sic>وكلما</sic>
<corr>وكل ما<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> لا يجوز أن يوجد دون غيره، فيستحيل وجوده واجبا بذاته. ولو وجب
<lb n="18"/> بذاته، لحصل. ولا تأثير لإيجاب الغير فى وجوده <choice>
<sic>الذى</sic>
<corr>والذى<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> يؤثر غيره فى وجوده؛ فلا يكون
<lb n="19"/> واجبا وجوده فى ذاته.
<pb n="31"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="1"/>وأيضا أن كل ما هو ممكن الوجود باعتبار ذاته، فوجوده وعدمه كلاهما بعلة،
<lb n="2"/> لأنه غذا وجد فقد حصل له الوجود متميزًا من العدم، وإذا عدم حصل له العدم متميزًا من
<lb n="3"/> الوجود. فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من الأمرين يحصل له عن غيره أو لا عن غيره،
<lb n="4"/> فإن كان عن غيره فالغير هو العلة؛ وإن كان لا يحصل عن غيره. </p>
<p n="5">
<lb n="5"/><choice>
<sic>ومن</sic>
<corr>فمن<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> البين أن كل ما لم يوجد ثم وجد فقد تخصص بأمر جائز غيره. وكذلك
<lb n="6"/> فى العدم، وذلك لأن هذا التخصيص إما تكفى فيه ماهية الأمر أو لا تكفى فيه <choice>
<sic>ماهية</sic>
<corr>ماهيته<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice>
<lb n="7"/> فإن كانت ماهيته تكفى لأى الأمرين كان، حتى يكون
<pb n="39" edRef="#source_2"/> حاصلًا، فيكون ذلك الأمر
<lb n="8"/><choice>
<sic>واجب الماهية</sic>
<corr>واجبًا لماهيته<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> لذاته، وقد فرض غير واجب؛ هذا خلف. وإن كان لا يكفى فيه وجود
<lb n="9"/> ماهيته، بل أمر يضاف إليه وجود ذاته، فيكون وجوده لوجود شىء آخر غير ذاته لا بد
<lb n="10"/> منه، فهو علته، فله علة. وبالجملة فإنما يصير أحد الأمرين واجبا له، لا لذاته، بل لعلة.
<lb n="11"/> أما المعنى الوجودى فبعلةٍ، هى علة وجودية. وأما المعنى العدمى فبعلةٍ، هى عدم العلة
<lb n="12"/> للمعنى الوجودى، وعلى ما علمت. </p>
<p n="6">
<lb n="13"/>فنقول: إنه يجب أن يصير واجبًا بالعلة، وبالقياس إليها. فإنه إن لم يكن
<lb n="14"/> واجبا، كان عند وجود العلة وبالقياس إليها ممكنًا أيضا، فكان يجوز أن يوجد وأن لا
<lb n="15"/> يوجد غير متخصص باحد الأمرين، وهذا محتاج من رأس إلى وجود شىء ثالث يتعين
<lb n="16"/> له به الوجود من العدم، أو العدم عن الوجود عند وجود العلة، فيكون ذلك علة أخرى،
<lb n="17"/> ويتمادى الكلام إلى غير النهاية. وإذا تمادى إلى غير النهاية لم يكن، مع ذلك، قد تخصص
<lb n="18"/> له وجوده، فلا يكون قد حصل له وجود، وهذا محال، لا لأنه ذاهب إلى غير النهاية
<pb n="32"/>
<lb n="1"/> فى العلل فقط، فإن هذا فى هذا الموضع <choice>
<sic>بُعْدٌ</sic>
<corr>بَعْدُ<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> مشكوك فى إحالته، بل لأنه لم يوجد <choice>
<sic>بُعْدٌ</sic>
<corr>بَعْدُ<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice>
<lb n="2"/> ما به يتخصص به وقد فرض موجودًا. فقد صح أن كل ما هو ممكن الوجود لا يوجد ما لم
<lb n="3"/> يجب بالقياس إلى علته. </p>
<p n="7">
<lb n="4"/>ونقول: ولا يجوز أن يكون واجب الوجود مكافئا لواجب وجود آخر، حتى
<lb n="5"/> يكون هذا موجودًا مع ذلك، وذلك موجودًا مع هذا، وليس أحدهما
<pb n="40" edRef="#source_2"/>علة للآخر،
<lb n="6"/> بل هما متكافئان فى أمر لزوم الوجود. لأنه لا يخلو إذا اعتبر ذات أحدهما بذاته دون
<lb n="7"/> الآخر، إما أن يكون واجبا بذاته أو لا يكون واجبا بذاته. </p>
<p n="8">
<lb n="8"/>فإن كان واجبا بذاته فلا يخلو إما أن يكون له وجوب أيضا باعتباره مع
<lb n="9"/> الثانى، فيكون الشىء واجب <choice>
<sic>الوجوب</sic>
<corr>الوجود<note>see fn. and Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> بذاته، وواجب الوجود لأجل غيره، وهذا
<lb n="10"/> محال، كما قد مضى. وإما أن لا يكون له وجوب بالآخر، فلا يجب أن يتبع وجوده
<lb n="11"/> وجود الآخر، ويلزمه <choice>
<sic>أن</sic>
<corr>بل<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> لا يكون لوجوده علاقة بالآخر، حتى يكون إنّما يوجد إذا
<lb n="12"/> وجد الآخر هذا. </p>
<p n="9">
<lb n="13"/>وأما إن لم يكن واجبا بذاته، فيجب أن يكون باعتبار ذاته ممكن الوجود،
<lb n="14"/> وباعتبار الآخر واجب الوجود. فلا يخلو حينئذ إما أن يكون الآخر كذلك أو لا يكون،
<lb n="15"/> فإن كان الآخر كذلك فلا يخلو حينئذ إما أن يكون وجوب الوجود لهذا من ذلك، وذلك
<lb n="16"/> فى حد إمكان الوجود، أو فى حد وجوب الوجود. </p>
<p n="10">
<lb n="17"/>فإن كان وجوب الوجود لهذا من ذلك، وذلك هو فى حد وجوب الوجود،
<lb n="18"/> وليس من نفسه، أو من ثالث سابق، كما قلناه فى وجه سلف، بل من الذى يكون منه،
<lb n="19"/> كان وجوب وجود شرطًا فيه وجوب وجود ما يحصل بعد وجوب وجوده، بَعْدية
<lb n="20"/> بالذات؛ فلا يحصل له وجوب وجود البتة. وإن كان وجوب الوجود لهذا من ذلك، وذلك
<pb n="33"/>
<lb n="1"/> فى حد الإمكان، فيكون وجوب وجود هذا بالذات ذلك هو فى حد الإمكان، ويكون
<lb n="2"/> ذات ذلك فى حد الإمكان مفيدًا لهذا وجوب الوجود، وليس له حد الإمكان مستفادا
<lb n="3"/> من هذا، بل الوجوب.
<pb n="41" edRef="#source_2"/>فتكون العلة لهذا إمكان وجود ذلك، وإمكان وجود ذلك
<lb n="4"/> ليس علته هذا، فيكونان غير متكافئين، أعنى ما هو <choice>
<sic>علته</sic>
<corr>علة<note>according to Bertolacci 2006, 493</note></corr>
</choice> بالذات ومعلول بالذات. </p>
<p n="11">
<lb n="5"/>ثم يعرض شىء آخر وهو، إنه إذا كان إمكان وجود ذلك هو علة إيجاب
<lb n="6"/> وجود هذا، لم يتعلق وجود هذا بوجوبه؛ بل بإمكانه. فوجب أن يجوز وجوده مع
<lb n="7"/> عدمه وقد فرضا متكافئين؛ هذا خلف. فإذن ليس يمكن أن يكونا متكافئ الوجود،
<lb n="8"/> فى حالٍ ما لا يتعلقان بعلة خارجة، بل يجب أن يكون أحدهما هو الأول بالذات،
<lb n="9"/> أو يكون هناك سبب خارج آخر يوجبهما جميعا بايجاب العلاقة التى بينهما أو
<lb n="10"/> يوجب العلاقة بإيجابهما. </p>
<p n="12">
<lb n="11"/>والمضافان ليس أحدهما واجبًا بالآخر، بل مع الآخر، والموجب لهما العلة
<lb n="12"/> التى جمعتهما، وأيضا المادتان والموضوعان أو الموصوفان بهما. وليس يكفى وجود
<lb n="13"/> المادتين أو الموضوعين لهما وحدهما، بل وجود ثالث يجمع بينهما. وذلك لأنه لا يخلو إما
<lb n="14"/> أن يكون وجود كل واحد من الأمرين وحقيقته هو أن يكون مع الآخر، فوجوده بذاته يكون
<lb n="15"/> غير واجب، فيصير ممكنًا، فيصير معلولًا، ويكون كما قلنا ليس علته مكافئة فى الوجود،
<lb n="16"/> فتكون إذن علته أمرًا آخر، فلا يكون هو والآخر علة للعلاقة التى بينهما، بل ذلك الآخر. </p>
<p n="13">
<lb n="17"/>وأما أن لا يكون، فتكون المعية طارئةً على وجوده الخاص لاحقةً له. وأيضا
<lb n="18"/> فإن الوجود الذى يخصه لا يكون عن <choice>
<sic>مكافيه</sic>
<corr type="MAR">مكافئه</corr>
</choice> من حيث هو <choice>
<sic>مكافيه</sic>
<corr type="MAR">مكافئه</corr>
</choice>؛ بل عن علة متقدمة إن
<lb n="19"/> كان معلولا. فحينئذ إما أن يكون وجوده ذلك عن صاحبه، لا من حيث <choice>
<sic>يكافيه</sic>
<corr type="MAR">يكافئه</corr>
</choice>،
<pb n="42" edRef="#source_2"/>
<pb n="34"/>
<lb n="1"/> بل من حيث وجود صاحبه الذى يخصه، فلا يكونان متكافئين، بل علة ومعلولا. ويكون
<lb n="2"/> صاحبه أيضا علة للعلاقة الوهمية بينهما كالأب والابن، وإما أن يكونا متكافئين من جملة
<lb n="3"/> ما يكون الأمران ليس أحدهما علة للآخر، وتكون العلاقة لازمة لوجودهما، فتكون العلة
<lb n="4"/> الأولى للعلاقة هى أمر خارج موجد لذاتيهما على ما علمت، والعلاقة عرضية، فيكون
<lb n="5"/> لا تكافؤ هناك إلا بالعرض المباين أو اللازم. وهذا غير ما نحن فيه، ويكون للذى بالعرض
<lb n="6"/> علة لا محالة، فيكونان من حيث التكافؤ معلولين.
<pb n="43" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="7"/> [الفصل السابع]
<lb n="8"/><num>ز</num>فصل
<lb n="9"/> فى أن واجب الوجود واحد </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>ونقول ايضا: إن واجب الوجود يجب أن يكون ذاتا واحدة. وإلا فليكن
<lb n="11"/> كثرة ويكون كل واحد منها واجب الوجود، فلا يخلو إما أن يكون كل واحد منها فى
<lb n="12"/> المعنى الذى هو حقيقته، لا يخالف الآخر البتة أو يخالفه. فإن كان لا يخالف الآخر فى
<lb n="13"/> المعنى الذى لذاته بالذات، ويخالفه بأنه ليس هو، وهذا خلاف لا محالة، فيخالفه فى
<lb n="14"/> غير المعنى. وذلك لأن المعنى الذى هو فيهما غير مختلف، وقد قارنه شىء به صار هذا
<lb n="15"/> أو فى هذا، أو قارنه نفسه أنه هذا أو فى هذا، ولم يقارنه هذا المقارن فى الآخر، بل ما
<lb n="16"/> به صار ذاك ذاك، أو نفس أن ذاك ذاك، وهذا تخصيص ما قارن ذلك المعنى، وبينهما
<lb n="17"/> به مباينة. فإذن كل واحد منها يباين الآخر به، وليس يخالفه فى نفس المعنى، فيخالفه
<lb n="18"/> فى غير المعنى.
<pb n="35"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>والأشياء التى هى غير المعنى وتقارن المعنى هى الأعراض واللواحق الغير
<lb n="2"/> الذاتية. وهذه اللواحق فإما أن تعرض لوجود الشىء بما هو ذلك الوجود
<pb n="44" edRef="#source_2"/> فيجب
<lb n="3"/> أن يتفق الكل فيه وقد فرض أنها مختلفة فيه، وهذا خلف. وإما أن تعرض له عن أسباب
<lb n="4"/> خارجة لا عن نفس ماهيته، فيكون لولا تلك العلة لم تعرض، فيكون لولا تلك العلة لم
<lb n="5"/> يختلف. فيكون لولا تلك العلة لكانت الذوات واحدةً أو لم تكن، فيكون أولا تلك العلة
<lb n="6"/> ليس هذا بانفراده واجب الوجود، وذلك بانفراد، واجب الوجود لا من حيث الوجود،
<lb n="7"/> بل من حيث الأعراض. </p>
<p n="3">
<lb n="8"/>فيكون وجوب وجود كل واحد منهما الخاص به، المنفرد له، مستفادا من
<lb n="9"/> غيره. وقد قيل إن كل ما هو واجب الوجود بغيره فليس واجب الوجود بذاته، بل هو فى
<lb n="10"/> حد ذاته ممكن الوجود، فتكون كل واحدة من هذه، مع أنها واجبة الوجود بذاتها، ممكنة
<lb n="11"/> الوجود فى حد ذاتها، وهذا محال. </p>
<p n="4">
<lb n="12"/>ولنفرض الآن أنه يخالفه فى معنى أصلى، بعد ما يوافقه فى المعنى، فلا يخلو
<lb n="13"/> ذلك المعنى إما أن يكون شرطًا فى وجوب الوجود، أو لا يكون. فإن كان شرطا فى
<lb n="14"/> وجوب الوجود، فظاهر أنه يجب أن يتفق فيه كل ما هو واجب الوجود، وإن لم يكن
<lb n="15"/> شرطا فى وجوب الوجود، فوجوب الوجود متقرر دونه وجوب وجود، وهو داخل
<lb n="16"/> عليه، عارض، مضاف إليه، بعد ما تم ذلك وجوب وجود، وقد منعنا هذا وبينا فساده.
<lb n="18"/> فإذن لا يجوز أن يخالفه فى المعنى.
<pb n="45" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="19"/>بل يجب أن نزيد لهذا بيانًا من وجه آخر وهو: أن انقسام معنى وجوب الوجود
<lb n="20"/> فى الكثرة لا يخلو من وجهين: إما أن يكون على سبيل انقسامه بالفصول وإما على سبيل
<pb n="36"/>
<lb n="1"/> انقسامه بالعوارض. ثم من المعلوم أن الفصول لا تدخل فى حد ما يقام مقام الجنس. فهى لا
<lb n="2"/> تفيد الجنس حقيقته، وإنما تفيده القوام بالفعل، وذلك كالناطق، فإن الناطق لا يفيد الحيوان
<lb n="3"/> معنى الحيوانية، بل يفيده <choice><sic>للقوام</sic><corr>القوام</corr></choice> بالفعل ذاتا موجودة خاصة. فيجب ايضًا أن تكون فصول
<lb n="4"/> وجوب الوجود، إن صحت، بحيث لا تفيد وجوب الوجود حقيقة وجوب الوجود، بل
<lb n="5"/> يفيده الوجود بالفعل. وهذا محال من وجهين: </p>
<p n="6">
<lb n="6"/>أحدهما، أنه ليس حقيقة وجوب الوجود إلا نفس تأكد الوجود، لا كحقيقة
<lb n="7"/> الحيوانية التى هى معنى غير تأكد الوجود، والوجود لازم لها، أو داخل عليها، كما
<lb n="8"/> علمت. فإذن إفادة الوجود لوجوب الوجود، هى إفادة شرط من حقيقته ضرورةً، وقد
<lb n="9"/> منع جواز هذا ما بين الجنس والفصل. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>والوجه الثانى، أنه يلزم أن تكون حقيقة وجوب الوجود متعلقةً فى أن تحصل
<lb n="11"/> بالفعل الموجب له، فيكون المعنى الذى به يكون الشىء واجب الوجود يجب وجوده
<lb n="12"/> بغيره، وإنما كلامنا فى وجوب الوجود بالذات، فيكون الشىء الواجب الوجود بذاته
<lb n="13"/> واجب الوجود بغيره، وقد أبطلنا هذا. </p>
<p n="8">
<lb n="14"/>فقد ظهر أن انقسام وجوب الوجود إلى تلك الأمور، لا يكون انقسام المعنى
<lb n="15"/> الجنسى إلى الفصول. فتبيّن أن المعنى الذى يقتضى وجوب الوجود لا يجوز
<pb n="46" edRef="#source_2"/> أن
<lb n="16"/> يكون معنى جنسيًا ينقسم بفصول وأعراض، فبقى أن يكون معنى نوعيًا. فنقول: ولا
<lb n="17"/> يجوز أن تكون نوعيته محمولة على كثيرين، لأن أشخاص النوع الواحد، كما بينا، إذا لم
<lb n="18"/> تختلف فى المعنى الذاتى، وجب أن تكون إنما تختلف بالعوارض، وقد منعنا إمكان هذا
<pb n="37"/>
<lb n="1"/> فى وجوب الوجود، وقد يمكن أن نبين هذا بنوع من الإختصار، ويكون الغرض راجعًا
<lb n="2"/> إلى ما أردناه. فنقول: </p>
<p n="9">
<lb n="3"/>إن وجوب الوجود إذا كان صفة للشىء وموجودًا له، فإما أن يكون واجبًا فى
<lb n="4"/> هذه الصفة، أى فى وجوب الوجود، أن تكون عين تلك الصفة موجودة لهذا الموصوف،
<lb n="5"/> فيمتنع الواحد منها أن يوجد وجودا لا يكون صفةً له، فيمتنع أن يوجد لغيره، فيجب
<lb n="6"/> أن يوجد له وحده؛ وإما أن يكون وجودها له ممكنا غير واجب. فيجوز أن يكون هذا
<lb n="7"/> الشىء غير واجب الوجود بذاته وهو واجب الوجود بذاته؛ هذا خلف. فوجوب
<lb n="8"/> الوجود لا يكون إلا لواحد فقط. </p>
<p n="10">
<lb n="9"/>فإن قال قائل: إن وجوده لهذا، لا يمنع وجوده صفة للآخر فكونه صفةً للآخر
<lb n="10"/> لا يبطل وجوب كونه صفةً له. فنقول: </p>
<p n="11">
<lb n="11"/>كلامنا فى تعيين وجوب الوجود صفة له، من حيث هو له، من حيث لا
<lb n="12"/> يلتفت فيه إلى الآخر، فذلك ليس صفة للآخر بعينه؛ بل مثلها الواجب فيها ما يجب فى
<lb n="13"/> تلك بعينها. وبعبارة أخرى نقول: </p>
<p n="12">
<lb n="14"/>إن كون الواحد منها واجب الوجود، وكونه هو بعينه، إما أن يكون واحدا،
<lb n="15"/> فيكون كل ما هو واجب الوجود فهو بعينه وليس غيره. وإن كان
<pb n="47" edRef="#source_2"/> كونه واجب
<lb n="16"/> الوجود، غير كونه هو بعينه، فمقارنة واجب الوجود لأنه هو بعينه، إما أن يكون أمرًا
<lb n="17"/> لذاته، أو لعلةٍ وسبب موجب غيره. فإن كان لذاته، ولأنه واجب الوجود، فيكون كل
<lb n="18"/> ما هو واجب الوجود هذا بعينه؛ وإن كان لعلة وسبب موجب غيره، فلكونه هذا بعينه
<lb n="19"/> سببٌ، فلخصوصية وجوده المنفرد سبب، فهو معلول.
<pb n="38"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="1"/>فإذن واجب الوجود واحد بالكلية ليس كأنواع تحت جنس، وواحد بالعدد
<lb n="2"/> ليس كأشخاص تحت نوع، بل معنى شرح أسمه له فقط، ووجوه غير مشترك فيه.
<lb n="3"/> وسنزيد هذا إيضاحا فى موضع آخر. فهذه الخواص التى يختص بها واجب الوجود. </p>
<p n="14">
<lb n="4"/>وأما الممكن الوجود، فقد تبين من ذلك خاصيته وهو أنه يحتاج ضرورة إلى
<lb n="5"/> شىء آخر يجعله بالفعل موجودا. وكل ما هو ممكن الوجود فهو دائما، باعتبار ذاته،
<lb n="6"/> ممكن الوجود، لكنه ربما عرض أن يجب وجوده بغيره، وذلك إما أن يعرض له دائما، وإما
<lb n="7"/> أن يكون وجوب وجوده عن غيره ليس دائما، بل فى وقت دون وقت. فهذا يجب أن
<lb n="8"/> يكون له مادة تتقدم وجوده بالزمان، كما سنوضحه. والذى يجب وجوده بغيره دائما، فهو
<lb n="9"/> أيضا غير بسيط الحقيقة. لأن الذى له باعتبار ذاته، غير الذى له من غيره، وهو حاصل
<lb n="10"/> الهوية منهما جميعًا فى الوجود، فلذلك لا شىء غير واجب الوجود تعرّى عن ملابسة
<lb n="11"/> ما بالقوة والإمكان باعتبار نفسه، وهو الفرد، وغيره زوج تركيبى.
<pb n="48" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="12"/> [الفصل الثامن]
<lb n="13"/><num>ح</num>فصل
<lb n="14"/> فى بيان الحق، والصدق، والذب عن أول الأقاويل، فى المقدمات الحقة </head>
<p n="1">
<lb n="15"/>أما الحق فيفهم منه الوجود فى العيان مطلقًا، ويفهم منه الوجود الدائم،
<lb n="16"/> ويفهم منه حال القول أو العقد الذى يدل على حال الشىء فى الخارج إذا كان مطابقًا له،
<lb n="17"/> فنقول: هذا قول حق، وهذا إعتقاد حق. فيكون الواجب الوجود هو الحق بذاته دائما،
<lb n="18"/> والممكن الوجود حق بغيره، باطل فى نفسه. فكل ما سوى الواجب الوجود الواحد باطل
<pb n="39"/>
<lb n="1"/> فى نفسه. وأما الحق من قبل المطابقة فهو كالصادق، إلا أنه صادق فيما أحسب باعتبار
<lb n="2"/> نسبته إلى الأمر، وحق باعتبار نسبة الأمر إليه. </p>
<p n="2">
<lb n="3"/>وأحق الأقاويل أن يكون حقًا ما كان قد صدقه دائما، وأحق ذلك ما كان صدقه
<lb n="4"/> أوليا ليس لعلة. وأول كل الأقاويل الصادقة الذى يتنهى إليه كل شىء فى التحليل، حتى
<lb n="5"/> أنه يكون مقبولا بالقوة أو بالفعل فى كل شىء يُبين أو يتبين به، مكا بيناه فى كتاب البرهان،
<lb n="6"/> هو أنه: لا واسطة بين الإيجاب والسلب. وهذه الخاصة ليست من عوارض شىء إلا
<lb n="7"/> من عوارض الموجود بما هو موجود، لعمومه فى كل موجود.
<pb n="49" edRef="#source_2"/>والسوفسطائى إذا
<lb n="8"/> أنكر هذا، فليس ينكره إلا بلسانه معاندًا, أو يكون قد عرض له شبهة فى أشياء فسد
<lb n="9"/> عليه عنده فيها طرفَا النقيض لغلط جرى عليه مثلا، لأنه لا يكون حصل له حال التناقض
<lb n="10"/> وشرائطه. ثم إن تبكيت السوفسطائى، وتنبيه المتحير أبدا، إنما هو فى كل حال على
<lb n="11"/> الفيلسوف، ويكون لا محالة بضرب من المحاورة. ولا شك أن تلك المحاورة تكون ضربًا
<lb n="12"/> من القياس الذى يلزم مقتضاه، إلا أنه لا يكون فى نفسه قياسا يلزم مقتضاه، ولكن يكون
<lb n="13"/> قياسا بالقياس. </p>
<p n="3">
<lb n="14"/>وذلك لأن القياس الذى يلزم مقتضاه على وجهين: قياس فى نفسه، وهو الذى
<lb n="15"/> تكون مقدماته صادقة فى أنفسها، وأعرف عند العقلاء من النتيجة، ويكون تأليفه تاليفا
<lb n="16"/> منتجا، وقياس كذلك بالقياس، وهو أن تكون حال المقدمات كذلك عند المحاور حتى
<lb n="17"/> يسلم الشىء وإن لم يكن صدقا، وإن كان صدقًا لم يكن أعرف من النتيجة التى يسلمها،
<lb n="18"/> فيؤلف عليه بتأليف صخيح مطلق أو عنده. وبالجملة فقد كان القياس ما إذا سلمت
<lb n="19"/> مقدماته لزم منه شىء، فيكون ذلك قياسا من حيث كذا. ولكنه ليس يلزم أن يكون
<pb n="40"/>
<lb n="1"/> كل قياس قياسا يلزم مقتضاه، لأن مقتضاه يلزم إذا سلم، فإذا لم يسلم كان قياسا لأنه قد
<lb n="2"/> أورد فيه ما إذا وضع وسلم لزم، ولكن لما لم يسلم بعد لم يلزم مقتضاه، فيكون القياس
<lb n="3"/> قياسا، أعم من كونه قياسا يلزم مقتضاه.
<pb n="50" edRef="#source_2"/>وكونه قياسًا يلزم مقتضاه، هو أيضا
<lb n="4"/> على قسمين، على ما علمت، فالقياس الذى يلزم مقتضاه بحسب الأمر فى نفسه، هو
<lb n="5"/> الذى مقدماته مسلمة فى أنفسها، وأقدم من النتيجة. وأما الذى هو بالقياس، فالذى قد
<lb n="6"/> سلم المخاطب مقدماته، فتلزمه النتيجة. </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>ومن العجائب أن السوفسطائى الذى غرضه المماراة يضطر إلى أحد الأمرين: إما
<lb n="8"/> إلى السكوت والإعراض، وإما إلى الإعتراف لا محالة بأشياء، والإعتراف بأنها تنتج عليه. </p>
<p n="5">
<lb n="9"/>وأما المتحير فعلاجه حل شبهة، وذلك لأن المتحير لا محالة إنما وقع فيما
<lb n="10"/> وقع فيه إما لما يراه من تخالف الأفاضل الأكثرين، ويشاهده من كون رأى كل واحد منهم
<lb n="11"/> مقابلا لرأى الآخر الذى يجده قرنا له، لايَقْصُر عنه، فلا يجب عنده أن يكون أحد القولين
<lb n="12"/> أولى بالتصديق من الآخر؛ وإما لأنه سمع من المذكورين المشهورين المشهود لهم بالفضيلة
<lb n="13"/> أقاويل لم يقلها عقله بالبديهة، كقول من قال: إن الشىء لا يمكنك أن تراه مرتين، بل ولا
<lb n="14"/> مرة واحدة، وإن لا وجود لشىء فى نفسه، بل بالإضافة. فإذا كان قائل مثل هذا القول
<lb n="15"/> مشهورًا بالحكمة لم يكن بعيدا أن يتحير الشادى لقوله. وإما لأنه قد اجتمع عنده قياسات
<lb n="16"/> متقابلة النتائج ليس يقدر على أن يختار واحد منها ويزيف الآخر.
<pb n="51" edRef="#source_2"/>
<pb n="41"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>فالفيلسوف يتدارك ما عرض لأمثال هؤلاء من وجهين: أحدهما حل ما وقع فيه
<lb n="2"/> من الشك؛ والثانى التنبيه التام على أنه لا يمكن أن يكون بين النقيضين واسطة. </p>
<p n="7">
<lb n="3"/>أما حل ما وقع فيه فمن ذلك أن يعرّفه أن الناس ناس لا ملائكة. ومع ذلك 
<lb n="4"/> فليس يجب أن يكونوا متكافئين فى الإصابة، ولا يجب إذا كان واحد أكثر صوابا فى
<lb n="5"/> شىء من آخر، أن لا يكون الآخر أكثر صوابًا منه فى شىء آخر. وأن يعرف أن أكثر
<lb n="6"/> المتفلسفين يتعلم المنطق وليس يستعمله، بل يعود آخر الأمر فيه إلى القريحة فيركبها ركوب
<lb n="7"/> الراكض من غير كف عنان أوجذب خطام. وأن من الفضلاء من يرمز أيضا برموز،
<lb n="8"/> ويقول ألفاظًا ظاهرة مستشنعة أو خطأ وله فيها غرض خفى، بل أكثر الحكماء، بل
<lb n="9"/> الأنبياء الذين لا يؤتون من جهة غلطا أو سهوا هذه وتيرتهم. فهذا يزيل شغل قلبه من جهة
<lb n="10"/> ما استنكر من العلماء. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>ثم يعرفه فيقول: إنك إذا تكلمت فلا يخلو إما أن تقصد بلفظك نحو شىء
<lb n="12"/> من الأشياء بعينه، أو لا تقصد، فإن قال إذا تكلمت لم أفهم شيئا، فقد خرج هذا من
<lb n="13"/> جملة المسترشدين المتحيرين، وناقض الحال فى نفسه، وليس الكلام معه هذا الضرب من
<lb n="14"/> الكلام.
<pb n="52" edRef="#source_2"/>وإن قال: إذا تكلمت فهمت باللفظ كل شىء فقد خرج عن الإسترشاد.
<lb n="15"/> فإن قال: إذا تكلمت فهمت به شيئًا بعينه. أو أشياء كثيرة محدودة. فعلى كل حال
<lb n="16"/> فقد جعل للفظ دلالة على أشياء بعينها لا يدخل فى تلك الدلالة غُيرها. فإن كانت تلك
<lb n="17"/> الكثرة تتفق فى معنى واحد فقد دل أيضا على معنى واحد، وإن لم يكن كذلك فالاسم
<pb n="42"/>
<lb n="1"/> مشترك، ويمكن لا محالة أن يفرد لكل واحد من تلك الجملة إسما؛ فهذا يسلمه من قام
<lb n="2"/> مقام المسترشدين المتحيرين. </p>
<p n="9">
<lb n="3"/>وإذا كان الاسم دليلًا على شىء واحد كالإنسان مثلا فاللا إنسان، أعنى ما
<lb n="4"/> هو مباين للإنسان لا يدل عليه ذلك الإسم بوجه من الوجوه. فالذى يدل عليه اسم الإنسان
<lb n="5"/> لا يكون الذى يدل عليه إسم اللا إنسان، فإن كان الإنسان يدل على اللا إنسان، فيكون لا
<lb n="6"/> محالة الإنسان، والحجر، والزورق، والفيل شيئا واحدا؛ بل يدل على الأبيض، والأسود،
<lb n="7"/> والثقيل، والخفيف، وجميع ما هو خارج مما دل عليه اسم الإنسان. وكذلك حال المفهوم
<lb n="8"/> من الألفاظ هذه، فيلزم من هذا أن يكون كل شىء وأن يكون ولا شىء من الأشياء نفسه،
<lb n="9"/> وأن لايكون للكلام مفهوم. </p>
<p n="10">
<lb n="10"/>ثم لا يخلو إما أن يكون هذا حكم كل لفظ، وحكم كل مدلول عليه باللفظ،
<lb n="11"/> أو يكون بعض هذه الأشياء بهذه الصفة، وبعضها بخلافها. فإن كان هذا فى كل شىء فقد
<lb n="12"/> عرض أن لا خطاب ولا كلام، بل لا شبهة ولا حجة أيضا. وإن كان فى بعض الأشياء قد
<lb n="13"/> تتميز الموجبة عن السالبة، وفى بعضها لا تتميز، فحيث تتميز يكون لا محالة ما يدل عليه
<lb n="14"/> الإنسان غير ما يدل عليه باللا إنسان؛
<pb n="53" edRef="#source_2"/>وحيث لا يتميز كالأبيض واللا أبيض
<lb n="15"/> يكون مدلولهما واحد، فيكون كل شىء هو لا أبيض فهو أبيض، وكل شىء هو أبيض فهو لا
<lb n="16"/> أبيض، فالإنسان إذا كان له مفهوم متميز فإن كان الأبيض فهو أيضا لا أبيض الذى هو والأبيض
<lb n="17"/> واحد، واللا إنسان كذلك؛ فيعرض مرة أخرى أن يكون الإنسان واللا إنسان غير متميزين. </p>
<p n="11">
<lb n="18"/>فهذا ومثاله قد يزيح علة المتحيّر المسترشد فى أن يعرف أن الإيجاب
<lb n="19"/> والسلب لا يجتمعان، ولا يصدقان معا. وكذلك أيضا قد تبين له أنهما لا يرتفعان ولا
<lb n="20"/> يكذبان معا، فإنه إذا كذبا معا فى شىء، كان ذلك الشىء ليس بإنسان مثلا، وليس أيضا
<pb n="43"/>
<lb n="1"/> بلا إنسان. فيكون قد اجتمع الشىء الذى هو اللا إنسان وسالبه الذى هو لا لا إنسان،
<lb n="2"/> وقد نبه على بطلانه. فهذه الأشياء وما يشبهها مما لا يحتاج أن نطول فيه، وبحل الشبه
<lb n="3"/> المتقابلة من قياسات المتحير يمكننا أن نهديه. </p>
<p n="12">
<lb n="4"/>وأما المتعنت فينبغى أن يكلف شروع النار، إذ النار واللانار واحد؛ وأن
<lb n="5"/> يؤلم ضربا، إذا الوجع واللا وجع واحد؛ وأن يمنع الطعام والشراب، إذ الأكل والشرب
<lb n="6"/> وتركهما واحد. </p>
<p n="13">
<lb n="7"/>فهذا المبدأ الذى ذببنا عنه من يكذبه، هو أول مبادئ البراهين، وعلى
<lb n="8"/> الفيلسوف الأول أن يذب عنه. ومبادئ البراهين تنتفع فى البراهين. والبراهين تنتفع فى معرفة
<lb n="9"/> [الأغراض] الذاتية لموضوعاتها. لكن معرفة جوهر الموضوعات
<pb n="54" edRef="#source_2"/>الذى كان فيما
<lb n="10"/> سلف يعرف بالحد فقط، فمما يلزم الفيلسوف ههنا أن يحصله، فيكون لهذا العلم الواحد
<lb n="11"/> أن يتكلم فى الأمرين جميعا. </p>
<p n="14">
<lb n="12"/>لكن قد يتشكك على هذا أنه إن تكلم فيها، على سبيل التحديد
<lb n="13"/> والتصور، فهو ذلك الذى يتكلم فيه صاحب العلم الجزئى، وإن تكلم فيها فى التصديق
<lb n="14"/> صار الكلام فيها برهانيا. </p>
<p n="15">
<lb n="15"/>فنقول: إن هذه التى كانت موضوعات فى علوم أخرى تصير عوارض فى
<lb n="16"/> هذا العلم، لأنها أحوال تعرض للموجود، وأقسام له، فيكون ما لا يبرهن عليه فى علم
<lb n="17"/> آخر، يبرهن عليه ههنا. وأيضا إذا لم يلتفت إلى علم آخر وقسم موضوع هذا العلم نفسه
<lb n="18"/> إلى جوهر وعوارض تكون خاصة له، فيكون ذلك الجوهر الذى هو موضوع لعلم ما
<lb n="19"/> أو الجوهر مطلقا، ليس موضوع هذا العلم، بل قسمًا من موضوعه، فيكون ذلك بنحو
<pb n="44"/>
<lb n="1"/> ما عارضًا لطبيعة موضوعه، الذى هو موجود، إن صار ذلك الجوهر دون شىء آخر
<lb n="2"/> لطبيعة الموجود أن تقارنه أو يكون هو. فإن [للموجود] طبيعة يصح حملها على كل
<lb n="3"/> شىء، كان ذلك الجوهر أو غيره، فإنه ليس لأنه موجود هو جوهر، أو جوهر ما،
<lb n="4"/> وموضوع ما، على ما فهمت، قبل هذا، فيما سلف. </p>
<p n="16">
<lb n="5"/>ومع هذا كله فليس البحث عن مبادئ التصور والحد حدًا ولا تصورًا، ولا
<lb n="6"/> البحث عن مبادئ البرهان برهانا، حتى يصير البحثان المتخالفان بحثا واحدا.
<pb n="45"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<lb n="1"/>
<head>المقالة الثانية
<lb n="2"/>وفيها أربعة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/>
<num>ا</num> فصل
<lb n="5"/> فى تعريف الجوهر وأقسامه بقول كلى </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>
<pb n="57" edRef="#source_2"/>فنقول: إن الوجود للشىء قد يكون بالذات مثل وجود الإنسان
<lb n="7"/> إنسانًا، وقد يكون بالعرض مثل وجود زيد أبيض. والأمور التى بالعرض لا تحد. فلنترك
<lb n="8"/> الآن ذلك ولنشتغل بالموجود، والوجود الذى بالذات. </p>
<p n="2">
<lb n="9"/>فأقدم أقسام الموجودات بالذات هو الجوهر، وذلك لأن الموجود قسمين:
<lb n="10"/> أحدهما، الموجود فى شىء آخر، ذلك الشىء الآخر متحصل القوام والنوع فى نفسه،
<lb n="11"/> وجودا لا كوجود جزء منه، من غير أن تتضح مفارقته لذلك الشىء، وهو الموجود فى
<lb n="12"/> موضوع؛ والثانى، الموجود من غير أن يكون فى شىء من الأشياء بهذه الصفة، فلا يكون
<lb n="13"/> فى موضوع البتة، وهو الجوهر.
<pb n="46"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>وإن كان ما أشير إليه فى القسم الأول موجودًا فى موضوع، فلذلك الموضوع لا
<lb n="2"/> يخلو أيضا من أحد هذين الوصفين؛ فإن كان الموضوع جوهرا فقوام العرض فى الجوهر،
<lb n="3"/> وإن لم يكن جوهرا كان أيضا فى موضوع ورجع البحث
<pb n="58" edRef="#source_2"/>إلى الإبتداء، واستحال
<lb n="4"/> ذهاب ذلك إلى غير النهاية، كما سنبين فى مثل هذا المعنى خاصة. فيكون لا محالة آخره
<lb n="5"/> فيما ليس فى موضوع، فيكون فى جوهره، فيكون الجوهر مقوم العرض موجودا، وغير
<lb n="6"/> متقوم بالعرض، فيكون الجوهر هو المقدم فى الوجود. </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>وأما أنه هل يكون عرض فى عرض، فليس بمستنكر، فإن السرعة فى الحركة،
<lb n="8"/> والإستقامة فى الخط، والشكل المسطح فى البسيط، وأيضا فإن الأعراض تنسب إلى
<lb n="9"/> الوحدة والكثرة، وهذه، كما سنبين لك، كلها أعراض. والعرض وإن كان فى عرض فهما
<lb n="10"/> جميعًا معا فى موضوع، والموضوع بالحقيقة هو الذى يقيمها جميعًا، وهو قائم بنفسه. </p>
<p n="5">
<lb n="11"/>ثم قد يجوّز كثير ممن يدعى المعرفة أن يكون شىء من الأشياء جوهرا وعرضا
<lb n="12"/> معا بالقياس إلى شيئين، فيقول: إن الحرارة عرض فى غير جسم النار، لكنها فى جملة
<lb n="13"/> النار ليست بعرض لأنها موجودة فيه كجزء، وأيضا ليس يجوز رفعها عن النار، والنار
<lb n="14"/> تبقى، فإذن وجودها فى النار ليس وجود العرض فيها، فإذ لم يكن وجودها فيها وجود
<lb n="15"/> العرض، فوجودها فيها وجود الجوهر. </p>
<p n="6">
<lb n="16"/>وهذا غلط كبير، وقد أشبعنا القول فيه فى أوائل المنطق، وإن لم يكن ذلك
<lb n="17"/> موضعه، فإنهم إنما غلطوا فيه هناك.
<pb n="59" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="18"/>فنقول: قد علم، فيما سلف، أن بين المحل والموضوع فرقًا، وأن الموضوع يعنى
<lb n="19"/> به ما صار بنفسه ونوعيته قائما، ثم صار سببا لأن يقوم به شىء فيه ليس كجزء منه.
<pb n="47"/>
<lb n="1"/> وأن المحل كل شىء يحله شىء فيصير بذلك الشىء بحال ما، فلا يبعد أن يكون شىء
<lb n="2"/> موجودا فى محل ويكون ذلك المحل لم يصر بنفسه نوعا قائما كاملا بالفعل، بل إنما تحصل
<lb n="3"/> قوامه من ذلك الذى حله وحده، أو مع شىء آخر، أو أشياء أخرى اجتمعت، فصيرت
<lb n="4"/> ذلك الشىء موجودًا بالفعل، أو صيرته نوعا بعينه. وهذا الذى يحل هذا المحل يكون
<lb n="5"/> لا محالة موجودًا لا فى الموضوع. وذلك لأنه ليس يصلح أن يقال: إنه فى شىء، إلا فى
<lb n="6"/> الجملة، أو فى المحل، وهو فى الجملة كجزء، وكان الموضوع ما يكون فيه الشىء، وليس
<lb n="7"/> كجزء منه، وهو فى المحل ليس كشىء حصل فى شىء، ذلك الشىء قائم بالفعل نوعا،
<lb n="8"/> ثم يقيم الحال فيه؛ بل هذا المحل جعلناه إنما يقوم بالفعل بتقويم ما حله، وجعلنا إنما يتم له
<lb n="9"/> به نوعيته إذا كانت نوعيته إنما تحصل أو تصير له نوعيةً باجتماع أشياء جملتها يكون ذلك
<lb n="10"/> النوع. فبين أن بعض ما فى المحل ليس فى موضوع. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>وأما إثبات هذا الشىء الذى هو فى محل دون موضوع، فذلك علينا إلى
<lb n="12"/> قريب. وإذا أثبتناه، فهو الشىء الذى <choice>
<sic>يخصه</sic>
<corr>نخصه<note>according to Bertolacci 2006, 496</note></corr>
</choice> فى مثل هذا الموضوع بإسم الصورة، وإن كنا
<lb n="13"/> قد نقول لغيره أيضا صورة باشتراك الأسم. وإذا كان الموجود
<pb n="60" edRef="#source_2"/> لا فى الموضوع هو
<lb n="14"/> المسمى جوهرًا، فالصورة أيضا جوهر. فأما المحل الذى لا يكون فى محل آخر فلا يكون
<lb n="15"/> فى موضوع لا محالة، لأن كل موجود فى موضوع فهو موجود فى محل ولا ينعكس.
<lb n="16"/> فالمحل الحقيقى أيضا جوهر، وهذا المجتمع أيضا جوهر. </p>
<p n="9">
<lb n="17"/>وقد عرفت من الخواص التى لواجب الوجود أن واجب الوجود لا يكون إلا
<lb n="18"/> واحدًا، وأن ذا الأجزاء أو المكافئ لوجوده لا يكون واجب الوجود، فمن هذا يعرف
<pb n="48"/>
<lb n="1"/> أن هذا مركب، وهذه الأجزاء كلها فى أنفسها، ممكنة الوجود، وأن لها لا محالة سببا
<lb n="2"/> يوجب وجودها. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>فنقول أولًا: إن كل جوهر فإما أن يكون جسمًا، وإما أن يكون غير جسم،
<lb n="4"/> فإن كان غير جسم فإما أن يكون جزء جسم، وإما أن لا يكون جزء جسم، بل يكون
<lb n="5"/> مفارقا للاجسام بالجملة. فإن كل جزء جسم فإما أن يكون صورته، وإما أن يكون
<lb n="6"/> مادته. وإن كان مفارقا ليس جزء جسم فإما أن تكون له علاقة تصرف ما فى الأجسام
<lb n="7"/> بالتحريك ويسمى نفسًا، أو يكون متبرئا عن المواد من كل جهة ويسمى عقلًا. ونحن نتكلم
<lb n="8"/> فى إثبات كل واحد من هذه الأقسام.
<pb n="61" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="9"/> [الفصل الثاني]
<lb n="10"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="11"/> فى تحقيق الجوهر الجسمانى وما يتركب منه </head>
<p n="1">
<lb n="12"/>وأول ذلك معرفة الجسم وتحقيق ماهيته. </p>
<p n="2">
<lb n="13"/>أما بيان أن الجسم جوهر واحد متصل وليس مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، فقد
<lb n="14"/> فرغنا عنه. وأما تحقيقه وتعريفه فقد جرت العادة بأن يقال: إن الجسم جوهر طويل عريض
<lb n="15"/> عميق، فيجب أن ينظر فى كيفية ذلك. لكن كل واحد من ألفاظ الطول والعرض والعمق
<lb n="16"/> يفهم منه أشياء مختلفة. فتارة يقال: طول للخط كيفما كان، وتارة يقال طول لأعظم الخطين
<lb n="17"/> المحيطين بالسطح مقدارا، وتارة يقال طول لأعظم الأبعاد المختلفة الممتدة المتقاطعة كيف
<lb n="18"/> كانت خطًا أو غير خط، وتارة يقال طول للبعد المفروض بين الرأس ومقابله من القدم أو
<pb n="49"/>
<lb n="1"/> الذنب من الحيوان. واما العرض فيقال للسطح نفسه، ويقال لأنقص البعدين مقدارا، ويقال
<lb n="2"/> للبعد الواصل بين اليمين واليسار. والعمق أيضا قد يقال لمثل البعد الواصل بين السطحين،
<lb n="3"/> وقد يقال له مأخوذا ابتداء من فوق، حتى إن ابتدأ من أسفل سمى سمكا. فهذه هى
<lb n="4"/> الوجوه المشورة فى هذا. </p>
<p n="3">
<lb n="5"/>وليس يجب أن يكون فى كل جسم خط بالفعل، فإن الكرة ليس فيها خط
<lb n="6"/> بالفعل البتة ولا يتعين فيها المحور ما لم تتحرك؛ وليس من شرط الكرة فى أن
<pb n="62" edRef="#source_2"/>تصير
<lb n="7"/> جسما أن تكون متحركة حتى يظهر فيها محور أو خط آخر. فإنها تتحقق جسما بما
<lb n="8"/> يحقق الجسمية، ثم يعرض لها أو يلزمها الحركة. وأيضا الجسم ليس يجب أن يكون فيه من
<lb n="9"/> حيث هو جسم سطح، فإنه إنما يجب فيه من حيث يكون متناهيا، وليس يحتاج فى تحققه
<lb n="10"/> جسما ومعرفتنا إياه جسما إلى أن يكون متناهيا، بل التناهى عارض لازم له، ولذلك
<lb n="11"/> لا يحتاج إلى تصوره جسم حين يتصور الجسم. ومن تصور جسمًا غير متناه فلم يتصور
<lb n="12"/> جسما لا جسما، ولا يتصور عدم التناهى إلا للمتصور جسما. لكنه أخطأ كمن قال: إن
<lb n="13"/> الجسم آلة، فقد أخطأ فى التصديق ولم يخطئ فى تصور بسيطة وهما الموضوع والمحمول. </p>
<p n="4">
<lb n="14"/>ثم إن كان لا بد للجسم فى تحققه جسما أن تكون له سطوح، فقد يكون جسم
<lb n="15"/> محيط به سطح واحد وهو الكرة. وليس أيضا من شرط الجسم فى أن يكون جسما
<lb n="16"/> أن تكون له أبعاد متفاضلة، فإن المكعب أيضا جسم مع أنه محاط بحدود ستة، ومع
<lb n="17"/> ذلك ليس فيه أبعاد متفاضلة حتى يكون له طول وعرض وعمق بأحد المعانى. ولا أيضا
<lb n="18"/> يتعلق كونه جسمًا بأن يكون موضوعا تحت السماء، حتى تعرض له الجهات لأجل جهات
<pb n="50"/>
<lb n="1"/> العالم، ويكون له طول وعرض وعمق بمعنى آخر، وإن كان لا بد من أن يكون إما سماء
<lb n="2"/> وإما فى سماء.
<pb n="63" edRef="#source_2"/> فبين من هذا أنه ليس يجب أن يكون فى الجسم ثلاثة أبعاد بالفعل
<lb n="3"/> على الوجوه المفهومة من البعاد الثلاثة حتى يكون جسما بالفعل. </p>
<p n="5">
<lb n="4"/>فإذا كان الأمر على هذا، فكيف يمكننا أن نضطر أنفسنا إلى فرض أبعاد ثلاثة
<lb n="5"/> بالفعل، موجودة فى الجسم، حتى يكون جسما؟ بل معنى هذا الرسم للجسم أن الجسم هو
<lb n="6"/> الجوهر الذى يمكنك أن تفرض فيه بعدًا كيف شئت ابتداء، فيكون ذلك المبتدأ هو الطول،
<lb n="7"/> ثم يمكنك أن تفرض أيضا بعدا آخر مقاطعا لذلك البعد على قوائم، فيكون ذلك البعد
<lb n="8"/> الثانى هو العرض, ويمكنك أن تفرض فيه بعدا ثالثا مقاطعا لهذين البعدين على قوائم تتلاقى
<lb n="9"/> الثلاثة على موضع واحد، ولا يمكنك أن تفرض بعدًا عموديًا بهذه الصفة غير هذه الثلاثة. </p>
<p n="6">
<lb n="10"/>وكون الجسم بهذه الصفة هو الذى يشار لأجله إلى الجسم بأنه طويل عريض
<lb n="11"/> عميق، كما يقال: إن الجسم هو المنقسم فى جميع الأبعاد. وليس يعنى أنه منقسم بالفعل
<lb n="12"/> مفروغ عنه، بل على أنه من شأنه أن يفرض فيه هذا القسم. </p>
<p n="7">
<lb n="13"/>فهكذا يجب أن يعرّف الجسم، وهو أنه الجوهر الذى كذا صورته، وهو بها
<lb n="14"/> هو ما هو، ثم سائر الأبعاد المفروضة فيه بين نهاياته ونهاياته أيضا وأشكاله وأوضاعه أمور
<lb n="15"/> ليست مقومة له، بل هى تابعة لجوهره. وربما لزم بعض الأجسام شىء منها أو كلها، وربما
<lb n="16"/> لم يلزم بعض الأجسام شىء منها أو بعضها.
<pb n="64" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="17"/>ولو أنك أخذت شمعة فشكّلتها بشكل افترض لها ابعاد بالفعل بين تلك النهايات
<lb n="18"/> معدودة مقدرة محدودة، ثم إذا غيرت ذلك الشكل لم يبق شىء منها بالفعل واحدًا
<pb n="51"/>
<lb n="1"/> بالشخص بذلك الحد وبذلك القدر، بل حدثت أبعاد أخرى مخالفة لتلك بالعدد، فهذه
<lb n="2"/> الأبعاد هى التى من باب الكم. </p>
<p n="9">
<lb n="3"/>فإن اتفق أن كان جسما، كالفلك مثلا، تلزمه أبعاد واحدة، فليس ذلك له بما
<lb n="4"/> هو جسم، بل لطبيعة أخرى حافظة لكمالاته الثانية. فالجسمية بالحقيقة صورة الاتصال
<lb n="5"/> القابل لما قلناه من فرض الأبعاد الثلاثة. وهذا المعنى غير المقدار وغير الجسمية التعليمية.
<lb n="6"/> فإن هذا الجسم من حيث له هذه الصورة لا يخالف جسما آخر بأنه أكبر أو أصغر، ولا
<lb n="7"/> يناسبه بأنه مساوٍ أو معدود به وعاد له أو مشارك أو مباين، وإنما ذلك له من حيث هو
<lb n="8"/> مقدّر ومن حيث جزء منه يعده. وهذا الإعتبار له غير اعتبار الجسمية التى ذكرنا. وهذه
<lb n="9"/> أشياء قد شرحناها لك بوجه أبسط فى موضع آخر يحتاج أن تستعين به. </p>
<p n="10">
<lb n="10"/>ولهذا ما يكون الجسم الواحد يتخلخل ويتكاثف بالتسخين والتبريد،
<lb n="11"/> فيختلف مقدار جسميته. وجسميته، التى ذكرناها لا تختلف ولا تتغير؛ فالجسم
<lb n="12"/> الطبيعى جوهر بهذه الصفة. </p>
<p n="11">
<lb n="13"/>وأما قولنا: الجسم التعليمى. فإما أن يقصد به صورة هذا من حيث هو محدد،
<lb n="14"/> مقدّر، مأخوذ فى النفس، ليس فى الوجود، أو يقصد به مقدار ما ذو اتصال أيضا بهذه
<lb n="15"/> الصفة من حيث له اتصال محدود مقدّر كان فى [نفس]
<pb n="65" edRef="#source_2"/> أو فى مادة. فالجسم
<lb n="16"/> التعليمى كأنه عارض فى ذاته لهذا الجسم الذى بيناه، والسطح نهايته، والخط نهاية نهايته.
<lb n="17"/> وسنوضح القول فيما بعد، وننظر فى أن الإتصال كيف يكون لها وكيف يكون للجسم الطبيعى.
<pb n="52"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="1"/>فنقول أولا: إن منطباع الأجسام أن تنقسم ولا يكفى فى إثبات ذلك
<lb n="2"/> المشاهدات؛ فإن لقائل أن يقول: إن الأجسام المشاهدة ليس شىء منها هو جسم واحد
<lb n="3"/> صرفا، بل هى مؤلفة من أجسام، وإن الأجسام الوحدانية غير محسوسة، وأنها لا يمكن
<lb n="4"/> أن تنقسم بوجه من الوجوه. </p>
<p n="13">
<lb n="5"/>وقد تكلمنا على إبطال هذا بالبيانات الطبيعية، وخصوصا على أسهل
<lb n="6"/> المذاهب نقضًا، وهو مذهب من خالف بينها بالأشكال. فإن قال قائل: إن طبائعها و إن
<lb n="7"/> أشكالها متشاكلة. فحينئذ يجب أن يبطل مذهبه ورأيه بما أقول. </p>
<p n="14">
<lb n="8"/>فنقول: إن جعل أصغر الأجسام لا قسمة فيه لا بالقوة ولا بالفعل حتى كان
<lb n="9"/> كالنقطة جملة، فإن ذلك الجسم يكون لا محالة حكمه حكم النقطة فى امتناع تأليف الجسم
<lb n="10"/> المحسوس عنه، وإن لم يكن كذلك، بل كان فى ذاته بحيث يمكن أن يفرد منه قسم عن
<lb n="11"/> قسم, لكنه ليس يطبع الفصل المفرق بين القسمين اللذين يمكن فرضهما فيه توهما، فنقول: </p>
<p n="15">
<lb n="12"/>لا يخلو إما أن يكون حال ما بين القسم والقسم مخالفة لحال ما بين الجزء
<lb n="13"/> والجزء فى أن الجزءين لا يلتحمان وأن القسمين لا يفترقان، أمرا لطبيعة
<pb n="66" edRef="#source_2"/>الشىء
<lb n="14"/> وجوهره، أو من سبب من خارج عن الطبيعة والجوهر. فإن كان سببا من خارج عن الطبيعة
<lb n="15"/> والجوهر فإما أن يكون سببًا يتقوم به الطبيعة والجوهر بالفعل كالصورة للمادة والمحل للعرض،
<lb n="16"/> أو سببًا لا يتقوم به. </p>
<p n="16">
<lb n="17"/>فإن كان سببا لا يتقوّم به فجائز من حيث الطبيعة والجوهر أن يكون بينهما
<lb n="18"/> التئام عن افتراق وافتراق عن التئام، فتكون هذه الطبيعة الجسمية باعتبار نفسها قابلة
<lb n="19"/> للانقسام و إنا لا تنقسم بسبب من خارج. وهذا القدر يكفينا فيما نحن بسبيله.
<pb n="53"/>
</p>
<p n="17">
<lb n="1"/>وأما إن كان ذلك السبب <choice>
<sic>يتقؤم</sic>
<corr>يتقوم</corr>
</choice> به كل واحد من الأجزاء إما تقومًا داخلا فى
<lb n="2"/> طبيعته وماهيته، أو تقوما فى وجوده بالفعل غير داخل فى ماهيته مختلفًا فيه فيعرض
<lb n="3"/> أول ذلك أن هذه الأجسام مختلفة الجواهر. وهؤلاء لا يقولون به. وثانيا أن طبيعة الجسمية
<lb n="4"/> التى لها لا يكون مستحيلًا عليها ذلك وإنما يستحيل ذلك عليها من حيث صورة تنوعها،
<lb n="5"/> ونحن لا نمنع ذلك، ويجوز أن يقارن الجسمية شىء يجعل ذلك الجسم قائما نوعا لا يقبل
<lb n="6"/> القسمة ولا الإتصال بغيره؛ وهذا قولنا فى الفلك. والذى يحتاج إليه ههنا هو أن تكون
<lb n="7"/> طبيعة الجسمية لا تمنع ذلك بما هى طبيعة الجسمية. </p>
<p n="18">
<lb n="8"/>فنقول أولا: قد تحققنا أن الجسمية من حيث هى جسمية ليست غير
<lb n="9"/> قابلة للإنقسام، ففى كلطباع الجسمية أن تقبل الإنقسام. فيظهر من هذا أن صورة
<lb n="10"/> الجسم والأبعاد قائمة فى شىء. وذلك أن هذه الأبعاد هى الإتصالات أنفسها أو شىء
<lb n="11"/> يعرض للإتصال، على ما سنحققها، وليست أشياء يعرض لها
<pb n="67" edRef="#source_2"/> الإتصال. فإن لفظ
<lb n="12"/> الأبعاد إسم لنفس الكميات المتصل لا للأشياء التى تعرض لها الإتصال. والشىء الذى
<lb n="13"/> هو الإتصال نفسه أو المتصل بذاته فمستحيل أن يبقى هو بعينه، وقد [بطل] الإتصال.
<lb n="14"/> فكل إتصال [بُعْدٍ] إذا انفصل بطل ذلك البعد وحصل بعدان آخران. وكذلك إذا حصل
<lb n="15"/> إتصال، أعنى الإتصال بالمعنى الذى هو فصل لا عروض، وقد بينا هذا فى موضع آخر.
<lb n="16"/> فقد حدث بعد آخر وبطل كل واحد مما كان بخاصيته. ففى الأجسام إذن شىء موضوع
<lb n="17"/> للاتصال والانفصال، ولما يعرض للاتصال من المقادير المحدودة. </p>
<p n="19">
<lb n="18"/>وأيضا فإن الجسم من حيث هو جسم له صورة الجسمية، فهو شىء بالفعل؛
<lb n="19"/> ومن حيث هو مستعد أى استعداد شئت فهو بالقوة؛ ولا يكون الشىء من حيث هو
<pb n="54"/>
<lb n="1"/> بالقوة شيئا هو من حيث هو بالفعل شيئا آخر، فتكون القوة للجسم لا من حيث له الفعل.
<lb n="2"/> فصورة الجسم تقارن شيئا آخر غير له فى أنه صورة، فيكون الجسم جوهرًا مركبًا من
<lb n="3"/> شىء عنه له القوة، ومن شىء عنه له الفعل. فالذى له به الفعل هو صورته، والذى عنه
<lb n="4"/> بالقوة هو مادته، وهو الهيولى. </p>
<p n="20">
<lb n="5"/>ولسائل أن يسأل ويقول: فالهيولى أيضا مركبة، وذلك لأنها فى نفسها هيولى
<lb n="6"/> وجوهر بالفعل، وهى مستعدة أيضا. </p>
<p n="21">
<lb n="7"/>فنقول: إن جوهر الهيولى وكونها بالفعل هيولى ليس شيئا آخر إلا أنه جوهر
<lb n="8"/> مستعد لكذا، والجوهرية التى لها تجعلها بالفعل شيئًا من الأشياء،
<pb n="68" edRef="#source_2"/>بل تُعدِّها لأن
<lb n="9"/> تكون بالفعل شيئا بالصورة. وليس معنى جوهريتها إلا أنها أمر ليس فى موضوع. فالإثبات
<lb n="10"/> ههنا هو أنه أمر، وأما أنه ليس فى موضوع فهو سلب، «وأنه أمر» ليس يلزم منه أن يكون
<lb n="11"/> شيئا معينا بالفعل لأن هذا عام، ولا يصير الشىء بالفعل شيئا بالأمر العام ما لم يكون له فصل
<lb n="12"/> يخصه وفصله أنه مستعد لكل شىء، فصورته التى تظن له هى أنه مستعد قابل. </p>
<p n="22">
<lb n="13"/>فإذن ليس ههنا حقيقة للهيولى تكون بها بالفعل، وحقيقة أخرى بالقوة؛ إلا
<lb n="14"/> أن يطرأ عليه حقيقة من خارج، فيصير بذلك الفعل وتكون، فى نفسها واعتبار وجود
<lb n="15"/> ذاتها، بالقوة. وهذه الحقيقة هى الصورة. ونسبة الهيولى إلى هذين المعنيين أشبه بنسبة
<lb n="16"/> البسيط إلى ما هو جنس وفصل من نسبة المركب إلى ما هو هيولى وصورة. </p>
<p n="23">
<lb n="17"/>فقد بان من هذا أن صورة الجسمية من حيث هى صورة الجسمية محتاجة
<lb n="18"/> إلى مادة، ولأن طبيعة الصورة الجسمية فى نفسها من حيث هى صورة جسمية لا
<lb n="19"/> تختلف. فإنها طبيعية واحدة بسيطة، ليس يجوز أن تتنوع بفصول تدخل عليها بما هى
<pb n="55"/>
<lb n="1"/> جسمية، فإن دخلتها فصول تكون أمورا تنضاف إليها من خارج، وتكون أيضا إحدى
<lb n="2"/> الصور المقارنة للمادة، ولا يكون حكمها معها حكم الفصول الحقيقية. </p>
<p n="24">
<lb n="3"/>وبيان هذا هو أن الجسمية إذا خالفت جسمية الأخرى فيكون لأجل أن
<lb n="4"/> هذه حارة وتلك باردة، أو هذه لها طبيعة فلكية وتلك لها طبيعة أرضية. وليس
<pb n="69" edRef="#source_2"/>
<lb n="5"/> هذا كالمقدار الذى ليس هو فى نفسه شيئا محصلا ما لم يتنوع بأن يكون خطا أو سطحا
<lb n="6"/> أو جسما، وكالعدد الذى هو ليس شيئا محصلا ما لم يتنوع أثنين أو ثلاثة أو أربعة. ثم
<lb n="7"/> إذا تحصل لا يكون تحصيله بأن ينضاف إليه شىء من خارج، وتكون الطبيعة الجنسية
<lb n="8"/> كالمقدارية أو العددية دونها طبيعة قائمة مشار إليها تنضاف إليها طبيعة أخرى فتتنوع بها؛
<lb n="9"/> بل تكون طبيعة الاثنينية نفسها هى العددية التى تحمل على الاثنينية وتختص بها، والطولية
<lb n="10"/> نفسها هى المقدارية التى تحمل عليها وتختص بها. </p>
<p n="25">
<lb n="11"/>وأما ههنا فلا يكون كذلك، بل الجسمية إذا أضيف إليها صورة أخرى لا تكون
<lb n="12"/> تلك الصورة التى تظن فصلا والجسمية باجتماعها جسمية، بل تكون الجسمية أحدهما
<lb n="13"/> متحصلة فى نفسها متحققة. فإنا نعنى ههنا بالجسمية التى كالصورة لا التى كالجنس، وقد
<lb n="14"/> عرفت الفرق بينهما فى كتاب البرهان، وسيأتيك ههنا إيضاح وبيان لذلك. </p>
<p n="26">
<lb n="15"/>على أنك قد تحققت فيما تبين لك الفرق بينهما، ما كان كالمقدار يجوز أن
<lb n="16"/> تكون أنواعه تختلف بأمور لها فى ذاتها؛ والمقدار المطلق لا يكون له فى ذاته شىء منها،
<lb n="17"/> وذلك لأن المقدار المطلق لا تتحصل له ذات متقررة إلا أن تكون خطا أو سطحا، فإذا
<lb n="18"/> تحصل خطا أو سطحا، جاز أن يكون للخط لذاته مخالفة للسطح بفصل هو محصل
<lb n="19"/> لطبيعة المقدارية، خطا أو سطحا.
<pb n="70" edRef="#source_2"/>
<pb n="56"/>
</p>
<p n="27">
<lb n="1"/>وأما الجسمية التى نتكلم فيها فهى فى نفسها طبيعة محصلة، ليس تحصل
<lb n="2"/> نوعيتها بشىء ينضم إليها، حتى لو توهمنا أنه لم ينضم إلى الجسمية معنى، بل كانت
<lb n="3"/> جسمية لم يكون متحصلا فى أنفسنا إلا مادة وإتصال فقط. وكذا إذا أثبتنا مع
<lb n="4"/> الإتصال شيئا آخر فليس لأن الإتصال نفسه لا يتحصل لنا إلا بإضافته إليه وقرنه به، بل
<lb n="5"/> بحجج أخرى تبين أن الإتصال لا يوجد بالفعل وحده. فليس أن لا يوجد الشىء بالفعل
<lb n="6"/> موجودا هو أن لا تتحصل طبيعته، فإن البياض والسواد كل شىء منهما متحصل الطبيعة
<lb n="7"/> معنى متخصصًا، أتم تخصيصه الذى هو فى ذاته؛ ثم لا يجوز أن يوجد بالفعل إلا فى مادة. </p>
<p n="28">
<lb n="8"/>وأما المقدار مطلقا فيستحيل أن يتحصل طبيعة مشارا إليها إلا أن يجعل
<lb n="9"/> بالضرورة خطًا أو سطحًا، حتى يصير جائزا أن يوجد؛ لا أن المقدار يجوز أن يوجد مقدارا،
<lb n="10"/> ثم يتبعه أن يكون خطا أو سطحا على سبيل أن ذلك شىء لا يوجد الأمر دونه بالفعل.
<lb n="11"/> وإن كان متحصل الذات، فإن هذا ليس كذلك، بل الجسمية تتصور أنها وجدت بالأسباب
<lb n="12"/> التى لها أن توجد بها وفيها وهى جسمية فقط بلا زيادة، والمقدار لا يتصور أنه وجد
<lb n="13"/> بالأسباب التى له أن يوجد بها وفيها وهو مقدار فقط بلا زيادة. فذلك المقدار لذاته يحتاج
<lb n="14"/> إلى فصول حتى يوجد شيئا متحصلا، وتلك الفصول ذاتيات له لا تحوجه إلى أن
<pb n="71" edRef="#source_2"/>
<lb n="15"/> يصير لحصولها غير المقدار. فيجوز أن يكون مقدارا يخالف مقدارا فى أمر له بالذات. </p>
<p n="29">
<lb n="16"/>وأما صورة الجسمية من حيث هى جسمية فهى طبيعة واحدة بسيطة محصلة
<lb n="17"/> لا اختلاف فيها، ولا تخالف مجرد صورة جسمية لمجرد صورة جسمية بفصل داخل فى
<pb n="57"/>
<lb n="1"/> الجسمية، وما يلحقها إنما يلحقها على أنها شىء خارج عن طبيعتها. فلا يجوز إذن أن تكون
<lb n="2"/> جسمية محتاجة إلى مادة، وجسمية غير محتاجة إلى مادة. واللواحق الخارجية لا تغنيها
<lb n="3"/> عن الحاجة إلى المادة بوجه من الوجوه، لأن الحاجة إلى المادة إنما تكون للجسمية ولكل ذى
<lb n="4"/> مادة لأجل ذاته، وللجسمية من حيث هى جسمية لا من حيث هى جسمية مع لاحق. </p>
<p n="30">
<lb n="5"/>فقد بان أن الأجسام مؤلفة من مادة وصورة.
<pb n="72" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="6"/> [الفصل الثالث]
<lb n="7"/>
<num>ج</num>فصل
<lb n="8"/> فى أن المادة الجسمانية لا تتعرى عن الصورة </head>
<p n="1">
<lb n="9"/>ونقول الآن إن هذه المادة الجسمانية يستحيل أن توجد بالفعل متعرية عن
<lb n="10"/> الصورة. ومما يوضح ذلك بسرعة أنا بينا أن كل وجود يوجد فيه شىء بالفعل محصل
<lb n="11"/> قائم، وأيضا استعداد لقبول شىء آخر، فذلك الوجود مركب من مادة وصورة، والمادة
<lb n="12"/> الأخيرة غير مركبة من مادة وصورة. </p>
<p n="2">
<lb n="13"/>وأيضا إنها إن فارقت الصورة الجسمية فلا يخلو إما أن يكون لها وضع وحيز
<lb n="14"/> فى الوجود الذى لها حينئذ، أو لا يكون، فإن كان لها وضع وحيز وكان يمكن أن تنقسم
<lb n="15"/> فهى لا محالة ذات مقدار وقد فرض لا مقدار لها، وإن لم يمكن أن تنقسم ولها وضع،
<lb n="16"/> فهى لا محالة نقطة ويمكن أن ينتهى إليها خط، ولا يجوز أن تكون مفردة الذات منحازة،
<lb n="17"/> على ما علمت فى مواضع. </p>
<p n="3">
<lb n="18"/>وأما إن كان هذا الجوهر لا ضع له ولا إليه إشارة، بل هو كالجواهر المعقولة،
<lb n="19"/> لم يخل إما أن يحل فيه البُعْد المحصل بأسره دفعة، أو يتحرك هو إلى كمال مقداره تحركًا
<pb n="58"/>
<lb n="1"/> على الإتصال. فإن حل فيه المقدار دفعة وحصل لا محالة مع تقدره فى حيز مخصوص،
<lb n="2"/> فيكون قد صادفه المقدار مختصا بحيّز، وإلا لم يكن
<pb n="73" edRef="#source_2"/>حيز أولى به من حيز، فقد
<lb n="3"/> صادفه المقدار حيث انضاف إليه، فيكون لا محالة قد صادفه وهو فى الحيز الذى هو
<lb n="4"/> فيه، فيكون ذلك الجوهر متحيزا، إلا أنه عساه أة لا يكون محسوسا، وقد قد فرض غير
<lb n="5"/> متحيز البتة، هذا خلف. ولا يجوز أن يكون التحيز قد حصل له دفعة من قبول المقدار،
<lb n="6"/> لأن المقدار إن وافاه وليس هو فى حيز كان المقدار يقترن به لا فى حيز، ولم يكن يوافيه فى
<lb n="7"/> حيز مخصوص من الأحياز المختلفة المحتملة له، فيكون حينئذ لا حيز له، وهذا محال؛
<lb n="8"/> أو يكون فى كل حيز يمكن أن يكون له لا يخصصه ببعضه، وهذا أيضا محال. </p>
<p n="4">
<lb n="9"/>وهذا يظهر ظهورًا أكثر فى توهمنا الهيولى مدرة ما قد تجردت ثم حصل حصل فيها
<lb n="10"/> صورة تلك المدرة، فلا يجوز أن تحصل فيها وليست فى حيز، ولا يجوز أن تكون تلك
<lb n="11"/> المدرة تحصل فى كل حيز هو بالقوة حيز طبيعى للمدرة، فإن المدرية لا تجعلها شاغلة لكل
<lb n="12"/> حيز لنوعها، ولا تجعلها أولى بجهة من حيزها دون جهة، ولا يجوز أن توجد إلا فى جهة
<lb n="13"/> مخصوصة من جملة كلية الحيز، ولا يجوز أن تتحصل فى جهة مخصوصة، ولا مخصص
<lb n="14"/> له بها من الأحوال. إذ ليس إلا اقتران صورة بمادة، وذلك مشترك الإحتمال للحصول فى
<lb n="15"/> أى جهة كانت من الجهات الطبيعية لأجزاء الأرض. وقد علمت أن مثل هذا الحصول فى
<lb n="16"/> جهة من الحيز إنما يكون فيما يكون بسبب وقوعه بالقرب [منه] بقسر قاسر خصص
<lb n="17"/> ذلك القرب باتجاهه
<pb n="74" edRef="#source_2"/>إلى ذلك المكان بعينه بالحركة المستقيمة أو حدوثه فى الابتداء
<lb n="18"/> هناك. وبذلك القرب أو وقوعه فيه بنقل ناقل لذلك تخصص، وقد أشبع لك الكلام فى
<pb n="59"/>
<lb n="1"/> هذا. فالهيولى التى للمدرة لا تختص بعد التجريد، ثم ليس صورة للمدرية بجهة إلا أن يكون
<lb n="2"/> لها مناسبة مع تلك الجهة. لتلك المناسبة، لا ليس لكونها هيولى أؤلا؛ ولا لنفس اكتسابها
<lb n="3"/> بالصورة ثانيا تخصصت بها؛ وتلك المناسبة وضع ما. </p>
<p n="5">
<lb n="4"/>وكذلك إن كان قبوله المقدار بكماله لا دفعة، بل على انبساط، وعلى أن كل
<lb n="5"/> ما من شأنه أن ينبسط، فله جهات، وكل ما له جهات فهو ذو وضع فيكون ذلك الجوهر
<lb n="6"/> ذا وضع وحيز، وقيل لا وضع له ولا حيز، وهذا خلف. </p>
<p n="6">
<lb n="7"/>والذى أوجب هذا كله فرضُنا أنه يفارق الصورة الجسمية، فيمتنع أن يوجد
<lb n="8"/> بالفعل إلا متقوما بالصورة الجسمية، وكيف تكون ذاتٌ لا حيز لها فى القوة ولا فى الفعل
<lb n="9"/> تقبل الكم؟ فتبين أن المادة لا تبقى مفارقة. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>وأيضا فإنها لا تخلو إما أن يكون وجودها وجودَ قابلٍ، فيكون دائما قابلا
<lb n="11"/> لشىء لا يعرى عن قبوله لها، وإما أن يكون لها وجود خاص متقوم، ثم يلحق به أنه
<lb n="12"/> يقبل فيكون بوجودها الخاص المتقوم غير ذى كم وغير ذى حيز،
<pb n="75" edRef="#source_2"/>فيكون المقدار
<lb n="13"/> الجسمانى هو الذى [عرض] له وصير ذاته بحيث له بالقوة أجزاء بعد ما آن لِذَاته أن
<lb n="14"/> تقوّم جوهرا فى نفسه غير ذى حيز ولا كمية ولا قبول قسمة. </p>
<p n="8">
<lb n="15"/>فإن كان قبوله الخاص الذى يتقوم به لا يبقى عند التكثر أصلا، فيكون ما
<lb n="16"/> هو متقوم بأنه لا حيز له، ولا ينقسم بالوهم، [والفرض] يعرض له أن يبطل عنه ما يتقوم
<lb n="17"/> به الفعل لورود عارض عليه، وإن كانت تلك الوحدانية لا لما تقوّم به الهيولى؛ بل لأمر
<lb n="18"/> آخر. ويكون ما فرضناه وجودًا خاصا له ليس وجودا خاصا به يتقوم، فيكون حينئذ
<pb n="60"/>
<lb n="1"/> للمادة صورة عارضة بها تكون واحدة بالقوة والفعل، وصورة أخرى عارضة بها تكون تكون
<lb n="2"/> غير واحدة بالقوة والفعل. فيكون بين الأمرين شىء مشترك، هو قابل للأمرين، من شأنه
<lb n="3"/> أن يصير مرة وليس فى قوته أن ينقسم ومرة أخرى وفى قوته أن ينقسم أعنى القوة القريبة
<lb n="4"/> التى لا واسطة لها. </p>
<p n="9">
<lb n="5"/>فلنفرض الآن هذا الجوهر وقد صار بالفعل اثنين، وكل واحد منهما بالعدد غير
<lb n="6"/> الآخر، وحكمه أنه يفارق الصورة الجسمانية، فليفارق كل واحد منهما الصورة الجسمانية،
<lb n="7"/> فيبقى كل واحد منهما جوهرا واحدا بالقوة والفعل. ولنفرضه بعينه أنه لم ينقسم إلا أنه أزيل
<lb n="8"/> عنه الصورة الجسمانية حتى يبقى جوهرا واحدا بالقوة والفعل، فلا يخلو إما أن يكون
<lb n="9"/> بعينه هذا الذى يبقى جوهرا وهو غير جسم، هو بعينه مثل الذى هو كجزئه الذى بقى
<lb n="10"/> كذلك مجردًا أو يخالفه؛
<pb n="76" edRef="#source_2"/>فإم خالفه فلا يخلو إما أن يكون لأن هذا بقى وذلك
<lb n="11"/> عُدم، أو بالعكس، أو يكون كلاهما قد بقيا ــ ولكن تختص بهذا كيفية أو صورة لا
<lb n="12"/> توجد إلا لذلك ــ أو يختلفان بالتفاوت بعد الإتفاق فى المقدار أو الكيفية أو غير ذلك. </p>
<p n="10">
<lb n="13"/>فإن بقى أحدهما وعدم الآخر، والطبيعة واحدة، متشابهة، وإنما أعدَم
<lb n="14"/> أحدَهما رفعُ الصورة الجسمانية فيجب أن يعدِمَ الآخر ذلك بعينه. وإن اختص بهذا
<lb n="15"/> كيفية، والطبيعة واحدة ولم تحدث حالة إلا مفارقة للصورة الجسمانية، ولم يحدث مع هذه
<lb n="16"/> حالة إلا ما يلزم هذه الحالة، فيجب أن يكون حال الآخر كذلك. </p>
<p n="11">
<lb n="17"/>فإن قيل: إن الأولين وهما اثنان متحدان فيصيران واحدا؛ فنقول: ومحال
<lb n="18"/> أن يتحد جوهران، لأنهما إن اتحدا وكل منهما موجود فهما اثنان لا واحد، وإن
<lb n="19"/> اتحدا وأحدهما معدوم والآخر موجود فالمعدوم كيف يتحد بالموجود؟ وإن عدما جميعا
<pb n="61"/>
<lb n="1"/> باالإتحاد وحدث شىء ثالث منهما فهما غير متحدين بل فاسدين، وبينهما وبين الثالث
<lb n="2"/> مادة مشتركة، وكلامنا فى نفس المادة لا فى شىء ذى مادة. وأما إن اختلفا بالتفاوت
<lb n="3"/> فى المقدار أو غير ذلك، فيجب أن يكونا وليس لهما صورة جسمانية ولهما صورة
<lb n="4"/> مقدارية، وهذا خلف. وأما أن لا يختلفا بوجه من الوجوه، فيكون حينئذ حكم الشىء
<lb n="5"/> لو لم ينفصل عنه ما هو غيره، هو حكمه بعينه وقد انفصل عنه غيره، وحكمه مع غيره
<lb n="6"/> وحكمه
<pb n="77" edRef="#source_2"/>وحده ومن كل جهة حكما واحدا، هذا خلف. أعنى أن يكون حكم
<lb n="7"/> بعض الموضوع وحكم كله واحدًا من كل جهة، أعنى أن يكون لو كان الشىء لن ينقص
<lb n="8"/> بأن [لَمْ يؤخذ] منه شىء كما إذا أخذ منه شىء، وحكمه ولم يضف إليه شىء حكمه
<lb n="9"/> وقد أضيف إليه شىء. </p>
<p n="12">
<lb n="10"/>وبالجملة كل شىء يجوز فى وقت من الأوقات أن يصير اثنين، ففى طباع
<lb n="11"/> ذاته استعداد للإنقسام لا يجوز أن يفارقه، وربما يمتنع عنه بعارض غير استعداد الذات،
<lb n="12"/> وذلك الاستعداد محال إلا بمقارنة المقدار للذات. </p>
<p n="13">
<lb n="13"/>فبقى أن [المادة] لا تتعرّى عن الصورة الجسمية. ولأن هذا الجوهر إنما صار
<lb n="14"/> كمّا [بمقدار] حلّه، فليس بكم بذاته، فليس يجب أن تختص ذاته بقبول قطر بعينه دون
<lb n="15"/> قطر وقدر دون قدر، وإن كانت الصورة الجسمية واحدة. ونسبة ما هو غير مجتزئ ولا
<lb n="16"/> متكّمم فى ذاته، بل إنما يتجزأ ويتكمم بغيره إلى أى مقدار يجوز وجوده نسبة واحدة،
<lb n="17"/> وإلا فله مقدار فى ذاته يطابق ما يساويه دون ما يفضل عليه. </p>
<p n="14">
<lb n="18"/>فبين من هذا أنه يمكن أن تصغر المادة بالتكاثف وتكبر بالتخلخل، وهذا
<lb n="19"/> محسوس، بل يجب أن يكون تعين المقدار عليها بسبب يقتضى فى الوجود ذلك
<pb n="78" edRef="#source_2"/>
<pb n="62"/>
<lb n="1"/> المقدار. وذلك [السبب] لايخلو إما أن يكون أحد الصور والأعراض التى تكون فى
<lb n="2"/> المادة، أو سببا من خارج. فإن كان سببًا من خارج فإما أن يفيد ذلك المقدار المقدر بتوسط
<lb n="3"/> أمر آخر أو بسبب استعداد خاص، فيكون حكم هذا وحكم القسم الأول واحدًا يرجع
<lb n="4"/> إلى أن الأجسام لإختلاف أحوالها تختلف مقاديرها. وإما أن لا تكون الإفادة بسبب ذلك
<lb n="5"/> وبتوسطه، فتكون الأجسام متساوية الإستحقاق للكم ومتساوية الأحجام، وهذا كاذب. </p>
<p n="15">
<lb n="6"/>ومع ذلك أيضا فليس يجب أن يصدر عن ذلك السبب حجم بعينه دون
<lb n="7"/> حجم إلا لأمر، وأعنى بذلك الأمر شرطا ينضاف إلى المادة به تستحق المقدار المعين،
<lb n="8"/> لا لنفس كونها مادة ولا أيضا لكونها مادة لها مصور بالكمية، بل يكون للمادة شىء لأجله
<lb n="9"/> تستحق أن يصورها المصور بذلك الحجم والكمية. ويجوز أن تختلف بالنوع مطلقا،
<lb n="10"/> ويجوز أن تختلف بالأشد والأضعف ليس بالنوع مطلقا، وإن كان الأشد والأضعف
<lb n="11"/> قد يقارب الإختلاف فى النوع، لكن بين الإختلاف بالنوع مطلقا وبين الإختلاف بالأشد
<lb n="12"/> والأضعف مخالفة معلومة عند المعتبرين. فقد علم أن الهيولى قد تتهيأ بعينها لمقادير
<lb n="13"/> مختلفة وهذا أيضا مبدأ للطبيعيات. </p>
<p n="16">
<lb n="14"/>وأيضا فإن كل جسم يختص لا محالة بحيز من الأحياز، و ليس له الحيز
<lb n="15"/> الخاص به بما هو جسم، وإلا لكان كل جسم كذلك، فهو إذن لا محالة مختص به لصورة
<lb n="16"/> ما فى ذاته، وهذا بين. فإنه إما أن يكون غير قابل للتشكيلات والتفصيلات
<pb n="79" edRef="#source_2"/> فيكون
<lb n="17"/> بصورة ما صار كذلك [لا أنه] بما هو جسم قابل له، وإما أن يكون قابلا لها بسهولة
<lb n="18"/> أو بعسر. وكيف ما كان، فهو على إحدى الصور المذكورة فى الطبيعيات. فإذن المادة
<pb n="63"/>
<lb n="1"/> الجسمية لا توجد مفارقة للصورة. فالمادة إذن إنما تتقوم بالفعل بالصورة، فإذن المادة إذا
<lb n="2"/> جردت فى التوهم، فقد فعل بها ما لا يثبت معه فى الوجود.
<pb n="80" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الرابع]
<lb n="4"/>
<num>د</num>فصل
<lb n="5"/> فى تقديم الصورة على المادة فى مرتبة الوجود </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>فقد صحّ أن المادة الجسمانية إنما تقوم بالفعل عند وجود الصورة، وأيضًا فإن
<lb n="7"/> الصورة المادية ليست توجد مفارقة للمادة. فلا يخلو إما أن تكون بينهما علاقة المضاف
<lb n="8"/> فلا تعقل ماهية كل واحد منهما إلا مقولة بالقياس إلى الآخر. وليس كذلك، فإنا نعقل
<lb n="9"/> كثيرا من الصور الجسمانية، ونحتاج إلى تكلف شديد حتى نثبت أن لها مادة، وكذلك
<lb n="10"/> هذه المادة نعقلها الجوهرَ المستعد، ولا نعلم من ذلك أن ما تستعد له يجب أن يكون فيه
<lb n="11"/> منه شىء بالفعل إلا ببحث ونظر. نعم هى من حيث هى مستعدة مضافة إلى مستعد
<lb n="12"/> له وبينهما علاقة الإضافة، لكن كلامنا فى مقايسة ما بين ذاتيهما دون ما يعرض لهما من
<lb n="13"/> إضافة أو يلزمهما، وقد عرفت كيف هذا. </p>
<p n="2">
<lb n="14"/>وأيضًا فإن كلامنا فى الحال بين المادة وبين الصورة من حيث هى موجودة.
<lb n="15"/> والإستعداد لا يوجب علاقة مع شىء هو موجود لا محالة، وإن كان يجوز
<pb n="81" edRef="#source_2"/>
<lb n="16"/> ذلك. فلا يخلو إما أن تكون العلاقة بينهما علاقة ما بين العلة والمعلول، وإما أن تكون
<lb n="17"/> العلاقة بينهما علاقة أمرين متكافئى الوجود ليس أحدهما علة ولا معلولا للآخر، ولكن لا
<pb n="64"/>
<lb n="1"/> يوجد أحدهما إلا والآخر يوجد. وكل شيئين ليس أحدهما علة للآخر ولا معلولا له ثم
<lb n="2"/> بينهما هذه العلاقة فلا يجوز أن يكون رفع أحدهما علة لرفع علة الآخر من حيث هو ذات،
<lb n="3"/> بل يكون أمرًا معه، أعنى يكون رفعا لا يخلو عن أن يكون مع رفع، لا رفعا موجب
<lb n="4"/> رفع، إن كان ولا بد. وقد عرفت الفرق بين الوجهين، فقد عرفت أن الشىء الذى رفعه
<lb n="5"/> علتة لرفع شىء آخر فهو علته، فقد بان هذا لك قبل فى مواضع على التفصيل وسيزداد
<lb n="6"/> إيضاحا فى خلل ما نفهمه. </p>
<p n="3">
<lb n="7"/>وأما الآن فقد علمت، ههنا، أنه فرق بين أن يقال فى الشىء: إن رفعه علة
<lb n="8"/> لرفع شىء؛ وبين أن يقال: لا بد من أن يكون مع رفعه رفع شىء. فإن كان ليس رفع أحد
<lb n="9"/> هذين الشيئين المذكورين علة لرفع الآخر، بل لا بد من أن يكون مع رفعه إرتفاع الآخر، فلا
<lb n="10"/> يخلو إما أن يكون رفع المرفوع منهما يوجب رفع شىء ثالث غيرهما، أو يجب عن رفع
<lb n="11"/> شىء ثالث، حتى أنه لولا رفع عَرض لذلك الثالث لم يمكن رفع هذا، أو لا يكون شىء
<lb n="12"/> من ذلك. فإن لم [يكن]، بل كان ليس يرتفع هذا إلا مع ذلك، وذلك إلا مع هذا من غير
<lb n="13"/> سبب ثالث غير طبيعتهما، فطبيعة كل واحد منهما متعلقة فى الوجود، بالفعل، بالآخر.
<lb n="14"/>
<pb n="82" edRef="#source_2"/>فإما أن يكون ذلك لماهيتهما فتكون مضافة، وقد بان أنها ليست مضافة؛ وإما
<lb n="15"/> أن يكون فى وجودهما. وبين أن مثل هذا لا يكون واجب الوجود فيكون فى ماهيته
<lb n="16"/> ممكن الوجود، لكنه يصير بغيره واجب الوجود فلا يجوز البتة أن يصير واجب الوجود
<lb n="17"/> بذلك الآخر؛ فقد بينا هذا. فيجب أن يصير واجب الوجود هو وصاحبه معه فى آخر
<lb n="18"/> الأمر، إذا ارتقينا إلى العلل بشىء ثالث، ويكون ذلك الشىء الثالث، من حيث هو علة
<pb n="65"/>
<lb n="1"/> بالفعل لوجوب أحدهما، لا يصح رفع أحدهما إلا برفع كونه علة بالفعل. فيكون هذان
<lb n="2"/> إنما يرتفعان برفع سبب ثالث، وقد قلنا ليس كذلك، هذا خلف. فقد بطل هذا، وبقى
<lb n="3"/> الحق أحد القسمين الآخرين. </p>
<p n="4">
<lb n="4"/>فإن كان رفعهما بسبب رفع شىء ثالث حتى يكونا هما معلولاه، فلننظر كيف
<lb n="5"/> يمكن أن تكون ذات كل واحد منهما تتعلق بمقارنة ذات الآخر. فإنه لا يخلو إما أن يكون
<lb n="6"/> كل واحد منهما يجب وجوده من العلة بواسطة صاحبه، فيكون كل واحد منهما هو العلة
<lb n="7"/> القريبة لوجوب وجود صاحبه، وهذا محال، فقد بان أن هذا مستحيل فيما سلف من
<lb n="8"/> أقاويلنا؛ وإما أن يكون أحدهما بعينه أقرب إلى هذا الثالث، فيصير هو العلة الواسطة،
<lb n="9"/> والثانى هو المعلول، ويكون الحق هو القسم الذى قلنا: إن العلاقة بينهما علاقة يكون بها
<lb n="10"/> أحدهما علة والآخر معلولا.
<pb n="83" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="11"/>فأما إن كان رفع أحدهما يوجب رفع ثالث يجب عن رفعه رفع الثانى منهما،
<lb n="12"/> فقد صار أحدهما علة العلة، وعلة العلة علة. والأمر يتقرر فى آخره على أن يكون
<lb n="13"/> أحدهما معلولا والآخر علة. </p>
<p n="6">
<lb n="14"/>فلننظر الآن أيهما ينبغى أن تكون العلة منهما. فأما المادة فلا يجوز أن تكون هى
<lb n="15"/> العلة لوجود الصورة، أما أولا: فلأن المادة إنما هى مادة، لأن لها قوة القبول والاستعداد،
<lb n="16"/> والمستعد بما هو مستعد لا يكون سببا لوجود ما هو مستعد له، ولو كان سببا لوجب أن
<lb n="17"/> يوجد ذلك دائما له من غير استعداد. </p>
<p n="7">
<lb n="18"/>وأما ثانيا: فإنه من المستحيل أن تكون ذات الشىء سببا لشىء بالفعل وهو بعد
<lb n="19"/> بالقوة؛ بل يجب أن تكون ذاته قد صارت بالفعل، ثم صار سببا لشىء آخر، سواء كان
<pb n="66"/>
<lb n="1"/> هذا التقدم بالزمان أو بالذات، أعنى ولو لم يكن البتة موجودا إلا وهو سبب للثانى، وإلا
<lb n="2"/> أن يقوم به الثانى بالذات، ولذلك يكون متقدما بالذات. وسواء كان ما هو سبب له يقارن
<lb n="3"/> ذاته أو يكون مفارقا ذاته، فإنه يجوز أن يكون بعض أسباب وجود الشىء إنما يكون عنه
<lb n="4"/> وجود شىء يكون مقارنًا لذاته، وبعض أسباب وجود الشىء إنما يكون عنه وجود شىء
<lb n="5"/> مباين لذاته، فإن العقل ليس ينقبض عن تجويز هذا؛ ثم البحث يوجب وجود القسمين
<lb n="6"/> جميعا، فإن كانت المادة سببا للصورة فيجب أن تكون لها ذات بالفعل أقدم من الصورة،
<lb n="7"/> وقد منعنا هذا منعًا ليس بناؤه على أن ذاته لا يمكن أن يوجد
<pb n="84" edRef="#source_2"/>إلا ملتزما لمقارنة
<lb n="8"/> الصورة، بل على أن ذاته يستحيل وجودها أن يكون بالفعل إلا بالصورة؛ وبين الأمرين فرق. </p>
<p n="8">
<lb n="9"/>وأما ثالثا فإنه إذا كانت المادة هى العلة القريبة للصورة، والمادة لا اختلاف لها
<lb n="10"/> فى ذاتها، وما يلزم عن الشىء الذى لا اختلاف فيه لا اختلاف فيه البتة، فكان يجب أن
<lb n="11"/> تكون الصورة المادية لا اختلاف فيها. فإن كان اختلافها لأمور تختلف من أحوال للمادة،
<lb n="12"/> فتكون تلك الأمور هى الصور الأولى فى المادة، ويعود الكلام بأصله جذعا. فإن كان علة
<lb n="13"/> وجود هذه الصور المختلفة المادة وشىء آخر مع المادة ليس فى المادة، حتى لا تكون المادة
<lb n="14"/> وحدها هى العلة القريبة، بل المادة وشىء آخر، فيكون ذلك الشىء الآخر والمادة إذا
<lb n="15"/> اجتمعا جميعًا حصل صورة ما معينة فى المادة. وإن كان شىء غير ذلك الآخر واجتمع
<lb n="16"/> مع المادة حصلت صورة غير تلك الصورة المعينة، فتكون المادة فى الحقيقة لها قبول الصورة. </p>
<p n="9">
<lb n="17"/>وأما خاصية كل صورة فإنما تكون عن تلك العلل. وإنما تكون كل صورة هى
<lb n="18"/> هى بخاصيتها، فتكون علة وجود كل صورة بخاصيتها هى الشىء الخارج، ولا يكون
<pb n="67"/>
<lb n="1"/> للمادة فى تلك الخاصية صنع، وإنما كانت تلك الصورة موجودة وجودها بتلك الخاصية،
<lb n="2"/> فيكون لا صنع للمادة فى خصوصية وجود كل صورة،
<pb n="85" edRef="#source_2"/>إلا أنها لا بد منها فى
<lb n="3"/> أن توجد لصورة فيها، وهذه خاصية العلة القابلية، فيبقى لها القبول فقط. فقد بطل أن
<lb n="4"/> تكون المادة علة للصورة بوجه من الوجوه. وقد بقى أن تكون الصورة وحدها هى التى
<lb n="5"/> بها يجب وجود المادة. فلننظر هل يمكن أن تكون الصورة وحدها هى التى بها يجب
<lb n="6"/> وجود المادة. فنقول: </p>
<p n="10">
<lb n="7"/>أما الصورة التى لا تفارقها مادتها فذلك جائز فيها، وأما الصورة التى تفارق
<lb n="8"/> المادة، وتبقى المادة موجودة بصورة أخرى، فلا يجوز ذلك فيها. وذلك لأن هذه الصورة،
<lb n="9"/> لو كانت وحدها لذاتها علة، لكانت المادة تعدم بعد عدمها، وتكون للصورة المستأنفة
<lb n="10"/> مادة أخرى توجد عنها، ولكانت تلك المادة حادثة، ولكان يحتاج لها إلى مادة أخرى.
<lb n="11"/> فيجب إذن أن تكون علة وجود المادة شيئا مع الصورة، حتى تكون المادة أنما يفيض
<lb n="12"/> وجودها عن ذلك الشىء. لكن يستحيل أن يكمل فيضانه عنه بلا صورة البتة، بل إنما
<lb n="13"/> يتم الأمر بهما جميعا. </p>
<p n="11">
<lb n="14"/>فيكون تعلق المادة فى وجودها بذلك الشىء وبصورة كيف كانت تصدر عنه
<lb n="15"/> فيها، فلا تعدم بعدم الصورة، إذ الصورة لا تفارقها إلا لصورة أخرى تفعل مع العلة ــ التى
<lb n="16"/> عنها مبدأ وجود المادة ــ ما كانت تفعله الصورة الأولى. فيما أن هذا الثانى يشارك الأول
<lb n="17"/> فى أنه صورة، يشاركه فى أنه يعاونه على إقامة
<pb n="86" edRef="#source_2"/>هذه المادة، وبما يخالفه يجعل المادة
<lb n="18"/> بالفعل جوهرا غير الجوهر الذى كان يفعله الأول.
<pb n="68"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="1"/>فكثير من الأمور الموجودة إنما تتم بوجود شيئين، فإن الإضاءة والإنارة
<lb n="2"/> إنما تحصل من سبب مضىء، ومن كيفية لا بعينها تجعل الجسم المستنير قابلا لأن ينفذ
<lb n="3"/> فيه الشعاع ولا ينعكسز ثم تكون تلك الكيفية تقيم الشعاع على خاصية غير <choice><sic>الخاصيه</sic><corr>الخاصية</corr></choice>
<lb n="4"/> التى تقيمه كيفية أخرى من الألوان. ويجب أن لا تناقش فيما لَفَظنا به من نفوذ الشعاع
<lb n="5"/> و انعكاسه، بعد أنك بالغرض بصير. ولا يبعد ــ إذا تأملت ــ أن تجد لهذا أمثلة أشد
<lb n="6"/> موافقة. ولا يضرك أن لا تجد أيضا مثالا، فإنه ليس يجب أن يكون لكل شىء مثال. </p>
<p n="13">
<lb n="7"/>ولقائل أن يقول: إنه إن كان تعلق المادة بذلك الشىء وبصورة فيكون
<lb n="8"/> مجموعهما كالعلة له، وإذا بطلت الصورة بطل هذا المجموع الذى هو العلة، فوجب
<lb n="9"/> أن يبطل المعلول. </p>
<p n="14">
<lb n="10"/>فنقول: إنه ليس تعلق المادة بذلك الشىء وبالصورة، من حيث الصورة صورة
<lb n="11"/> معينة بالنوع، بل من حيث هى صورة. وهذا المجموع ليس يبطل البتة، فإنه يكون دائما
<lb n="12"/> موجودا ذلك الشىءُ، والصورة من حيث هى صورة،
<pb n="87" edRef="#source_2"/>فيكون لو لم يكن ذلك
<lb n="13"/> الشىء لم تكن المادة؛ ولو لم تكن الصورة من حيث هى صورة لم تكن المادة. ولو بطلت
<lb n="14"/> الصورة الأولى لا بسبب تعقب الثانى لكان يكون ذلك الشىء المفارق وحده، ولا يكون
<lb n="15"/> الشىء الذى هو الصورة من حيث هو صورة. فكان يستحيل أن يفيض من ذلك الشىء
<lb n="16"/> وجود المادة، إذ هو وحده بلا شريك [و] شريطة. </p>
<p n="15">
<lb n="17"/>ولكن لقائل أن يقول: إن مجموع ذلك: العلة والصورة ليس واحدا بالعدد،
<lb n="18"/> بل واحد بمعنى عام، والواحد بالمعنى العام لا يكون علة للواحد بالعدد، ولمثل طبيعة
<lb n="19"/> المادة؛ فإنها واحدة بالعدد.
<pb n="69"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="1"/>فنقول: إنا لا نمنع أن يكون الواحد بالمعنى العام المستحفظ وحده عمومه
<lb n="2"/> بواحد العدد علة الواحد بالعدد؛ وههنا كذلك، فإن الواحد بالنوع ــ مستحفظ بواحد
<lb n="3"/> بالعدد ــ هو المفارق. فيكون ذلك الشىء يوجب المادة، ولا يتم <choice>
<sic>أيجابها</sic>
<corr>إيجابها</corr>
</choice> إلا بأحد أمور
<lb n="4"/> تقارنه، أيها كانت. وأما هذا الشىء فستعلمه بعد. </p>
<p n="17">
<lb n="5"/>فالصور إما صور لا تفارقها المادة، وإما صور تفارقها المادة ولا تخلو
<lb n="6"/> المادة عن مثلها. </p>
<p n="18">
<lb n="7"/>فالصور التى تفارق المادة إلى عاقب، فإن معقبها فيها يستبقيها بتعقيب
<lb n="8"/> تلك الصورة، فتكون الصورة من وجه واسطة بين المادة المستبقاة وبين مستبقيها،
<pb n="88" edRef="#source_2"/>
<lb n="9"/> والواسطة فى التقويم، فإنه أولا يتقوم ذاته، ثم يقوم به غيره أولية بالذات، وهى العلة
<lb n="10"/> القريبة من المستبقى فى البقاء. فإن كانت تقوم بالعلة المبقية للمادة بواسطتها، فالقوام لها
<lb n="11"/> من الأوائل أولا، ثم للمادة؛ وإن كانت قائمة لا بتلك العلة، بل بنفسها، ثم تقام المادة بها،
<lb n="12"/> فذلك أظهر فيها. </p>
<p n="19">
<lb n="13"/>وأما الصور التى لا تفارقها المادة فلا يجوز أن تجعل معلولة للمادة حتى تكون
<lb n="14"/> المادة تقتضيها وتوجبها بنفسها، فتكون موجبة لوجود ما تستكمل به، فتكون من حيث
<lb n="15"/> تستكمل به قابلة، ومن حيث توجبه موجدة، فتكون توجب وجود شىء فى نفسها
<lb n="16"/> تتصور به. لكن الشىء من حيث هو قابل، غيره من حيث هو موجب. فتكون المادة
<lb n="17"/> ذات أمرين: بأحدهما تستعد، وبالآخر يوجد عنها شىء. فيكون المستعد منهما هو
<pb n="70"/>
<lb n="1"/> جوهر المادة، وذلك الآخر أمرا زائدا على كونه مادة تقارنه وتوجب فيه أثرا كالطبيعة
<lb n="2"/> للحركة فى المادة، فيكون ذلك الشىء هو الصورة الأولى، ويعود الكلام جذعا. </p>
<p n="20">
<lb n="3"/>فإذن الصورة أقدم من الهيولى. ولا يجوز أن يقال إن الصورة بنفسها موجودة
<lb n="4"/> بالقوة دائما، وإنما تصير بالفعل بالمادة، لأن جوهر الصورة هو الفعل. </p>
<p n="21">
<lb n="5"/>وأما طبيعة ما بالقوة فإن محلها المادة، فتكون المادة هى التى يصلح فيها
<lb n="6"/> أن يقال لها أنها فى نفسها بالقوة تكون موجودة، وأنها بالفعل بالصورة،
<pb n="89" edRef="#source_2"/>والصورة
<lb n="7"/> وإن كانت لا تفارق الهيولى فليست تتقوم بالهيولى، بل بالعلة المفيدة إياها الهيولى. وكيف
<lb n="8"/> تتقوم الصورة بالهيولى وقد بينا أنها علّتها؟ والعلة لا تتقوم بالمعلول، ولا شيئان اثنان يتقوم
<lb n="9"/> أحدهما بالآخر بأن كل واحد منهما يفيد الآخر وجوده. فقد بان استحالة هذا، وتبين لك
<lb n="10"/> الفرق بين الذى يتقوم به الشىء وبين الذى لا يفارقه. </p>
<p n="22">
<lb n="11"/>فالصورة لا توجد إلا فى الهيولى، لا أن علة وجودها الهيولى؛ أو كونها فى
<lb n="12"/> الهيولى! كما أن العلة لا توجد إلا مع المعلول، لا أن وجود العلة هو المعلول أو كونه مع
<lb n="13"/> المعلول؛ كما أن العلة إذا كانت علة بالفعل لزم عنها المعلول وأن [يكون] معها، كذلك
<lb n="14"/> الصورة إذا كانت صورة موجودة يلزم عنها أن تقوّم شيئًا؛ ذلك الشىء مقارن لذاتها.
<lb n="15"/> فكأن ما يقوّم شيئًا بالفعل، ويفيده الوجود، منه ما يفيده وهو مباين، ومنه ما يفيده وهو
<lb n="16"/> ملاق وإن لم يكن جزء منه مثل الجوهر للأعراض التى يلحقها أو يلزمها، والمزاجات. </p>
<p n="23">
<lb n="17"/>وبيِّن بهذا أن كل صورة توجد فى مادة مجسمة، فبعلة ما توجد؛ أما الحادثة
<lb n="18"/> فذلك ظاهر فيها، وأما الملازمة للمادة فلَان الهيولى الجسمانية إنما خصصت بها لعلة.
<lb n="19"/> وسنبين هذا أظهر فى مواضع أخرى.
<pb n="71"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<lb n="1"/>
<head>المقالة الثالثة
<lb n="2"/> وفيها عشر فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/>
<num>ا</num> فصل
<lb n="5"/> فى الإشارة إلى ما ينبغى أن يبحث عنه من حال المقولات التسع وفى عرضيتها </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>
<pb n="93" edRef="#source_2"/>فنقول: قد بينا ماهية الجوهر، وبينا أنها مقولة عن المفارق، وعلى
<lb n="7"/> الجسم، وعلى المادة، والصورة. فأما الجسم فإثباته مستغنى عنه، وأما المادة والصورة فقد
<lb n="8"/> أثبتناهما، وأما المفارق فقد أثبتناه بالقوة القريبة من الفعل، ونحن مثبتوه من بعد. وعلى
<lb n="9"/> أنك إن تذكرت ما قلناه فى النفس، صحَّ لك وجود جوهر مفارق غير جسم، فبالحرn
<lb n="10"/> أن تنتقل الآن إلى تحقيق الأعراض وإثباتها. </p>
<p n="2">
<lb n="11"/>فنقول: أما المقولات العشرة فقد تفهمت ماهياتها فى افتتاح المنطق. ثم لا
<lb n="12"/>يشك فى أن المضاف من جملتها ــ من حيث هو مضاف ــ أمر عارض لشىء <choice>
<sic>ضرورةَّ</sic>
<corr>ضرورةً</corr>
</choice>.
<lb n="13"/> وكذلك النسب التى هى فى «أين» و«متى» وفى «الوضع» وفى «الفعل» و«الإنفعال»
<lb n="14"/> فإنها أحوال عارضة لأشياء هى فيها، كالموجود فى الموضوع. اللهم إلا أن يقول قائل:
<pb n="72"/>
<lb n="1"/> إن الفعل ليس كذلك، فإن وجود الفعل ليس
<pb n="94" edRef="#source_2"/>فى الفاعل، بل فى المفعول. فإن
<lb n="2"/> قال ذلك، وسلم له، فليس يضر فيما ترومه من أن الفعل موجود فى شىء وجوده فى
<lb n="3"/> الموضوع، وإن كان ليس فى الفاعل. </p>
<p n="3">
<lb n="4"/>فبقى من المقولات ما يقع فيه اشكال، وأنه هل هو عرض أو ليس بعرض،
<lb n="5"/> مقولتان: مقولة الكم، ومقولة الكيف. </p>
<p n="4">
<lb n="6"/>أما مقولة الكم، فكثير من الناس رأى أن يجعل الخط والسطح والمقدار
<lb n="7"/> الجسمانى من الجوهر، وأن لا يقتصر على ذلك، بل يجعل هذه الأشياء مبادئ الجواهر.
<lb n="8"/> وبعضهم رأى ذلك فى الكميات المنفصلة، أى الأعداد، وجعلها مبادىء الجواهر. </p>
<p n="5">
<lb n="9"/>وأما الكيف فقد رأى آخرون من الطبيعيين أنها ليست محمولة البتة، بل اللون
<lb n="10"/> جوهر بنفسه، والطعم جوهر آخر، والرائحة جوهر آخر، وأن من هذه قوام الجواهر
<lb n="11"/> المحسوسة، وأكثر أصحاب الكمون ذاهبون إلى هذا. </p>
<p n="6">
<lb n="12"/>فأما شكوك أصحاب القول بجوهرية الكيف، فالأحرى بها أن تورد فى العلم
<lb n="13"/> الطبيعى، وكأنا قد فعلنا ذلك. </p>
<p n="7">
<lb n="14"/>وأما أصحاب القول بجوهرية الكم، فمن ذهب إلى أن المتصلات هى جواهر
<lb n="15"/>
<choice>
<sic>ومبادى</sic>
<corr type="MAR">ومبادئ</corr>
</choice> للجواهر فقد قال: إن هذه هى الأبعاد المقومة للجوهر الجسمانى، وما هو مقوم
<lb n="16"/> للشىء فهو أقدم، وما أقدم من الجواهر فهو أولى بالجوهرية، وجعل النقطة أولى الثلاثة
<lb n="17"/> بالجوهرية.
<pb n="95" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="18"/>وأما أصحاب العدد، فإنهم جعلوا هذه مبادئ الجواهر، إلا أنهم جعلوها مؤلفة
<lb n="19"/> من الوحدات حتى صارت الوحدات مبادئ للمبادئ، ثم قالوا:
<pb n="73"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="1"/>إن الوحدة طبيعة غير متعلقة فى ذاتها بشىء من الأشياء، وذلك لأن الوحدة
<lb n="2"/> تكون فى كل شىء، وتكون الوحدة فى ذلك الشىء غير ماهية ذلك الشىء، فإن الوحدة
<lb n="3"/> فى الماء غير الماء، وفى الناس غير الناس، ثم هى بما هى وحدة مستغنية عن أن تكون
<lb n="4"/> شيئا من الأشياء، وكل شىء فإنما يصير هو ما هو بأن يكون واحدا متعينا، فتكون
<lb n="5"/> الوحدة مبدأ للخط وللسطح ولكل شىء، فإن السطح لا يكون سطحا إلا بوحدة اتصالها
<lb n="6"/> الخاص، وكذلك الخط والنقطة أيضا وحدة صار لها وضع. فالوحدة علة كل شىء. وأول
<lb n="7"/> ما يكون ويحدث عن الوحدة العدد. فالعدد هو علة متوسطة بين الوحدة وبين كل شىء،
<lb n="8"/> فالنقطة وحدة وضعية، والخط اثنوية وضعية، والسطح ثلاثية وضعية، والجسم رباعية
<lb n="9"/> وضعية؛ ثم تدرجوا إلى أن جعلوا كل شىء حادثا عن العدد. </p>
<p n="10">
<lb n="10"/>فيجب علينا أولا أن نبين: أن المقادير والأعداد أعراض، ثم نشتغل بعد ذلك
<lb n="11"/> بحل الشكوك التى لهؤلاء. وقبل ذلك يجب أن نعرف حقيقة أنواع الكمية، والأولى بنا
<lb n="12"/> أن نُعَرِّف طبيعة [الوحد]، فإنه يحق علينا أن نعرف طبيعة الواحد فى هذا المواضع
<lb n="13"/> بشيئين: أحدهما، أن الواحد شديد المناسبة للموجود الذى هو موضوع هذا العلم؛
<lb n="14"/> والثانى، أن الواحد مبدأ ما بوجه ما للكمية.
<pb n="96" edRef="#source_2"/>أما كونه مبدأ للعدد، فأمر قريب من
<lb n="15"/> المتأمل. وأما للمتصل فلأن الإتصال وحدة ما، وكأنه علة صورية للمتصل، ولأن المقدار
<lb n="16"/> كونه مقدارا هو أنه بحيث يقدر، وكونه بحيث يقدر هو كونه بحيث يعد، وكونه بحيث
<lb n="17"/> يعد كونه بحيث أن له واحدا.
<pb n="97" edRef="#source_2"/>
<pb n="74"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الثانى]
<lb n="2"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="3"/> فى الكلام فى الواحد </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>فنقول: إن الواحد يقال بالتشكيك على معان تتفق فى أنها لا قسمة فيها
<lb n="5"/> بالفعل من حيث كل واحد هو هو، لكن هذا المعنى يوجد فيها بتقدم وتأخر، وذلك بعد
<lb n="6"/> الواحد بالعرض. </p>
<p n="2">
<lb n="7"/>والواحد بالعرض هو أن يقال فى شىء يقارن شيئا آخر، أنه هو الاخر، وأنهما
<lb n="8"/> واحد. وذلك إما موضوع ومحمول عرضى، كقولنا: إن زيدا وابن عبد الله واحد،
<lb n="9"/> وإن زيدا والطبيب واحد؛ وإما محمولان موضوع، كقولنا: الطبيب هو وابن عبد الله
<lb n="10"/> واحد، إذ عرض أن كان شىء واحد طبيبا وابن عبد الله؛ أو موضوعان فى محمول
<lb n="11"/> واحد عرضى، كقولنا: الثلج والجص واحد، أى فى البياض، إذ قد عرض أن حمل
<lb n="12"/> عليهما عرض واحد. </p>
<p n="3">
<lb n="13"/>لكن الواحد الذى بالذات، منه واحد بالجنس، ومنه واحد بالنوع وهو الواحد
<lb n="14"/> بالفصل، ومنه واحد بالمناسبة، ومنه واحد بالموضوع، ومنه واحد بالعدد.
<pb n="98" edRef="#source_2"/>
<lb n="15"/> والواحد بالعدد قد يكون بالإتصال، وقد يكون بالتَّماس، وقد يكون لأجل نوعه، وقد
<lb n="16"/> يكون لأجل ذاته. والواحد بالجنس قد يكون بالجنس القريب، وقد يكون بالجنس البعيد.
<lb n="17"/> والواحد بالنوع كذلك قد يكون بنوع قريب لا يتجزأ إلى أنواع، وقد يكون بنوع بعيد فيوافق
<lb n="18"/> أحد قسمى الباب الأول، وإن كان هناك اختلاف فى الاعتبار.
<pb n="75"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="1"/>وإذا كان واحد بالنوع فهو لا محالة واحد بالفصل، ومعلوم أن الواحد بالجنس
<lb n="2"/> كثير بالنوع، وأن الواحد بالنوع قد يجوز أن يكون كثيرا بالعدد، وقد يجوز أن لا يكون
<lb n="3"/> إذا كانت طبيعة النوع كلها فى شخص واحد، فيكون من جهة نوعا ومن جهة لا يكون
<lb n="4"/> نوعا، إذ هو من جهة كلى ومن جهة ليس بكلى. وتأمل فى هذا [الموضع] الذى نتكلم
<lb n="5"/> فيه على الكلى، أو تذكر مواضع سلفت لك. </p>
<p n="5">
<lb n="6"/>وأما الواحد بالإتصال فهو الذى يكون واحدا بالفعل من جهة، وفيه كثرة
<lb n="7"/> أيضا من جهة. </p>
<p n="6">
<lb n="8"/>أما الحقيقى فهو الذى تكون فيه الكثرة بالقوة فقط، وهو إما فى الخطوط:
<lb n="9"/> فالذى لا زاوية له، وفى السطوح أيضا: البسيط المسطح، وفى المجسمات: الجسم الذى
<lb n="10"/> يحيط به سطح ليس فيه انفراج على زاوية. </p>
<p n="7">
<lb n="11"/>ويليه ما يكون فيه كثرة بالفعل إلا أن أطرافها تلتقى عد حد مشترك مثل جملة
<lb n="12"/> الخطين المحيطين بالزاوية،
<pb n="99" edRef="#source_2"/>ويليه أن تكون الأطراف متماسة تماسا يشبه المتصل فى
<lb n="13"/> تلازم حركة بعضها لبعض فتكون وحدتها كأنها تابعة لوحدة الحركة لأن هناك التحاما، وذلك
<lb n="14"/> كالأعضاء المؤلفة من أعضاء، وأولى ذلك ما كان التحامه طبيعيا لا صناعيا. والوحدة
<lb n="15"/> بالجملة فى هذه أضعف، وتخرج عن الوحدة الإتصالية إلى الوحدة الاجتماعية. فالوحدة
<lb n="16"/> الإتصالية أولى من الاجتماعية بمعنى الوحدة، وذلك أن الوحدة الاتصالية لا كثرة فيها بالفعل،
<lb n="17"/> والوحدة الاجتماعية فيها كثرة بالفعل. فهناك كثرة غشيتها وحدة لا تزيل عنها الكثرية. </p>
<p n="8">
<lb n="18"/>والوحدة بالإتصال إما معتبرة مع المقدار فقط وإما أن تكون مع طبيعة أخرى
<lb n="19"/> مثل أن تكون ماء أو هواء. ويعرض للواحد بالإتصال أن يكون واحدا فى الموضوع،
<pb n="76"/>
<lb n="1"/> فإن الموضوع المتصل بالحقيقة جسم بسيط متفق الطبع، وقد علمت هذا فى الطبيعيات.
<lb n="2"/> فيكون موضوع وحدة الإتصال واحدا أيضا فى الطبيعة من حيث أن طبيعته لا تنقسم إلى
<lb n="3"/> صور مختلفة؛ بل نقول: إن الواحد بالعدد لا شك أنه غير منقسم بالعدد من حيث هو
<lb n="4"/> واحد، بل ولا غيره مما هو واحد منقسم من حيث هو واحد، لكنه يجب أن ينظر فيه من
<lb n="5"/> حيث الطبيعة التى عرض لها الوحدة، فيكون الواحد بالعدد منه ما ليس من طبيعته التى
<lb n="6"/> عرض لها الوحدة أن يتكثر مثل: الإنسان الواحد، ومنه ما من طبيعته ذلك كالماء الواحد
<lb n="7"/> والخط الواحد فإنه قد يصير الماء مياها والخط خطوطا.
<pb n="100" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="8"/>والذى ليس من طبيعته ذلك فإما أن يكون قد يتكثر من وجه آخر، وإما أن
<lb n="9"/> لا يكون. مثال الأول: الواحد بالعدد من الناس، فإنه لا يتكثر من حيث طبيعته، أى
<lb n="10"/> من حيث هو إنسان إذا قسم، لكنه قد يتكثر من جهة أخرى إذا قسم إلى نفس وبدن،
<lb n="11"/> فيكون له نفس وبدن وليس واحد منهما بإنسان. وأما الذى لا يكون فهو على قسمين: إما
<lb n="12"/> أن يكون موجودا له ــ مع أنه شىء ليس بمنقسم ــ طبيعة أخرى، وإما أن لا يكون. </p>
<p n="10">
<lb n="13"/>فإن كان موجودا له مع ذلك طبيعة أخرى فإما أن تكون تلك الطبيعة هى
<lb n="14"/> الوضع وما يناسب الوضع، فتكون نقطة والنقطة لا منقسمة من حيث هى نقطة ولا من
<lb n="15"/> جهة أخرى، وهناك طبيعة غير الوحدة المذكورة؛ وإما أن لا يكون الوضع وما يناسبه،
<lb n="16"/> فيكون مثل العقل والنفس؛ فإن العقل له وجود غير الذى يفهم من أنه لا ينقسم، وليس
<lb n="17"/> ذلك الوجود بوضع، وليس ينقسم فى طبيعته ولا فى جهة أخرى. </p>
<p n="11">
<lb n="18"/>وأما الذى لا يكون هناك طبيعة أخرى فكنفس الوحدة التى هى مبدأ العدد،
<lb n="19"/> أعنى التى إذا أضيف إليها غيرها صار مجموعهما عددا.
<pb n="77"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="1"/>فمن هذه الأصناف من الوحدة ما لا ينقسم مفهومه فى الذهن، فضلا عن
<lb n="2"/> قسمة مادية أو مكانية أو زمانية. </p>
<p n="13">
<lb n="3"/>ولنعد القسم الذى يتكثر أيضا من حيث الطبيعة الواحدة بالوحدة ومن حيث
<lb n="4"/> الاتصال، فمن ذلك أن يكون تكثره فى الطبيعة التى هى لذاتها معدة لكثرة عن الوحدة،
<lb n="5"/> وهذا هو المقدار؛ ومن ذلك أن يكون تكثره فى طبيعة
<pb n="101" edRef="#source_2"/> إنما لها الوحدة المعدة
<lb n="6"/> للتكثر بسبب غير نفسها، وذلك هو الجسم البسيط مثل الماء. فإن هذا الماء واحد بالعدد
<lb n="7"/> وهو ماء وفى قوته أن يصير مياهًا كثيرة بالعدد لا لأجل المائية، بل لمقارنة السبب الذى
<lb n="8"/> هو المقدار. فتكون تلك المياه الكثيرة بالعدد واحدة بالنوع وواحدة أيضا بالموضوع، لأن
<lb n="9"/> من طبع موضوعها أن تتحد بالفعل واحدا بالعدد. </p>
<p n="14">
<lb n="10"/>ولا كذلك أشخاص الناس، فإنها ليس من شأن عدة موضوعات منها أن
<lb n="11"/> يتحد موضوع إنسان واحد. نعم، كل واحد منهما واحد بموضوعه الواحد، ولكن ليس
<lb n="12"/> المجتمع من الكثرة واحدا بالموضوع، وليس حاله حال كل قطعة من الماء، فإنها واحدة
<lb n="13"/> فى نفسها بموضوعها. والجملة يقال إنها واحدة فى الموضوع، إذ من شأن موضوعاتها أن
<lb n="14"/> تتحد موضوعا واحدا بالإتصال، فيكون جملتها حينئذ ماء واحدا. </p>
<p n="15">
<lb n="15"/>لكن كل واحد من هذين القسمين إما أن يكون حاصلا فيه جميع ما يمكن أن
<lb n="16"/> يكون له أو لا يكون، فإن كان فهو تام وواحد بالتمام، وإن لم يكن فهو كثير، ومن عادة
<lb n="17"/> الناس أن يجعلوا الكثير غير الواحد. وهذه الوحدة التمامية إما أن تكون بالفرض والوهم
<lb n="18"/> والوضع كدرهم تام ودينار تام، وإما أن تكون بالحقيقة. وذلك إما بالصناعة كالبيت
<pb n="78"/>
<lb n="1"/> التام، فإن البيت الناقص لا يقال له بيت واحد. وإما بالطبيعة كشخص إنسان واحد
<lb n="2"/> تام الأعضاء.
<pb n="102" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="3"/>ولأن الخط المستقيم قد يقبل زيادة فى استقامته ليس موجودة له، فليس
<lb n="4"/> بواحد من جهة التمام. وأما المستدير فإذ ليس يقبلها، بل حصلت له بالطبع الإحاطة
<lb n="5"/> بالمركز من كل جهة، فهو تام وواحد بالتمام، ويشبه أن يكون أيضا كل شخص من الناس
<lb n="6"/> واحدا من هذه الجهة، فيكون بعض الأشياء يلزمه التمام كالأشخاص والخط المستدير،
<lb n="7"/> وبعضها لا يلزمه التمام كالماء والخط المستقيم. </p>
<p n="17">
<lb n="8"/>وأما الواحد بالمساواة فهو بمناسبة ما، مثل أن حال [السفينة] عند الربان
<lb n="9"/> وحال المدينة عند الملك واحدة، فإن هاتين حالتان متفقتان، وليس وحدتهما بالعرض، بل
<lb n="10"/> وحدة ما يتحد بهما بالعرض، أعنى وحدة السفينة والمدينة بهما هى وحدة بالعرض. وأما
<lb n="11"/> وحدة الحالتين فليست الوحدة التى جعلناها وحدة بالعرض. </p>
<p n="18">
<lb n="12"/>فتقول من رأس: إنه إذا كانت الوحدة إما أن تقال على أشياء كثيرة بالعدد،
<lb n="13"/> أو تقال على شىء واحد بالعدد، وقد بينا أنا حصرنا أقسام الواحد بالعدد. </p>
<p n="19">
<lb n="14"/>فلنمل إلى الحيثية الأخرى، فنقول: وأما الأشياء الكثيرة بالعدد فإنما يقال
<lb n="15"/> لها من جهة أخرى واحدة لإتفاق بينها فى معنى. فإما أن يكون اتفاقها فى نسبة أو فى
<lb n="16"/> محمول غير النسبة، وأما فى موضوع. والمحمول إما جنس، وإما نوع،
<pb n="103" edRef="#source_2"/> وإما
<lb n="17"/> فصل، وإما عرض، فيكون سهلا عليك من هذا الموضوع أن تعرف أنا حققنا أقسام
<lb n="18"/> الواحد، وأنت تعرف مما قد عرفت أيها أولى بالوحدة واسبق استحقاقا لها، فتعرف أن
<lb n="19"/> الواحد بالجنس أولى بالوحدة من الواحد بالمناسبة، وأن الواحد بالنوع أولى من الواحد
<pb n="79"/>
<lb n="1"/> بالجنس، والواحد بالعدد أولى من الواحد بالنوع، والبسيط الذى لا ينقسم بوجه أولى من
<lb n="2"/> المركب، والتام من الذى ينقسم أولى من الناقص. </p>
<p n="20">
<lb n="3"/>والواحد قد يطابق الموجود فى أن الواحد يقال على كل واحد من المقولات
<lb n="4"/> كالموجود، لكن مفهومهما ــ على ما علمت ــ مختلف، ويتفقان فى أنه لا يدل واحد
<lb n="5"/> منهما على جوهر بشىء من الأشياء، وقد علمت ذلك.
<pb n="104" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="6"/> [الفصل الثالث]
<lb n="7"/>
<num>ج</num>فصل
<lb n="8"/> فى تحقيق الواحد والكثير وإبانة أن العدد عرض </head>
<p n="1">
<lb n="9"/>والذى يصعب علينا تحقيقه الآن ماهية الواحد. وذلك أنا إذا قلنا: إن الواحد
<lb n="10"/> هو الذى لاينقسم، فقد قلنا أنَ الواحد هو الذى لا يتكثر ضرورة، فأخذنا فى بيان
<lb n="11"/> الواحد الكثرة. </p>
<p n="2">
<lb n="12"/>وأما الكثرة فمن الضرورى أن تُحد بالواحد، لأن الواحد مبدأ الكثرة، ومنه
<lb n="13"/> وجودها وماهيتها، ثم أى حد حددنا به الكثرة استعملنا فيه الواحد بالضرورة. فمن ذلك
<lb n="14"/> ما تقول: إن الكثرة هى المجتمع من وحدات، فقد أخذنا الوحدة فى حد الكثرة، ثم عملنا
<lb n="15"/> شيئًا آخر وهو أنا أخذنا المجتمع فى حدها، والمجتمع يشبه أن يكون هو الكثرة نفسها.
<lb n="16"/> وإذا قلنا من الوحدات أو الواحدات أو الآحاد فقد أوردنا بدل لفظ الجمع هذا اللفظ، ولا
<lb n="17"/> يفهم معناه ولا يعرف إلا بالكثرة. وإذا قلنا: إن الكثرة هى التى تعد بالواحد، فنكون قد
<lb n="18"/> أخذنا فى حد الكثرة الوحدة، ونكون أيضا قد أخذنا فى حدها العد والتقدير، وذلك إنما
<lb n="19"/> يفهم بالكثرة أيضا.
<pb n="105" edRef="#source_2"/>
<pb n="80"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>فما أعسر علينا أن نقول فى هذا الباب شيئًا يعتد به. </p>
<p n="4">
<lb n="2"/>لكنه يشبه أن تكون الكثرة أيضا أعرف عند تخيلنا، والوحدة أعرف عند
<lb n="3"/> عقولنا، ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التى نتصورها بديًا، لكن الكثرة
<lb n="4"/> نتخيلها أولا، والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصورها عقلى، بل أن كان ولا بد فخيالى.
<lb n="5"/> ثم يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفا عقليا، وهنالك تؤخذ الوحدة متصورة بذاتها ومن
<lb n="6"/> أوائل التصور، ويكون تعريفنا الوحدة بالكثيرة تنبيهًا يستعمل فيه المذهب الخيالى لنومئ إلى
<lb n="7"/> معقول عندنا لا نتصوره حاضرا فى الذهن. فإذا قالوا: إن الوحدة هى الشىء الذى ليس
<lb n="8"/> فيه كثرة دلّوا على أن المراد بهذه اللفظة الشىء المعقول عندنا <choice>
<sic>بديا</sic>
<corr type="MAR">بديئا</corr>
</choice> الذى يقابل هذا الآخر أو
<lb n="9"/> ليس هو فينبه عليه بسلب هذا عنه. </p>
<p n="5">
<lb n="10"/>والعجب ممن يحد العدد فيقول: إن العدد كثرة مؤلفة من
<lb n="11"/> وحدات أو من آحاد، والكثرة نفس العدد، ليس كالجنس للعدد، وحقيقة
<lb n="12"/> الكثرة أنها مؤلفة من وحدات. فقولهم: إن الكثرة مؤلفة من وحدات،
<lb n="13"/> كقولهم: إن الكثرة كثرة. فإن الكثرة ليست إلا إسما للمؤلف من الوحدات. </p>
<p n="6">
<lb n="14"/>فإن قال قائل: إن الكثرة قد تؤلف من أشياء غير الوحدات مثل الناس،
<lb n="15"/> والدواب. فنقول: </p>
<p n="7">
<lb n="16"/>إنه كما أن هذه الأشياء ليست وحدات، بل أشياء موضوعة للوحدات،
<lb n="17"/> كذلك أيضا ليست هى بكثرة، بل أشياء موضوعة للكثرة، وكما أن تلك الأشياء هى
<lb n="18"/> وحدات لا وحدات، فكذلك هى كثيرة لا كثرة.
<pb n="106" edRef="#source_2"/>
<pb n="81"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="1"/>والذين يحسبون أنهم إذا قالوا: إن العدد كمية منفصلة ذات ترتيب، فقد
<lb n="2"/> تخلّصوا من هذا، فما تخلّصوا. فإن الكمية يحوج تصورها للنفس إلى أن تعرف بالجزء
<lb n="3"/> والقسمة أو المساواة. أما الجزء والقسمة فإنما يمكن تصورها بالكمية، وأما المساواة فإن
<lb n="4"/> الكمية أعرف منها عند العقل الصريح لأن المساواة من الأعراض الخاصة بالكمية التى يجب
<lb n="5"/> أن توجد فى حدها الكمية. </p>
<p n="9">
<lb n="6"/>فيقال: إن المساواة هى اتحاد فى الكمية والترتيب الذى أخذ فى حد العدد
<lb n="7"/> أيضا، هو مما لا يفهم إلا بعد فهم العدد. فيجب أن يعلم أن هذه كلها تنبيهات مثل التنبيهات
<lb n="8"/> بالأمثلة والأسماء المترادفة، وأن هذه المعانى متصورة كلها أو بعضها لذواتها، وإنما يدل
<lb n="9"/> عليها بهذه الأشياء لينبه عليها وتميز فقط. </p>
<p n="10">
<lb n="10"/>فنقول الآن: إن الوحدة إما أن تقال على الأعراض، وإما أن تقال على
<lb n="11"/> الجواهر. فإذا قيلت على الأعراض فلا تكون جوهرًا، ولا شك فى ذلك، وإذا قيلت على
<lb n="12"/> الجواهر فليست تقال عليها كفصل ولا جنس البتة، إذ لا دخول لها فى تحقيق ماهية جوهر
<lb n="13"/> من الجواهر، بل هو أمر لازم للجوهر، كما قد علمت. فلا يكون إذن قولها عليها قول
<lb n="14"/> الجنس والفصل، بل قول «عرضي». فيكون الواحد جوهرا، والوحدة هى المعنى الذى
<lb n="15"/> هو العرض، فإن العرض الذى هو أحد الخمسة ــ وإن كان كونه عرضا بذلك المعنى ــ
<lb n="16"/> قد يجوز عليه أن يكون جوهرًا، وإنما يجوز ذلك إذا أخذ مركبا، كالأبيض. وأما طبيعة
<lb n="17"/> المعنى البسيط منه
<pb n="107" edRef="#source_2"/>فهى لا محالة عرض بالمعنى الآخر، إذ هو موجود فى الجوهر
<lb n="18"/> وليس كجزء منه ولا يصح قوامه مفارقًا له.
<pb n="82"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="1"/>فلننظر الآن فى الوحدة الموجودة فى كل جوهر التى ليست بجزء منه مقومة
<lb n="2"/> له، هل يصح قوامها مفارقة للجوهر؟ </p>
<p n="12">
<lb n="3"/>فنقول: إن هذا مستحيل، وذلك لأنها إن قامت وحدة مجردة لم يخل إما أن
<lb n="4"/> تكون مجرد أن لا تنقسم وليس هناك طبيعة هى المحمول عليها أن لا تنقسم، وأن تكون
<lb n="5"/> هناك طبيعة أخرى. والقسم الأول محال، فإنه لا أقل من [أن] يكون هناك وجود، ذلك
<lb n="6"/> الوجود لا ينقسم، فإن كان ذلك الوجود لا محالة معنى غير الوحدة وأنه لا ينقسم،
<lb n="7"/> فأما أن يكون ذلك الوجود جوهرا أو يكون عرضا، فإن كان عرضا فالوحدة فى عرض لا
<lb n="8"/> محالة ثم فى الجوهر، وإن كان جوهرا ــ والوحدة لا تفارقه ــ فهى موجودة فيه وجود ما
<lb n="9"/> فى الموضوع؛ وإن كانت مفارقة، تكون الوحدة ــ إذا فارقت ذلك الجوهر ــ يكون لها
<lb n="10"/> جوهر آخر تصير إليه وتقارنه إذا فرض وجودها مقارنة لجوهرية، ويكون ذلك الجوهر ــ
<lb n="11"/> لو لم تصر إليه هذه الوحدة ــ لم تكن له وحدة، وهذا محال؛ أو تكون له وحدة كانت
<lb n="12"/> ووحدة لحقت، فتكون له وحدتان لا وحدة، فيكون جوهران لا جوهر واحد، لأن
<lb n="13"/> ذلك الجوهر واحدان، وهذا محال. وأيضا فإن كانت كل وحدة فى جوهر آخر، فأحد
<lb n="14"/> الجوهرين لم ينتقل إليه الوحدة
<pb n="108" edRef="#source_2"/>وعاد الكلام جذعا فيما انتقل إليه الوحدة وصار
<lb n="15"/> أيضا جوهرين؛ وإن كانت كل وحدة فى الجوهرين جميعا فتكون الوحدة اثنوية، هذا
<lb n="16"/> خلف. فقد بان أن الوحدة ليس من شأنها أن تفارق الجوهر الذى هى فيه. </p>
<p n="13">
<lb n="17"/>ونبتدئ فنقول: إنه إن كانت الوحدة ليست مجرد أنها لا تنقسم، بل كانت
<lb n="18"/> وجودًا لا ينقسم حتى يكون الوجود داخلا فى الوحدة لا موضوعا لها، فإذا فرضنا انه
<lb n="19"/> قد فارقت هذه الوحدة الجوهر إن كانت يمكن أن توجد بذاتها كانت وجودًا لا ينقسم
<pb n="83"/>
<lb n="1"/> مجردًا ولم تكن وجودًا لا ينقسم فقط، بل تكون الوحدة وجودًا جوهريا لا ينقسم إذا
<lb n="2"/> قام ذلك الوجود لا فى موضوع. فلا تكون للأعراض وحدة بوجه من الوجوه. وإن كان
<lb n="3"/> للأعراض وحدة تكون وحدتها غير وحدة الجوهر؛ وتكون الوحدة تقال عليها بالشتراك
<lb n="4"/> الاسم. فيكون أيضا من الأعداد ما تأليفه من وحدة الأعراض، ومن الأعداد ما تأليفه من
<lb n="5"/> وحدة الجواهر. فلننظر هل يشتركان فى معنى الوجود الذى لا ينقسم أو لا يشتركان. </p>
<p n="14">
<lb n="6"/>فان لم يشتركا فتكون الوحدة فى <choice>
<sic>أحَدَيهما</sic>
<corr>أحدهما</corr>
</choice> وجودًا منقسمًا وفى الآخر ليس
<lb n="7"/> كذلك. ولسنا نعنى بوحدة الأعراض أو الجواهر ذلك، حتى نعنى فى أحَدَيهما بالوحدة
<lb n="8"/> شيئًا غير أنه وجود غير منقسم. وإن اشتركا فى ذلك المعنى، فذلك المعنى هو الوجود
<lb n="9"/> الغير المنقسم الذى إياه نعنى بالوحدة؛ وذلك المعنى أعمّ من المعنى الذى ذكرناه قبيل الآن،
<lb n="10"/> فإن ذلك كان يلزمه
<pb n="109" edRef="#source_2"/>مع كونه وجودًا لا ينقسم، أن يكون وجودًا جوهريا، إذ قد
<lb n="11"/> كان يمكن فرضه مجردا، وذلك المعنى لا محالة إن كان جوهرًا لم يعرض للعرض، وليس
<lb n="12"/> يلزم أن نقول إنه إن كان عرضا لم يعرض للجوهر، فإن الجوهر يعرض له العرض ويقوم به
<lb n="13"/> العرض، والعرض لا يعرض له الجوهر حتى يكون قائما فيه. </p>
<p n="15">
<lb n="14"/>فإذن الوحدة الجامعة أعم من ذلك المعنى وكلامنا فيها، ومن حيث هى
<lb n="15"/> وجود لا ينقسم فقط بلا زيادة أخرى، وذلك لا يفارق موضوعاته وإلا صار ذلك المعنى
<lb n="16"/> الأخصّ. فإنه من المحال أن تكون الوحدة وجودًا غير منقسم فى الأعراض والجواهر ويجوز
<lb n="17"/> مع ذلك أن تفارق، فيكون جوهرا عرض لعرض، أو أن تكون الوحدة مختلفة فى الجواهر
<lb n="18"/> والأعراض. فبين أن الوحدة حقيقتها معنى عرضى ومن جملة اللوازم للأشياء.
<pb n="84"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="1"/>وليس لقائل أن يقول: إن هذه الوحدة إنما لا تفارق على سبيل ما لا
<lb n="2"/> تفارق المعانى العامة قائمة دون فصولها، كما لا تفارق الإنسانية الحيوانية. وامتناع
<lb n="3"/> هذه المفارقة لا يوجب العرضية، بل إنما يوجب العرضية امتناع مفارقة يكون للمعنى
<lb n="4"/> المحصّل الموجود المشخّص. </p>
<p n="17">
<lb n="5"/>فنقول: ليس الأمر كذلك، فإن نسبة ما فرضناه أعم إلى ما فرضناه أخص
<lb n="6"/> ليس نسبة المنقسم إليه بفصل مقوم. فقد بيّنا أن الوحدة غير داخلة فى حد جوهر أو
<lb n="7"/> عرض، بل نسبة لازم عام. وإذا أشرنا إلى بسيط واحد منه كان
<pb n="110" edRef="#source_2"/>متميز الذات
<lb n="8"/> عن التخصيص الذى يقارنه، لا كاللونية التى فى البياض، فإذا صح أنه غير مفارق صح أن
<lb n="9"/> المحمول الذى هو معنى لازم عام مشتق الإسم من إسم معنى بسيط هو معنى الوحدة، وذلك
<lb n="10"/> البسيط عرض. وإذا كانت الوحدة عرضا، فالعدد المؤلف من الوحدة عرض.
<pb n="111" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="11"/> [الفصل الرابع]
<lb n="12"/>
<num>د</num>فصل
<lb n="13"/> فى أن المقادير أعراض </head>
<p n="1">
<lb n="14"/>وأما الكميات المتصلة فهى مقادير المتصلات، أما الجسم الذى هو الكم فهو
<lb n="15"/> مقدار المتصل الذى هو الجسم بمعنى الصورة، على ما عرفته فى عدة مواضع، وأما الجسم
<lb n="16"/> بالمعنى الآخر الداخل فى مقولة الجوهر فقد فرغنا منه. </p>
<p n="2">
<lb n="17"/>وهذا المقدار فقد بان أنه فى مادة، وأنه يزيد وينقص والجوهر باق، فهو عرض
<lb n="18"/> لا محالة، ولكنه من الأعراض التى تتعلق بالمادة وبشىء من المادة، لأن هذا المقدار لا
<lb n="19"/> يفارق المادة إلا بالتوهم، ولا يفارق الصورة التى للمادة، لأنه مقدار الشىء المتصل الذى
<pb n="85"/>
<lb n="1"/> يقبل أبعاد كذا، وهذا لا يمكن أن يكون بلا هذا الشىء المتصل كما أن الزمان لا يكون إلا
<lb n="2"/> بالمتصل الذى هو المسافة وهذا المقدار هو كون المتصل بحيث يمسح بكذا [وكذا] مرة،
<lb n="3"/> أو لا ينتهى المسح إن توهم غير متناه توهمًا. وهذا مخالف لكون الشىء بحيث يقبل فرض
<lb n="4"/> الأبعاد المذكورة، فإن ذلك لا يختلف فيه جسم وجسم. وأما أنه يمسح بكذا [وكذا]
<lb n="5"/> مرة، أنه لا يغنى مسحه بكذا البتة، فقد يختلف فيه جسم وجسم.
<pb n="112" edRef="#source_2"/> فهذا
<lb n="6"/> المعنى هو كمية الجسم، وذلك صورته. وهذه الكمية لا تفارق تلك الصورة فى الوهم
<lb n="7"/>البتة، لكن هى والصورة تفارقان المادة فى الوهم. </p>
<p n="3">
<lb n="8"/>وأما السطح والخط فبالحرى أن يكون له اعتبار أنه نهاية، واعتبار له مقدار؛
<lb n="9"/> وأيضا للسطح اعتبار أنه يقبل فرض بعدين فيه على صفة الأبعاد المذكورة، أعنى بُعْدين
<lb n="10"/> فقط يتقاطعان على زاوية قائمة؛ وأيضا أنه يقدر ويمسح، ويكون أعظم وأصغر، وأنه
<lb n="11"/> يفرض فيه أيضا أبعاد بحسب اختلاف الأشكال. فلنتأمل هذه الأحوال فيه فنقول: </p>
<p n="4">
<lb n="12"/>أما قبوله بفرض بُعْدين فإنما ذلك له لأنه نهاية الجسم الذى هو قابل لفرض الأبعاد
<lb n="13"/> الثلاثة؛ فإن كون الشىء نهاية لقابل الثلاثة من حيث هو نهاية لمثل ذلك لا أنه نهاية مطلقا،
<lb n="14"/> [مقتضاه] أن يكون قابلًا لفرض بُعْدين، وليس هو بهذه الجهة مقدار، بل هو بهذه الجهة
<lb n="15"/> مضاف. وإن كان مضافًا لا يكون إلا مقدارًا، وقد عرفت الفرق بين المضاف مطلقا وبين
<lb n="16"/> المضاف الذى هو المقولة التى لا تجوز، على ما بينا، أن يكون مقدارًا أو كيفًا. وأما أنه
<lb n="17"/> مقدار فهو بالجهة الأخرى التى بها يمكن أن يخالف غيره من السطوح فى القدر والمساحة.
<lb n="18"/> ولا يمكن أن يخالفها بالمعنى الأول بوجه؛ لكنه من الجهتين جميعًا عرض، فإنه من حيث
<lb n="19"/> هو نهاية عارض للمتناهى، لأنه موجود فيه كجزء منه ولا يقوم دونه، وقد قلنا إنه ليس
<pb n="86"/>
<lb n="1"/> من شرط الموجود فى شىء أن يطابق ذاته، وأما أين قلنا هذا ففى الطبيعيات، فليتأمل
<lb n="2"/> هناك إن عرضت من هذه الجهة شبهة.
<pb n="113" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="3"/> وأيضا من حيث هو مقدار هو عرض، ولو كان كون السطح بحيث يفرض فيه
<lb n="4"/> بعدان أمرا له فى نفسه لم تكن نسبة المقدارية فى السطح إلى ذلك الأمر نسبة المقدارية
<lb n="5"/> إلى الصورة الجسمية، بل تكون نسبة ذلك المعنى إلى المقدارية فى السطح نسبة فصل إلى
<lb n="6"/> جنس، والنسبة الأخرى نسبة عارض إلى صورة. وأنت تعلم هذا بتأمل الأصول. </p>
<p n="6">
<lb n="7"/>وأعلم أن السطح لعرضيته ما يحدث ويبطل فى الجسم بالاتصال والانفصال
<lb n="8"/> واختلاف الأشكال والتقاطيع، وقد يكون سطح الجسم مسطحا، فيبطل من حيث هو
<lb n="9"/> مسطح، فيحدث مستدير. وقد علمت فيما سلف من الأقاويل أن السطح الواحد بالحقيقة
<lb n="10"/> لا يكون موضوعا للكرية والتسطيح فى الوجود، ولذلك ليس كما أن الجسم الواحد يكون
<lb n="11"/> موضوعا لاختلاف أبعاد بالفعل تترادف عليه فكذلك السطح إذا أزيل عن شكله حتى
<lb n="12"/> تبطل أبعاده فلا يمكن ذلك إلا بقطعه. وفى القطع إبطال صورة السطح الواحدة التى
<lb n="13"/> بالفعل؛ وقد علمت هذا من أقوال أخرى، وعلمت أن هذا لا يلزم فى الهيولى حتى تكون
<lb n="14"/> الهيولى للإتصال غيرها للإنفصال، وقد علمت أنه إذا ألفت سطوح ووصل بعضها ببعض
<lb n="15"/> تأليفًا يبطل الحدود المشتركة كان الكائن سطحا آخر بالعدد، ولو أعيد إلى تأليفه الأول لم
<lb n="16"/> يكن ذلك السطح الأول بالعدد بل آخر مثله بالعدد، وذلك لأن المعدوم لا يعاد.
<pb n="114" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="17"/>وإذا قد عرفت صورة الحال فى السطح فقد عرفت فى الخط فاجعله قياسًا
<lb n="18"/> عليه. فقد تبين لك أن هذه أعراض لا تفارق المادة وجودًا، وعرفت أيضا أنها لا تفارق
<pb n="87"/>
<lb n="1"/> الصورة التى هى فى طباعها مادية توهمًا أيضا. فقد بقى أن تعلم كيف ينبغى أن يفهم
<lb n="2"/> قولنا: إن السطح يفارق الجسم توهمًا، وإن الخط يفارق السطح توهما. </p>
<p n="8">
<lb n="3"/>فنقول: إن هذه المفارقة تفهم فى هذا الموضوع على وجهين: أحدهما أن نفرض
<lb n="4"/> فى الوهم سطح ولا جسم، وخط ولا سطح، والآخر أن يلتفت إلى السطح ولا يلتفت إلى
<lb n="5"/> الجسم أصلًا أنه معه أو ليس معه. وأنت تعرف أن الفرق بين الأمرين ظاهر، فإنه فرق بين أن
<lb n="6"/> ينظر إلى الشىء وحده وإن كان معتقدا أنه مع غيره لا يفارقه، وبين أن ينظر إليه وحده مع
<lb n="7"/> شرط مفارقته ما هو معه، محكوما عليه بأنه كما التفت إليه وحده حتى يكون هو فى وهمك
<lb n="8"/> قائم وحده. فهو مع ذلك يفرق بينه وبين الشىء الآخر محكومًا بأن ذلك الشىء ليس معه. </p>
<p n="9">
<lb n="9"/>فمن ظن أن السطح والخط والنقطة قد يمكن أن يتوهم سطحا وخطا ونقطة
<lb n="10"/> مع فرض أن لا جسم مع السطح ولا مع الخط ولا مع النقطة فقد ظن باطلا، وذلك لأنه
<lb n="11"/> لا يمكن أن يفرض السطح فى الوهم مفردًا ليس نهاية لشىء إلا أن يتوهم مع وضع خاص
<lb n="12"/> ويتوهم له جهتان توصلان الصائر إليه إيصالا يلقى جانبين غيرين، كما علمت. فيكون
<lb n="13"/> حينئذ ما توهم سطحا غير سطح.
<pb n="115" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="10">
<lb n="14"/>فإن السطح هو نفس الحد لا ذو حدين، وإن توهم السطح نفس النهاية التى
<lb n="15"/> تلى جهة واحدة فقط من حيث هو كذلك أو نفس الجهة، والحد ــ على أن لا انفصال له
<lb n="16"/> من جهة أخرى ــ كان ما هو نهايته متوهما معه بوجه ما، وكذلك الحال فى الخط والنقطة. </p>
<p n="11">
<lb n="17"/>والذى يقال أن النقطة ترسم بحركتها الخط فإنه أمر يقال للتخيل، ولا إمكان
<lb n="18"/> وجود له، لا لأن النقطة لا يمكن أن تفرض لها مماسة منتقلة، فإنا قد بينا أن ذلك ممكن
<pb n="88"/>
<lb n="1"/> فيها بوجه، لكن المماسة لما كانت لا تثبت وكان لا يبقى الشىء بعد المماسة إلا كما كان
<lb n="2"/> قبل المماسة، فلا تكون هناك نقطة بقيت مبدأ خط بعد المماسة ولا يبقى امتدادٌ بينها
<lb n="3"/> وبين أجزاء المماسة، لأن تلك النقطة إنما صارت نقطة واحدة على ما علمت فى الطبيعيات
<lb n="4"/> بالمماسة لا غير. فإذا بطلت المماسة بالحركة فكيف تبقى هى نقطة؟ وكذلك كيف يبقى
<lb n="5"/> ما هى مبدأ له رسما ثابتا؟ بل إنما ذلك فى الوهم والتخيل فقط. وأيضا فإن حركتها تكون
<lb n="6"/> لا محالة، وهناك شىء موجود تكون الحركة عليه أو فيه، وذلك الشىء قابل لأن يتحرك
<lb n="7"/> فيه. فهو جسم أو سطح أو بُعْد فى سطح أو بُعْد هو خط، فتكون هذه الأشياء موجودة
<lb n="8"/> قبل حركة النقطة، فلا تكون حركة النقطة علة لأن توجد هى.
<pb n="116" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="9"/>فأما وجود المقدار الجسمانى فظاهر، وأما وجود السطح فلوجوب تناهى
<lb n="10"/> المقدار الجسمانى، وأما وجود الخط فبسبب جواز قطع السطوح وافتراض الحدود لها. وأما
<lb n="11"/> الزاوية فقد ظن بها أنها كمية متصلة غير السطح والجسم، فينبغى أن ينظر فى أمرها، فنقول: </p>
<p n="13">
<lb n="12"/>إن المقدار جسمًا كان أو سطحًا فقد يعرض له أن يكون محاطًا بين نهايات تلتقى
<lb n="13"/> عند نقطة وَاحدة؛ فيكون من حيث هو بين هذه النهايات شيئًا ذا زاوية من غير أن ينظر
<lb n="14"/> إلى حال نهاياته من جهة فكأنه مقدار أكثر من بُعْد ينتهى عند نقطة؛ فإن شئت سميت
<lb n="15"/> نفس هذا المقدار من حيث هو كذلك زاوية، وإن شئت سميت الكيفية التى له من حيث
<lb n="16"/> هو هكذا زاوية؛ فيكون الأول كالمربع والثانى كالتربيع. فإن أو قعت الاسم على المعنى الأول
<lb n="17"/> قلت: زاوية مساوية وناقصة وزائدة لنفسها، لأن جوهرها مقدار، وإن أوقعت على المعنى
<lb n="18"/> الثانى قلت لها بسبب المقدار الذى هى فيه كّما للتربيع، ولأن هذا الذى هو الزاوية
<lb n="19"/> بالمعنى الأول يمكن أن يفرض فيه إما أبعاد ثلاثة أو بعدان، فهو مقدار جسم أو سطح.
<pb n="89"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="1"/>والذى يظنه من يقول: إنه إنما يكون سطحًا إذا تحرك الخط الفاعل إياه فى
<lb n="2"/> الوهم بكلتى نقطتيه حتى أحدثه، حتى كان قد يحرك الطول عرضا بالحقيقة فحدث
<lb n="3"/> عرض بعد الطول فكان طول وعرض؛ بل لم يتحرك الخط المحدث للزاوية لا فى الطول وحده
<lb n="4"/> كما هو ولا العرض حتى يحدث سطح، وإنما تحرك بأحد رأسيه فحدثت الزاوية.
<lb n="5"/> فجعل الزاوية جنسًا رابعًا من المقادير.
<pb n="117" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="15">
<lb n="6"/>والسبب فى هذا جهله بمعنى قولنا: إن للشىء ثلاثة أبعاد أو بُعْدين حتى
<lb n="7"/> يكون مجسما أو مسطحا. فإذ قد عرفت ذلك عرفت أن هذا الذى قاله لا يلزم، ولا
<lb n="8"/> ينبغى أن يكون للعاقل إليه إصغاء، وإنما هو شروع من ذلك الإنسان قيما لا يعنيه. وهذا
<lb n="9"/> الغافل الحيران قد يذهب إلى أن السطح بالحقيقة هو المربع أو المستطيل لا غير. وليس
<lb n="10"/> كلامه مما يفهم فضل شغل به. </p>
<p n="16">
<lb n="11"/>فقد عرفت وجود الأقدار وأنها أعراض وأنها ليست مبادئ للأجسام، إذ
<lb n="12"/> الغلط فى ذلك إنما عرض لما عرفت. </p>
<p n="17">
<lb n="13"/>وأما الزمان فقد كان تحقق لك عرضيته وتعلقه بالحركة فيما سلف، فبقى أن
<lb n="14"/> تعلم أنه لا مقدار خارجًا عن هذه المقادير، فنقول: </p>
<p n="18">
<lb n="15"/>إن الكم المتصل لا يخلو إما أن يكون قارًا حاصل الوجود بجميع أجزائه،
<lb n="16"/> أو لا يكون؛ فإن لم يكن، بل كان متجدد الوجود شيئا بعد شىء فهو الزمان. وإن كان
<lb n="17"/> قارًا وهو المقدار، فإما أن يكون أتم المقادير وهو الذى يمكن فيه فرض أبعاد ثلاثة، إذ ليس
<pb n="90"/>
<lb n="1"/> يمكن أن يفرض فيه فوق ذلك، وهذا هو المقدار المجسم، وإما أن يفرض فيه بُعْدان فقط،
<lb n="2"/> وإما أن يكون ذا بُعْدٍ واحد فقط، إذ كان متصل فله بعد مّا بالفعل أو بالقوة، ولما كان لا
<lb n="3"/> أكثر من ثلاثة ولا أقل من واحد فالمقادير ثلاثة والكميات المتصلة لذاتها أربعة. وقد يقال
<lb n="4"/> لأشياء أخر أنها كميات متصلة وليست كذلك.
<pb n="118" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="19">
<lb n="5"/>أما المكان فهو السطح، وأما الثقل والخفة فإنها توجب بحركاتها مقادير فى
<lb n="6"/> الأزمنة والأمكنة، وليس لها فى نفسها أن تجزأ بجزء يعدها، وأن تقابل بالمساواة والمفاوتة
<lb n="7"/> بأن يفرض لها حد ينطبق على حد ما يجانسه، حتى ينطبق ما يليه منه على ما يليه مما
<lb n="8"/> يجانسه، فينطبق عليه الحد الآخر فيساوى أو يختلف فلا يساوى، بل يفاوت، فإنا نعنى
<lb n="9"/> بالمساواة والمفاوتة المعرّفتين للمقدار هذا المعنى. وأما التجزئة التى تعرض للخفة والثقل
<lb n="10"/> بأن يكون ثقل نصف ثقل فإن ذلك لأنه يتحرك فى الزمان نصف المسافة، أو فى المسافة
<lb n="11"/> ضعف الزمان، أو تحرك الأعظم إلى أسفل فى آلة حركة يلزم معها أن يتحرك الأصغر <choice><sic>ألى</sic><corr>إلى</corr></choice>
<lb n="12"/> العلوّ أو أمرا مما يجرى هذا الجرى.</p>
<p n="20">
<lb n="13"/>فهو كالحرارة التى تكون ضعف الحرارة لأجل أنها تفعل فى الضعف أو
<lb n="14"/> لأنها فى ضعف الجسم الحار المتشابه فى الحرارة. وكذلك حال الصغير والكبير والكثير
<lb n="15"/> والقليل. فإن هذه أعراض أيضا تلحق بالكميات من باب المضاف، وأنت قد حصلت الكلام
<lb n="16"/> فى جميع هذه فى موضع آخر. </p>
<p n="21">
<lb n="17"/>فالكمية بالجملة حدها هى أنها التى يمكن أن يوجد فيها شىء منها يصح أن
<lb n="18"/> يكون واحدا عادًّا، وبكون ذلك لذاته سواء كانت الصحة وجودية أو فرضية.
<pb n="119" edRef="#source_2"/>
<pb n="91"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الخامس]
<lb n="2"/>
<num>ه</num> فصل
<lb n="3"/> فى تحقيق ماهية العدد، وتحديد أنواعه، وبيان أوائله </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>وبالحرى أن نحقق ههنا طبيعة الأعداد، وخاصياتها، وكيف يجب أن يتصور حالها
<lb n="5"/> ووجودها، فقد انتقلنا عنها إلى الكميات المتصلة مستعجلين، لأن غرضنا كان يوجب ذلك. </p>
<p n="2">
<lb n="6"/>فنقول: إن العدد له وجود فى الأشياء، ووجود فى النفس. وليس قول من
<lb n="7"/> قال: إن العدد لا وجود له إلا فى النفس بشىء يعتد به، أما إن قال: إن العدد لا وجود
<lb n="8"/> له مجردا عن المعدودات التى فى الأعيان إلا فى النفس، فهو حق. فإنا قد بينا أن
<lb n="9"/> الواحد لا يتجرد عن الأعيان قائما بنفسه إلا فى الذهن؛ فكذلك ما يترتب وجوده على
<lb n="10"/> وجود الواحد. وأما أن يكون فى الموجودات أعداد فذلك أمر لا شك فيه [إذ] كان فى
<lb n="11"/> الموجودات وحدات فوق واحدة. </p>
<p n="3">
<lb n="12"/>وكل واحد من الأعداد فإنه نوع بنفسه، هو واحد فى نفسه من حيث هو
<lb n="13"/> ذلك النوع، وله من حيث هو ذلك النوع خواص. والشىء الذى لا حقيقة له محال أن
<lb n="14"/> تكون له خاصية الأولية أو التركيبية أو التمامية أو الزايدية أو الناقصية أو المربعية أو
<lb n="15"/> المكعبية أو الصمم وسائر الأشكال التى لها.
<pb n="120" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="16"/>فإذن لكل واحد من الأعداد حقيقة تخصه وصورة يتصور منها فى النفس،
<lb n="17"/> وتلك الحقيقة وحدته التى بها هو ما هو. وليس العدد كثرة لا تجتمع فى وحدة حتى يقال:
<lb n="18"/> أنه مجموع آحاد. فإنه من حيث هو مجموع هو واحد يحتمل خواص ليس لغيره.
<pb n="92"/>
<lb n="1"/> وليس بعجيب أن يكون الشىء واحدا من حيث له صورة ما كالعشرية مثلا أو الثلاثية
<lb n="2"/> وله كثرة، فمن حيث العشرية ما هو بالخواص التى للعشرة، وأما لكثرته فليس له فيها إلا
<lb n="3"/> الخواص التى للكثرة المقابلة للوحدة، ولذلك فإن العشرة لا تنقسم فى العشرية إلى عشرتين
<lb n="4"/> لكل واحدة منها خواص العشرية. </p>
<p n="5">
<lb n="5"/>وليس يجب أن يقال: إن العشرة ليس هى إلا تسعة وواحد، أو خمسة
<lb n="6"/> وخمسة، أو واحد وواحد وواحد كذلك إلى أن تنتهى إلى العشرة. فإن قولك: العشرة
<lb n="7"/> تسعة وواحد، قول حملت فيه التسعة على العشرة وعطفت عليه الواحد، فتكون كأنك
<lb n="8"/> قلت: إن العشرة أسود وحلو، فيجب أن تصدق عليه الصفتان المعطوفة إحداهما على
<lb n="9"/> الأخرى، فتكون العشرة تسعة وأيضا واحدا. فإن لم ترد بالعطف تعريفا، بل عنيت ما
<lb n="10"/> يقال: إن الإنسان حيوان وناطق، أى حيوان ذلك الحيوان الذى هو ناطق، تكون كأنك
<lb n="11"/> قلت: إن العشرة تسعة، تلك التسعة التى هو واحد، وهذا أيضا مستحيل. وإن عنيت
<lb n="12"/>
<pb n="121" edRef="#source_2"/>أن العشرة تسعة مع واحد، وكان مرادك أن العشرة هى التسعة التى تكون مع
<lb n="13"/> واحد، حتى إن كانت التسعة وحدها لم تكن عشرة، فإذا كانت مع الواحد كانت تلك
<lb n="14"/> التسعة عشرة، فقد أخطأت أيضا. فإن التسعة إذا كانت وحدها أو مع أى شىء كان معها
<lb n="15"/> فإنها تكون تسعة ولا تكون عشرة البتة. فإن لم تجعل «مع» صفةً للتسعة، بل للموصوف
<lb n="16"/> بها، فتكون كأنك قلت: إن العشرة تسعة، ومع كونها تسعة هى أيضا واحد، فذلك أيضا
<lb n="17"/> خطأ، بل هذا كله مجاز من اللفظ مغلط، بل العشرة مجموع التسعة والواحد إذا أخذا
<lb n="18"/> جميعا فصار منهما شىء غيرهما.
<pb n="93"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>وحد كل واحد من الأعداد ــ إن أردت التحقيق ــ هو أن يقال: إنه عدد
<lb n="2"/> من اجتماع واحد وواحد وواحد، وتذكر الآحاد كلها. وذلك لأنه لا يخلو إما أن يحد
<lb n="3"/> بالعدد من غير أن يشار إلى تركيبه مما ركب منه، بل بخاصية من خواصه، فذلك يكون
<lb n="4"/> رسم ذلك العدد لا وحده من جوهره، وإما أن يشار إلى تركيبه مما ركب منه. فإن أشير
<lb n="5"/> إلى تركيبه من عددين دون الآخر مثلا أن تجعل العشرةمن تركيب خمسة وخمسة لم يكن
<lb n="6"/> ذلك أولى من تركيب ستة مع أربعة، وليس تعلق هوتيه بأحدهما أولى من الآخر. وهو بما
<lb n="7"/> هو عشرة ماهية واحدة، ومحال أن تكون ماهية واحدة، وما يدل على ماهية من حيث
<lb n="8"/> هى واحدة حدود مختلفة.
<pb n="122" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="9"/>فإذا كان كذلك فحده ليس بهذا ولا بذاك، بل بما قلنا. ويكون ــ إذا كان ذلك
<lb n="10"/> كذلك ــ وقد كان له التركيب من خمسة وخمسة، ومن ستة وأربعة، ومن ثلاثة وسبعة،
<lb n="11"/> لازمًا لذلك وتابعا، فتكون هذه رسوما له.على أن تحديدك بالخمسة يحوج إلى تحديد
<lb n="12"/> الخمسة فينحل ذلك كله إلى الآحاد وحينئذ يكون مفهوم قولك: إن العشرة من خمسة
<lb n="13"/> وخمسة، هو مفهوم قولك: من ثلاثة وسبعة، وثمانية واثنين، أعنى إذا كنت تلحظ تلك
<lb n="14"/> الآحاد. فأما <choice><sic>إذ الحظت</sic><corr>إذا لحظت</corr></choice> صورة الخمسة والخمسة، والثلاثة والسبعة، كان كل اعتبار غير
<lb n="15"/> الآخر. وليس للذات الواحدة حقائق مختلفة المفهومات، بل إنما تتكثر لوازمها وعوارضها،
<lb n="16"/> ولهذا ما قال الفيلسوف المقدم: لا تحسبن أن الستة ثلاثة وثلاثة، بل هو ستة مرة واحدة. </p>
<p n="8">
<lb n="17"/>ولكن اعتبار العدد من حيث آحاده مما يصعب على التخيل وعلى العبارة
<lb n="18"/> فيصار إلى الرسوم.
<pb n="94"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="1"/>ومن الواجب، ومما يجب أن يبحث عنه من حال العدد حال الاثنوة. فقد
<lb n="2"/> قال بعضهم: إن الاثنوة ليست من العدد، وذلك لأن الاثنوة هى الزوج الأول، والوحدة هى
<lb n="3"/> الفرد الأول، وكما أن الوحدة التى هى الفرد الأول ليس
<pb n="123" edRef="#source_2"/>بعدد، فكذلك الاثنوة
<lb n="4"/> التى هى الزوج الأول ليس بعدد. وقال: ولأن العدد كثرة مركبة من الآحاد، والآحاد أقلها
<lb n="5"/> ثلاثة، ولأن الاثنوة لا تخلو إن كانت عددا إما أن تكون مركبة أو لا تكون، فإن كانت
<lb n="6"/> مركبة [فيعدها] غير الواحد، وإن كانت عددا أولًا فلا يكون لها نصف. </p>
<p n="10">
<lb n="7"/>وأما أصحاب الحقيقة فلا يشتغلون بأمثال هذه الأشياء بوجه من الوجوه، فإنه
<lb n="8"/> لم تكن الوحدة غير عدد لأجل أنها فرد أو زوج، بل لأنها لا انفصال فيها إلى وحدات. ولا
<lb n="9"/> إذا قالوا: مركبة من وحدات، يعنون بها ما يعنيه النحويون من لفظ الجمع وأن أقله ثلاثة،
<lb n="10"/> بعد الإختلاف فيه، بل يعنون بذلك أكثر وأزيد من واحد. وقد جرت عادتهم بذلك، ولا
<lb n="11"/> يبالون أن لا يوجد زوج ليس بعدد، وإن وجد فرد ليس بعدد؛ فما فرض عليهم أن يدأبوا
<lb n="12"/> فى طلب زوج ليس بعدد. وليسوا يشترطون فى العدد الأول أن يكون لا نصف له مطلقا،
<lb n="13"/> بل لا نصف له عددا من حيث هو أول، وإنما يعنون بالأول أنه غير مركب من عدد. </p>
<p n="11">
<lb n="14"/>وإنما يعنى بالعدد ما فيه من انفصال ويوجد فيه واحد، فالاثنوة أول العدد، وهو
<lb n="15"/> الغاية فى القلة فى العدد. وأما الكثرة فى العدد فلا تنتهى إلى حد، وقلة الاثنوة ليست مما
<lb n="16"/> تقال بذاتها، بل بالقياس إلى العدد.
<pb n="124" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="17"/>وليس إذا لم تكن الاثنوة أكثر من شىء يجب من ذلك أن لا تكون قلتها
<lb n="18"/> بالقياس إلى غيرها، فليس يجب أن يكون ما يعرض له إضافة إلى شىء يلزم أن تكون
<pb n="95"/>
<lb n="1"/> له إضافة أخرى إلى شىء آخر يقارن تلك الإضافة، فإنه ليس يجب إذا كان شىء من
<lb n="2"/> الأشياء تعرض له إضافتان إضافة قلة وإضافة كثرة معًا ــ حتى يكون كما أنه قليل
<lb n="3"/> بالقياس إلى شىء فهو كثير بالقياس إلى شىء آخر ــ فيلزم من ذلك أن تكون كل قلة
<lb n="4"/> تعرض لشىء يعرض له معها الكثرة؛ كما أنه ليس إذا كان شىء هو مالكا ومملوكا يجب
<lb n="5"/> أن لا يكون شىء مالكا وحده، أو شىء هو جنس ونوع يلزم أن لا يكون شىء هو جنس
<lb n="6"/> وحده؛ فإنه ليس إنما صار القليل قليلا لأجل أن له شيئا هو أيضا عنده كثير، بل لأجل
<lb n="7"/> الشىء الذى ذلك الشىء بالقياس إليه كثير. </p>
<p n="13">
<lb n="8"/>فالاثنوة هى القلة الأقلة، أما قلة فبالقياس إلى كل عدد لأنها تنقص عن كل عدد؛
<lb n="9"/> وأما الأقلة فلأنها ليست بكثير عند عدد، وإذا لم تقس الاثنوة إلى شىء آخر ولا تكون قليلة. </p>
<p n="14">
<lb n="10"/>والكثرة يفهمون منها معنيان: أحدهما أن يكون الشىء فيه من الآحاد فوق
<lb n="11"/> واحد، وهذا ليس بالقياس إلى شىء آخر البتة، والآخر أن يكون الشىء فيه ما فى شىء
<lb n="12"/> آخر وزيادة؛ وهذا هو الذى بالقياس.
<pb n="125" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="15">
<lb n="13"/>وكذلك العظم والطول والعرض. فالكثرة مطلقة تقابل الوحدة مقابلة الشىء مع
<lb n="14"/> مبدئه الذى يكيله، والكثرة الأخرى تقابل القلة مقابلة المضاف. ولا تضاد بين الوحدة والكثرة
<lb n="15"/> بوجه من الوجوه، وكيف والوحدةتقوم الكثرة؟ ويجب أن نحقق القول فى هذا.
<pb n="126" edRef="#source_2"/>
<pb n="96"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل السادس]
<lb n="2"/>
<num>و</num> فصل
<lb n="3"/> فى تقابل الواحد والكثير </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>وبالحرى أن نتأمل كيف تجرى المقابلة بين الكثير والواحد، فقد كان التقابل
<lb n="5"/> عندنا على أصناف أربعة، وقد تحقق ذلك. وسنحقق بعد أيضا أن صورة التقابل توجب
<lb n="6"/> أن تكون أصنافه على هذه الجملة، وكان من ذلك تقابل التضاد. وليس يمكن أن يكون
<lb n="7"/> التقابل بين الوحدة والكثرة على هذه الجملة، وذلك أن الوحدة مقوّمة للكثرة ولا شىء من
<lb n="8"/> الأضداد يقوم ضده، بل يبطله وينفيه. </p>
<p n="2">
<lb n="9"/>لكن لقائل أن يقول: إن الوحدة والكثرة هذا شأنهما، فإنه ليس يجب أن يقال:
<lb n="10"/> إن الضد يبطل الضد كيف كان، بل إن قال: إن الضد يبطل الضد بأن يحل فى موضوعه،
<lb n="11"/> فالوحدة أيضا من شأنها أن تبطل الكثرة بأن تحل الموضوع الذى للكثرة، على ما جوزت أن
<lb n="12"/> يكون الموضوع تعرض له الوحدة والكثرة. فنقول فى جواب هذا الإنسان: </p>
<p n="3">
<lb n="13"/>أن الكثرة كما أنها إنما تحصل بالوحدة فكذلك الكثرة إنما تبطل ببطلان وحداتها،
<lb n="14"/> ولا تبطل الكثرة البتة لذاتها بطلانا أوليا، بل يعرض لوحداتها أولا أن تبطل، ثم يعرض لها أن
<lb n="15"/> تبطل معها لبطلان وحداتها. فتكون الوحدة إذا أبطلت الكثرة فليس بالقصد الأول تبطلها،
<lb n="16"/> بل إنما تبطل أولا الوحدات التى للكثرة عن حالها بالفعل إلى أن
<pb n="127" edRef="#source_2"/>تصير بالقوة، فيلزم
<lb n="17"/> أن لا تكون كثرة. فإذن الوحدة إنما تبطل أولا الوحدة على أنها ليست تبطل الوحدة كما
<lb n="18"/> تبطل الحرارة البرودة. فإن الوحدة لا تضاد الوحدة، بل على أن تلك الوحدات يعرض لها
<lb n="19"/> سبب مبطل بأن تحدث عنه هذه الوحدة وذلك [كبطلان] سطوح.
<pb n="97"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="1"/>فإن كان لأجل هذه المعاقبة التى على الموضوع يجب أن تكون الوحدة ضد
<lb n="2"/> الكثرة، فالأولى أن تكون الوحدة ضد الوحدة وعلى أن تكون الوحدة ليست تبطل الوحدة
<lb n="3"/> ابطال الحرارة للبرودة، لأن الوحدة الطارئة إذا أبطلت الوحدة الأولى أبطلتها عما ليس هو
<lb n="4"/> بعينه موضوع الوحدة الأخرى، بل الأحرى أن يظن أنه جزء موضوعه. وأما الكثرة فليست
<lb n="5"/> تبطل عن هذه الوحدة بطلانا أوليا، بل ليس يكفى فى شرط المتضادين أن يكون الموضوع
<lb n="6"/> واحد يتعاقبان فيه بل يجب أن تكون ــ مع هذا التعاقب ــ الطبائع متنافية متباعدة،
<lb n="7"/> ليس من شأن أحدهما أن يتقوم بالآخر للخلاف الذاتى فيهما وأن يكون تنافيهما أوليا. </p>
<p n="5">
<lb n="8"/>وأيضا فلقائل أن يقول: إنه ليس موضوع الواحد والكثير واحدا، فإن شرط
<lb n="9"/> المتضادين أن يكون للاثنين منهما بالعدد موضوع واحد، وليس لوحدة بعينها وكثرة بعينها
<lb n="10"/> موضوع واحد بالعدد، بل فى [موضوع] واحد بالنوع. وكيف يكون موضوع الوحدة والكثرة
<lb n="11"/> واحد بالعدد؟ ثم لا يخفى عليك أن تعلم مما سلف لك حقيقة هذا وما فيه وعليه وله. </p>
<p n="6">
<lb n="12"/>فقد ظهر وبان أن التقابل الذى بين الواحد والكثير ليس بتقابل التضاد. فلننظر
<lb n="13"/> هل التقابل بينهما تقابل الصورة والعدم؟
<pb n="128" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="14"/>فنقول: إنه يلزم أول ذلك أن يكون العدم منهما عدم شىء من شأنه أن يكون
<lb n="15"/> للموضوع أو لنوعه أو لجنسه، على ما قد مضى لك من أمر العدم. ولك أن تتمحل وجها
<lb n="16"/> تجعل به الوحدة عدم الكثرة فيما من شأنه بنوعه أن يتكثر، وأن تتمحل وجها آخر تجعل به
<lb n="17"/> الكثر عدم للوحدة فى أشياء فى طبيعتها أن تتوحد. لكن الحق لا يجوز أن يكون شيئان
<lb n="18"/> كل واحد منهما عدم وملكة بالقياس إلى الآخر، بل الملكة منهما هو المعقول بنفسه الثابت
<pb n="98"/>
<lb n="1"/> بذاته، وأما العدم فهو أن لا يكون ذلك الشىء الذى هو المعقول بنفسه الثابت بذاته فيما
<lb n="2"/> من شأنه أن يكون، فيكون إنما يعقل ويحد بالملكة. </p>
<p n="8">
<lb n="3"/>وأما القدماء فقوم جعلوا هذا التقابل من العدم والملكة، وجعلوها هى المضادة
<lb n="4"/> الأولى، ورتبوا تحت الملكة والصورة، الخير والفرد والواحد والنهاية و اليمين والنور
<lb n="5"/> والساكن والمستقيم والمربع والعلم والذكر؛ وفى حيز العدم مقابلات هذه كالشر والزوج
<lb n="6"/> والكثرة واللانهاية واليسار والظلمة والمتحرك والمنحنى والمستطيل والظن والأنثى. </p>
<p n="9">
<lb n="7"/>وأما نحن فقد يصعب علينا أن نجعل الملكة هى الوحدة ونجعل الكثرة هى
<lb n="8"/> العدم. أما أولا، فإنا هو ذا نحد الوحدة بعدم الإنقسام أو عدم الجزء بالفعل،
<pb n="129" edRef="#source_2"/>
<lb n="9"/> ونأخذ الإنقسام والتجزئة فى حد الكثرة، وقد ذكرنا ما فى هذا. وأما ثانيا، فإن الوحدة
<lb n="10"/> موجودة فى الكثرة مقومة لها، وكيف تكون ماهية الملكة موجودة فى العدم حتى يكون
<lb n="11"/> العدم يتألف من ملكات تجتمع؟ وكذلك إن كانت الملكة هى الكثرة فكيف يكون تركيب
<lb n="12"/> الملكة من أعدامها؟ فليس يجوز أن تجعل المقابلة بينهما مقابلة العدم والملكة. </p>
<p n="10">
<lb n="13"/>وإذ لا يجوز هذا فليس يجوز أن يقال: إن المقابلة بينهما هى مقابلة التناقض،
<lb n="14"/> لأن ما كان من ذلك فى الألفاظ فهو خارج عن موافقة هذا الاعتبار، وما كان منه فى الأمور
<lb n="15"/> العامة فهو من جنس تقابل العدم والملكة، بل هو جنس هذا التقابل. فإن بإزاء الموجبة
<lb n="16"/> الثبوت، وبإزاء السالبة العدم، ويعرض فى ذلك من المحال ما يعرض فيما قلنا. فلننظر أنه:
<lb n="17"/> هل التقابل بينهما تقابل المضاف؟ </p>
<p n="11">
<lb n="18"/>فنقول: ليس يمكن أن يقال: إن بين الوحدة والكثرة فى ذاتيهما تقابل المضاف،
<lb n="19"/> وذلك لأن الكثرة ليس إنما تعقل ماهيتها بالقياس إلى الوحدة حتى تكون إنما هى كثرة لأجل
<pb n="99"/>
<lb n="1"/> أن هناك وحدة، وإن كان إنما هى كثرة بسبب الوحدة. وقد علمت فى كتب المنطق الفرق
<lb n="2"/> بين ما لا يكون إلا بشىء وبين ما لا تقال ماهيته إلا بالقياس إلى شىء. بل إنما تحتاج الكثرة
<lb n="3"/> إلى أن يفهم لها أنها من الوحدة، لأنها معلولة للوحدة فى ذاتها، ومعنى أنها معلولة غير معنى
<lb n="4"/> أنها كثيرة، والإضافة لها إنما هى من حيث هى معلولة، والمعلولية لازمة
<pb n="130" edRef="#source_2"/> للكثرة،
<lb n="5"/> لا نفس الكثرة. ثم لو كانت من المضاف لكان كما تقال ماهيتها بالقياس إلى الوحدة لكان
<lb n="6"/> يقال ماهية الوحدة من حيث هى وحدة بالقياس إلى الكثرة على شرط انعكاس المضافين،
<lb n="7"/> ولكانا متكافئين فى الوجود من حيث هذه وحدة وتلك كثرة، وليس الأمر كذلك. </p>
<p n="12">
<lb n="8"/>فإذا قد بان لك جميع هذا، فبالحرى أن تجزم أن لا تقابل بينهما فى ذاتيهما ولكن
<lb n="9"/> يلحقهما تقابل وهو: أن الوحدة من حيث هى مكيال تقابل الكثرة من حيث هى مكيل.
<lb n="10"/> وليس كون الشىء وحدة، وكونه مكيالا، شيئا واحدا بل بينهما فرق. والوحدة يعرض
<lb n="11"/> لها أن تكون مكيالا، كما أنها يعرض لها أن تكون علة. ثم الأشياء يعرض لها ــ بسبب
<lb n="12"/> الوحدة التى توجد لها ــ أن تكون مكاييل، ولكن واحد كل شىء ومكياله هو من جنسه.
<lb n="13"/> فالواحد فى الأطوال طول، وفى العروض عرض، وفى المجسمات مجسم، وفى الأزمنة
<lb n="14"/> زمان، وفى الحركات حركة، وفى الأوزان وزن، وفى الألفاظ لفظ، وفى الحروف حرف. </p>
<p n="13">
<lb n="15"/>وقد يجتهد أن يجعل الواحد فى كل شىء أضغر مما يمكن ليكون التفاوت
<lb n="16"/> فيه أقل ما يكون، فبعض الأشياء يكون واحده مفترضا بالطبع مثل: جوزة وبطيخة،
<lb n="17"/> وبعضها يفرض فيه واحد بالوضع. فما زاد على ذلك الواحد أخذ أكثر من الواحد، وما
<pb n="100"/>
<lb n="1"/> نقص منه لم يؤخذ واحدا، بل يكون الواحد هذا المفروض بتمامه، ويجعل هذا الواحد
<lb n="2"/> أيضا من أظهر الأشياء فى ذلك الجنس.
<pb n="131" edRef="#source_2"/> فالواحد مثلا فى الأطوال: شبر، وفى
<lb n="3"/> العروض مثلا: شبر فى شبر، وفى المجسمات: شبر فى شبر فى شبر، وفى الحركات:
<lb n="4"/> حركة مقدرة معلومة، ولا توجد حركة بهذه الصفة عامة للجميع إلا الحركات المتقدرة
<lb n="5"/> بالطبيعة، وخصوصًا التى لا تختلف، بل تمتد متفقة حتى تبقى واحدة فى كل تقدير،
<lb n="6"/> وخصوصا التى هى أقل مقدار حركة. </p>
<p n="14">
<lb n="7"/>فالأقل مقدار حركة هو الأقل زمانا، وهذا هو الحركة الفلكية السريعة جدا
<lb n="8"/> المضبوط قدرها، لأن الدور لا يزاد عليه، ولا ينقص المعلوم صغر مقدارها بسرعة
<lb n="9"/> العود ليس مما ينتظر تجدده إلى حين، بل فى كل يوم وليلة <choice>
<sic>نتم</sic>
<corr>تتم</corr>
</choice> دورة قريبة إلى الموجود
<lb n="10"/>
<choice>
<sic>والتجديد</sic>
<corr>والتحديد<note>according to Bertolacci 2006, 502</note></corr>
</choice> وإلى التجزئة أيضا بحركات الساعات. فتكون حركة ساعة واحدة مثلا هى
<lb n="11"/> مكيال الحركات، وكذلك زمانها مكيال الأزمنة، وقد يفرض فى الحركات حركة واحدة
<lb n="12"/> بحسب المسافات، إلا أن ذلك غير مستعمل وغير واقع موقع الفرض الأول. </p>
<p n="15">
<lb n="13"/>وأما فى الأثقال فنفرض أيضا ثقل درهم ودينار واحد أيضا. وفى أبعاد
<lb n="14"/> الموسيقى [أرخاء] النغمة التى هى ربع طنينى أو ما يجرى مجراها من الأبعاد الصغار،
<lb n="15"/> ومن الأصوات الحرف المصوت المقصور، أو الحرف الساكن، أو مقطع مقصور.
<pb n="132" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="16"/>وليس يجب أن يكون كل واحد من هذه الأوضاع واقعا بالضرورة، بل يقع
<lb n="17"/> بالفرض. ويمكن أن يفرض الواحد من كل باب ما هو أنقص وأزيد مما فرض، ومع هذا
<lb n="18"/> فليس يجب إذا كان فى هذه الأشياء واحد منه مفروض أن يكال به جميع ما هو من ذلك
<lb n="19"/> الجنس؛ فإنه يجوز أن يكون الآخر مباينا لكل ما كيل به أولا. فههنا خط مباين لخط،
<pb n="101"/>
<lb n="1"/> وسطح مباين لسطح، وجسم مباين لجسم. وإذا كان الخط والسطح والجسم تُباين جسما
<lb n="2"/> وسطحا وخطا، فكذلك الحركة قد تُباين الحركة. وإذا كان كذلك فالزمان والثقل أيضا
<lb n="3"/> يباين الزمان والثقل أيضا، ويجوز أن يكون لهذا الذى يباين ذلك مباين غير ذلك، وقد
<lb n="4"/> علمت جميع هذا فى صناعة التعاليم. </p>
<p n="17">
<lb n="5"/>وإذا كان كذلك فستكون إذن الوحدات التى تفرض لكل جنس من هذه
<lb n="6"/> كثيرة وتكاد أن لا تتناهى. وإذا كان هناك واحد يصلح لكيل شىء فستكون أشياء تكاد
<lb n="7"/> أن لا تناهى لأن تكال به. ولما كان المكيال يعرف به المكيل، عد العلم والحس كالمكاييل
<lb n="8"/> للأشياء، فإنها تعلم بهما. فقال بعضهم: إن الإنسان يكيل كل شىء، لأنه بالعلم والحس،
<lb n="9"/> وبهما يدرك كل شىء. وبالحرى أن <choice><sic>كون</sic><corr>يكون<note>according to Bertolacci 2006, 502</note></corr></choice> العلم والحس مكيلين بالمعلوم والمحسوس، وأن
<lb n="10"/> يكون ذلك <choice><sic>أصلاله</sic><corr>أصلا له</corr></choice>، لكنه قد يقع أن يكال المكيال أيضا بالمكيل. </p>
<p n="18">
<lb n="11"/>فهكذا يجب أن يتصور الحال فى مقابلة الوحدة والكثرة.
<pb n="133" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="19">
<lb n="12"/>وقد يشكل من حال الأعظم والأصغر أنهما كيف يتقابلان وكيف يقابلان
<lb n="13"/> المساواة. فإن المساوى يقابل كل واحد منهما؛ فإنه لا يجوز أن يكون المساوى والأعظم إلا
<lb n="14"/> متخالفين، وكذلك المساوى والأصغر، أما الأعظم والأصغر فإنهما إن تقابلا فمن المضاف،
<lb n="15"/> فكان هذا أعظم بالقياس إلى ما هو أصغر، فليس المساوى مضايفا لأحدهما، بل لما هو
<lb n="16"/> مساو له. ويظن أنه ليس يجب حيث كان أعظم وأصغر أن يكون بينهما مساوٍ موجودٌ.
<lb n="17"/> فإن هذا قد علمته فى موضع آخر. </p>
<p n="20">
<lb n="18"/>فإذا كان الأمر على هذا، فبالحرى أن يكون المساوى ليست مقابلته الأولى
<lb n="19"/> للأعظم و الأصغر، بل لغير المساوى، وهو عدمه، مما شأنه أن تكون فيه المساواة.
<pb n="102"/>
<lb n="1"/> وليس عدمه فى النقطة والوحدة واللون والعقل [وأشياء] لا تقدير لها، بل فى أشياء
<lb n="2"/> لها تقدير وكمية. </p>
<p n="21">
<lb n="3"/>فالمساوى إنما يقابل عدمه وهو اللا مساواة، لكن اللا مساواة تلزم هذين أعنى
<lb n="4"/> الأعظم والأصغر كالجنس؛ لست أعنى أنه جنس، بل أعنى أنه يلزم كل واحد منهما،
<lb n="5"/> فإن واحد منهما هو عظيم، والعظيمية معنى وجودى يلزمه هذا العدم، والآخر صغير،
<lb n="6"/> والصغيرية من تلك الحيثية كذلك.
<pb n="134" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="7"/> [الفصل السابع]
<lb n="8"/>
<num>ز</num> فصل
<lb n="9"/> فى أن الكيفيات أعراض </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>فنتكلم الآن فى الكيفيات. أما الكيفيات المحسوسة والجسمانية فلا يقع شك
<lb n="11"/> فى وجودها، وقد تكلمنا أيضا فى وجودها فى مواضع أخر، ونقضنا مشاغبات من
<lb n="12"/> تمارى فى ذلك. لكنه إنما يقع الشك فى أمرها، أنها هل هى أعراض أو ليست بأعراض.
<lb n="13"/> فإن من الناس من يرى أن تلك جواهر تخالط الأجسام وتسرى فيها، فاللون بذاته جوهر،
<lb n="14"/> والحرارة كذلك، وكل واحد من هذه الأخر، فهى عنده بهذه <choice><sic>المترلة</sic><corr>المنزلة</corr></choice>. وليس يقنعه أن هذه
<lb n="15"/> الأشياء توجد تارة وتعدم تارة، والشىء المشار إليه قائم موجود. </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>فإنهم يقولون: إنه ليس يعدم ذلك، بل يأخذ يفارق قليلا قليلا، مثل الماء الذى
<lb n="17"/> يبتل به ثوب، فإنه بعد ساعة لا يوجد هناك ماء، ويكون الثوب موجودا بحاله، ولا
<lb n="18"/> يصير الماء بذلك عرضا، بل الماء جوهر له أن يفارق جوهرا آخر لاقاه. فربما فارق مفارقة
<pb n="103"/>
<lb n="1"/> لا يحس فيها بالأجزاء المفارقة منه، لأنها فارقت وهى أصغر مما يدركه الحس مفارقة
<lb n="2"/> مفترقة؛ ويقول بعضهم: إنها قد تكمن. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>فبالحرى أن نبين أن ما يقولونه باطل، فنقول: لا يخلو إن كانت هذه جواهر
<lb n="4"/> إما أن تكون جواهر هى أجسام، أو تكون
<pb n="135" edRef="#source_2"/> جواهر ليس بأجسام. فإن كانت
<lb n="5"/> هذه جواهر غير جسمانية، فإما أن تكون بحيث يمكن أن تؤلف منها أجسام، وهذا
<lb n="6"/> محال، إذ ما [لايتجزأ] فى أبعاد جسمانية فليس بالممكن أن يؤلف منه جسم؛ وإما
<lb n="7"/> أن لا يمكن، إنما يكون وجوده بالمقارنة للأجسام والسريان فيها. فأول ذلك لأنه يكون لهذه
<lb n="8"/> الجواهر وضع، وكل جوهر ذى وضع فإنه منقسم، وقد بين ذلك. وثانيا، أنه لا يخلو إما
<lb n="9"/> أن يكون كل واحد من هذه الجواهر من شأنه أن يوجد مفارقا للجسم الذى يكون فيه،
<lb n="10"/> أو لا يكون؛ فإن لم يكن يوجد مفارقا، وكان وجوده فى الأجسام على أنها موضوعات
<lb n="11"/> له، إذ ليست فيه كالأجزاء، ولا هى مفارقته، والجسم الموصوف بها مستكمل الجوهرية
<lb n="12"/> بنفسه، فليست إلا أعراضا، وإنما لها اسم الجوهرية فقط. وإن كانت تفارق أجسامها
<lb n="13"/> فإما أن تكون مفارقة تنتقل بها من جسم إلى جسم من غير أن يصح لها قوام مجرد، أو
<lb n="14"/> تكون لها مفارقة قوام مجرد. </p>
<p n="4">
<lb n="15"/>فإن كانت إذا لم توجد فى جسم وكانت فيه، فإنما يكون ذلك بأن ينتقل إلى
<lb n="16"/> الآخر، فيجب من ذلك أن يكون كل جسم فسد بياضه فقد انتقل بياضه إلى جسم يماسه،
<lb n="17"/> أو بقى مجردا إلى أن يحصل فى جسم بعيد، وهو غير مقارن جسما فى مدة قطع المسافة،
<lb n="18"/> وليس الأمر كذلك. وأما الكمون فقد فرغنا منه وبينا استحالته، فإنه يجب من ذلك أن يكون
<lb n="19"/> كل جسم يسخن جسما فإنه ينقل إليه حرارة من نفسه، فيبرد هذا الذى يسخّن.
<pb n="136" edRef="#source_2"/>
<pb n="104"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>ثم هذا النوع من الانتقال لا تبطل عرضيته، إذ كثير من الناس جوز فى
<lb n="2"/> الأعراض أنفسها هذا الانتقال، أعنى: الانتقال فى أجزاء الموضوع، والانتقال من موضوع
<lb n="3"/> إلى موضوع؛ وإنما كان لا يكون عرضا لو صح قوامه لا فى موضوع. أما القائم فى
<lb n="4"/> الموضوع إذا نظر فيه أنه هل يصح له أن ينتقل إلى موضوع آخر من غير أن يجرد عنهما،
<lb n="5"/> فهذا الاعتبار ليس يصح إلا بعد القوام فى الموضوع. ثم هذا لا يصح البتة، لأنه يخلو
<lb n="6"/> إما أن يكون الذى وجد فى موضوع ما تتعلق ذاته الشخصية بذلك الموضوع الشخصيّ،
<lb n="7"/> أو لا تتعلق؛ فإن كان تتعلق ذاته الشخصية بذلك الموضوع الشخصى فمعلوم أنه لا يجوز
<lb n="8"/> أن يبقى شخصه إلا فى ذلك الموضوع الشخصى، وإن كان إنما أوجده فى ذلك الموضوع
<lb n="9"/> سبب من الأسباب وليس ذلك السبب مقوّما له من حيث هو ذلك الشخص، فقد يمكن
<lb n="10"/> أن يزال عنه ذلك السبب وسائر الأسباب حتى لا يحتاج قوامه إلى ذلك الموضوع.
<lb n="11"/> وزوال ذلك السبب ليس يكون سبب احتياجه إلى موضوع آخر، لأن السبب فى أن لا
<lb n="12"/> يحتاج شىء إلى موضوع آخر، هو عدم السبب فى أن كان يحتاج، وهو فى ذاته ليس
<lb n="13"/> يحتاج. فزوال ذلك السبب ليس هو نفس وجود السبب الآخر إلا أن يكون مستحيلا
<lb n="14"/> زوال ذلك السبب إلا لوجود هذا السبب الآخر لا غير. </p>
<p n="6">
<lb n="15"/>فإذا عرضنا هذا السبب زال ذلك السبب، فيكون الشىء قد فارقته الحاجة
<lb n="16"/> إلى الموضوع الأول واحتاج إلى الموضوع الآخر لأمرين: أما الأول، فزوال
<pb n="137" edRef="#source_2"/> السبب
<lb n="17"/> الأول؛ وأما الثانى، فوجود السبب الثانى. لكن جملة هذه الأسباب تكون أمورا خارجة
<lb n="18"/> عن طباعه ليس يحتاج إليها فى تحقيق ذاته موجودا ذلك اللون مثلا، بل إنما يحتاج
<lb n="19"/> إليها فى أن تتخصص بموضوع. فكونه لونا، وكونه هذا اللون بعينه، إن كان يغنيه عن
<lb n="20"/> الموضوع، فليس يحوجه إلى أن يجعله محتاجا إلى الموضوع. فإن الغنى بوجوده عن
<pb n="105"/>
<lb n="1"/> الموضوع لا يعرض له ما يحوجه إلى الموضوع إلا بانقلاب عينه. وإن كان لا يغنيه، بل
<lb n="2"/> يعلقه بموضوع فيكون ذلك الموضوع متعينا له، لأنه يقتضى أمرا متعينا بعينه. فإن المتعين لا
<lb n="3"/> يقتضى أى شىء اتفق مما لا نهاية له بالقوة مما ليس بعضه يخالف الآخر فى حكمه. </p>
<p n="7">
<lb n="4"/>فإن قيل: فكيف يقتضى الواحد المعين؟ فيقال: يقتضى الذى تعلق به صحة
<lb n="5"/> وجوده أوَّلًا فيتعينَّ له بذلك. فهذا اللون من حيث هو هذا اللون إما غنى عن الموضوع،
<lb n="6"/> وإما مقتصر على موضوع واحد. </p>
<p n="8">
<lb n="7"/>وأما انقلاب العين فقد تلزمنا من ذكره عهدة يجب أن نخرج منها. فإن انقلاب
<lb n="8"/> العين يعنى به أن يعدم هذا ويوجد ذلك من غير أن يدخل من الأول شىء فى الثانى، فإنه
<lb n="9"/> إن كان هكذا فيكون الأول قد عدم والآخر قد حصل، ولا يكون الأول هو الذى انتقل إلى
<lb n="10"/> الثانى. بل إنما نعنى بالانقلاب أن الموصوف بالأول صار موصوفا بالثانى، وذلك أنه يبقى
<lb n="11"/> من الأول شىء فى الثانى، فيكون
<pb n="138" edRef="#source_2"/> مركبا من مادة وشىء فيها. فإن كان هذا صفة
<lb n="12"/> اللونية مثلا فى مسألتنا فيكون فى اللونية شىء يبطل وشىء يبقى، فيكون هذا الذى بطل
<lb n="13"/> هو الذى صار به الشىء لونا، بل هو اللونية وهو الصورة المادية أو العرض وكلامنا فيها. </p>
<p n="9">
<lb n="14"/>ونرجع فنقول: وأما إن كان يجوز له أن يفارق هذه الجواهر ويقوم مثلا بياضا
<lb n="15"/> أو شيئا آخر بذاته، فلا يخلو: </p>
<p n="10">
<lb n="16"/>إما أن يكون حينئذ إليه إشارة ويكون البياض الذى من شأنه أن يدرك إلا أن
<lb n="17"/> يعجز عن إدراكه للقلة الفاحشة، ويكون على الجملة التى تعرف البياض عليها. فإن كان
<lb n="18"/> كذلك فيلزم أن يكون خلاء موجودا حتى يكون فيه مشار إليه وليس فى الأجسام، ويلزم
<lb n="19"/> أن يكون له وضع ما وتقدير ما، فيكون له فى ذاته مقدار يكون إلا القليل منه محسوسًا،
<pb n="106"/>
<lb n="1"/> فإنا لا نتخيل بياضا لا وضع له ولا مقدار، فضلا عن أن نراه. وإذا كان له مقدار ووضع
<lb n="2"/> وزيادة هى هيئة البياضية كان جسما أبيض لا مجرد البياض، فإنا نعنى بالبياض هذه الهيئة
<lb n="3"/> الزائدة على المقدار والحجم. </p>
<p n="11">
<lb n="4"/>وإن كان لا يبقى على الجملة التى كان يعرف البياض عليها، بل قد انتقل
<lb n="5"/> عن هذه الصورة وصار شيئا آخر روحانيا. فيكون البياض مثلا له موضوع يعرض له
<lb n="6"/> أن تكون فيه البياضية التى على النحو المعروف، ويعرض لع أن يصير مرة أخرى بصورة
<lb n="7"/> أخرى روحانية فيكون أولا ما تعرفه بياضا قد فسد وزالت صورته. وأما المفارق العقلى
<lb n="8"/> فقد أشرنا ــ فيما سلف ــ إلى أنه لا يجوز أن ينتقل مثل هذا الشىء مرة أخرى ذا وضع
<lb n="9"/> ومخالطا للأجسام.
<pb n="139" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="10"/>وأما إن جاعلٌ البياضَ شيئًا فى نفسه ذا مقدار، فيكون له وجودان:
<lb n="11"/> وجود أنه بياض، ووجود أنه مقدار. فإن كان مقداره بالعدد غير مقدار الجسم الذى هو
<lb n="12"/> فيه بالعدد، فإذا كان فى الأجسام وساريا فيها فيكون قد دخل بُعْدٌ فى بُعْدٌ، وإن كان
<lb n="13"/> هو نفس الجسم منحازا فيكون الأمر قد عاد إلى أن الشىء الذى هو البياض جسم وله
<lb n="14"/> بياضية. فتكون البياضية موجودة فى ذلك الجسم إلا أنها لا تفارق، ولا يكون البياض
<lb n="15"/> مجموع ذلك الجسم والكيفية، بل شىء فى ذلك الجسم؛ إذ حد البياض وماهيته ليس
<lb n="16"/> ماهية الطويل العريض العميق، بل تكون ماهية الطويل العريض العميق للحرارة أيضا على
<lb n="17"/> هذا الرأى، فيكون البياض مقارنًا لهذا الشىء ناعتًا له. وهذا معنى قولنا: الصفة فى
<pb n="107"/>
<lb n="1"/> الموصوف، وتكون مع ذلك لا تفارقه وليست جزءا من ذلك الشىء الذى هو الطويل
<lb n="2"/> العريض، فيكون البياض والحرارة عرضا إلا أنه لازم. </p>
<p n="13">
<lb n="3"/>فيبقى الكلام فى أن من طبيعته أن يفارق أيضا، فقد تبين أن الكيفيات التى
<lb n="4"/> هى المحسوسة أعراض، وهذا مبدأ للطبيعيات. وأما الاستعدادات فأمرها أوضح؛ وأما
<lb n="5"/> التى تتعلق بالنفس وذوات الأنفس فقد تبين فى الطبيعايات أنها أعراض تقوم فى أجسام.
<lb n="6"/> وذلك حين تكلمنا فى أحوال <choice>
<sic>النقس</sic>
<corr>النفس</corr>
</choice>.
<pb n="140" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="7"/> [الفصل الثامن]
<lb n="8"/>
<num>ح</num>فصل
<lb n="9"/> فى العلم وأنه عرض </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>وأما العلم فإن فيه شبهة، وذلك لأن لقائل أن يقول: إن العلم هو المكتسب
<lb n="11"/> من صور الموجودات مجردة عن موادها، وهى صور جواهر وأعراض. فإن كانت صور
<lb n="12"/> الأعراض أعراضًا، فصور الجواهر كيف تكون أعراضا؟ فإن الجوهر لذاته جوهر فماهيته
<lb n="13"/> جوهر لا تكون فى موضوع البتة وماهيته محفوظة سواء نسبت إلى إدراك العقل لها أو
<lb n="14"/> نسبت إلى الوجود الخارجى. </p>
<p n="2">
<lb n="15"/>فنقول: إن ماهية الجوهر جوهر بمعنى أنه الموجود فى الأعيان لا فى موضوع،
<lb n="16"/> وهذه الصفة موجود لماهية الجواهر المعقولة، فإنها ماهية شأنها أن تكون موجود فى
<lb n="17"/> الأعيان لا فى موضوع، أى أن هذه الماهية هى معقولة عن أمر وجوده فى الأعيان أن
<lb n="18"/> يكون لا فى موضوع. وأما وجوده فى العقل بهذه الصفة فليس ذلك فى حده من حيث
<pb n="108"/>
<lb n="1"/> هو جوهر، أى ليس حد الجوهر أنه فى العقل لا فى موضوع، بل حده أنه سواء كان فى
<lb n="2"/> العقل أو لم يكن فإن وجوده فى الأعيان ليس فى موضوع. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>فإن قيل: فالعقل أيضا من الأعيان، قيل: يراد بالعين التى إذا حصل فيها
<lb n="4"/> الجوهر صدرت عنه أفاعيله وأحكامه. والحركة كذلك ماهيتها أنها كمال ما بالقوة،
<lb n="5"/> وليست فى العقل حركة بهذه الصفة حتى يكون فى العقل كمال
<pb n="141" edRef="#source_2"/>ما بالقوة من
<lb n="6"/> جهة كذا حتى تصير ماهيتها محركة للعقل، لأن معنى كون ماهيتها على هذه الصورة
<lb n="7"/> هو أنها ماهية تكون فى الأعيان كمالا لما بالقوة؛ وإذا عقلت فإن هذه الماهية تكون أيضا
<lb n="8"/> بهذه الصفة، فإنها فى العقل ماهية تكون فى الأعيان كمال ما بالقوة، فليس يختلف كونها
<lb n="9"/> فى الأعيان وكونها فى العقل. فإنه فى كليهما على حكم واحد فإنه فى كليهما ماهية
<lb n="10"/> توجد فى الأعيان كمالا لما بالقوة. </p>
<p n="4">
<lb n="11"/>فلو كنا قلنا: إن الحركة ماهية تكون كمالا لما بالقوة فى الأبدان مثلا لكل شىء
<lb n="12"/> توجد فيه، ثم وجدت فى النفس لا كذلك، لكانت الحقيقة تختلف. وهذا كقول القائل:
<lb n="13"/> إن حجر المغناطيس حقيقته أنه حجر يجذب الحديد، فإذا وجد مقارنا لجسمية كف
<lb n="14"/> الإنسان ولم يجذبه، ووجد مقارنا لجسمية حديد ما فجذبه، فلم يجب أن يقال: إنه
<lb n="15"/> مختلف بالحقيقة فى الكف وفى الحديد، بل هو فى كل واحد منهما بصفة واحدة وهو:
<lb n="16"/> أنه حجر من شأنه أن يجذب الحديد، فإنه إذا كان فى الكف أيضا كان بهذه الصورة، وإذا
<lb n="17"/> كان عند الحديد أيضا كان بتلك الصفة. فكذلك حال ماهيات الأشياء فى العقل، والحركة
<lb n="18"/> فى العقل أيضا بهذه الصفة، وليس إذا كانت فى العقل فى موضوع بطل أن تكون فى العقل
<lb n=""/> ليست ماهية ما فى الأعيان ليست فى موضوع.
<pb n="142" edRef="#source_2"/>
<pb n="109"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>فإن قيل، قد قلتم: إن الجوهر هو ما ماهيته لا تكون فى موضوع أصلا، وقد
<lb n="2"/> صيرتم ماهية المعلومات فى موضوع. فنقول، قد قلنا: إنه لا يكون فى موضوع فى الأعيان
<lb n="3"/> أصلا. فإن قيل: قد جعلتم ماهية الجوهر أنها تارة تكون عرضا وتارة جوهرا، وقد منعتم
<lb n="4"/> هذا. فنقول: إنا منعنا أيضا أن تكون ماهية شىء توجد فى الأعيان مرة عرضا ومرة
<lb n="5"/> جوهرا حتى تكون فى الأعيان تحتاج إلى موضوع ما وفيها لا تحتاج إلى موضوع البتة، ولم
<lb n="6"/> نمنع أن يكون معقول تلك الماهيات يصير عرضا، أى تكون موجودة فى النفس لا كجزء. </p>
<p n="6">
<lb n="7"/>ولقائل أن يقول: فماهية العقل الفعال والجواهر المفارقة أيضا كذا يكون حالها،
<lb n="8"/> حتى يكون المعقول منها عرضا، لكن المعقول منها لا يخالفها لأنها لذاتها معقولة. فنقول:
<lb n="9"/> ليس الأمر كذلك، فإن معنى قولنا: إنها لذاتها معقولة هو أنها تعقل ذاتها، وإن لم يعقلها
<lb n="10"/> غيرها، وأنها أيضا مجردة عن المادة وعلائقها لذاتها لا بتجريد يحتاج أن يتولاه العقل. وأما
<lb n="11"/> إن قلنا: إن هذا المعقول منها يكون من كل وجه هى أو مثلها، أو قلنا: إنه ليس يحتاج فى
<lb n="12"/> وجود المعقول منها إلا أن توجد ذاتها فى النفس، فقد أحلنا. فإن ذاتها مفارقة، ولا تصير
<lb n="13"/> نفسها صورة لنفس إنسان، ولو صارت لكانت تلك النفس قد حصلت فيها صورة الكل
<lb n="14"/> وعلمت كل شىء بالفعل، ولكانت تصير كذلك لنفس واحدة، وتبقى النفوس الأخرى
<lb n="15"/> ليس لها الشىء الذى تعقله، إذ قد استبد بها نفس ما.
<pb n="143" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="16"/>والذى يقال: إن شيئا واحدا بالعدد يكون صورة لمواد كثيرة، لا بأن يؤثر
<lb n="17"/> فيها، بل بأن يكون هو بعينه منطبعا فى تلك المادة وفى أخرى وأخرى، فهو محال يعلم
<pb n="110"/>
<lb n="1"/> بأدنى تأمل. وقد أشرنا إلى الحال فى ذلك عند كلامنا فى النفس، وسنخرج من بعد إلى
<lb n="2"/> خوض فى إبانة ذلك. </p>
<p n="8">
<lb n="3"/>فإذن تلك الأشياء إنما تحصل فى العقول البشرية معانى ماهياتها لا ذواتها،
<lb n="4"/> ويكون حكمها حكم سائر المعقولات من الجواهر إلا فى شىء واحد وهو أن تلك تحتاج
<lb n="5"/> إلى <choice>
<sic>تفسيرات</sic>
<corr>تقشيرات<note>according to Bertolacci 2006, 504</note></corr>
</choice> حتى يتجرد منها معنى يعقل، وهذا لا يحتاج إلى شىء غير أن يوجد المعنى
<lb n="6"/> كما هو فتنطبع به النفس. </p>
<p n="9">
<lb n="7"/>فهذا الذى قلناه إنما هو نقض حجة المحتج، وليس فيه إثبات ما [نذهب] إليه،
<lb n="8"/> فنقول: إن هذه المعقولات سنبين أمرها بعدُ، أن ما كان من الصور الطبيعية والتعليميات
<lb n="9"/> فليس يجوز أن يقوم مفارقًا بذاته، بل يجب أن يكون فى عقل أو نفس. وما كان من
<lb n="10"/> أشياء مفارقة، فنفس وجود تلك المفارقات مباينة لنا، ليس هو علمنا لها، بل يجب أن
<lb n="11"/> نتأثر عنها فيكون ما يتأثر عنها هو علمنا بها؛ وكذلك إن كانت صورا مفارقة وتعليميات
<lb n="12"/> مفارقة فإنما يكون علمنا بها ما يحصل لنا منها، ولا تكون أنفسها توجد لنا منتقلة إلينا،
<lb n="13"/> فقد بينا
<pb n="144" edRef="#source_2"/> بطلان هذا فى مواضع. بل الموجود منها لنا هى الآثار المحاكية لها لا
<lb n="14"/> محالة وهى علمنا. وذلك يكون إما أن يحصل لنا فى أبداننا أو فى نفوسنا. وقد بينا
<lb n="15"/> استحالة حصول ذلك فى أبداننا، فيبقى أنها تحصل فى نفوسنا. ولأنها آثار فى النفس، لا
<lb n="16"/> ذوات تلك الأشياء، ولا أمثال لتلك الأشياء قائمة لا فى مواد بدنية أو نفسانية، فيكون
<lb n="17"/> ما لا موضوع له يتكثر نُوعه بلا سببٍ يتعلق به بوجه؛ فهى أعراض فى النفس.
<pb n="145" edRef="#source_2"/>
<pb n="111"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل التاسع]
<lb n="2"/>
<num>ط</num>فصل
<lb n="3"/> فى الكيفيات التى فى الكميات وإثباتها </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>هذا الفصل يليق بالطبيعيات، وقد بقى جنس واحد من الكيفيات يحتاج إلى
<lb n="5"/> إثبات وجوده وإلى التنبيه على كونه كيفية، وهذه هى الكيفيات التى فى الكميات. </p>
<p n="2">
<lb n="6"/>أما التى فى العدد كالزوجية والفردية غير ذلك، فقد علم وجود بعضها
<lb n="7"/> وأثبت وجود الباقى فى صناعة الحساب. وأما أنها أعراض، فلأنها متعلقة بالعدد،
<lb n="8"/> وخواص له، والعدد من الكم، والكم عرض. </p>
<p n="3">
<lb n="9"/>وأما التى تعرض للمقادير فليس وجودها ببيّن، فإن الدائرة والخط المنحنى
<lb n="10"/> والكرة والاسطوانة والمخروط ليس شىء منها ببين الوجود، ولا يمكن للمهندس أن يبرهن
<lb n="11"/> على وجودها. [ذلك] لأن سائر الأشياء إنما تبين له بوضع وجود الدائرة، ولأن ذلك
<lb n="12"/> المثلث يصح وجوده إن صحت الدائرة، وكذلك المربع، وكذلك سائر الأشكال.
<pb n="146" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="13"/>وأما الكرة، فإنما يصح وجودها على طريقة المهندس إذا أراد دائرة فى دائرة على
<lb n="14"/> نحو ما علمت؛ والاسطوانة إذا حركت دائرة حركة يلزم فيها مركزها خطًا مستقيما طرفه
<lb n="15"/> مركزها فى أول الوضع لزومًا على الاستقامة. والمخروط إذا حركت مثلثا قائم الزاوية على
<lb n="16"/> أحد ضلعى القائمة حافظًا بطرف ذلك الضلع مركز <choice>
<sic>الدائرء</sic>
<corr>الدائرة</corr>
</choice> ودائرا بالضلع الثانى على محيط
<lb n="17"/> الدائرة. ثم الدائرة مما ينكر وجودها من يرى تأليف الأجسام من أجزاء لا تتجزأ، فيجب أن
<lb n="18"/> يبين وجود الدائرة. وأما عرضيتها فتظهر لنا لتعلقها بالمقادير التى هى أعراض. </p>
<p n="5">
<lb n="19"/>فنقول: أما على مذهب من يركب المقادير من أجزاء لا تتجزأ فقد يمكن أن
<lb n="20"/> يثبت عليه أيضا وجود الدائرة من أصوله، ثم ينقص بوجود الدائرة جزءه الذى لا يتجزأ.
<pb n="112"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>وذلك لأنه إذا فرضت دائرة على النحو المحسوس، وكانت على ما يقولون غير
<lb n="2"/> دائرة فى الحقيقة، بل كان المحيط مضرسا. وكذلك إذا فرض فيها جزء على أنه المركز، وإن
<lb n="3"/> لم يكن ذلك الجزء مركزا بالحقيقة، فقد يكون عندهم مركزا فى الحس، ويجعل المفروض
<lb n="4"/> مركزا فى الحس طرف خط، مؤلف من أجزاء لا تتجزأ، مستقيم، فإن ذلك صحيح
<lb n="5"/> الوجود مع فرض ما لا يتجزأ؛ فإن طوبق بطرفه الآخر جزء من الذى عند المحيط، ثم أزيل
<lb n="6"/> وضعه، وأخذ الجزء الذى يلى الجزء الذى من المحيط الذى اعتبرناه وطابقنا به الخط أولا
<lb n="7"/> فطوبق به رأس الخط المستقيم مطابقة مماسة أو موازاة إلى جهة المركز. فإن طابق المركز
<lb n="8"/> فذلك الغرض.
<pb n="147" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="9"/>وإن زاد أو نقص فيمكن أن يتم ذلك <choice>
<sic>بالأجزا</sic>
<corr type="MAR">بالأجزاء</corr>
</choice> حتى لا يكون هناك جزء يزيد،
<lb n="10"/> لأنه إن زاد أزيل، وإن نقص تمم وإن نقص بإزالته وزاد بالحاقه، فهو منقسم لا محالة وقد
<lb n="11"/> فرض غير منقسم. فإذا جعل كذلك بجزء جزء تمت الدائرة. </p>
<p n="8">
<lb n="12"/>ثم إن كان فى سطحها تضريس أيضا من أجزاء، فإن كانت موضوعة فى
<lb n="13"/> فرج، أدخلت تلك الأجزاء الفرج ليسد بها الخلل من السطح كلها، وإن كانت لا تدخل
<lb n="14"/> الفرج فالفرج أقل منها فى القدر فهى إذن منقسمة، إذ الذى يملأ الفرج أقل حجمًا منها،
<lb n="15"/> وما هو كذلك، فهو نفسه منقسم وإن لم يمكن فصله. وإن لم تكن موضوعة فى فرج،
<lb n="16"/> أزيلت من وجه السطح من غير حاجة إليها.
<pb n="113"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="1"/>فان قال قائل: إنه إذا طوبق بين الجزء المركزى وبين المحيطى مرة، فليس يمكن
<lb n="2"/> التطبيق لا بمماسة ولا بموازاة مع المركزى، والذى بلى ذلك الجزء من المحيط. فإنا نقول له: </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>أرأيت لو أعدمت هذه الأجزاء كلها وبقى الذى فى المركز والمحيط، أَهَل كان
<lb n="4"/> بينهما استقامة يمكن أن يطبق عليه هذا الخط؟ فإن لم يجوزوا ذلك فقد خرجوا عن البين
<lb n="5"/> بنفسه، وأوقعوا أنفسهم فى شغل آخر وهو أنه يمكن أن تفرض مواضع مخصوصة فيها
<lb n="6"/> تتم هذه الاستقامة فى الخلاء الذى لهم، حتى يكون بين جزئين فى الخلاء استقامة، وبين
<lb n="7"/> جزئين آخرين لا يكون. وهذا شطط ممن يتكلفه ويجوز القول به، فلا ضير، فإنما يبيع
<lb n="8"/> عقله بثمن بخس. فإن البديهة أيضا تشهد أن بين كل جزئين تتفق محاذاة لا محالة يملأها
<lb n="9"/> الملأ أقصر الملأ، أو أقصر بعد
<pb n="148" edRef="#source_2"/> فى الملأ. </p>
<p n="11">
<lb n="10"/>وإن قالوا: إن ذلك يكون، ولكن ما دامت هذه الأجزاء موجودة فلا يكون
<lb n="11"/> بينهما هذه المحاذاة، ولا يجوز أن يوازى طرفيها طرفا مستقيم، فهذا أيضا من ذلك. فتكون
<lb n="12"/> كأن تلك الأجزاء إن وجدت تغير حكم المحاذاة عن حكمه لو كانت معدومة، وجميع هذا
<lb n="13"/> مما لا يشكل على البديهة بطلانه ولا الوهم ــ الذى هو القانون فى الأمور المحسوسة وما
<lb n="14"/> يتعلق بها، كما علمت ــ يتصوره. على أن الأجزاء التى لا تتجزأ لا تتألف منها بالحقيقة لا
<lb n="15"/> دائرة ولا غير دائرة، وإنما هذا على قانون [القائلين] به. </p>
<p n="12">
<lb n="16"/>وإذا صحت دائرة، صحت الأشكال الهندسية. فيبطل الجزء ويعلم ذلك من
<lb n="17"/> أن كل خط ينقسم بقسمين متساويين وأن قطرًا لا يشارك ضلعا وما أشبه ذلك؛ فإن الخط
<lb n="18"/> الفرد الأجزاء لا ينقسم بقسمين متساويين، وكل خط مؤلف من أجزاء لا تتجزأ يشارك كل
<lb n="19"/> خط، وهذا خلاف ما يبرهن عليه بعد وضع الدائرة، وكذلك أشياء أخرى غير هذا.
<pb n="114"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="1"/>وأما إثبات الدائرة على أصل المذهب الحق فيجب أن نتكلم فيه، وأما
<lb n="2"/> الاستقامة وجوب محاذاة بين طرفى خط إذا لزمه المتحرك لم يكن حايدا، وإن [فارقه]
<lb n="3"/> كان حايدا عادلا، فذلك أمر لا يمكن دفعه.
<pb n="149" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="4"/>فنقول: قد تبين فى الطبيعيات من وجه وجود الدائرة، وذلك لأنه تبين لنا أن
<lb n="5"/> جسما [بسيطا]، وتبين أن كل جسم بسيط فله شكل طبيعى، وتبين أن شكله الطبيعى
<lb n="6"/> هو الذى لا يختلف البتة فى أجزائه، ولا شىء من الأشكال الغير المستديرة كذلك. فقد
<lb n="7"/> صح وجود الكرة وقطعها بالمستقيم هو الدائرة فقد صح وجود الدائرة. </p>
<p n="15">
<lb n="8"/>وأيضا يمكننا أن نصحح ذلك فنقول: من البين أنه إذا كان خط أو سطح على
<lb n="9"/> وضع ما فليس من المستحيل أن يفرض لسطح آخر أو خط آخر أن يكون وضعه بحيث
<lb n="10"/> يلاقيه من أحد طرفيه على زاوية. ومن البيّن أنه يمكننا أن ننقل هذا الجسم أو هذا الخط
<lb n="11"/> نقلًا كيف شئنا إلى أن يصير ملاقيًا لذلك الآخر أو موضوعا فى موضعه، كأنه يحاذيه
<lb n="12"/> بجميع امتداده ملاقيا له، أو موضوعا فى موضعه أو <choice>
<sic>موازٍ</sic>
<corr>موازيًا</corr>
</choice>. ويمكن لجسم واحد بعينه
<lb n="13"/> أن يوضع على وضع ثم يوضع على وضع آخر يقاطعه والكلام فى الجسمين والجسم الواحد
<lb n="14"/> واحد. فإن كانت الاستقامة ولم تكن استدارة لم يمكن هذا البتة، لأنه إن كانت الحركة إلى
<lb n="15"/> الإنطباق على الاستقامة ذاهبة فى الطول ثم راجعة أى الرجوعات كانت، أو ذاهبة فى
<lb n="16"/> السمك راجعة كيف كانت، أو ذاهبة عرضا من الجهتين أو كيف فرضت، فإنه إذا كان
<lb n="17"/> يحفظ النقطة التى تفرض على واسطة السطح أو الخط فى تحركها خطا مستقيما، فإنه لا
<lb n="18"/> يلقى البتة ذلك الجسم، بل يقاطعه كيف كان.
<pb n="115"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="1"/>وأنت يمكنك أن تفرض
<pb n="150" edRef="#source_2"/> كل واحد من هذه الأقسام بالفعل وتعتبره، بل
<lb n="2"/> يجب آخر الأمر أن تتفق حركته على صفة أذكرها. إما أن يكوت أحد الطرفين فيها من الخط
<lb n="3"/> أو السطح أو الجسم لازمًا موضعه، والآخر ينتقل، وذلك على الدور؛ أو كلاهما ينتقلان،
<lb n="4"/> ولكن على صفة أن يكون أحدهما أبطأ والآخر أسرع؛ فيكون الطرفان أو المتحرك وحده
<lb n="5"/> على كل حال يقع قوس دائرة. وإذا صح وجود قوس دائرة صح أن يضعف إلى التمام،
<lb n="6"/> وهذا على الأصول الصحيحة. وأما إن قال أحد بالتفكيك، فالطريقة الأولى تناقضه. </p>
<p n="17">
<lb n="7"/>وأيضا لنفرض جسمًا ثقيلًا ونجعل أحد طرفيه أثقل من الآخر، ونجعله قائما
<lb n="8"/> على سطح مسطح مماسا له بطرفه الأخف حتى يقوم قائما عليه بحيلة، وأنت تعلم أن
<lb n="9"/> قيامه إذا عدل ميله إلى الجهات مما يستمر، وأنه إذا أميل إلى جهة وزال الداعم حتى سقط
<lb n="10"/> فتحدث دائرة لا محالة أو منحنٍ. </p>
<p n="18">
<lb n="11"/>أما كيف تكون، فلنفرض نقطة فى الرأس المماس للسطح، وهى أيضا تلقى
<lb n="12"/> نقطة من السطح، فحينئذ لا يخلو إما أن تثبت النقطة فى موضعها، فتكون كل نقطة
<lb n="13"/> نفرضها فى رأس ذلك الجسم قد فعلت دائرة؛ وأما أن يكون ــ مع حركة هذا الطرف
<lb n="14"/> إلى أسفل ــ يتحرك الطرف الآخر إلى فوق، فيكون قد فعل كل واحد من الطرفين دائرة،
<lb n="15"/> ومركزها النقطة المتحددة بين الجزء الصاعد والجزء الهابط، وإما أن تتحرك النقطة منجرة
<lb n="16"/> على طول السطح، فيفعل الطرف الآخر
<pb n="151" edRef="#source_2"/>قطعا أو خطا أو منحنيا. </p>
<p n="19">
<lb n="17"/>ولأن الميل إلى المركز إنما هو على المحاذاة، فمحال أن تنجز النقطة على
<lb n="18"/> السطح. لأن تلك الحركة إما أن تكون بالقسر أو بالطبع، وليست بالطبع وليست بالقسر،
<lb n="19"/> لأن ذلك القسر لا يتصور إلا عن الأجزاء التى هى أثقل، وتلك ليست تدفعها إلى تلك
<pb n="116"/>
<lb n="1"/> الجهة، بل إن دفعتها على حفظ الاتصال دفعتها على خلاف حركتها ونقلتها ليمكن أن تنزل
<lb n="2"/> هى، كأن العالية منها إذ هى أثقل تطلب حركة أسرع، والمتوسطة <choice><sic>أبطًا</sic><corr>أبطأ</corr></choice>. وهناك اتصال
<lb n="3"/> يمنع ميلًا من أن ينعطف فيضطر العالى إلى أن يشيل السافل حتى ينحدر، فيكون حينئذ
<lb n="4"/> الجسم منقسما إلى جزءين: جزء يميل إلى العلو قسرا، وجزء يميل إلى السفل طبعا،
<lb n="5"/> وبينهما حد هو مركز للحركتين، وقد خرج منه خط مستقيم ما فيفعل الدائرة. </p>
<p n="20">
<lb n="6"/>فبين أنه إن لزم عن انحدار الجسم زوال فهو ألى فوق، وإن لم يزل عنه
<lb n="7"/> فموجود الدائرة أصح. </p>
<p n="21">
<lb n="8"/>فإذا ثبتت الدائرة ثبت المنحنى، لأنه إذا ثبتت الدائرة ثبتت المثلثات والقائم
<lb n="9"/> الزاوية أيضا، وثبت جواز دور أحد ضلعى القائمة على الزاوية فصح مخروط، فإن فصل
<lb n="10"/> مخروط بسطح محارف صح قطع، فصح منحن.
<pb n="152" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="11"/> [الفصل العاشر]
<lb n="12"/>
<num>ى</num>فصل
<lb n="13"/> فى المضاف </head>
<p n="1">
<lb n="14"/>وأما القول فى المضاف، وبيان أنه كيف يجب أن تتحقق ماهية المضاف
<lb n="15"/> والإضافة وحدهما، فالذى قدمناه فى المنطق كاف لمن فهمه. وأما أنه إذا فرض للإضافة
<lb n="16"/> وجود كان عرضًا، فلذلك أمر لا شك فيه، إذ كان أمرًا لا يعقل بذاته، إنما يعقل دائما لشىء
<lb n="17"/> إلى شىء؛ فإنه لا إضافة إلا وهى عارضة.
<pb n="117"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>أول عروضها للجوهر مثل: الأب والابن، أو للكم. فمنه ما هو مختلف فى
<lb n="2"/> الطرفين، ومنه ما هو متفق [فالمختلف] مثل: الضعف والنصف، فالمختلق مثل:
<lb n="3"/> المساوى والمساوى والموازى والموازى والمطابق والمطابق والمماس والمماس. </p>
<p n="3">
<lb n="4"/>ومن المختلف ما اختلافه محدود ومحقق كالنصف والضعف، ومنه ما هو
<lb n="5"/> غير محقق إلا أنه مبنى على محقق كالكثير الأضعاف والكل والجزء، ومنه ما ليس بمحقق
<lb n="6"/> بوجه مثل الزائد والناقص والبعض والجملة. وكذلك إذا وقع مضاف فى مضاف كالأزيد
<lb n="7"/> والأنقص؛ فإن الأزيد إنما هو زائد بالقياس إلى زائد أيضا مقيس إلى ناقص.
<pb n="153" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="8"/>ومن المضاف ما هو فى الكيف. فمنه متفق كالمشابهة، ومنه مختلف كالسريع
<lb n="9"/> والبطىء فى الحركة، والثقيل والخفيف فى الأوزان، والحاد والثقيل فى الأصوات وكذلك
<lb n="10"/> قد تقع فيها كلها إضافة فى إضافة، وفى الإين كالأعلى والأسفل، وفى المتى كالمتقدم
<lb n="11"/> والمتأخر، وعلى هذه الصفات. </p>
<p n="5">
<lb n="12"/>وتكاد تكون المضافات منحصرة فى أقسام المعادلة، والتى بازيادة والنقصان،
<lb n="13"/> والتى بالفعل والإنفعال ومصدرها من القوة، والتى بالمحاكاة. فإما التى بالزيادة فإما من الكم
<lb n="14"/> كما تعلم، وإما فى القوة مثل الغالب والقاهر والمانع وغير ذلك. والتى بالفعل والانفعال
<lb n="15"/> كالأب والابن والقاطع والمنقطع وما أشبه ذلك، والتى بالمحاكاة فكالعلم والمعلوم والحس
<lb n="16"/> والمحسوس؛ فإن بينهما محاكاة، فإن العلم يحاكى هيئة المعلوم، والحس يحاكى هيئة
<lb n="17"/> المحسوس، على أن هذا لا يضبط تقديره وتحديده. </p>
<p n="6">
<lb n="18"/>لكن المضافات قد تنحصر من جهة، فقد يكون المضافان شيئين لا يحتاجان
<lb n="19"/> إلى شىء آخر من الأشياء التى لها استقرار فى المضاف حتى تعرض لأجله لهما إضافة،
<pb n="118"/>
<lb n="1"/> مثل المتيامن والمتياسر؛ فليس فى المتيامن كيفية أو أمر من الأمور مستقر صار به مضافا
<lb n="2"/> بالتيامن إلا نفس التيامن. وربما احتيج إلى أن يكون فى كل واحد من الأمرين شىء حتى
<lb n="3"/> يصير به منقاسا إلى الآخر، مثل العاشق
<pb n="154" edRef="#source_2"/> والمعشوق. فإن فى العاشق هيئة
<lb n="4"/>
<choice>
<sic>إدراكيه</sic>
<corr>إدراكية<note>according to Bertolacci 2006, 506</note></corr>
</choice> هى مبدأ الإضافة، وفى المعشوق هيئة مدركة هى التى جعلته معشوقا لعاشقه.
<lb n="5"/> وربما كان هذا الشىء فى إحدى الجهتين دون الأخرى مثل العالم والمعلوم. فإن العالم قد
<lb n="6"/> حصل فى ذاته كيفية هى العلم، صار بها مضافًا إلى الآخر. والمعلوم لم يحصل فى ذاته
<lb n="7"/> شىء آخر، إنما صار مضافًا لأنه قد حصل فى ذلك الآخر شىء هو العلم. </p>
<p n="7">
<lb n="8"/>والذى بقى لنا ههنا من أمر المضاف أن نعرف هل الإضافة معنّى واحدٌ بالعدد
<lb n="9"/> وبالموضوع، موجود بين شيئين وله اعتباران كما ظنه بعض الناس، بل أكثرهم؟ أو لكل
<lb n="10"/> واحد من المضافين خاصية فى إضافته؟ فنقول: </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>إن كل واحد من المضافين فإن له معنى فى نفسه بالقياس إلى الآخر، ليس هو
<lb n="12"/> المعنى الذى للآخر فى نفسه بالقياس إليه. وهذا بيّن فى الأمور المختلفة الإضافة كالأب.
<lb n="13"/> فإن إضافته للأبوة ــ وهى وصف وجوده ــ فى الأب وحده، ولكن إنما هو للأب بالقياس
<lb n="14"/> إلى شىء آخر فى الأب، وليس كونه بالقياس إلى الآخر هو كونه فى الآخر، فإن الأبوة
<lb n="15"/> ليست فى الابن وإلا لكانت وصفا له يشتق له منه <choice>
<sic>الإسم</sic>
<corr>الاسم</corr>
</choice>، بل الأبوة فى الأب. وكذلك
<lb n="16"/> أيضا حال الابن بالقياس إلى الأب. فليس ههنا شىء واحد البتة هو فى كليهما، فليس
<lb n="17"/> ههنا إلا أبوة أو بنوة. وأما حالة موضوعة للأبوة والبنوة فلسنا نعرفها ولا لها إسم.
<pb n="155" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="18"/>فإن كان ذلك كون كل واحد منهما بحال بالقياس إلى الآخر، فهذا ككون
<lb n="19"/> كل واحد من الققنس والثلج أبيض، فإنه ليس يجب أن يكون شيئا واحدا، وليس كونه
<pb n="119"/>
<lb n="1"/> بالقياس إلى الآخر يجعله واحدا. لأن ما لكل واحد بالقياس إلى الآخر فهو لذلك الواحد
<lb n="2"/> لا للآخر، لكنه بالقياس إلى الآخر. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>فإذا فهمت ذلك فيما مثلناه لك، فاعرف الحال فى سائر المضافات التى لا
<lb n="4"/> اختلاف فيها. وإنما يقع أكثر الإشكال فى هذا الموضع، فإنه لما كان لأحد الأخوين حالة
<lb n="5"/> بالقياس إلى الآخر، وكان للآخر أيضا حالة بالقياس إلى الأول، وكانت الحالتان من نوع
<lb n="6"/> واحد حُسِبَتا شخص واحدا، وليس كذلك. فإن الأول أخوة الثانى أى له وصف أنه
<lb n="7"/> أخو الثانى، ذلك الوصف له ولكن بالقياس إلى الثانى. وليس ذلك وصف الثانى بالعدد،
<lb n="8"/> بل بالنوع، كما لو كان الثانى أبيض والأول أبيض، بل الثانى أيضا أنه أخو هذا الأول لأن له
<lb n="9"/> [حالة] فى ذاته مقولة بالقياس إلى الأول. </p>
<p n="11">
<lb n="10"/>وكذلك المماسة فى المتماسين، فإن كل واحد منهما مماس لصاحبه بأن له
<lb n="11"/> مماسته التى لا تكون إلا بالقياس إلى الآخر إن كان الآخر مثله. فلا تظنن البتة أن عرضا
<lb n="12"/> واحدا بالعدد يكون فى محلين حتى يحتاج أن تعتذر من ذلك فى جعلك العرض اسما
<lb n="13"/> مشكّكا كما فعله ضعفاء التمييز.
<pb n="156" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="14"/>لكن الأشد اهتمامًا من هذا، معرفتنا هل الإضافة فى نفسها موجودة فى
<lb n="15"/> الأعيان أو أمر إنما يتصور فى العقل، ويكون ككثير من الأحوال التى تلزم الأشياء إذا
<lb n="16"/> عقلت بعد أن تحصل فى العقل؛ فإن الأشياء إذا عقلت تحدث لها فى العقل أمور لم يكن
<lb n="17"/> لها من خارج، فتصير كلية وجزئية وذاتية وعرضية وتكون جنس وفصل وتكون محمول
<lb n="18"/> وموضوع وأشياء من هذا القبيل.
<pb n="120"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="1"/>فقوم ذهبوا إلى أن حقيقة الإضافات إنما تحدث أيضا فى النفس إذا عقلت
<lb n="2"/> الأشياء. وقوم قالوا: بل بالإضافة شىء موجود فى الأعيان، واحتجوا وقالوا نحن نعلم
<lb n="3"/> أن هذا فى الوجود أب ذلك، وأن ذلك فى الوجود ابن هذا، عقل أو لم يعقل، ونحن نعلم
<lb n="4"/> أن النبات يطلب الغذاء، وأن الطلب مع إضافة ما، وليس للنبات عقل بوجه من الوجوه ولا
<lb n="5"/> إدراك؛ ونحن نعلم أن السماء فى نفسها فوق الأرض، والأرض تحتها، أدركت أو لم تدرك،
<lb n="6"/> وليست الإضافة إلا أمثال هذه الأشياء التى أومأنا إليها وهى [تكون] للأشياء وإن لم تدرك. </p>
<p n="14">
<lb n="7"/>وقالت الفرقة الثانية: إنه لو كانت الإضافة موجودة فى الأشياء لوجب من
<lb n="8"/> ذلك أن لا تنتهى الأضافاب؛ فإنه كان يكون بين الأب والابن إضافة، وكانت تلك الإضافة
<lb n="9"/> موجودة لهما أو لأحدهما أو لكل واحد منهما. فمن حيث الأبوة للأب وهى عارضة له،
<lb n="10"/> والأب معروض لها، فهى مضافة، وكذلك البنوة. فههنا إذن علاقة للأبوة مع الأب والبنوة
<lb n="11"/> مع الابن خارجة عن العلاقة التى بين الأب والابن. فيجب أن تكون للإضافة إضافة أخرى
<lb n="12"/> وأن تذهب إلى غير النهاية، وأن تكون
<pb n="157" edRef="#source_2"/> أيضا من الإضافات ما هى علاقة بين
<lb n="13"/> موجود ومعدوم؛ كما نحن متقدمون بالقياس إلى القرون التى تخلفنا وعالمون بالقيامة. </p>
<p n="15">
<lb n="14"/>والذى تنحل به الشبهة من الطرفين جميعا أن نرجع إلى حد المضاف المطلق
<lb n="15"/> فنقول: إن المضاف هو الذى ماهيته إنما تقال بالقياس إلى غيره، فكل شىء فى الأعيان
<lb n="16"/> يكون بحيث ماهيته إنما تقال بالقياس إلى غيره فذلك الشىء من المضاف. لكن فى الأعيان
<lb n="17"/> أشياء كثيرة بهذه الصفة، فالمضاف فى الأعيان موجود. فإن كان للمضاف ماهية أخرى
<lb n="18"/> فينبغى أن يجرد ماله من المعنى المعقول بالقياس إلى غيره وغيره، إنما هو معقول بالقياس
<pb n="121"/>
<lb n="1"/> إلى غيره بسبب هذا المعنى، وهذا المعنى ليس معقولا بالقياس إلى غيره بسبب شىء غير
<lb n="2"/> نفسه، بل هو مضاف لذاته على ما علمت. فليس هناك ذات وشىء هو الإضافة، بل
<lb n="3"/> هناك مضاف بذاته لا بإضافة أخرى فتنتهى من هذا الطريق الإضافات. </p>
<p n="16">
<lb n="4"/>وأما كون هذا المعنى المضاف بذاته فى هذا الموضوع، فهو من حيث <choice><sic>إنه</sic><corr>انه</corr></choice>
<lb n="5"/> فى هذا الموضوع ماهيته معقولة بالقياس إلى هذا الموضوع، وله وجود آخر مثلا وهو:
<lb n="6"/> وجود الأبوة، وذلك الوجود أيضا مضاف. ولكن ليس ذلك هذا، فليكن هذا عارضا من
<lb n="7"/> المضاف لزم المضاف، وكل واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه بلا إضافة
<lb n="8"/> أخرى. فالكون محمولًا مضاف
<pb n="158" edRef="#source_2"/> لذاته، والكون أبوة صارت مضافة لذاته. فإن
<lb n="9"/> نفس هذا الكون مضاف بذاته ليس يحتاج إلى إضافة أخرى يصير بها مضافا، بل هو
<lb n="10"/> لذاته ماهية معقولة بالقياس إلى الموضوع، أى هو بحيث إذا عقلت ماهيته كانت محتاجة
<lb n="11"/> إلى أن يحضر فى الذهن شىء آخر يعقل هذا بالقياس إليه. </p>
<p n="17">
<lb n="12"/>بل إذا أخذ هذا مضافا فى الأعيان فهو موجود مع شىء آخر لذاته لا لمعيّة
<lb n="13"/> أخرى تتبعه، بل نفسه نفس المع أو المعية المخصصة بنوع تلك الإضافة. فإذا عقل، احتيج
<lb n="14"/> إلى أن يعقل مع احضار شىء آخر، كما كانت ماهية الأبوة من حيث هى أبوة، فذاتها
<lb n="15"/> مضافة بذاتها لا بإضافة أخرى رابطة، وللعقل أن يخترع أمرا بينها كأنه معية خارجة منهما
<lb n="16"/> لا يضطر إليه نفس التصور، بل اعتبار آخر من الاعتبارات اللاحقة التى يفعلها العقل.
<lb n="17"/> فإن العقل قد يقرن أشياء بأشياء لأنواع من الاعتبارات لا للضرورة؛ فأما فى نفسها فهى
<lb n="18"/> إضافة، لا بإضافة، لأنها ماهية لذاتها تعقل بالقياس إلى الغير.
<pb n="122"/>
</p>
<p n="18">
<lb n="1"/>وههنا إضافات كثيرة تلحق بعض الذوات لذاتها لا لإضافة أخرى عارضة،
<lb n="2"/> بل مثل ما يجرى عليه الأمر من لحوق هذه الإضافة للإضافة الأبوية. وذلك
<pb n="159" edRef="#source_2"/>مثل
<lb n="3"/> لحوق الإضافة لهيئة العلم فإنها لا تكون لاحقة بإضافة أخرى فى نفس الأمور، بل تلحقها
<lb n="4"/> لذاتها، وإن كان العقل ربما أخترع هناك إضافة أخرى. </p>
<p n="19">
<lb n="5"/>وإذ قد عرفت هذا فقد عرفت أن المضاف فى الوجود موجود بمعنى أن
<lb n="6"/> له هذا الحد، وهذا الحد لا يوجب أن يكون المضاف فى الوجود إلا عرضًا إذا عقل كان
<lb n="7"/> بالصفة المذكورة، ولا يوجب أن يكون أمرًا قائم الذات واحدا واصلا بين الشيئين. </p>
<p n="20">
<lb n="8"/>وأما القول بالقياس فإنما يحدث فى العقل، فيكون ذلك هو بالإضافة العقلية
<lb n="9"/> والإضافة الوجودية ما بيناه، وهو بحيث إذا عقل كان معقول الماهية بالقياس؛ وأما
<lb n="10"/> كونه فى العقل فإن يكون عُقِلَ بالقياس إلى غيره، فله فى الوجود حكم، وله فى العقل
<lb n="11"/> حكم، من حيث هو فى العقل لا من حيث الإضافة. <choice>
<sic>وبحوز</sic>
<corr>ويجوز</corr>
</choice> فى العقل إضافات مخترعة
<lb n="12"/> إنما يفعلها العقل بسبب الخاصية التى للعقل منها. </p>
<p n="21">
<lb n="13"/>فالمضاف إذن موجود فى الأعيان وبان أن وجوده لا يوجب أن يكون هناك
<lb n="14"/> إضافة إلى إضافة بغير نهاية. وليس يلزم من هذا أن يكون كل ما يعقل مضافا يكون له
<lb n="15"/> فى الوجود إضافة. </p>
<p n="22">
<lb n="16"/>وأما المتقدم المتأخر فى الزمان، وأحدهما معدوم وما أشبه ذلك، فإن التقدم
<lb n="17"/> والتأخر متضايفان بين الوجود إذا عُقِلَ، وبين المعقول الذى ليس مأخوذا عن الوجود
<lb n="18"/> الخاص؛ فاعلمه.
<pb n="160" edRef="#source_2"/>
<pb n="123"/>
</p>
<p n="23">
<lb n="1"/>فإن الشىء فى نفسه ليس بمتقدم إلا بشىء موجود معه؛ وهذا النوع من
<lb n="2"/> المتقدم والمتأخر موجود للطرفين معًا فى الذهن؛ فإنه إذا أحضرت فى الذهن صورة المتقدم
<lb n="3"/> وصورة المتأخر عقلت فى النفس هذه المقايسة واقعة بين موجودين فيه، إذ كانت هذه المقايسة
<lb n="4"/> بين موجودين فى العقل. وأما قبل ذلك فلا يكون الشىء فى نفسه متقدما، فكيف يتقدم
<lb n="5"/> على لا شىء موجود؟ فما كان من المضافات على هذه السبل فإنما تضايفها فى العقل
<lb n="6"/> وحده؛ وليس فى الوجود لها معنى قائم من حيث هذا التقدم والتاخر، بل هذا التقدم
<lb n="7"/> والتأخر بالحقيقة معنى من المعانى العقلية ومن المناسبات التى يفرضها العقل والاعتبارات
<lb n="8"/> التى تحصل للأشياء إذا قايس بينها العقل وأشار إليها.
<pb n="124"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<lb n="1"/>
<head>المقالة الرابعة
<lb n="2"/> وفيها ثلاثة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/>
<num>ا</num> فصل
<lb n="5"/> فى المتقدم والمتأخر، وفى الحدوث </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>
<pb n="163" edRef="#source_2"/>لما تكلمنا عن الأمور التى تقع من الوجود والوحدة موقع الأنواع،
<lb n="7"/> فبالحرى أن نتكلم فى الأشياء التى تقع منهما موقع الخواص والعوارض اللازمة؛ ونبدأ أولا
<lb n="8"/> بالتى تكون للوجود ومنها بالتقدم والتأخر. </p>
<p n="2">
<lb n="9"/>فنقول: إن التقدم والتأخر وإن كان مقولًا على وجوه كثيرة فإنها تكاد أن تجتمع
<lb n="10"/> على سبيل التشكيك فى شىء، وهو أن يكون للمتقدم، من حيث هو متقدم، شىء ليس
<lb n="11"/> للمتأخر، ويكون لا شىء للمتأخر إلا وهو موجود للمتقدم. والمشهور عند الجمهور هو
<lb n="12"/> المتقدم فى المكان والزمان. وكان التقدم والقبل فى أشياء لها ترتيب؛ فما هو فى المكان
<lb n="13"/> فهو الذى أقرب من ابتداء محدود، فيكون له أن يلى ذلك المبدأ حيث ليس يلى ما هو
<pb n="125"/>
<lb n="1"/> بعده، والذى بعده يلى ذلك المبدأ وقد وَليَه هو. وفى الزمان كذلك أيضا بالنسبة إلى الآن
<lb n="2"/> الحاضر أو أن يفرض مبدأ وإن كان مبدأ مختلفا فى الماضى والمستقبل كما تعلم. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>ثم نقل اسم القبل والبعد من ذلك إلى كل ما هو أقرب من مبدأ محدود. وقد
<lb n="4"/> يكون هذا التقدم المرتبى فى أمور بالطبع، كما أن الجسم قبل الحيوان
<pb n="164" edRef="#source_2"/> بالقياس
<lb n="5"/> إلى الجواهر ووضع الجوهر مبدأ، ثم إن جعل المبدأ الشخص اختلف، وكذلك الأقرب من
<lb n="6"/> المحرك الأول، كالصبى يكون قبل الرجل. وقد يكون فى أمور لا من الطبع، بل إما بصناعة
<lb n="7"/> كنغم الموسيقى، فإنك إن أخذت من الحدة كان المتقدم غير الذى يكون إذا أخذت من
<lb n="8"/> الثقل؛ وإما ببحث واتفاق كيف كان. </p>
<p n="4">
<lb n="9"/>ثم نقل إلى أشياء أخرى فجعل الفائق والفاضل والسابق أيضًا ولو فى غير
<lb n="10"/> الفضل متقدما، فجعل نفس المعنى كالمبدأ المحدود. فما كان له منه ما ليس للاخر، وأما
<lb n="11"/> الاخر فليس له إلا ما لذلك الأول، فإنه جعل متقدّما. فإن السابق فى باب ما له ما ليس
<lb n="12"/> للثانى، وما للثانى منه فهو للسابق وزيادة. ومن هذا القبيل ما جعلوا المخدوم والرئيس
<lb n="13"/> قبل؛ فإن الإختيار يقع للرئيس وليس للمرؤوس، وإنما يقع للمرؤوس حين وقع للرئيس
<lb n="14"/> فيتحرك باختيار الرئيس. </p>
<p n="5">
<lb n="15"/>ثم نقلوا ذلك إلى ما يكون هذا الاعتبار له بالقياس إلى الوجود، فجعلوا الشىء
<lb n="16"/> الذى يكون له الوجود أولا وإن لم يكن للثانى والثانى لا يكون له إلا وقد كان للأول [وجود
<lb n="17"/> متقدم] على الآخر مثل الواحد. فإنه ليس من شرط الوجود للواحد أن تكون الكثرة
<lb n="18"/> موجودة، ومن شرط الوجود للكثرة أن يكون الواحد موجودا. وليس فى هذا أن الواحد
<lb n="19"/> يفيد الوجود للكثرة أو لا يفيد، بل إنه يحتاج إليه حتى يفاد للكثرة وجود بالتركيب منه.
<pb n="126"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>ثم نقل بعد ذلك إلى حصول الوجود من جهة أخرى. فإنه إذا كان شيئان
<lb n="2"/> وليس وجود أحدهما من الآخر، بل وجوده له من نفسه أو من شىء ثالث،
<pb n="165" edRef="#source_2"/>لكن
<lb n="3"/> وجود الثانى من هذا الأول، فله من الأول وجوب الوجود الذى ليس له لذاته من ذاته، بل
<lb n="4"/> له من ذاته الإمكان على تجويز من أن يكون ذلك الأول مهما وجد لزم وجوده أن يكون علة
<lb n="5"/> لوجوب وجود هذا الثانى، فإن الأول يكون متقدمًا بالوجود لهذا الثانى. </p>
<p n="7">
<lb n="6"/>ولذلك لا يستنكر العقل البتة أن نقول: لما حرك زيد يده تحرك المفتاح، أو نقول:
<lb n="7"/> حرك زيد يده ثم تحرك المفتاح. ويستنكر أن نقول: لما تحرك المفتاح حرك زيد يده، وإن
<lb n="8"/> كان يقول: لما تحرك المفتاح علمنا أنه قد حرك زيد يده. فالعقل مع وجود الحركتين معا فى
<lb n="9"/> الزمان يفرض لأحدهما تقدمًا والآخر تأخرًا إذ كانت الحركة الأولى ليس سبب وجودها
<lb n="10"/> الحركة الثانية، والحركة الثانية سبب وجودها الحركة الأولى. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>ولا يبعد أن يكون الشىء مهما وجد وجب ضرورةً أن يكون علة لشىء.
<lb n="12"/> وبالحقيقة فإن الشىء لا يجوز أن يكون بحيث يصح أن يكون علةً للشىء إلا ويكون معه
<lb n="13"/> الشىء. فإن كان من شرط كونه علة نفس ذاته، فما دام ذاته موجودًا يكون علة وسببا
<lb n="14"/> لوجود الثانى؛ وإن لم يكن شرط كونه علة نفس ذاته، فذاته بذاته ممكن أن يكون عنه
<lb n="15"/> الشىء وممكن أن لا يكون وليس أحد الطرفين أولى من الآخر. </p>
<p n="9">
<lb n="16"/>وكذلك المتكون هو كذلك ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون. فلا من حيث
<lb n="17"/> هو ممكن أن يكون هو بموجود، ولا من حيث ذلك ممكن أن يكوَنّه فذلك معطٍ للوجود.
<pb n="127"/>
<lb n="1"/> وذلك لأن كون الشىء عن الممكن أن يكونه ليس لذات أنه ممكن أن يكوّنه،
<pb n="166" edRef="#source_2"/>فنفس
<lb n="2"/> كونه ممكنا ليس كافيًا فى أن يكون الشىء عنه. فإن كان نفس كونه ممكنا أن يكونه، وإن
<lb n="3"/> لم يكن كافيا، فقد يكون معه الشىء موجودًا مرة، ومرة لا يكون؛ ونسبته إلى الذى يكون
<lb n="4"/> والذى لا يكون، فى الحالتين، نسبة واحدة. وليس فى الحالة التى تتميز فيها أن يكون
<lb n="5"/> من أن لا يكون تميّز أمرٍ بسببه يوجد المعلول مع إمكان كونه عن العلة تميزًا يخالف به
<lb n="6"/> حال لا وجود المعلول عن العلة مع إمكان كونه عن العلة. فتكون نسبة كونه عن العلة إلى
<lb n="7"/> وجود الشىء عنه ولا وجود عنه واحدة، وما نسبته إلى وجود الشىء عنه ونسبته إلى
<lb n="8"/> لا وجوده عنه واحدة. فليس كونه علة أولى من لا كونه علة؛ بل العقل الصحيح يوجب
<lb n="9"/> أن يكون هناك حال يتميز بها وجوده عنه عن لا وجوده. </p>
<p n="10">
<lb n="10"/>فإن كانت تلك الحال أيضا توجب هذا التمييز، فهذه الحال إذا حصلت
<lb n="11"/> للعلة ووجدت، تكون جملة الذات وما اقترن إليها هو العلة؛ وقبل ذلك فإن الذات كانت
<lb n="12"/> موضوع العلية وكان الشىء الذى يصح أن يصير علة ولم يكن ذلك الوجود وجود العلة،
<lb n="13"/> بل وجودًا إذا انضاف إليه وجود آخر كان مجموعهما العلة، وكان حينئذ يجب عنه
<lb n="14"/> المعلول سواء كان ذلك الشىء إرادة أو شهوة أو غضبا أو طبعا حادثا أو غير ذلك، أو
<lb n="15"/> أمرا خارجًا منتظرا لوجود العلة. فإنه إذا صار بحيث يصلح أن يصدر عنه المعلول من
<lb n="16"/> غير نقصان شرط باق وجب وجود المعلول.
<pb n="167" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="17"/>فإذن وجود كل معلول واجب مع وجود علته، ووجود علته واجب عنه
<lb n="18"/> وجود المعلول. وهما معًا فى الزمان أو الدهر أو غير ذلك، ولكن ليسا معًا فى القياس
<lb n="19"/> إلى حصول الوجود. وذلك لأن وجود ذلك لك يحصل من وجود هذا، فذلك له حصول
<pb n="128"/>
<lb n="1"/> وجود ليس من حصول وجود هذا، ولهذا حصول وجود هو من حصول وجود ذلك،
<lb n="2"/> فذلك أقدم بالقياس إلى حصول الوجود. </p>
<p n="12">
<lb n="3"/>ولقائل أن يقول: إنه إذا كان كل واحد منهما إذا وجد وجد الآخر، وإذا
<lb n="4"/> ارتفع ارتفع الآخر، فليس أحدهما علة والآخر معلولا، إذ ليس أحدهما أولى أن يكون
<lb n="5"/> علة فى الوجود دون الآخر. </p>
<p n="13">
<lb n="6"/>ونحن نجيب عن ذلك دون أن ننظر فيما يتضمنه مفهوم هذه القضية، وذلك
<lb n="7"/> لأنه ليس إذا وجد كل واحد منهما فقد وجد الآخر بلا تفصيل واختلاف. وذلك لأن معنى
<lb n="8"/> «إذا» لا يخلو إما أن يعنى به أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه فى الوجود
<lb n="9"/> نفسه أن يحصل الآخر، أو أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه فى الوجود
<lb n="10"/> أن يكون قد حصل وجود الآخر، أو أن وجود كل منهما إذا حصل فى العقل يجب عنه
<lb n="11"/> أن يحصل الآخر فى العقل، أو أن وجود كل واحد منهما إذا حصل يجب عنه فى العقل
<lb n="12"/> أن يكون قد حصل الآخر فى الوجود أو حصل فى العقل. فإن لفظة «إذا» فى مثل هذه
<lb n="13"/> المواضع مشتركة مغلطة.
<pb n="168" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="14"/>فنقول: إن الأول كاذب غير مسلم، فإن أحدهما هو الذى إذا حصل يجب
<lb n="15"/> عنه حصول الآخر بعد إمكانه وهو العلة. وأما المعلول فليس حصوله يجب عنه حصول
<lb n="16"/> العلة، بل العلة تكون قد حصلت حتى حصل المعلول. </p>
<p n="15">
<lb n="17"/>وأما القسم الثانى فلا يصدق فى جانب العلة، فإنه ليس إذا وجدت العلة
<lb n="18"/> وجب فى الوجود إن كان المعلول قد حصل من تلقاء نفسه أو بغير العلة، وذلك لأنه إن
<lb n="19"/> كان قد حصل فلم يجب فى الوجود من حصول العلة إذا وجدت العلة وكانت تلك قد
<pb n="129"/>
<lb n="1"/> حصلت مستغنية الوجود، إلا أن لا يعنى «بحصلت» ما مضى، ولكن تغنى المقارنة.
<lb n="2"/> ولا تصدق من جانب المعلول من وجهين: وذلك لأن العلة وإن كانت حاصلة الذات فليس
<lb n="3"/> ذلك واجب من حصول المعلول. والوجه الثانى أن الشىء الذى قد حصل يستحيل أن
<lb n="4"/> يجب وجوده بحصول شىء يفرض حاصلًا إلا أن لا يعنى بلفظ «حصل» مفهومه. </p>
<p n="16">
<lb n="5"/>وأما القسمان الآخران فالأول منهما صحيح، فإنه يجوز أن يقال: إذا وجدت
<lb n="6"/> العلة فى العقل وجب عند العقل أن يحصل المعلول الذى تلك العلة علته بالذات فى العقل؛
<lb n="7"/> وأيضا إذا وجد المعلول فى العقل وجب أن يحصل أيضا وجود العلة فى العقل. </p>
<p n="17">
<lb n="8"/>وأما الثانى منهما وهو القسم الرابع فيصدق منه قولك: إنه إذا وجد المعلول
<lb n="9"/> شهد العقل بأن العلة قد حصل لها وجود لا محالة مفروغ عنه حتى يحصل
<pb n="169" edRef="#source_2"/>
<lb n="10"/> المعلول، وربما كانت فى العقل بعد المعلول لا فى الزمان فقط. ولا يلزم أن يصدق القسم
<lb n="11"/> الآخر من هذين القسمين الداخلين فى الرابع لما قد عرفت. </p>
<p n="18">
<lb n="12"/>وكذلك فى جانب الرفع، فإنه إذا رفعنا العلة رفعنا المعلول بالحقيقة، وإذا
<lb n="13"/> رفعنا المعلول لم نرفع العلة، بل عرفنا أن العلة تكون قد ارتفعت فى ذاتها أولا حتى أمكن
<lb n="14"/> رفع المعلول. فإنا لما فرضنا المعلول مرفوعا فقد فرضنا ما لا بد من فرضه معه بالقوة، وهو
<lb n="15"/> أنه كان ممكنا رفعه. وإذا كان ممكنًا رفعه فإنما أمكن بأن رفع العلة أولا، فرفع العلة وإثباته
<lb n="16"/> سبب رفع المعلول وإثباته، ورفع المعلول دليل رفع ذلك، وإثباته دليل إثباته. </p>
<p n="19">
<lb n="17"/>فنرجع إلى حيث فارقناه، فنقول فى حل الشبهة: إنه ليست المعية هى
<lb n="18"/> التى أوجبت لأحدهما العلية، حتى يكون ليس أحدهما أولى بالعلية من الآخر، لأنهما
<lb n="19"/> فى المعية سواء، بل إنما اختلفا لأن أحدهما فرضناه أنه لم يجب وجوده بالآخر، بل مع
<pb n="130"/>
<lb n="1"/> الآخر؛ والثانى فرضناه أنه كما أن وجوده مع الآخر فكذلك هو بالآخر. فهكذا
<lb n="2"/> يجب أن تتحقق هذه المسألة. </p>
<p n="20">
<lb n="3"/>ومما يشكل ههنا أمر القوة والفعل، وأنه أيهما أقدم وأيهما أشد تأخرا، فإن معرفة
<lb n="4"/> ذلك من المهمات فى أمر معرفة التقدم والتأخر، وعلى أن القوة والفعل نفسه من عوارض
<lb n="5"/> الوجود ولواحقه، والأشياء التى يجب أن تعلم حيث تعلم أحوال الموجود المطلق.
<pb n="170" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="6"/> [الفصل الثاني]
<lb n="7"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="8"/> فى القوة والفعل والقدرة والعجز وإثبات المادة لكل متكوّن </head>
<p n="1">
<lb n="9"/> إن لفظة القوة وما يرادفها قد وضعت أول شىء للمعنى الموجود فى الحيوان،
<lb n="10"/> الذى يمكنه بها أن تصدر عنه أفعال شاقة من باب الحركات ليست بأكثرية الوجود عن
<lb n="11"/> الناس فى كميتها وكيفيتها، ويسمى ضدها الضعف؛ وكأنها زيادة وشدة من المعنى الذى
<lb n="12"/> هو القدرة، وهو أن يكون الحيوان بحيث يصدر عنه الفعل إذا شاء، ولا يصدر عنه إذا
<lb n="13"/> لم يشأ، التى ضدها العجز. </p>
<p n="2">
<lb n="14"/>ثم نقلت عنه فجعلت للمعنى الذى لا ينفعل له وبسببه الشىء بسهولة، وذلك
<lb n="15"/> لأنه كان يعرض لمن يزاول الأفعال والتحريكات الشاقة أن ينفعل أيضا منها، وكان انفعاله
<lb n="16"/> والألم الذى يعرض له منه يصده عن إتمام فعله. فكان إن انفعل انفعالا محسوسا قيل له:
<lb n="17"/> ضعف وليست له قوة، وإن لم ينفعل قيل: إن له قوة. فكان أن «ينفعل» دليلا على
<lb n="18"/> المعنى الذى سميناه أولًا قوة.
<pb n="131"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>ثم جعلوه اسم هذا المعنى حتى صار كونه بحيث لا ينفعل إلا يسيرًا يسمى
<lb n="2"/> قوة، وإن لم يفعل شيئا. ثم جعلوا الشىء الذى لا ينفعل البتة أولى بهذا
<pb n="171" edRef="#source_2"/> الاسم،
<lb n="3"/> فسموا حالته من حيث هو كذلك قوة. ثم صيروا القدرة نفسها ــ وهى الحال التى
<lb n="4"/> للحيوان، وبها يكون له أن يفعل، وأن لا يفعل، بحسب المشيئة، وعدم المشيئة، وزوال
<lb n="5"/> العوائق ــ قوة، إذ هو مبدأ الفعل. </p>
<p n="4">
<lb n="6"/>ثم أن الفلاسفة نقلوا اسم القوة، فأطلقوا لفظ القوة على كل حال تكون فى
<lb n="7"/> شىء هو مبدأ تغيير يكون منه فى آخر من حيث ذلك آخر، وإن لم يكن هناك إرادة،
<lb n="8"/> حتى سموا الحرارة قوة لأنها مبدأ التغيير من آخر فى آخر بأنه آخر. حتى أن الطبيب إذا
<lb n="9"/> حرك نفسه أو عالج نفسه وكان مبدأ التغيير منه فيه، فليس ذلك فيه من حيث هو قابل
<lb n="10"/> للعلاج أو الحركة، بل من حيث هو آخر، بل كأنه شيئان: شىء له قوة أن يفعل، وشىء
<lb n="11"/> له قوة أن ينفعل، ويشبه أن يكون الأمران منه مفترقين فى جزئين. فيكون مثلا المحرك فى
<lb n="12"/> نفسه، والمتحرك فى بدنه، وهو المحرك بصورته والمتحرك فى مادته. فهو من حيث يقبل
<lb n="13"/> العلاج غيرٌ لذاته من حيث يعالج. </p>
<p n="5">
<lb n="14"/>ثم بعد ذلك لما وجدوا الشىء الذى له قوة بالمعنى المشهور ــ قدرة كانت أو
<lb n="15"/> شدة قوة ــ ليس من شرط تلك القوة أن يكون بها فاعلا بالفعل، بل له من حيث القوة
<lb n="16"/> إمكان «أن يفعل» وإمكان أن «لا يفعل» نقلوا اسم القوة إلى الإمكان. فسموا الشىء
<lb n="17"/> الذى وجوده فى حد الإمكان موجودًا بالقوة، وسموا إمكان قبول الشىء وانفعاله قوة
<lb n="18"/> انفعالية، ثم سموا تمام هذه القوة فعلًا وإن لم يكن فعلًا، بل انفعالًا، مثل تحريك أو تشكل
<lb n="19"/> أو غير ذلك. فإنه لما
<pb n="172" edRef="#source_2"/> كان هناك المبدأ الذى يسمى قوة، وكان الأصل الأول فى
<pb n="132"/>
<lb n="1"/> المسمى بهذا الاسم إنما هو على ما هو بالحقيقة فعل، سموا هذا الذى قياسه إلى ما سموه
<lb n="2"/> الآن قوة، كقياس الفعل إلى المسمى قديما باسم الفعل، ويعنون بالفعل حصول الوجود،
<lb n="3"/> وإن كان ذلك الأمر انفعالًا، أو شيئًا ليس هو فعلًا ولا انفعالا. فهذه هى القوة الانفعالية،
<lb n="4"/> وربما قالوا قوة لجودة هذه وشدتها. </p>
<p n="6">
<lb n="5"/>والمهندسون لما وجدوا بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلع مربع، وبعضها
<lb n="6"/> ليس ممكنا له أن يكون ضلع ذلك مربع، جعلوا ذلك المربع قوة ذلك الخط كأنه أمر ممكن فيه.
<lb n="7"/> وخصوصا إذا تخيل بعضهم أن حدوث هذا المربع هو بحركة ذلك الضلع على مثل نفسه. </p>
<p n="7">
<lb n="8"/>وإذ قد عرفت القوة، فقد عرفت القوى، وعرفت أن غير القوى إما الضعيف
<lb n="9"/> وإما العاجز وإما السهل الانفعال وإما الضرورى، وإما أن لا يكون المقدار الخطى ضلعا
<lb n="10"/> لمقدار سطحى مفروض. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>وقد يشكل من هذه الجملة أمر القوة التى بمعنى القدرة، فإنها يظن أنها لا تكون
<lb n="12"/> موجودة إلا لما من شأنه أن يفعل، ومن شأنه أن لا يفعل. فإن كان لما من شأنه أن يفعل
<lb n="13"/> فقط فلا يرون أن له قدرة، وهذا ليس بصادق. فإنه إن كان هذا الشىء الذى يفعل فقط
<lb n="14"/> يفعل من غير أن يشأ ويريد، فذلك ليس له قدرة ولا قوة بهذا المعنى؛ وإن كان يفعل بإرادة
<lb n="15"/> واختيار إلا أنه دائم الإرادة
<pb n="173" edRef="#source_2"/> ولا يتغير، وإرادته وجودا اتفاقيا أو يستحيل تغيرها
<lb n="16"/> استحالة ذاتية، فإنه يفعل بقدرة. </p>
<p n="9">
<lb n="17"/>وذلك لأن حد القدرة التى يؤثرون هؤلاء أن يحدوها به موجود ههنا؛ وذلك
<lb n="18"/> لأن هذا يصح عنه أن يفعل إذا شاء وأن لا يفعل إذا لم يشأ، وكلا هذين شرطيان، أى
<lb n="19"/> أنه إذا شاء فعل، وإذا لم يشأ لم يفعل.وإنما هما داخلان فى تحديد القدرة على ما هما
<pb n="133"/>
<lb n="1"/> شرطيان، وليس من صدق الشرطى أن يكون هناك استثناء بوجه من الوجوه، أو صدق
<lb n="2"/> حملى، فإنه ليس إذا صدق قولنا: إذا لم يشاء أن يفعل، يلزم أن يصدق: لكنه لم يشأ وقتا
<lb n="3"/> ما؛ وإذا كذب: أنه لم يشأ البتة، يوجب ذلك كذب قولنا: وإذا لم يشأ لم يفعل. فإن
<lb n="4"/> هذا يقتضى أنه لو كان لا يشاء لما كان يفعل، كما أنه إذا يشاء فيفعل. وإذا صح أنه إذا
<lb n="5"/> شاء فعل، صح أنه إذا فعل فقد شاء أى إذا فعل فعل من حيث هو قادر. فيصح أنه إذا
<lb n="6"/> لم يشأ لم يفعل، وإذا لم يفعل لم يشأ، وليس فى هذا أنه يلزم أن لا يشأ وقتا ما. وهذا
<lb n="7"/> بين لمن عرف المنطق. </p>
<p n="10">
<lb n="8"/>وهذه القًوَى التى هى مبادئ للحركات والأفعال، بعضها قوى تقارن النطق
<lb n="9"/> والتخيل، وبعضها قوى لا تقارن ذلك. والتى تقارن النطق والتخيل تجانس النطق
<lb n="10"/> والتخيل؛ فإنه يكاد أن يعلم بقوة واحدة الإنسان واللا إنسان، ويكون لقوة واحدة أن
<lb n="11"/> تتوهم أمر اللذة والألم، وأن تتوهم بالجملة الشىء وضده.
<pb n="174" edRef="#source_2"/> وكذلك هذه القوى
<lb n="12"/> أنفسها أو حادها تكون قوة على الشىء وعلى ضده، لكنها بالحقيقة لا تكون قوة تامة أى
<lb n="13"/> مبدأ تغير من أمر آخر فى آخر بأنه آخر بالتمام وبالفعل، إلا إذا اقترن بها الإرادة منبعثة
<lb n="14"/> عن اعتقاد وهمى تابع لتخيل شهوانى أو غضبى، أو عن رأى عقلى تابع لفكرة عقلية أو
<lb n="15"/> تصور صورة عقلية. فتكون إذا اقترن بها تلك الإرادة ولم تكن إرادة مميلة بعد، بل إرادة
<lb n="16"/> جازمة، وهى التى هى الإجماع الموجب لتحريك الأعضاء، صارت لا محالة مبدأ للفعل
<lb n="17"/> بالوجوب، إذ قد بينا أن العلة ما لم تصر علة بالوجوب حتى يجب عنها الشىء لم يوجد
<lb n="18"/> عنها المعلول، وقبل هذه الحالة فإنما تكون الإرادة ضعيفة لم يقع إجماع. فهذه القوى المقارنة
<lb n="19"/> للنطق ــ بانفرادها ــ لا يجب من حضور منفعلها ووقوعه منها بالنسبة التى إذا فعلت
<lb n="20"/> فيه فعلا، فعلت بها، أن يكون يفعل بها وهى بعد قوة.
<pb n="134"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="1"/>وبالجملة لا يلزم من ملاقاتها للقوة المنفعلة أن تفعل ذلك، وذلك لأنه لو كان
<lb n="2"/> يجب عنها وحدها أن تفعل لكان يجب من ذلك أن يصدر عنها الفعلان المتضادان
<lb n="3"/> والمتوسطان بينهما، وهذه محال؛ بل إذا صارت كما قلنا فإنها تفعل بالضرورة. </p>
<p n="12">
<lb n="4"/>وأما القوى التى فى غير ذوات النطق والتخيل فإنها إذا لاقت القوة المنفعلة
<lb n="5"/> وجب هناك الفعل، إذ ليس هناك إرادة واختيار تنتظر؛ فإن انتظر هناك، فيكون طبع
<lb n="6"/> ينتظر. فإذا كان يحتاج إلى طبع فذلك هو إما المبدأ للأمر،
<pb n="175" edRef="#source_2"/> وإما جزء من
<lb n="7"/> المبدأ. والمبدأ مجموع ما كان قبل وما حصل ويكون حينئذ نظيرا للإرادة المنتظرة. لكن
<lb n="8"/> الإرادة تفارق هذا من حيث تعلم، والقوة الإنفعالية أيضا التى يجب إذا لاقت الفاعل أن
<lb n="9"/> يحدث الإنفعال فى هذه الأشياء هى القوة الإنفعالية التامة. فإن القوة الإنفعالية قد تكون
<lb n="10"/> تامة وقد تكون ناقصة، لأنها قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة. فإن فى المنى قوة أن يصير
<lb n="11"/> رجلا، وفى الصبى أيضا قوة أن يصير رجلا، لكن القوة التى فى المنى تحتاج إلى أن تلقاها
<lb n="12"/> أيضا قوة محركة قبل المحرك إلى الرجلية، لأنها تحتاج أن تخرج إلى الفعل شيئا ما غير
<lb n="13"/> الرجل، ثم بعد ذلك يهيأ أن تخرج إلى الفعل رجلا. وبالحقيقة فإن القوة الإنفعالية الحقيقية
<lb n="14"/> هى هذه. وأما المنى فبالحقيقة ليست فيه بعد قوة انفعالية، فإنه يستحيل أن يكون المنى
<lb n="15"/> وهو منى أن ينفعل رجلا، لكنه كما كان فى قوته أن يصير شيئا من قبل غير المنى ثم ينتقل
<lb n="16"/> بعد ذلك إلى شىء آخر، كان هو بالقوة أيضا ذلك الشىء، بل المادة الأولى هى بالقوة كل
<lb n="17"/> شىء. فبعض ما يحصل فيها يعوقها عن بعض، فيحتاج المعوق عنه إلى زواله؛ وبعض
<lb n="18"/> ما فيه لا يعوق عن بعض آخر ولكنه يحتاج إلى قرينة أخرى حتى يتم الاستعداد، وهذه
<lb n="19"/> القوة هى قوة بعيدة.
<pb n="135"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="1"/>وأما القوة القريبة فهى التى لا تحتاج إلى أن تقارنها قوة فاعلية قبل القوة الفاعلية
<lb n="2"/> التى تنفعل عنها. فإن الشجرة ليست بالقوة مفتاحا لأنها تحتاج إلى أن
<pb n="176" edRef="#source_2"/> تلقاها أولا
<lb n="3"/> قوة فاعلية قبل القوة الفاعلية للمفتاحية وهى القوة القالعة والناشرة والناحتة، ثم بعد ذلك
<lb n="4"/> تتهيأ لأن تفعل من ملاقاة <choice>
<sic>القوه</sic>
<corr>القوة</corr>
</choice> الفاعلية للمفتاحية. </p>
<p n="14">
<lb n="5"/>والقوى بعضها يحصل بالطباع وبعضها يحصل بالعادة وبعضها يحصل بالصناعة
<lb n="6"/> وبعضها يحصل بالاتفاق. والفرق بين الذى يحصل بالصناعة والذى يحصل بالعادة أن الذى
<lb n="7"/> يحصل بالصناعة هو الذى يقصد فيه استعمال مواد <choice>
<sic>والآت</sic>
<corr>وآلات</corr>
</choice> وحركات فتكتسب النفس
<lb n="8"/> بذلك ملكة كأنها صورة تلك الصناعة؛ وأما الذى بالعادة فهو ما يحصل من أفاعيل ليست
<lb n="9"/> مقصورة فيها ذلك فقط، بل إنما تصدر عن شهوة أو غضب أو رأى يتوجه فيها القصد
<lb n="10"/> إلى غير هذه الغاية. ثم قد تتبعها غاية هى العادة، ولم تقصد، ولا تكون العادة نفس
<lb n="11"/> ثبوت تلك الأفاعيل فى النفس؛ وربما لم يكن للعادة الآت ومواد معينة، فإنه لا سواء أن
<lb n="12"/> يعتاد إنسان المشى وأن يعتاد التجارة من الجهة التى قلنا؛ وبينهما تفاوت شديد. ومع ذلك
<lb n="13"/> فإنك إذا دققت النظر عاد حصول العادة والصناعة إلى جهة واحدة. والقُوى التى تكون
<lb n="14"/> بالطبع منها ما يكون فى الأجسام الغير الحيوانية ومنها ما يكون فى الأجسام الحيوانية. </p>
<p n="15">
<lb n="15"/>وقد قال بعض الأوائل، وغاريقوا منهم: إن القوة تكون مع الفعل ولا تتقدمه،
<lb n="16"/> وقال بهذا أيضا قوم من الواردين بعده
<pb n="177" edRef="#source_2"/> بحين كثير. فالقائل بهذا القول كأنه يقول:
<lb n="17"/> إن القاعد ليس يقوى على القيام، أى لا يمكن فى جبلته أن يقوم ما لم يقم، فكيف يقوم؟
<lb n="18"/> وأن الخشب ليس فى جبلته أن ينحت منه باب، فكيف ينحت؟
<pb n="136"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="1"/>وهذا القائل لا محالة غير قوى على أن يرى وعلى أن يبصر فى اليوم الواحد
<lb n="2"/> مرارا، فيكون بالحقيقة أعمى، بل كل ما ليس موجودًا ولا قوة على أن يوجد فإنه مستحيل
<lb n="3"/> الوجود. والشىء الذى هو ممكن أن يكون فهو ممكن أن لا يكون وإلا كان واجبا أن يكون؛
<lb n="4"/> والممكن أن يكون لا يخلو إما أن يكون ممكنا أن يكون شيئا آخر، وأن لا يكون، وهذا
<lb n="5"/> هو الموضوع للشىء الذى من شأنه أن تحله صورته، وإما أن يكون كذلك باعتبار نفسه،
<lb n="6"/> كالبياض إذ كان يمكن أن يكون وممكن أن لا يكون فى نفسه. فهذا لا يخلو إما أن يكون
<lb n="7"/> شيئا إذا وجد كان قائما بنفسه، حتى يكون إمكان وجوده هو أنه يمكن أن يكون قائما
<lb n="8"/> مجردًا أو يكون إذا كان موجودا وجد فى غيره. </p>
<p n="17">
<lb n="9"/>فإن كان الممكن، بمعنى أنه يمكن أن يكون شيئًا فى غيره، فإن إمكان
<lb n="10"/> وجوده أيضا فى ذلك الغير. فيجب أن يكون ذلك الغير موجودا مع إمكان وجوده وهو
<lb n="11"/> موضوعه. وإن كان إذا كان قائما بنفسه لا فى غيره ولا من غيره بوجه من الوجوه، ولا
<lb n="12"/> علاقة له مع مادة من المواد علاقة ما يقوم فيها أو يحتاج فى أمر ما إليها، فيكون إمكان
<lb n="13"/> وجوده سابقًا عليه غير متعلق بمادة دون مادة ولا جوهر دون جوهر. غذ ذلك الشىء
<lb n="14"/> لا علاقة له مع شىء، فيكون إمكان وجوده جوهرًا لأنه شىء موجود بذاته. وبالجملة إن
<lb n="15"/> لم يكن إمكان وجوده حاصلا كان غير ممكن الوجود ممتنعا، وإذ هو حاصل موجود
<lb n="16"/> قائم بذاته ــ كما فرض ــ
<pb n="178" edRef="#source_2"/>فهو موجود جوهرًا، وإذ له جوهر فله ماهية ليس
<lb n="17"/> لها من المضاف إذ كان الجوهر ليس بمضاف الذات، بل يعرض له المضاف. فيكون لهذا القائم
<lb n="18"/> بذاته وجود أكثر من إمكان وجوده الذى هو به مضاف. وكلامنا فى نفس إمكان وجوده،
<lb n="19"/> وعليه حكمنا أنه ليس فى موضوع، والآن فقد صار أيضا فى موضوع، هذا خلف.
<pb n="137"/>
</p>
<p n="18">
<lb n="1"/>فإذ لا يجوز أن يكون لما يبقى قائمًا بنفسه لا فى موضوع ولا من موضوع
<lb n="2"/> بوجه من الوجوه وجود بعد ما لم يكن، بل يجب أن يكون له علاقة ما مع الموضوع حتى
<lb n="3"/> يكون. وأما إذا كان الشىء الذى يوجد قائما بنفسه لكنه يوجد من شىء غيره أو مع
<lb n="4"/> وجود شىء غيره، أما الأول فكالجسم من هيولى وصورة، وأما الثانى فكالأنفس الناطقة
<lb n="5"/> مع تكون الأبدان، فإن إمكان وجوده يكون متعلقا بذلك الشىء لا على أن ذلك الشىء
<lb n="6"/> بالقوة هو كون الجسم أبيض بالقوة ولا أن فيه قوة أن يوجد هو منطبعا فيه كون إمكان
<lb n="7"/> البياض فى الموضوع الذى ينطبع فيه البياض، بل على أن يوجد معه أو عند حال له. </p>
<p n="19">
<lb n="8"/>فالجسم الذى يحدث كنار حادثة إنما إمكان وجوده هو أن يحدث من المادة
<lb n="9"/> والصورة، فلا يكون لإمكان وجوده محل بوجه ما وهو مادته، فيكون الشىء الذى يحدث
<lb n="10"/> منه أولًا وهو الصورة يحدث فى المادة ويحدث الجسم لاجتماعهما من المادة بوجه ومن
<lb n="11"/> الصورة بوجه. وأما النفس فإنها لا تحدث أيضا إلا بوجود موضوع بدنى. وحينئذ يكون
<lb n="12"/> إمكان وجوده فى ذلك قائما به لاختصاص تلك المادة به، فإن النفس إنما يمكن وجودها
<lb n="13"/> بعد ما لم تكن،
<pb n="179" edRef="#source_2"/>وهو إمكان حدوثها عند وجود أجسام على نحو من الامتزاج
<lb n="14"/> تصلح أن تكون آلة لها، ويتميز بها استحقاق حدوثها من الأوائل من لا استحقاقه عنها.
<lb n="15"/> فإذا كان فيها إمكان هذا الإمتزاج فهو إمكان لوجود النفس. </p>
<p n="20">
<lb n="16"/>وكل جسم فإنه إذا صدر عنه فعل ليس بالعرض ولا بالقسر من جسم آخر
<lb n="17"/> فإنه يفعل بقوة ما فيه؛ أما الذى بالإرادة والاختيار فلأن ذلك ظاهر. وأما الذى ليس
<lb n="18"/> بالإرادة والاختيار فلأن ذلك الفعل إما أن يصدر عن ذاته أو يصدر عن شىء مباين له
<lb n="19"/> جسمانى أو عن شىء مباين له غير جسمانى. فإن صدر عن ذاته وذاته تشارك الأجسام
<pb n="138"/>
<lb n="1"/> الأخرى فى الجسمية وتخالفها فى صدور ذلك الفعل عنها فإذن فى ذاته معنى زائد على
<lb n="2"/> الجسمية هو مبدأ صدور ذلك الفعل عنه، وهذا هو الذى يسمى قوة؛ وإن كان ذلك عن
<lb n="3"/> جسم آخر، فيكون هذا الفعل عن هذا الجسم بِقَسر أو عرض، وقد فرض لا بقسر من
<lb n="4"/> جسم آخر ولا عرض. وإن كان عن شىء مفارق فلا يخلو إما أن يكون اختصاص هذا
<lb n="5"/> الجسم بهذا التوسط عن ذلك المفارق هو بما هو جسم، أو لقوة فيه، أو لقوة فى ذلك
<lb n="6"/> المفارق. فإن كان بما هو جسم، فكل جسم يشاركه فيه، لكن ليس يشاركَهُ فيه. وإن
<lb n="7"/> كان لقوة فيه فتلك القوة مبدأ صدور ذلك الفعل عنه، وأيضا إن كان قد يفيض من المفارق
<lb n="8"/> وبمعاونته، أو لكونه المبدأ الأول فيه.
<pb n="180" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="21">
<lb n="9"/>وأما إن كان لقوة فى ذلك المفارق فإما أن تكون نفس تلك القوة توجب ذلك،
<lb n="10"/> أو اختصاص إرادة. فإن كان نفس القوة توجب ذلك، فلا يخلو أن يكون إيجاب ذلك،
<lb n="11"/> عن هذا الجسم بعينه لأحد الأمور المذكورة، ويرجع الكلام من رأس، وإما أن يكون على
<lb n="12"/> سبيل الإرادة، فلا يخلو إما أن تكون تلك الإرادة ميزت هذا الجسم بخاصية يختص بها
<lb n="13"/> من سائر الأجسام، أو جزافا وكيف اتفق. فإن كان جزافا كيف اتفق لم يستمر على هذا
<lb n="14"/> النظام الأبدى [أو] أكثرى، فإن الأمور الاتفاقية هى التى ليست دائمة ولا أكثرية، لكن
<lb n="15"/> الأمور طبيعية دائمة وأكثرية فليست باتفاقية. </p>
<p n="22">
<lb n="16"/>فيبقى أن يكون بخاصية بها يختص من سائر الأجسام، وتكون تلك الخاصية
<lb n="17"/> مرادا منها صدور ذلك الفعل؛ ثم لا يخلو إما أن يراد ذلك لأن تلك الخاصية توجب ذلك
<lb n="18"/> الفعل، أو تكون منه فى الأكثر، أو لا توجب ولا تكون منه فى الأكثر. فإن كان يوجب
<lb n="19"/> فهو مبدأ ذلك. وإن كان فى الأكثر، والذى فى الأكثر ــ كما علمت فى الطبيعيات ــ هو
<pb n="139"/>
<lb n="1"/> بعينه الذى يوجب لكن له عائق لأن اختصاصه بأن يكون الأمر أكثر يكون بميل من طبيعته
<lb n="2"/> إلى جهة ما يكون منه، فإن لم يكن فيكون لعائق، فيكون الأكثرى أيضا فى نفسه موجبًا
<lb n="3"/> إن لم يكن عائق، ويكون الموجب هو الذى يسلم له الأمر بلا عائق وإن كانت تلك الخاصية
<lb n="4"/> لا توجبه ولا تكون منه فى الأكثر، فكونه عنه وعن غيره واحد، فاختصاصه به جزاف؛
<lb n="5"/> وقيل إنه ليس بجزاف.
<pb n="181" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="23">
<lb n="6"/>وكذلك إذا قيل: إن كونه صاحب تلك الخاصية أولى، فمعناه أن صدوره
<lb n="7"/> عنها أوفق. فهو إذن موجب له أو ميسّر لوجوبه. والميسّر إما علة بالذات وإما بالعرض؛
<lb n="8"/> فإذا لم تكن أخرى بالذات غيره فليس هو بالعرض، لأن الذى بالعرض هو على أحد
<lb n="9"/> النحوين المذكورين؛ فبقى أن تلك الخاصية بنفسها موجبة. فالخاصية الموجبة تسمى قوة،
<lb n="10"/> وهذه القوة عنها تصدر الأفاعيل الجسمانية وإن كان بمعونة من مبدأ أبعد. </p>
<p n="24">
<lb n="11"/>ولنؤكد بيان أن لكل حادث مبدأ ماديًا، فنقول بالجملة: إن كل حادث بعد
<lb n="12"/> ما لم يكن فله لا محالة مادة، لأن كل كائن يحتاج إلى أن يكون ــ قبل كونه ــ ممكن
<lb n="13"/> الوجود فى نفسه، فإنه إن كان ممتنع الوجود فى نفسه لم يكن البتة. وليس إمكان وجوده
<lb n="14"/> هو أن الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو فى نفسه ممكنا. ألا
<lb n="15"/> ترى أنا نقول: إن المحال لا قدرة عليه، ولكن القدرة هى على ما يمكن أن يكون؟ فلو
<lb n="16"/> كان إمكان كون الشىء هو نفس القدرة عليه، كان هذا القول كأنا نقول: إن القدرة إنما
<lb n="17"/> تكون على ما عليه القدرة، وكأنا نقول: إن المحال ليس عليه قدرة لأنه ليس عليه قدرة،
<lb n="18"/> وما كنا نعرف أن هذا الشىء مقدور عليه أو غير مقدور عليه بنظرنا فى نفس الشىء،
<lb n="19"/> بل بنظرنا فى حال قدرة القادر هل عليه قدرة أم لا. فإن أشكل علينا أنه مقدور عليه أو
<pb n="140"/>
<lb n="1"/> غير مقدور
<pb n="182" edRef="#source_2"/>عليه، لم يمكننا أن نعرف ذلك البتة؛ لأنا إن عرفنا ذلك من جهة
<lb n="2"/> أن الشىء محال أو ممكن وكان معنى المحال هو أنه غير مقدور عليه ومعنى الممكن أنه
<lb n="3"/> مقدور عليه، كنا عرفنا المجهول بالمجهول. فبين واضح أن معنى كون الشىء ممكنًا فى
<lb n="4"/> نفسه هو غير معنى كونه مقدورًا عليه وإن كانا بالموضوع واحدا، وكونه مقدورا عليه
<lb n="5"/> لازم لكونه ممكنا فى نفسه، وكونه ممكنا فى نفسه هو باعتبار ذاته وكونه مقدورا عليه
<lb n="6"/> هو باعتبار إضافته إلى موجده. </p>
<p n="25">
<lb n="7"/>وإذا قد تقرّر هذا، فإنا نقول: إن كل حادث فإنه قبل حدوثه إما أن يكون فى
<lb n="8"/> نفسه ممكنًا أن يوجد أو محالًا أن يوجد. والمحال أن يوجد لا يوجد. والممكن أن يوجد
<lb n="9"/> قد سبقه إمكان وجوده، وأنه ممكن الوجود، فلا يخلو إمكان وجوده من أن يكون معنى
<lb n="10"/> معدومًا أو معنى موجودًا. ومحال أن يكون معنى معدوما وإلا فلم يسبقه إمكان وجوده،
<lb n="11"/> فهو إذن معنى موجود. وكل معنى موجود فإما قائم فى موضوع أو قائم لا فى موضوع،
<lb n="12"/> وكل ما هو قائم لا فى موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافا. وإمكان
<lb n="13"/> الوجود إنما هو بالإضافة إلى ما هو إمكان وجود له. فليس إمكان الوجود جوهرا لا فى
<lb n="14"/> موضوع؛ فهو إذن معنى فى موضوع وعارض لموضوع. </p>
<p n="26">
<lb n="15"/>ونحن نسمى إمكان الوجود قوة الوجود؛ ونسمى حامل قوة الوجود الذى
<lb n="16"/> فيه وجود الشىء موضوعًا وهيولى ومادة وغير ذلك بحسب اعتبارات مختلفة،
<lb n="17"/> فإذن كل حادث فقد تقدمته المادة، فنقول: </p>
<p n="27">
<lb n="18"/>إن هذه الفصول التى أوردناها
<pb n="183" edRef="#source_2"/>توهم أن القوة ــ على الاطلاق ــ
<lb n="19"/> قبل الفعل ومتقدمة عليه لا فى الزمان وحده؛ وهذا شىء قد مال إليه عامة من القدماء،
<pb n="141"/>
<lb n="1"/> فبعضهم جعل للهيولى وجودا قبل الصورة، وأن الفاعل ألبسها الصورة بعد ذلك إما ابتداءً
<lb n="2"/> من نفسه وإما لداع دعاه إليه، كما ظنه بعض الشارعين فيما لا يعنيه ولا له درجة الخوض
<lb n="3"/> فى مثله. فقال: إن شيئًا كالنفس وقع له فلتةً أن اشتغل بتدبير الهيولى وتصويرها فلم يحسن
<lb n="4"/> التدبير ولا كمل لحسن التصوير، فتداركها <choice>
<sic>البارى</sic>
<corr type="MAR">البارئ</corr>
</choice> تعالى وأحسن تقويمها. ومنهم من قال:
<lb n="5"/> إن هذه الأشياء كانت فى الأزل تتحرك بطباعها حركات غير منتظمة، فأعان <choice>
<sic>البارى</sic>
<corr type="MAR">البارئ</corr>
</choice> تعالى
<lb n="6"/> طبيعتها ونظمها. ومنهم من قال: إن القديم هو الظلمة أو الهاوية أو شىء لا يتناهى لم يزل
<lb n="7"/> ساكنا، ثم حرك، أو الخليط الذى يقول به أنكساغورس. وذلك لأنهم قالوا: إن القوة تكون
<lb n="8"/> قبل الفعل، كما فى البذور والمنى وفى جميع ما يصنع. فبالحرى أن نتأمل هذا ونتكلم فيه. </p>
<p n="28">
<lb n="9"/>فنقول: أما الأمر فى الأشياء الجزئية الكائنة الفاسدة فهو على ما قالوا، فإن
<lb n="10"/> القوة فيها قبل الفعل قبلية فى الزمان؛ وأما الأمور الكلية أو المؤبدة التى لا تفسد وإن كانت
<lb n="11"/> جزئية فإنها لا تتقدمها التى بالقوة البتة. ثم القوة متأخرة بعد هذه الشرائط من كل وجه؛
<lb n="12"/> وذلك لأن القوة إذ ليست تقوم بذاتها فلابد لها من أن تقوم بجوهر يحتاج أن يكون بالفعل.
<lb n="13"/> فإنه إن لم يكن صار بالفعل فلا يكون مستعدًا لقبول شىء، فإن ما هو ليس مطلقا فليس
<lb n="14"/> ممكنا أن يقبل شيئا.
<pb n="184" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="29">
<lb n="15"/>ثم قد يكون الشىء بالفعل ولا يحتاج إلى أن يكون بالقوة شيئًا كالأبديات
<lb n="16"/> فإنها دائما بالفعل. فمن هذه الجهة حقيقة ما بالفعل قبل حقيقة القوة بالذات، ومن وجه
<lb n="17"/> آخر أيضا فإن القوة تحتاج أن تخرج إلى الفعل بشىء موجود بالفعل وقت كون الشىء
<lb n="18"/> بالقوة، ليس إنما يحدث ذلك الشىء حدوثا مع الفعل. فإن ذلك أيضا يحتاج إلى مخرج
<pb n="142"/>
<lb n="1"/> آخر وينتهى إلى شىء موجود بالفعل لم يحدث. وفى أكثر الأمر فإنما يخرج القوة إلى
<lb n="2"/> الفعل شىء مجانس لذلك الفعل موجود قبل الفعل بالفعل كالحار يسخن والبارد يبرد.
<lb n="3"/> وأيضًا فكثيرا ما يوجد ما هو بالقوة، من هو حامل القوة، عن الشىء الذى هو
<lb n="4"/> بالفعل، حتى يكون الفعل بالزمان قبل القوة لا مع القوة. فإن المنى كان عن الإنسان والبذر
<lb n="5"/> عن الشجرة حتى كان عن ذلك إنسان وعن هذا شجرة. فليس أن يفرض الفعل فى هذه
<lb n="6"/> الأشياء قبل القوة أولى من أن تفرض القوة قبل الفعل. </p>
<p n="30">
<lb n="7"/>وأيضا فإن الفعل فى التصور والتحديد قبل القوة، لأنك لا يمكنك أن تحد
<lb n="8"/> القوة إلا أنها للفعل. وأما الفعل فإنك لا تحتاج فى تحديده وتصويره أنه للقوة. فإنك تحد المربع
<lb n="9"/> وتعقله من غير أن يخطر ببالك قوة قبوله، ولا يمكنك أن تحد القوة على التربيع إلا أن تذكر
<lb n="10"/> المربع لفظا أو عقلا وتجعله جزء حده. </p>
<p n="31">
<lb n="11"/>وأيضا فإن العقل قبل القوة بالكمال والغاية. فإن القوة نقصان والفعل كمال.
<lb n="12"/> والخير فى كل شىء إنما هو مع الكون بالفعل؛ وحيث الشر فهناك ما بالقوة
<pb n="185" edRef="#source_2"/> بوجه
<lb n="13"/> ما، فإن الشىء إذا كان شرًا فإما أن يكون لذاته شرًا ومن كل وجه، وهذا محال. فإنه
<lb n="14"/> إن كان موجودًا فمن حيث هو موجود ليس بشر، وإنما يكون شرا من حيث هو فيه عدم
<lb n="15"/> كمال مثل الجهل للجاهل، أو لأنه يوجب فى غيره ذلك مثل الظلم للظالم. فالظلم إنما هو
<lb n="16"/> شر لأنه ينتقص من الذى فيه الظلم طبيعة الخير، ومن الذى عليه الظلم السلامة أو الغنى،
<lb n="17"/> أو غير ذلك، فيكون من حيث هو شر مشوبا بعدم وبشىء بالقوة. ولو أنه لم يكن معه ولا
<lb n="18"/> منه ما بالقوة لكانت الكمالات التى تجب للأشياء حاضرة فما كان شرًا بوجه من الوجوه.
<pb n="143"/>
</p>
<p n="32">
<lb n="1"/>فبيّن أن الذى بالفعل هو الخير من حيث هو كذلك، والذى بالقوة هو الشر أو
<lb n="2"/> منه الشر. واعلم أن القوة على الشر خير من الفعل، والكون بالفعل خيرًا خير من القوة
<lb n="3"/> على الخير، ولا يكون الشرير شريرا بقوة الشر، بل بملكة الشر. </p>
<p n="33">
<lb n="4"/>ونرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: قد علمت حال تقدم القوة مطلقا؛ وأما
<lb n="5"/> القوة الجزئية فيتقدم الفعل الذى هو قوة عليه؛ وقد يتقدمها فعل مثل فعلها حتى تكون
<lb n="6"/> القوة منه؛ ولا يجب لكن يكون معها شىء آخر به تخرج القوة إلى الفعل وإلا لم
<lb n="7"/> يكن الفعل البتة بموجود، إذ القوة وحدها لا تكفى فى أن تكون فعل، بل تحتاج إلى
<lb n="8"/> مخرج للقوة إلى الفعل. </p>
<p n="34">
<lb n="9"/>فقد علمت أن الفعل بالحقيقة أقدم من القوة، وأنه هو المتقدم بالشرف
<lb n="10"/> والتمام.
<pb n="186" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="11"/> [الفصل الثالث]
<lb n="12"/>
<num>ج</num> فصل
<lb n="13"/> فى التام، والناقص وما فوق التمام، وفى الكل، وفى الجميع. </head>
<p n="1">
<lb n="14"/>التام أول ما عرف عرف فى الأشياء ذوات العدد، إذ كان جميع ما ينبغى أن
<lb n="15"/> يكون حاصلا للشىء قد حصل بالعدد، فلم يبقى شىء من ذلك غير موجود. ثم نقل ذلك
<lb n="16"/> إلى الأشياء ذوات الكم المتصل، فقيل: تام فى القامة إذا كانت تلك أيضا عند الجمهور
<lb n="17"/> معدودة لأنها إنما تعرف عند الجمهور من حيث تقدر، وإذا قدرت لم يكن بد من أن تعدّ.
<lb n="18"/> ثم نقلوا ذلك إلى الكيفيات والقوى، فقالوا: كذا تام القوة وتام البياض وتام الحسن وتام
<lb n="19"/> الخير، كأن جميع ما يجب أن يكون له الخير قد حصل له ولم يبق شىء من خارج.
<pb n="144"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>ثم إذا كان من جنس الشىء شىء، وكان لا يحتاج إليه فى ضرورة أو منفعة
<lb n="2"/> أو نحو ذلك، [رأوه] زائدا ورأوا الشىء تاما دونه. ثم إن كان ذلك الذى يحتاج إليه
<lb n="3"/> الشىء فى نفسه قد حصل وحصل معه شىء آخر من جنسه ليس يحتاج إليه فى أصل
<lb n="4"/> ذات الشىء إلا أنه وإن كان ليس يحتاج إليه فى ذلك الشىء فهو نافع فى بابه، قيل لجملة
<lb n="5"/> ذلك: إنه فوق التمام ووراء الغاية. </p>
<p n="3">
<lb n="6"/>[فهذا] هو التام والتمام. فكأنه اسم للنهاية، وهو أولا للعدد، ثم لغيره على
<lb n="7"/> الترتيب.
<pb n="187" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="8"/>وكان الجمهور لا يقولون لذى العدد إنه تام أيضا إذا كان أقلّ من ثلاثة، وكذلك
<lb n="9"/> كأنهم لا يقولون له كل وجميع. وكأن الثلاثة إنما صارت تامة لأن لها مبدأ وواسطة ونهاية،
<lb n="10"/> وإنما كان كون الشىء له مبدأ وواسطة ونهاية تجعله تاما لأن أصل التمام كان فى العدد. </p>
<p n="5">
<lb n="11"/>ثم لم يكن هذا فى طبيعة عدد من الأعداد من حيث هو عدد أن يكون تاما
<lb n="12"/> على الاطلاق، فإن كل عدد فمن جنس وحدانياته ما ليس موجودا فيه؛ بل إنما يكون
<lb n="13"/> تاما فى العشرية والتسعية، وأما من حيث هو عدد فليس يجوز أن يكون تامًا من حيث
<lb n="14"/> هو عدد. وأما من حيث له مبدأ ومنتهى وواسطة فهو تام، لأنه من حيث يكون له مبدأ
<lb n="15"/> ومنتهى يكون ناقصا من جهة ما ليس فيما بينهما شىء من شأنه أن يكون بينهما وهو
<lb n="16"/> الواسطة. وقس عليه سائر الأقسام أى أن يكون واسطة وليس منتهى، أو واسطة ومنتهى
<lb n="17"/> وقد فقد مايجب أن يكون له مبدأ. ثم من المحال أن يكون مبدآن فى الأعداد ليس أحدهما
<lb n="18"/> واسطة بوجه إلا لعددين ولا منتهيان ليس أحدهما واسطة بوجه إلا لعددين.
<pb n="145"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>وأما الوسائط فقد يجوز أن تكثر إلا أنها تكون جملتها فى أنها واسطة كشىءٍ
<lb n="2"/> واحد؛ ثم لا يكون للتكثر حد يوقف عليه. فإذن حصول المبدئية والنهاية
<pb n="188" edRef="#source_2"/>
<lb n="3"/> والتوسط هو أتم ما يمكن أن يقع فى ترتيب مثله، ولا يكون ذلك إلا للعدد ولا يكون
<lb n="4"/> منحصرًا إلا فى الثلاثية. </p>
<p n="7">
<lb n="5"/>وإذا اشرنا إلى هذا المبلغ فلنعرض عنه، فليس من عادتنا أن نتكلم فى مثل هذه
<lb n="6"/> الأشياء التى تبنى على تخمينات إقناعية وليست من طرق القياسات العلمية. بل نقول: </p>
<p n="8">
<lb n="7"/>إن الحكماء ايضًا قد نقلوا التام إلى حقيقة الوجود، فقالوا من وجه: إن التام
<lb n="8"/> هو الذى ليس شىء من شأنه أن يكمل به وجوده بما ليس له بل كل ما هو كذلك فهو
<lb n="9"/> حاصل له، وقالوا من وجه آخر: إن التام هو الذى بهذه الصفة مع شرط أن وجوده بنفسه
<lb n="10"/> على أكمل ما يكون له هو وحده حاصل له وليس منه إلا ما له، وليس ينسب إليه من جنس
<lb n="11"/> الوجود شىء فضل على ذلك الشىء نسبة أولية لا بسبب غيره. </p>
<p n="9">
<lb n="12"/>وفوق التمام ما له الوجود الذى ينبغى له، ويفضل عنه الوجود لسائر الأشياء
<lb n="13"/> كأن له وجوده الذى ينبغى له، وله الوجود الزائد الذى ليس ينبغى له، ولكن يفضل عنه
<lb n="14"/> للأشياء، وذلك من ذاته. ثم جعلوا هذا مرتبة المبدأ الأول الذى هو فوق التمام، ومن وجوده
<lb n="15"/> فى ذاته لا بسبب غير يفيض الوجود فاضلا عن وجوده على الأشياء كلها.
<pb n="189" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="10">
<lb n="16"/>وجعلوا مرتبة التمام لعقل من العقول المفارقة الذى هو فى أول وجوده بالفعل
<lb n="17"/> لا يخالطه ما بالقوة، ولا ينتظر وجودا آخر، يوجد عنه، فإن كل شىء آخر [يوجد عنه]، فذلك
<lb n="18"/> أيضا من الوجود الفائض من الأول.
<pb n="146"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="1"/>وجعلوا دون التمام شيئين: المكتفى والناقص. والمكتفى هو الذى أعطى
<lb n="2"/> ما به يحصل كمال نفسه فى ذاته، والناقص المطلق هو الذى يحتاج إلى آخر يمده الكمال
<lb n="3"/> بعد الكمال. مثل المكتفى: النفس النطقية التى للكل، أعنى السموات، فإنها بذاتها تفعل
<lb n="4"/> الأفعال التى لها وتوجد الكمالات التى يجب أن يكون لها شىء بعد شىء لا تجتمع كلها
<lb n="5"/> دفعة واحدة، ولا تبقى أيضا دائما إلا ما كان من كمالاتها التى فى جوهرها وصورتها،
<lb n="6"/> فهو لا يفارق ما بالقوة وإن كان فيه مبدأ يخرج قوته إلى الفعل، كما تعلم هذا بعد. وأما
<lb n="7"/> الناقص فهو مثل هذه الأشياء التى فى الكون والفساد. </p>
<p n="12">
<lb n="8"/>ولفظ التمام ولفظ الكل ولفظ الجميع تكاد تكون متقاربة الدلالة. لكن
<lb n="9"/> التمام ليس من شرطه أن يحيط بكثرة بالقوة أو بالفعل. وأما الكل فيجب أن يكون
<lb n="10"/> لكثرة بالقوة أو بالفعل، بل الوحدة فى كثير من الأشياء هو الوجود الذى ينبغى له. وأما
<lb n="11"/> التمام فى الأشياء ذوات المقادير والأعداد فيشبه أن يكون هو بعينه الكل فى الموضوع.
<lb n="12"/> فالشىء «تام» من حيث أنه لم يبق شىء خارجًا عنه وهو «كل» لأن ما يحتاج إليه
<lb n="13"/>حاصل فيه. فهو بالقياس إلى الكثرة الموجودة المحصورة فيه «كل» وبالقياس إلى ما لم يبق
<lb n="14"/> خارجا [عنه] «تام».
<pb n="190" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="15"/>ثم قد اختلف فى لفظى الكل والجميع على اعتباريهما، فتارةً يقولون: إن
<lb n="16"/> الكل يقال للمتصل والمنفصل، والجميع لا يقال إلا للمنفصل، وتارة يقولون: إن الجميع يقال
<lb n="17"/> خاصة لما ليس لوضعه اختلاف والكل لما لوضعه اختلاف، ويقال: «كل» «وجميع»
<lb n="18"/> معًا لما يكون له الحالان جميعا.
<pb n="147"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="1"/>وأنت تعلم هذه الألفاظ يجب أن تستعمل على ما يقع عليه الإصطلاح،
<lb n="2"/> والأحرى من وجه أن يقال: «كل» لما كان فيه انفصال حتى يكون له جزء. فإن الكل يقال
<lb n="3"/> بالقياس إلى الجزء، والجميع أيضا يجب أن يكون كذلك. فإن الجميع من الجمع، والجمع إنما
<lb n="4"/> يكون الآحاد بالفعل أو وحدات بالفعل، لكن الاستعمال قد أطلقه على ما كان أيضا جزؤه
<lb n="5"/> وواحده بالقوة. [فكان] الكل يعتبر فيه أن يكون فى الأصل بإزاء الجزء، والجميع بإزاء
<lb n="6"/> الواحد، كأن الكل يعتبر فيه أن يكون له ما [يعدّه]، وإن لم يلتفت إلى وحدته، وكأن
<lb n="7"/> الجميع يعتبر فيه أن يكون فيه آحاد وإن لم يلتفت إلى عده. </p>
<p n="15">
<lb n="8"/>وكأن هذا القول كله من الفضل؛ فإن الإصطلاح أجراهما بعد ذلك مجرى
<lb n="9"/> واحدًا حتى صار أيضا يقال الكل والجميع فى غير ذوات الكمية، إذ كان لها أن تتكمم
<lb n="10"/> بالعرض كالبياض كله والسواد كله، أو كان لها أن تشتد وتضعف كالحرارة كلها والقوة كلها.
<lb n="11"/> ويقال للمركب من أشياء تختلف كالحيوان «كل» إذ هو من نفس وبدن.
<pb n="191" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="12"/>وأما الجزء فإنه تارة يقال لما يُعَدّ وتارة لما يكون شيئا من الشىء و له غيره معه
<lb n="13"/> وإن كان لا يَعُدّه، وربما خُصّ هذا باسم البعض. ومن الجزء ما ينقسم إليه الشىء لا فى
<lb n="14"/> الكم، بل فى الوجود، مثل النفس والبدن للحيوان، والهيولى والصورة للمركب؛ وبالجملة
<lb n="15"/> ما يتركب منه المركب [المختلف] المبادئ.
<pb n="148"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<lb n="1"/>
<head>المقالة الخامسة
<lb n="2"/> وفيها تسعة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/>
<num>ا</num> فصل
<lb n="5"/> فى الأمور العامة وكيفية وجودها </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>
<pb n="195" edRef="#source_2"/>وبالحرى أن نتكلم الآن فى الكلى والجزئى، فأنه مناسب أيضا لما
<lb n="7"/> فرغنا منه، وهو من الأعراض الخاصة بالوجود، فنقول: </p>
<p n="2">
<lb n="8"/>إن الكلى قد يقال على وجوه ثلاثة: فيقال كلى للمعنى من جهة أنه مقول بالفعل
<lb n="9"/> على كثيرين، مثل الإنسان. ويقال كلى للمعنى إذا كان جائزا أن يحمل على كثيرين وإن لم
<lb n="10"/> يشترط أنهم موجودون بالفعل، مثل معنى البيت المسبع؛ فإنه كلى من حيث أن من طبيعته
<lb n="11"/> أن يقال على كثيرين، ولكن ليس يجب أن يكون أولئك الكثيرين لا محالة موجودين بل ولا
<lb n="12"/> الواحد منهم. ويقال كلى للمعنى الذى لا مانع من تصوره أن يقال على كثيرين؛ إنما يمنع منه
<lb n="13"/> إن مَنَع سَبَبٌ ويدل عليه دليل، مثل الشمس والأرض، فإنها من حيث تعقل شمسا وأرضا
<pb n="149"/>
<lb n="1"/> لا يمنع الذهن عن أن يجوز أن معناه يوجد فى كثير، إلا أن يأتيه دليل أو حجة يعرف به أن
<lb n="2"/> هذا ممتنع. ويكون ذلك ممتنعا بسبب من خارج لا لنفس تصوره.
<pb n="196" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="3"/>وقد يمكن أنيجمع هذا كله فى أن هذا الكلى هو الذى لا يمنع نفس تصوره عن
<lb n="4"/> أنيقال على كثيرين. ويجب أن يكون الكلى المستعمل فى المنطق وما أشبهه هو هذا.
<lb n="5"/> وأما الجزئى المفرد فهو الذى نفس تصوره يمنع أن يقال معناه على كثيرين، كذات زيد هذا
<lb n="6"/> المشار إليه، فإنه يستحيل أن تتوهم إلا له وحده. </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>فالكلى من حيث هو كلى شىء، ومن حيث هو شىء تلحقه الكلية
<lb n="8"/> شىء. فالكلى من حيث هو كلى هو ما يدل عليه أحد هذه الحدود؛ فإذا كان ذلك
<lb n="9"/> إنسانا أو فرسا فهناك معنى آخر غير معنى الكلية وهو الفرسية. فإن حد الفرسية
<lb n="10"/> ليس حد الكلية، ولا الكلية داخلة فى حد الفرسية؛ فإن الفرسية لها حد لا يفتقر
<lb n="11"/> إلى حد الكلية لكن تعرض له الكلية. فإنه فى نفسه ليس شىء من الأشياء البتة
<lb n="12"/> إلا الفرسية؛ فإنه فى نفسه لا واحد ولا كثير ولا موجود فى الأعيان ولا فى النفس
<lb n="13"/> ولا فى شىء من ذلك بالقوة ولا بالفعل على أن يكون داخلا فى الفرسية، بل من
<lb n="14"/> حيث هو فرسية فقط. بل الواحدية صفة تقترن إلى الفرسية؛ فتكون الفرسية مع
<lb n="15"/> تلك الصفة واحدة. كذلك للفرسية مع تلك الصفة صفات أخرى كثيرة داخلة عليها،
<lb n="16"/> فالفرسية ــ بشرط أنها تطابق بحدها أشياء كثيرة ــ تكون عامة، ولأنها مأخوذة
<lb n="17"/> بخواص وأعراض مشار إليها تكون خاصة. فالفرسية فى نفسها فرسية فقط.
<pb n="197" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="18"/>فإن سألنا عن الفرسية لطرفى النقيض، مثلا: هل الفرسية ألف أم ليس بألف؟
<lb n="19"/> لم يكن الجواب إلا بالسلب لأى شىء كان. ليس على أن السلب بعد «من حيث»، بل
<pb n="150"/>
<lb n="1"/> على أنه قبل «من حيث». أى ليس يجب أن يقال: إن الفرسية من حيث هى فرسية
<lb n="2"/> ليست بألف، بل ليست من حيث هى فرسية بألف ولا شىء من الأشياء. </p>
<p n="6">
<lb n="3"/>فإن كان طرفا المسألة عن موجبتين لا يخلو منهما شىء⸣، لم يلزم أن نجيب
<lb n="4"/> عنهما البتة. وبهذا يفترق حكم الموجبة والسالبة والموجبتين اللتين فى قوة النقيضين.
<lb n="5"/> وذلك لأن الموجب منهما الذى هو لازم للسالبة معناه أنه إذا لم يكن الشىء موصوفا
<lb n="6"/> بذلك الموجب الآخر كان موصوفًا بهذا الموجب، وليس إذا كان موصوفًا به كان ماهيته
<lb n="7"/> هو. فإنه ليس إذا كان الإنسان واحدا أو أبيض كانت هوية الإنسانية هى هوية الوحدة أو
<lb n="8"/> البياض، أو كانت هوية الإنسانية هى هوية الواحد أو الأبيض. </p>
<p n="7">
<lb n="9"/>فإذا جعلنا الموضوع فى المسألة هوية الإنسانية من حيث هى إنسانية كشىء
<lb n="10"/> واحد، وسئل عن طرفى نقيض، فقيل: أواحد هو أم كثير؟ لم يلزم أن يجاب،
<pb n="198" edRef="#source_2"/>
<lb n="11"/> لأنها من حيث هى هوية الإنسانية شىء غير كل واحد منهما، ولا يوجد فى حد ذلك
<lb n="12"/> الشىء إلا الإنسانية فقط. </p>
<p n="8">
<lb n="13"/>وأما أنه هل يوصف بأنه واحد أو كثير على أنه وصف يلحقه من خارج، فلا
<lb n="14"/> محالة أنه يوصف بذلك، ولكن لا يكون هو ذلك الموصوف من حيث هو إنسانية فقط،
<lb n="15"/> فلا يكون من حيث هو إنسانية هو كثيرا بل إنما يكون كأن ذلك شىء يلحقه من خارج. </p>
<p n="9">
<lb n="16"/>فإذا كان نظرنا إليه من حيث هو إنسانية فقط، فلا يجب أن نشوبه بنظر إلى
<lb n="17"/> شىء من خارج يجعل النظر نظرين: نظر إليه بما هو هو، ونظر إلى لواحقه. ومن حيث
<lb n="18"/> النظر الواحد الأول لا يكون إلا الإنسانية فقط، فلهذا إن قال قائل: إن الانسانية التى فى
<lb n="19"/> زيد من حيث هى إنسانية هل هى غير التى فى عمرو؟ فيلزم أن يقول: لا. وليس يلزم من
<pb n="151"/>
<lb n="1"/> تسليمه هذا أن يقول: فإذن تلك وهى واحدة بالعدد، لأن هذا كان سلبًا مطلقًا، وعنينا
<lb n="2"/> بهذا السلب أن تلك الإنسانية من حيث هى إنسانية هى إنسانية فقط، وكونها غير التى فى
<lb n="3"/> عمرو شىء من خارج. فإنه إن لم يكن ذلك خارجا عن الإنسانية لزم أن تكون الإنسانية
<lb n="4"/> من حيث هى إنسانية ألفا مثلا أو ليست بألف. وقد أبطلنا ذلك. وإنما أخذنا الإنسانية
<lb n="5"/> من حيث هى إنسانية فقط.
<pb n="199" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="10">
<lb n="6"/>على أنه إذا قيل: الإنسانية التى فى زيد من حيث هى إنسانية يكون قد
<lb n="7"/> [جعلنا لها] اعتبارا من حيث هى إنسانية، ساقطًا عنها أنها فى زيد وأنها التى فى زيد،
<lb n="8"/> وإلا [فيكون] قد أخذنا الإنسانية على أنها فى زيد، فإنا قد جردناها وتكلمنا على أنا
<lb n="9"/> نلتفت إليها وهى إنسانية. ثم لا يخلو إما أن نرجع الكناية التى فى أنها إلى الإنسانية التى
<lb n="10"/> فى زيد، فيكون هذامحالًا من القول، فإنه لا تجتمع أن تكون إنسانية فى زيد وهى باعتبار
<lb n="11"/> أنها إنسانية فقط. وإن رجعت إلى الإنسانية فقط فَذِكْرُ زيدٍ لغوا إلا أن تعنى أن الإنسانية
<lb n="12"/> التى عرض لها من خارج أن كانت فى زيد وقد أسقطنا عنها أنها فى زيد، فهل هى هكذا؟
<lb n="13"/> وهذا أيضا فيه اعتبار غير الإنسانية. </p>
<p n="11">
<lb n="14"/>فإن سألنا سائل وقال: ألستم تجيبون وتقولون: إنها ليست كذا وكذا، وكونها ليست
<lb n="15"/> كذا وكذا غير كونها إنسانية بما هى إنسانية؟ فنقول: إنا لا نجيب بأنها من، حيث هى إنسانية،
<lb n="16"/> ليست كذا، بل نجيب أنها ليست من حيث إنسانية كذا، وقد علم الفرق بينهما فى المنطق. </p>
<p n="12">
<lb n="17"/>وههنا شىء آخر وهو أن الموضوع فى مثل هذه المسائل يكاد يرجع إلى
<lb n="18"/> الإهمال إذا لم تَعْلق بحصر ولا يكون عنها جواب، اللهم إلا أن تجعل تلك
<pb n="200" edRef="#source_2"/>
<pb n="152"/>
<lb n="1"/> الإنسانية كأنها مشار إليها أو لا كثرة فيها. فحينئذ لا يكون قولنا: «من حيث هى
<lb n="2"/> إنسانية» جزءا من الموضوع، لأنه لا يصلح أن يقال: إن الإنسانية التى هى من حيث هى
<lb n="3"/> إنسانية إلا وقد عادت مهملة. فإن قيل: تلك الإنسانية التى هى من حيث هى إنسانية،
<lb n="4"/> يكون قد وقع إليها الإشارة فزادت على الإنسانية. </p>
<p n="13">
<lb n="5"/>ثم إن ساهلنا فى ذلك فيكون الطرفان من المسألة مسلوبين عنها، ولم يجب
<lb n="6"/> أن يكون واحدا أو كثيرا هو هو أو غيره إلا على معنى أنه لابد له أن يكون هو هو أو
<lb n="7"/> غير. فحينئذ نقول: </p>
<p n="14">
<lb n="8"/>لابد لها من أن تصير غيرًا بالأعراض التى معها، إذ لا توجد البتة إلا مع
<lb n="9"/> الأعراض. وحينئذ لا تكون مأخوذة من حيث هى إنسانية فقط، فإذا ليست إنسانية
<lb n="10"/> عمرو فهى غير إنسانية بالأعراض، فيكون لهذه الأعراض تأثير فى شخص زيد بأنه
<lb n="11"/> مجموع الإنسان أو الإنسانية فأعراض لازمة كأنها أجزاء منه، وتأثير الإنسان أو
<lb n="12"/> الإنسانية بأنها منسوبة إليه. </p>
<p n="15">
<lb n="13"/>ونعود من رأس ونجمع هذا ونخبر عنه بعبارة أخرى كالمذكر لما سلف
<lb n="14"/> من قولنا، فنقول: </p>
<p n="16">
<lb n="15"/>إن ههنا شيئا محسوسا هو الحيوان أو الإنسان مع مادة وعوارض، وهذا
<lb n="16"/> هو الإنسان الطبيعى. وههنا شىء هو الحيوان أو الإنسان منظورا إلى ذاته بما هو هو،
<lb n="17"/> غير مأخوذ معه ما خالطه، وغير مشترط فيه شرط أنه عام أو خاص
<pb n="201" edRef="#source_2"/> أو واحد
<lb n="18"/> أو كثير بالفعل ولا باعتبار القوة أيضا من حيث هو بالقوة، إذ الحيوان بما هو حيوان،
<pb n="153"/>
<lb n="1"/> والإنسان بما هو إنسان أى باعتبار حده ومعناه، غير ملتفت إلى أمور أخرى تقارنه، ليس
<lb n="2"/> إلا حيوانا أو إنسانا. </p>
<p n="17">
<lb n="3"/>وأما الحيوان العام، والحيوان الشخصى، والحيوان من جهة اعتبار أنه بالقوة
<lb n="4"/> عام أو خاص، والحيوان باعتبار أنه موجود فى الأعيان، أو معقول فى النفس، هو حيوان
<lb n="5"/> وشىء وليس هو حيوانا منظور إليه وحده. ومعلوم أنه إذا كان حيوان وشىء كان فيهما
<lb n="6"/> الحيوان كالجزء منهما. وكذلك فى جانب الإنسان. </p>
<p n="18">
<lb n="7"/>ويكون اعتبار الحيوان بذاته جائزًا وإن كان مع غيره، لأن ذاته مع غيره ذاته.
<lb n="8"/> فذاته له بذاته؛ وكونه مع غيره أمر عارض له أو لازم ما لطبيعته كالحيوانية والإنسانية. فهذا
<lb n="9"/> الاعتبار متقدم فى الوجود على الحيوان الذى هو شخصى بعوارضه، أو كلى، وجودى،
<lb n="10"/> أو عقلى، تقدم البسيط على المركب، والجزء على الكل. وبهذا الوجود لا هو جنس
<lb n="11"/> ولا نوع ولا شخص ولا واحد ولا كثير، بل هو بهذا الوجود حيوان فقط وإنسان فقط. </p>
<p n="19">
<lb n="12"/>لكنه يلزمه لا محالة أن يكون واحدا أو كثيرا، إذ لا يخلو عنهما شىء
<lb n="13"/> موجود، على أن ذلك لازم له من خارج. وهذا الحيوان بهذا الشرط، وإن كان موجودا
<lb n="14"/>
<pb n="202" edRef="#source_2"/>فى كل شخص فليس هو بهذا الشرط حيوانا ما، وإن كان يلزمه أن يصير
<lb n="15"/> حيوانا ما لأنه فى حقيقته وماهيته بهذا الاعتبار حيوان ما. </p>
<p n="20">
<lb n="16"/>وليس يمنع كون الحيوان الموجود فى الشخص حيوانا ما أن يكون الحيوان
<lb n="17"/> بما هو حيوان لا باعتبار أنه حيوان بحالٍ ما، موجود فيه، لأنه إذا كان هذا الشخص
<lb n="18"/> حيوانا ما، فحيوان ما موجود؛ فالحيوان الذى هو جزء من حيوان ما موجود، كالبياض؛
<pb n="154"/>
<lb n="1"/> فإنه وإن كان غير المفارق للمادة فهو ببياضيته موجود فى المادة على أنه شىء آخر معتبر
<lb n="2"/> بذاته وذو حقيقة بذاته، وإن كان عرض تلك الحقيقة أن تقارن فى الوجود أمرا آخر. </p>
<p n="21">
<lb n="3"/>ولقائل أن يقول: إن الحيوان بما هو حيوان غير موجود فى الأشخاص،
<lb n="4"/> لأن الموجود فى الأشخاص هو حيوان ما لا الحيوان بما هو حيوان. ثم الحيوان بما هو
<lb n="5"/> حيوان موجود، فهو إذن مفارق للأشخاص. ولو كان الحيوان بما هو حيوان موجودا
<lb n="6"/> لهذا الشخص، لم يخل إما أن يكون خاصا له أو غير خاص؛ فإذا كان خاصا له لم يكن
<lb n="7"/> الحيوان بما هو حيوان هو الموجود فيه أو هو، بل حيوان ما؛ وإن كان غير خاص كان
<lb n="8"/> شىء واحد بعينه بالعدد موجودا فى الكثرة، وهذه محال. </p>
<p n="22">
<lb n="9"/>وهذا الشك وإن كان ركيكا سخيفا فقد أوردناه بسبب أنه قد وقعت منه
<lb n="10"/> الشبهة فى زماننا هذا لطائفة ممن تتشحط فى التفلسف. فنقول: </p>
<p n="23">
<lb n="11"/>إن هذا الشك قد وقع
<pb n="203" edRef="#source_2"/>فيه الغلط من وجوه عدة. أحدها الظن بأن
<lb n="12"/> الموجود من الحيوان إذا كان حيوانا ما، فإن طبيعة الحيوانية معتبرة بذاتها لا بشرط آخر
<lb n="13"/> لا تكون موجودة فيه. وبيان غلط هذا الظن قد تقدم. والثانى، الظن بأن الحيوان بما هو
<lb n="14"/> حيوان يجب أن يكون خاصًا أو غير خاص بمعنى العدول؛ وليس كذلك. بل الحيوان إذا
<lb n="15"/> نظر إليه بما هو حيوان ومن جهة حيوانيته لم يكن خاصا ولا غير خاص الذى هو العام،
<lb n="16"/> بل كلاهما يسلبان عنه، لأنه من جهة حيوانيته فقط؛ ومعنى الحيوان فى أنه حيوان
<lb n="17"/> غير معنى الخاص والعام، وليسا داخلين أيضا فى ماهيته. وإذا كان كذلك لم يكن الحيوان
<lb n="18"/> بما هو حيوان خاصا ولا عاما فى حيوانيته، بل هو حيوان لا غيره من الأمور والأحوال،
<lb n="19"/> لكنه يلزمه أن يكون خاصا أو عاما.
<pb n="155"/>
</p>
<p n="24">
<lb n="1"/>فقوله لم يخلو إما أن يكون خاصًا أو يكون عامًا: إن عنى بقوله إنه لا يخلو
<lb n="2"/> عنهما فى حيوانيته فهو خال عنهما فى حيوانيته، وإن عنى أنه لا يخلو عنهما فى الوجود،
<lb n="3"/> أى لا يخلو عن لزوم أحدهما فهو صادق. فإن الحيوان يلزمه ضرورة أن يكون خاصا أو
<lb n="4"/> عاما وأيهما عرض له لم يبطل عنه الحيوانية التى باعتبار ما ليس بخاص ولا عام، بل
<lb n="5"/> يصير خاصا أو عاما بعدها بما يعرض لها من الأحوال. </p>
<p n="25">
<lb n="6"/>وههنا شىء يجب أن نفهمه وهو أنه حق أن يقال: إن الحيوان بما هو حيوان
<lb n="7"/> لا يجب أن لا يقال عليه خصوص أو عموم، وليس بحق أن يقال: الحيوان بما هو حيوان
<lb n="8"/> يجب أن [لا] يقال عليه خصوص أو عموم، وذلك أنه لو كانت الحيوانية توجب
<lb n="9"/>
<pb n="204" edRef="#source_2"/>أن لا يقال عليها خصوص أو عموم لم يكن حيوان خاص أو حيوان عام. </p>
<p n="26">
<lb n="10"/>ولهذا المعنى يجب أن يكون فرق قائم بين أن نقول: إن الحيوان بما هو حيوان
<lb n="11"/> مجرد بلا شرط شىء آخر، وبين أن نقول: إن الحيوان بما هو حيوان مجرد بشرط لا
<lb n="12"/> شىء آخر. ولو كان يجوز أن يكون الحيوان بما هو حيوان مجردا بشرط أن لا يكون
<lb n="13"/> شىء آخر موجود فى الأعيان، لكان يجوز أن يكون للمثل الأفلاطونية وجود فى الأعيان؛
<lb n="14"/> بل الحيوان بشرط لاشىء آخر وجوده فى الذهن فقط. وأما الحيوان مجردا لا بشرط
<lb n="15"/> شىء آخر فله وجود فى الأعيان، فإنه فى نفسه وفى حقيقته بلا شرط شىء آخر، وإن
<lb n="16"/> كان مع ألف شرط يقارنه من خارج. </p>
<p n="27">
<lb n="17"/>فالحيوان بمجرد الحيوانية موجود فى الأعيان، وليس يوجب ذلك عليه أن
<lb n="18"/> يكون مفارقا. بل هو الذى هو فى نفسه خال عن الشرائط اللاحقة موجودٌ فى الأعيان،
<lb n="19"/> وقد اكتنفه من خارج شرائط وأحوال. فهو فى حد وحدته التى بها هو واحد من تلك
<pb n="156"/>
<lb n="1"/> الجملة حيوان مجرد بلا شرط شىء آخر، وإن كانت تلك الوحدة زائدة على حيوانيته
<lb n="2"/> ولكن غير اللواحق الأخرى. ولو كان ههنا حيوان مفارق كما يظنون، لم يكن هو الحيوان
<lb n="3"/> الذى نتطلبه ونتكلم عليه، لأنا نطلب حيوانا مقولا على كثيرين بأن يكون كل واحد من
<lb n="4"/> الكثيرين هو هو. وأما المباين الذى ليس محمولا على هؤلاء إذ ليس شىء منها هو هو،
<lb n="5"/> فلا حاجة بنا إليه فيما نحن بسبيله. </p>
<p n="28">
<lb n="6"/>فالحيوان مأخوذا بعوارضه هو الشىء الطبيعى، والمأخوذ بذاته هو الطبيعة
<lb n="7"/> التى يقال إن
<pb n="205" edRef="#source_2"/>وجودها أقدم من الوجود الطبيعى بقدم البسيط على المركب، وهو
<lb n="8"/> الذى يخص وجوده بأنه الوجود الإلهى لأن سبب وجوده بما هو حيوان عناية الله تعالى.
<lb n="9"/> وأما كونه مع مادة وعوارض وهذا الشخص وإن كان بعناية الله تعالى فهو بسبب الطبيعة
<lb n="10"/> الجزئية؛ فكما أن للحيوان فى الوجود أنحاء فوق واحد، كذلك له فى العقل. فإن فى
<lb n="11"/> العقل صورة الحيوان المجرد على النحو الذى ذكرناه من التجريد؛ وهو بهذا الوجه يسمى
<lb n="12"/> صورة عقلية؛ وفى العقل أيضا صورة الحيوان من جهة ما يطابق فى العقل بحد واحد بعينه
<lb n="13"/> أعيانا كثيرة، فتكون الصورة الواحدة مضافة عند العقل إلى كثرة، وهو بهذا الاعتبار كلى،
<lb n="14"/> وهو معنى واحد فى العقل لا تختلف نسبته إلى أى واحد أخذته من الحيوانات، أى أى
<lb n="15"/> واحد منها أحضرت صورته فى الخيال بحال، ثم انتزع العقل مجرد معناه عن العوارض
<lb n="16"/> حصل فى العقل هذه الصورة بعينها. وكانت هذه الصورة هى ما يحصل عن تجريد الحيوانية
<lb n="17"/> عن أى خيال شخصى مأخوذ عن موجود من خارج أو جار مجرى الموجود من خارج
<lb n="18"/> وإن لم يوجد هو بعينه من خارج، بل اخترعه الخيال.
<pb n="157"/>
</p>
<p n="29">
<lb n="1"/>وهذه الصورة وإن كانت بالقياس إلى الأشخاص كلية، فهى بالقياس إلى
<lb n="2"/> النفس الجزئية التى انطبعت فيها شخصية، وهى واحدة من الصور التى فى العقل. ولأن
<lb n="3"/> الأنفس الشخصية كثيرة بالعدد، فيجوز إذن أن تكون هذه الصورة الكلية كثيرة بالعدد من
<lb n="4"/> الجهة التى هى بها شخصية، ويكون لها معقول
<pb n="206" edRef="#source_2"/> كلى آخر هو بالقياس إليها مثلها
<lb n="5"/> بالقياس إلى خارج، ويتميز فى النفس عن هذه الصورة التى هى كلية بالقياس إلى خارج
<lb n="6"/> بأن تكون مقولة عليها وعلى غيرها. وسنعيد الكلام فى هذا عن قريب بعبارة أخرى. </p>
<p n="30">
<lb n="7"/>فالأمور العامة من جهة موجودة من خارج، ومن جهة ليست، وأما شىء
<lb n="8"/> واحد بعينه بالعدد محمول على كثير، يكون هو محمولًا على هذا الشخص بأن ذلك
<lb n="9"/> الشخص هو، وعلى شخص آخر كذلك، فامتناعه بيّن، وسيزداد بيانا. بل الأمور العامة،
<lb n="10"/> من جهة ما هى عامة بالفعل، موجودة فى العقل فقط.
<pb n="207" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="11"/> [الفصل الثاني]
<lb n="12"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="13"/> فى كيفية كون الكلية للطبائع الكلية وإتمام القول فى ذلك،
<lb n="14"/> وفى الفرق بى الكل والجزء، والكلى والجزئى </head>
<p n="1">
<lb n="15"/>فقد تحققت إذن أن الكلى من الموجودات ما هو، وهو هذه الطبيعة عارضا
<lb n="16"/> لها أحد المعانى التى سميناها كلية. وذلك المعنى ليس له وجود مفرد فى الأعيان البتة،
<lb n="17"/> فإنه ليس الكلى بما هو موجودا مفردا بنفسه، إنما يتشكك من أمره أنه هل له وجود
<lb n="18"/> على أنه عارض لشىء من الأشياء، حتى يكون فى الأعيان مثلا شىء هو إنسان وهو
<lb n="19"/> ذاته بعينه موجودا لزيد وعمرو وخالد.
<pb n="158"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>فنقول: أما طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان فيلحقها أن تكون موجودة
<lb n="2"/> وإن لم يكن أنها موجودة هو إنها إنسان ولا داخلا فيه، وقد لحقها مع الوجود هذه الكلية
<lb n="3"/> ولا وجود لهذه الكلية إلا فى النفس. وأما الكلية خارج فعلى اعتبار آخر شرحناه
<lb n="4"/> فى الفنون السابقة. بل هذه الطبائع ما كان منها غير محتاج إلى مادة فى أن يبقى، ولا
<lb n="5"/> فى أن يبتدئ لها وجود. فيكون من المستحيل أن يتكثر، بل إنما يكون النوع منه قائما
<lb n="6"/> واحدا بالعدد. لأن مثل هذه الطبيعة ليست تتكثر بالفصول ولا بالمواد ولا بالأعراض. أما
<lb n="7"/> بالفصول فلنوعيته، وأما
<pb n="208" edRef="#source_2"/>بالمواد فلتجرده، وأما بالأعراض فلأن الأعراض إما أن
<lb n="8"/> تكون لازمة للطبيعة فلا تختلف فيها الكثرة بحسب النوع، وإما أن تكون عارضة غير
<lb n="9"/> لازمة للطبيعة، فيكون عروضها بسبب يتعلق <choice>
<sic>بالماد</sic>
<corr>بالمادة</corr>
</choice>. فيكون حق مثل هذا إذا كان نوعا
<lb n="10"/> موجودا، أن يكون واحدا بالعدد. </p>
<p n="3">
<lb n="11"/>وما كان منها محتاجًا إلى المادة فإنما يوجد مع أن توجد المادة مهيأة فيكون
<lb n="12"/> وجوده مستلحقا به أعراضا وأحوالا خارجة يتشخص بها، وليس يجوز أن تكون طبيعة
<lb n="13"/> واحدة مادية وغير مادية، وقد عرفت هذا فى خلال ما علمت. وأما إن كانت هذه
<lb n="14"/> الطبيعة جنسية فسنبين أن طبيعة الجنس محال أن تقوم إلا فى الأنواع ثم يقوم قوام الأنواع.
<lb n="15"/> فهذه حال وجود الكليات. </p>
<p n="4">
<lb n="16"/>وليس يمكن أن يكون معنى هو بعينه موجودا فى كثيرين. فإن الإنسانية التى
<lb n="17"/> فى عمرو إن كانت بذاتها لا بمعنى الحد موجودة فى زيد، كان ما يعرض لهذه الإنسانية فى
<lb n="18"/> زيد لامحالة يعرض لها وهى فى عمرو، إلا ما كان من العوارض ماهيته [مقولة] بالقياس
<lb n="19"/> إلى زيد. وأما ما كان يستقر فى ذات الإنسان ليس استقراره فيه محوجا إلى أن يصير
<pb n="159"/>
<lb n="1"/> مضافًا مثل أن يبيض أو يسود أو يعلم، فإنه إذا علم لم يكن به مضافًا إلا إلى المعلوم. ويلزم
<lb n="2"/> من هذا أن تكون ذات واحدة قد اجتمع فيها الأضداد وخصوصًا إن كان حال الجنس
<lb n="3"/> عند الأنواع حال النوع عند الأشخاص. فتكون ذات واحدة هى موصوفة بأنها ناطقة
<lb n="4"/> وغير ناطقة. وليس يمكن أن يعقل من له جبلة سليمة أن إنسانية واحدة اكتنفتها أعراض
<lb n="5"/> عمرو وإياها بعينها اكتنفت
<pb n="209" edRef="#source_2"/> أعراض زيد. فإن نظرت إلى الإنسانية بلا شرط آخر
<lb n="6"/> فلا تنظرن إلى هذه الإضافات، فهى على ما علمناك. </p>
<p n="5">
<lb n="7"/>فقد بان أنه ليس بمكن أن تكون الطبيعة توجد فى الأعيان وتكون بالفعل كلية،
<lb n="8"/> أى هى وحدها مشتركة للجميع. وإنما تعرض الكلية لطبيعة ما إذا وقعت فى التصور
<lb n="9"/> الذهنى، وأما كيفية وقوع ذلك فيجب أن نتأمل ما قلناه فى كتاب النفس. فالمعقول فى
<lb n="10"/> النفس من الإنسان هو الذى هو كلى، وكليته لا لأجل أنه فى النفس، بل لأجل أنه مقيس
<lb n="11"/> إلى أعيان كثيرة موجودة أو متوهمة حكمها عنده حكم واحد. </p>
<p n="6">
<lb n="12"/>وأما من حيث أن هذه الصورة هيئة فى نفس جزئية فهى أحد أشخاص العلوم
<lb n="13"/> أو التصورات. وكما أن الشىء باعتبارات مختلفة يكون جنسًا ونوعًا، فكذلك بحسب
<lb n="14"/> اعتبارات مختلفة يكون كليًا وجزئيًا. فمن حيث أن هذه الصورة صورة ما فى النفس ما من
<lb n="15"/> صور النفس فهى جزئية، ومن حيث أنها يشترك فيها كثيرون على أحد الوجوه الثلاثة التى
<lb n="16"/> بينا فيما مضى فهى كلية. ولا تتناقض بين هذين الأمرين. لأنه ليس بممتنع اجتماع أن تكون
<lb n="17"/> الذات الواحدة تعرض لها شركة بالإضافة إلى كثيرين. فإن الشركة فى الكثرة لا تمكن إلا
<lb n="18"/> بالأضافة فقط، وإذا كانت الإضافة لذوات كثيرة لم تكن شركة، فيجب أن تكون إضافات
<lb n="19"/> كثيرة لذات واحدة بالعدد.
<pb n="210" edRef="#source_2"/>والذات الواحدة بالعدد من حيث هى كذلك فهى
<pb n="160"/>
<lb n="1"/> شخصية لا محالة. والنفس نفسها تتصور أيضا كليا آخر يجمع هذه الصورة وأخرى فى تلك
<lb n="2"/> النفس أو فى نفس غيرها؛ فإنها كلها من حيث هى فى النفس تحد بحد واحد. </p>
<p n="7">
<lb n="3"/>وكذلك قد توجد اشتراكات أخرى، فيكون الكلى الآخر يمايز هذه الصورة
<lb n="4"/> بحكم له خاص وهو نسبته إلى أمور فى النفس، وهذه إنما كانت نسبتها الجاعلة إياها كلية
<lb n="5"/> هى إلى أمور من خارج على وجه أن أى تلك الخارجات سبقت إلى الذهن فجائز أن يقع
<lb n="6"/> عنها هذه الصورة بعينها. وإذا سبق واحد فتأثرت النفس منه بهذه الصفة لم يكن لما <choice>
<sic>خلاة</sic>
<corr>خلاه</corr>
</choice>
<lb n="7"/> تأثير جديد إلا بحكم هذا الجواز المعتبر؛ فإن هذا الأثر هو مثل صورة السابق قد جرد
<lb n="8"/> عن العوارض؛ وهذا هو المطابقة. ولو كان بدل أحد هذه المؤثرات أو المؤثر بها شىء غير
<lb n="9"/> تلك الأمور المعروفة وغير مجانس لها لكان الأثر، غير هذا الأثر، فلا يكون مطابقة. وأما
<lb n="10"/> الكلى الذى فى النفس بالقياس إلى هذه الصورة التى فى النفس، فهذا الاعتبار له بحسب
<lb n="11"/> القياس إلى أى صورة سبقت من هذه الصور التى فى النفس إلى النفس. ثم هذه أيضا
<lb n="12"/> تكون صورة شخصية من حيث هى على ما قلناه. </p>
<p n="8">
<lb n="13"/>ولأن فى قوة النفس أن تعقل، وتعقل لأنها عقلت، وتعقل أنها عقلت أنها
<lb n="14"/> عقلت، وأن تركب إضافات فى إضافات، وتجعل للشىء الواحد أحوالا مختلفة من
<lb n="15"/> المناسبات إلى غير النهاية بالقوة، فيجب أن لا تكون لهذه الصور العقلية المترتب بعضها
<lb n="16"/> على بعض وقوف، ويلزم أن تذهب إلى غير النهاية، لكن تكون بالقوة لا بالفعل،
<pb n="211" edRef="#source_2"/>
<lb n="17"/>لأنه يلزم النفس إذا عقلت شيئا أن تكون بالفعل تعقل معه الأمور التى تلزمه لزوما
<lb n="18"/> قريبا، وأن تخطرها بالبال فضلا عما يمعن فى البعد. فإن ههنا مناسبات فى الجذور الصم
<lb n="19"/> وفى إضافات الأعداد كلها قريبة المنال من النفس، وليس يلزم أن تكون النفس فى حال
<pb n="161"/>
<lb n="1"/> واحدة تعقل تلك كلها أو أن تكون مشتغلة على الدوام بذلك، بل فى قوتها القريبة أن تعقل
<lb n="2"/> ذلك مثل إخطار المضلعات التى لا نهاية لها بالبال، ومزاوجة عدد بأعداد لا نهاية لها بالبال،
<lb n="3"/> بل بوقوع مناسبة عدد مع مثله مرارًا لا نهاية لها بالتضعيف. فإن هذا أشبه شىء بما نحن
<lb n="4"/> فى ذكره. فإما أنه هل يجوز أن تقوم المعانى العامة للكثرة مجردة عن الكثرة وعن التصورات
<lb n="5"/> العقلية، فأمر سنتكلم فيه من بعد. </p>
<p n="9">
<lb n="6"/>فإذا قلنا: إن الطبيعة الكلية موجودة فى الأعيان فلسنا نعنى، من حيث
<lb n="7"/> هى كلية بهذه الجهة من الكلية، بل نعنى أن الطبيعة التى تعرض لها الكلية موجود فى
<lb n="8"/> الأعيان. فهى من حيث هى طبيعة شىء، ومن حيث هى محتملة لأن تعقل عنها صورة
<lb n="9"/> كلية شىء؛ وأيضا من حيث عقلت بالفعل كذلك شىء، ومن حيث هى صادق عليها
<lb n="10"/> أنها لو قارنت بعينها لا هذه المادة والأعراض، بل تلك المادة والأعراض، لكان ذلك
<lb n="11"/> الشخص الآخر شىء. وهذه الطبيعة موجودة فى الأعيان بالاعتبار الأول، وليست فيه
<lb n="12"/> كلية موجودة بالاعتبار الثانى والثالث والرابع أيضا فى الأعيان.
<pb n="212" edRef="#source_2"/>فإن جعل هذا
<lb n="13"/> الاعتبار بمعنى الكلية كانت هذه الطبيعة مع الكلية فى الأعيان، وأما الكلية التى نحن فى
<lb n="14"/> ذكرها فليست إلا فى النفس. </p>
<p n="10">
<lb n="15"/>وإذ قد عرفنا هذه الأشياء، فقد سهل لنا الفرق بين الكل والجزء وبين الكلى
<lb n="16"/> والجزئى؛ وذلك أن الكل من حيث هو كل يكون موجودًا فى الأشياء، وأما الكلى من
<lb n="17"/> حيث هو كلى فليس موجودا إلا فى التصور. وأيضا الكل يُعَدّ بأجزائه ويكون كل جزء
<lb n="18"/> داخلا فى قوامه؛ وأما الكلى فإنه لا يعد بأجزائه، ولا أيضا الجزئيات داخلة فى قوامه.
<lb n="19"/> وأيضا فإن طبيعة الكل لا تقوم الأجزاء التى فيه، بل يتقوم منها، وأما طبيعة الكلى فإنها تقوم
<pb n="162"/>
<lb n="1"/> الأجزاء التى قيه وكذلك فإنّ طبيعة الله لا تصير جزءا من أجزائه البتة، وأمّا طبيعة الكلى
<lb n="2"/> جزء من طبيعة الجزئيات لأنها إما الأنواع فتقوم من طبائع الكليّين أعنى الجنس والفصل، وإما
<lb n="3"/> الأشخاص فتتقوم من طبيعة الكليات كلها ومن طبيعة الأعراض التى تكتنفها مع المادة.
<lb n="4"/> وأيضا فإن الكل لا يكون كلا لكل جزء وحده ولو انفرد، والكلى يكون كليا محمولا على
<lb n="5"/> كل جزئى. وأيضا فإن أجزاء كل كل متناهية، وليس أجزاء كل كلى متناهية. وأيضا الكل
<lb n="6"/> يحتاج، إلى أن تحضره أجزاؤه معا، والكلى لا يحتاج إلى أن تحضره أجزاؤه معا. وقد يمكنك
<lb n="7"/> أن تجد فروقا أيضا غير هذه فتعلم أن الكل غير الكلى.
<pb n="213" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="8"/>[الفصل الثالث]
<lb n="9"/>
<num>ج</num> فصل
<lb n="10"/> فى الفصل بين الجنس والمادة </head>
<p n="1">
<lb n="11"/>والذى يلزمنا الآن هو أن نعرف طبيعة الجنس والنوع. فأما أن الجنس على كم
<lb n="12"/> شىء يدل فقد كان يدل فى زمان اليونانيين على معان كثيرة، وقد ذهب استعمالها فى
<lb n="13"/> زماننا. فالجنس فى صناعتنا لا يدل إلا على المعنى المنطقى المعلوم، وعلى الموضوع،
<lb n="14"/> وربما استعملنا لفظ الجنس مكان النوع فقلنا: ليس كذا من جنس كذا أى من نوعه أو
<lb n="15"/> من جملة ما يشاركه فى حدّه. والنوع أيضًا ليس يدل عندنا الآن فى زماننا وعادتنا فى
<lb n="16"/> الكتب العلمية إلا على النوع المنطقى، وعلى صور الأشياء. </p>
<p n="2">
<lb n="17"/>وغرضنا الآن فيما يستعمله المنطقيون من ذلك فنقول: إن المعنى الذى يدل
<lb n="18"/> عليه بلفظة الجنس ليس يكون جنسًا إلا على نحوٍ من التصوّر، إذا تغير عنه ولو بأدنى
<pb n="163"/>
<lb n="1"/> اعتبار لم يكن جنسا. وكذلك كل واحد من الكليات المشهورة. ولنجعل بياننا فى الجنس
<lb n="2"/> وفى مثال إشكاله على المتوسطين فى النظر فنقول: </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>إن الجسم قد يقال له إنه جنس الإنسان وقد يقال له إنه مادة الإنسان. فإن كان
<lb n="4"/> مادة الإنسان كان لا محالة جزء من وجوده واستحال أن يحمل ذلك الجزء
<pb n="214" edRef="#source_2"/>على
<lb n="5"/> الكل. فلننظر كيف يكون الفرق بين الجسم وقد اعتبر مادةً، وبينه وقد اعتبر جنسًا؛
<lb n="6"/> فهنالك يصير لنا سبيل إلى معرفة ما نريد بيانه. </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>فإذا أخذنا الجسم جوهرًا ذا طول وعرض وعمق من جهة ما له هذا، وبشرط أنه
<lb n="8"/> ليس داخلا فيه معنى غير هذا، وبحيث لو انضم إليه معنى غير هذا، مثل حس أو تغذٍّ أو
<lb n="9"/> غير ذلك، كان معنى خارجا عن الجسمية، محمولًا فى الجسمية، مضافًا إليها. فالجسم
<lb n="10"/> مادة. وإن أخذنا الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق بشرط ألا يتعرض بشرط آخر
<lb n="11"/>البتة ولا يوجب أن تكون جسميته لجوهرية متصورة بهذه الأقطار فقط، بل جوهرية كيف
<lb n="12"/> كانت ولو مع ألف معنى مقوم لخاصية تلك الجوهرية وصوره، ولكن معها أو فيها الأقطار،
<lb n="13"/> فللجملة أقطار ثلاثة على ما هى للجسم، وبالجملة أى مجتمعات تكون بعد أن تكون
<lb n="14"/> جملتها جوهرا ذا أقطار ثلاثة، وتكون تلك المجتمعات ــ إن كانت هناك مجتمعات ــ
<lb n="15"/> داخلة فى هوية ذلك الجوهر، لا أن تكون تلك الجوهرية تمت بالأقطار ثم لحقت تلك
<lb n="16"/> المعانى خارجة عن الشىء الذى قد تم، كان هذا المأخوذ هو الجسم الذى هو الجنس. </p>
<p n="5">
<lb n="17"/>فالجسم بالمعنى الأول إذ هو جزء من الجوهر المركب من الجسم والصورة التى
<lb n="18"/> بعد الجسمية بمعنى المادة فليس بمحمول؛ لأن تلك الجملة ليست بمجرد جوهر ذى طول
<pb n="164"/>
<lb n="1"/> وعرض وعمق فقط. وأما هذا الثانى فإنه محمول على كل مجتمع من مادة وصورة، واحدة
<lb n="2"/> كانت أو الفا، وفيها الأقطار الثلاثة، فهو إذن محمول
<pb n="215" edRef="#source_2"/>على المجتمع من الجسمية
<lb n="3"/> التى كالمادة ومن النفس، لأن جملة ذلك جوهر وإن اجتمع من معان كثيرة. فإن تلك الجملة
<lb n="4"/> موجودة لا فى موضوع، وتلك الجملة جسم لأنها جوهر، وهو جوهر له طول وعرض وعمق. </p>
<p n="6">
<lb n="5"/>وكذلك فإن الحيوان إذا أُخذ حيوانا بشرط أن لا يكون فى حيوانيته إلا جسمية
<lb n="6"/> وتغذٍ وحسٌ، وأن يكون ما بعد ذلك خارجا عنه، فربما كان لا يبعد أن يكون مادة
<lb n="7"/> للإنسان أو موضوعا وصورته النفس الناطقة. وإن أخذ بشرط أن يكون جسما بالمعنى
<lb n="8"/> الذى يكون به الجسم جنسا، وفى معانى ذلك الجسم على سبيل تجويز الحس لا غير ذلك
<lb n="9"/> من الصور، ولو كان النطق أو فصل يقابل النطق غير متعرض لرفع شىء منها أو وضعه،
<lb n="10"/> بل مجوزا وجود أى ذلك كان فى هويته، ولكن هناك معها بالضرورة قوة تغذية وحس
<lb n="11"/> وحركة ضرورة ولا ضرورة فى أن لا يكون غيرها أو يكون، كان حيوانا بمعنى الجنس. </p>
<p n="7">
<lb n="12"/>وكذلك فافهم الحال فى الحساس والناطق؛ فإن أخذ الحساس جسما أو شيئا له
<lb n="13"/> حس بشرط أن لا يكون زيادة أخرى لم يكن فصلا، وإن كان جزءا من الإنسان. وكذلك
<lb n="14"/> فإن الحيوان غير محمول عليه. وإن أخذ جسما أو شيئا مجوزا له وفيه ومعه، أى الصور
<lb n="15"/> والشرائط كانت بعد أنيكون فيها حس، كان فصلا وكان الحيوان محمولا عليه. </p>
<p n="8">
<lb n="16"/>فإذن أى معنى أخذته مما يشكل الحال فى جنسيته أو ماديته من هذه فوجدته
<lb n="17"/> قد يجوز انضمام الفصول إليه أيها كان على أنها فيه ومنه، كان جنسا. وإن
<pb n="216" edRef="#source_2"/> أخذته
<pb n="165"/>
<lb n="1"/> من جهة بعض الفصول وتممت به المعنى وختمته حتى لو دخل شىء آخر لم يكن من تلك
<lb n="2"/> الجملة، بل مضافًا من خارج، لم يكن جنسا، بل مادة. وإن أوجبت لها تمام المعنى حتى
<lb n="3"/> دخل فيه ما يمكن أن يدخل، صار نوعا. وإن كنت فى الإشارة إلى ذلك المعنى لا تتعرض
<lb n="4"/> لذلك، كان جنسا. فإذن باشتراط أن لا تكون زيادة تكون مادة، وباشتراط أن تكون
<lb n="5"/> زيادة يكون نوعا. وبأن لا تتعرض لذلك، بل يجوز أن يكون كل واحد من الزيادات على
<lb n="6"/> أنها داخلة فى جملة معناه، يكون جنسا. وهذا إنما يشكل فى ذاته مركبة، وأما فيما ذاته
<lb n="7"/> بسيطة فعسى أن العقل يفرض فيه هذه الاعتبارات فى نفسه على النحو الذى ذكرنا قبل هذا
<lb n="8"/> الفصل. وأما فى الوجود فلا يكون منه شىء متميز هو جنس وشىء هو مادة، فنقول: </p>
<p n="9">
<lb n="9"/>إنما يوجد للإنسان الجسمية قبل الحيوانية فى بعض وجوه التصور إذا أخذت
<lb n="10"/> الجسمية بمعنى المادة لا بمعنى الجنس، وكذلك إنما يوجد له الجسم قبل الحيوانية إذا كان
<lb n="11"/> الجسم بمعنى لا يحمل عليه، لا بمعنى يحمل عليه. وأما الجسمية التى تفرض مع جواز أن
<lb n="12"/> توضع متضمنة لكل معنى مقرونا بها وجوبٌ أن يتضمن الأقطار الثلاثة، فإنها لم توجد
<lb n="13"/> للشىء الذى هو نوع الحيوان إلا وقد تضمن الحيوانية. فيكون معنى الحيوانية جزءًا
<lb n="14"/> ما من وجود ذلك الجسم بالفعل بعد أن كان مجوزا فى نفسها تضمنها إياه، فيكون معنى
<lb n="15"/> الحيوانية جزءًا ما من وجود ذلك
<pb n="217" edRef="#source_2"/> الجسم بعكس حال الجسم إذا حصل؛ كما
<lb n="16"/> أن الجسم الذى هو بمعنى المادة جزء من وجود الحيوان ثم الجسم المطلق الذى ليس بمعنى
<lb n="17"/> المادة إنما وجوده واجتماعه من وجود أنواعه، وما توضع تحته فهى أسباب لوجوده،
<lb n="18"/> وليس هو سببا لوجودها. ولو كان للجسمية التى بمعنى الجنس وجود محصل قبل وجود
<pb n="166"/>
<lb n="1"/> النوعية، وإن كانت قبليته قبلية لا بالزمان بل بالذات، لكان سببا لوجود النوعية، مثل
<lb n="2"/> الجسم الذى بمعنى المادة، وإن كانت قبليته لا بالزمان. بل وجود تلك الجسمية فى هذا
<lb n="3"/> النوع هو وجود ذلك النوع لا غير. </p>
<p n="10">
<lb n="4"/>وفى العقل أيضًا فإن الحكم فيه كذلك. فإن العقل لا يمكنه أن يضع فى شىء
<lb n="5"/> من الأشياء الجسميه التى لطبيعة الجنس وجودًا يحصل هو أولا وينضم إليه شىء آخر
<lb n="6"/> حتى يحدث الحيوان النوعى فى العقل. فإنه لو فعل ذلك لكان ذلك المعنى الذى للجنس
<lb n="7"/> فى العقل غير محمول على طبيعة النوع، بل كان جزءا منه فى العقل أيضا. بل إنما يحدث
<lb n="8"/> للشىء الذى هو النوع طبيعة الجنسية فى الوجود وفى العقل معًا إذا حدث النوع بتمامه.
<lb n="9"/> ولا يكون الفصل خارجًا عن معنى ذلك الجنس ومضافًا إليه، بل متضمنًا فيه وجزء منه
<lb n="10"/> من الجهة التى أومأنا إليها. وليس هذا حكم الجنس وحده من حيث هو كلى، بل حكم
<lb n="11"/> كل كلى من حيث هو كلى.
<pb n="218" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="12"/>فبيّن من هذا أن الجسم إذا أخذ على الجهة التى يكون جنسا يكون كالمجهول
<lb n="13"/> بعد، لا يدرى أنه على أى صورة، وكم صورة يشتمل، وتطلب النفس تحصيل ذلك،
<lb n="14"/> لأنه لم يتقرر بعد بالفعل شىء هو جسم محصل. وكذلك إذا أخذنا اللون وأخطرناه ببال
<lb n="15"/> النفس؛ فإن النفس لا تقنع بتحصيل شىء متقرر لا بالفعل، بل تطلب فى معنى اللون زيادة
<lb n="16"/> حتى يتقرر بالفعل لون. </p>
<p n="12">
<lb n="17"/>وأما طبيعة النوع فليس يطلب فيها تحصيل معناها، بل تحصيل الإشارة.
<lb n="18"/> وأما طبيعة الجنس فإنها وإن كانت النفس إذا طلبت فيها تحصيل الإشارة كانت قد فعلت
<lb n="19"/> الواجب وما يجب أن يقنع معه، فإن النفس قد تطلب أيضا مع ذلك تحصيل معناه قبل هذا
<pb n="167"/>
<lb n="1"/> الطلب، حتى إنما يبقى له أن يستعد لهذا الطلب أكثر ويكون إلى النفس أن يفرضه اى مشار
<lb n="2"/> إليه شاء. فلا يمكن النفس أن تجعله بحيث يجوز أن يكون أى مشار إليه شاء إلا بعد أن
<lb n="3"/> تضيف إليه معانى أخرى بعد اللونية قبل الإشارة. فإنه ليس يمكنه أن يجعل اللون وهو لون
<lb n="4"/> بعد بلا زيادة شىء مشار إليه أنه لون فى هذه المادة، وذلك الشىء ليس إلا لونا فقط. وقد
<lb n="5"/> يخصص بأمور عرضية عرضت من خارج يجوز أن يتوهم هو بعينه باقيا مع زوال واحد
<lb n="6"/> واحد منها، كما يكون فى مخصصات طبيعة النوعية. وكذلك فى المقدار أو الكيفية أو
<lb n="7"/> غيرها؛ كذلك فى الجسم الذى نحن بسبيله، ليس يمكن أن يجعله
<pb n="219" edRef="#source_2"/> الذهن مشارًا
<lb n="8"/> إليه مقتصرا على أنه جوهر يتضمن أى شىء اتفق بعد أن تكون الجملة طويلة عريضة
<lb n="9"/> عميقة على جملته [ما] لم يتحدد الأشياء التى يتضمنها أو لا يتضمنها فيصير نوعًا. </p>
<p n="13">
<lb n="10"/>فإن قال قائل: فيمكننا أن نجمع مثل هذا الجمع أى الأشياء شيئًا، فنقول: </p>
<p n="14">
<lb n="11"/>إن كلامنا فى نحو من الاجتماع مخصوص، يكون اجتماع الأشياء فيه
<lb n="12"/> على نحو الاجتماع فى طبيعة الجنس من حيث هو جنس؛ وذلك النحو هو أن تكون
<lb n="13"/> المجتمعات فصولًا تنضم إليه، إلا أنه ليس كلامنا ههنا فى الدلالة على طبيعة الجنس أنه
<lb n="14"/> كيف تحوى الفصول وغير الفصول، وأى الأشياء يجتمع فيه على نحو الفصول، بل كلامنا
<lb n="15"/> فيها على النحو المؤدى إلى الفرق بين الجنس والمادة. وليس إذا أردنا أن نفرق بين شيئين
<lb n="16"/> يلزمنا أن نتعدى التفريق إلى بيانات أحوال أخرى، وإنما غرضنا أن نعرف أن طبيعة الجنس
<lb n="17"/> الذى هو الجسم هو أنه جوهر يجوز فيه اجتماع أشياء من شأنها أن تجتمع فيه. فتكون
<pb n="168"/>
<lb n="1"/> الجملة طويلة عريضة عميقة، وتكون وإن كانت لا تكون إلا أشياء معلومة الشروط
<lb n="2"/> مجهولة بعد. وإلى هذا الحد ما نتكلم فى هذا الفصل.
<pb n="220" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الرابع]
<lb n="4"/>
<num>د</num> فصل
<lb n="5"/> فى كيفية دخول المعانى الخارجة عن الجنس على طبيعة الجنس </head>
<p n="1">
<lb n="6"/> فلنتكلم الآن فى الأشياء التى يجوز اجتماعها فى الجنس، ويكون التوقف فى
<lb n="7"/> إثبات طبيعته وماهيته محصلة بالفعل إنما يقع لأجلها. فنقول: إن هذا المطلب ينقسم إلى
<lb n="8"/> قسمين: أحدهما، أنه أى الأشياء هى الأشياء التى يجب أن يحصرها الجنس فى نفسه
<lb n="9"/> وتجتمع، فتكون تلك الأشياء جاعلة إياه نوعا؟ والثانى، أنه أى الأشياء يكون واقعا فى
<lb n="10"/> حصره مما ليس كذلك؟ </p>
<p n="2">
<lb n="11"/>وذلك أن الجسم إذا انحصر فيه البياض على النحو المذكور لم يجعله نوعًا،
<lb n="12"/> والحيوان إذا قسم إلى ذكر وأنثى لم يتنوع بذلك، وهو مع ذلك يتنوع بأشياء أخرى. ثم
<lb n="13"/> الحيوان يجوز أن يقع على شخص فيه أعراض كثيرة تكون تلك الجملة حيوانا مشارا إليه. </p>
<p n="3">
<lb n="14"/>فنقول أولًا: ليس يلزمنا أن نتكلف إثبات خاصية فصل كل جنس عند كل نوع
<lb n="15"/> ولا أيضا فصول أنواع جنس واحد، فإن ذلك ليس فى مقدورنا، بل الذى فى مقدورنا هو
<lb n="16"/> معرفة القانون فى ذلك، وأنه كيف ينبغى أن يكون الأمر فى نفسه. وأما إذا نظرنا فى معنى
<lb n="17"/> من المعانى المعقولة الواقعة فى تخصيص الجنس أنه هل هذا المعنى للجنس على شرط ذلك
<lb n="18"/> القانون أو ليس، فربما جهلناه فى كثير من الأشياء، وربما علمناه فى بعضها، فنقول:
<pb n="169"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="1"/>إن المعنى العام إذا
<pb n="221" edRef="#source_2"/>انضافت إليه طبيعة فيجب أول شىء أن يكون
<lb n="2"/> انضيافها إليه على سبيل القسمة حتى ترده إلى النوعية، وان تكون القسمة مستحيلة أن
<lb n="3"/> تنقلب وذلك المشار إليه باقى الجوهر، حتى يصير مثلا المتحرك منهما غير متحرك وهو
<lb n="4"/> واحد بالشخص، وغير المتحرك متحركا وهو واحد بالشخص، وغير المتحرك والمتحرك
<lb n="5"/> قسما التقسيم الذاتى؛ بل يجب أن تكون القسمة لازمة فيكون المعنى الخاص لا يفارق
<lb n="6"/> قسطه الخاص من الجنس، وبعد ذلك فيجب أن يكون الموجب من القسمين أو كلاهما
<lb n="7"/> ليسا عارضين له بسبب شىء قبلهما وتتضمن طبيعة الجنس أن يكون له ذلك المعنى
<lb n="8"/> أولًا. فإنه إن كان ثانيًا جاز أن لا يكون ذلك المعنى فصلا البتة، بل كان أمرا لازما للأمر
<lb n="9"/> الذى هو الفصل، مثل أن يكون قاسم قد غير حكمه فلم يقسم الجوهر إلى جسم وإلى غير
<lb n="10"/> جسم، بل يقسم إلى قابل الحركة وإلى غير قابل للحركة. فإن القابل للحركة لا يلحق الجوهر
<lb n="11"/> أول اللحوق، بل بعد أن يصير مكانيا جسمانيا. فقابل الحركة يلزم الجسم، ويلزم الجسم
<lb n="12"/> أشياء كثيرة كل واحد منها يذكر الجسم، لكنها ليست فصولًا بل أمورًا لزمت الفصول.
<lb n="13"/> لأن الجوهر [بتوسط] الجسمية [مما] تعرض له تلك المعانى، وانقسامه إلى أن يكون ذا
<lb n="14"/> جسمية أو غير ذى جسمية فهو لما هو جوهر لا لتوسط شىء آخر. </p>
<p n="5">
<lb n="15"/>وقد يجوز أن يكون بعض ما لا يعرض أولا فصلا، ولكن لا يكون فصلا قريبا
<lb n="16"/> لذلك الجنس، بل فصلًا بعد فصل، مثل أن يقال؛ إن الجسم منه ناطق
<pb n="222" edRef="#source_2"/> ومنه غير
<lb n="17"/> ناطق، لأن الجسم بما هو جسم فقط ليس مستعدا لأن يكون ناطقا وغير ناطق؛ بل يحتاج
<lb n="18"/> إلى أن يكون أولا ذا نفس حتى يكون ناطقا. وإذا وجد الجنس فصلا فيجب أن تكون
<lb n="19"/> تلك الفصول التى بعده فصولا تُعرّف تخصيص ذلك الفصل، فإن ذا النطق وعديم النطق
<pb n="170"/>
<lb n="1"/> تعرف حال فصل كونه ذا نفس، فإنه ذو نطق وعديم النطق من جهة ما هو ذو نفس،
<lb n="2"/> لا من جهة أنه أبيض أو أسود أو شىء آخر البتة بالفعل. وكذلك كون الجسم ذا نفس أو
<lb n="3"/> غير ذى نفس ليس له هذا بسبب شىء البتة من الأجناس المتوسطة، فإذا عرض لطبيعة
<lb n="4"/> الجنس أيضًا عوارض ينفصل بها لم يخل إما أن يكون الاستعداد للإنفصال بها إنما هو
<lb n="5"/> لطبيعة الجنس، أو لطبيعة أعم منها، كما كان من قبل لطبيعة أخص منها. فإن كان لطبيعة
<lb n="6"/> أعم منها، مثل أن الحيوان منه أبيض وأسود، والإنسان منه ذكر وأنثى، فليس ذلك من
<lb n="7"/> فصوله؛ بل الحيوان إنما صار أبيض وأسود لأجل أنه جسم طبيعى، وقد صار ذلك الجسم
<lb n="8"/> الطبيعى قائما بالفعل ثم وضع بهذه العوارض، وهو يقبلها، وإن لم يكن حيوانا. والانسان
<lb n="9"/> إنما صار مستعدا للذكر والأنثى لأجل أنه حيوان، فهذا لا يكون فصلا للجنس. </p>
<p n="6">
<lb n="10"/>وأيضًا قد تكون أشياء خاصة بالجنس تقسمه كالذكر والأنثى بالحيوان، ولا
<lb n="11"/> تكون فصولا بوجه من الوجوه؛ وذلك لأنها إنما كانت تكون فصولا لو كانت عارضة
<lb n="12"/> للحيوان من جهة صورته حتى انقسمت بها صورته انقساما أوليا، ولم تكن
<pb n="223" edRef="#source_2"/>
<lb n="13"/> لازمة لشىء يقومه فصل أولا؛ فأما إذا لم تكن كذلك بل إنما عرضت للحيوان لأن مادته
<lb n="14"/> التى يكون منها عرض لها عارض فصارت بحال من الأحوال لا تمنع حصول صورة الجنس
<lb n="15"/> وماهيته ولا طرفا القسمة فى المادة، ولا أيضا تمنع أن يقع للجنس افتراق آخر من حيث
<lb n="16"/> صورته بالفصول، فليس طرفا القسمة من الفصول، بل من العوارض اللازمة فيه، أعنى
<lb n="17"/> مثل الذكورة والأنوثة. فإن المعنى الذى كان صالحا لصورة الحيوان وكان متعينا لفصل خاص
<lb n="18"/> من الحيوان الكلى عرض له انفعال حار فصار ذكرا، وكان يجوز أن يعرض له بعينه انفعال
<lb n="19"/> مبرد فى المزاج فيكون أنثى، وذلك الانفعال وحده لا يمنعه من حيث نفسه أن يقبل أى
<pb n="171"/>
<lb n="1"/> فصل يعرض للحيوان من جهة صورته، أى من جهة كونه ذا نفس داركا متحركا بالإرادة،
<lb n="2"/> فكان يجوز أن يقبل النطق وغير النطق فلم يكن ذلك مؤثرا فى تنويعه. وحتى لو توهمناه لا
<lb n="3"/> أنثى ولا ذكرا ولم نلتفت إلى ذلك البتة لقام نوعا بما ينوعه، فلا ذلك يمنع عن التنوع دون
<lb n="4"/> الالتفات إليه ولا يفيد التنوع بالالتفات إليه. وليس كذلك إذا توهمناه لا ناطقا ولا أعجم أو
<lb n="5"/> توهمنا اللون لا أبيض ولا أسود بوجه. </p>
<p n="7">
<lb n="6"/>وليس يكفى إذا أردنا أن نفرق بين الفصول والخواص القاسمة أن نقول: إن الذى
<lb n="7"/> عرض من جهة المادة فليس بفصل. فإن كونه غاذيا أو غير غاذ إنما يعرض من جهة المادة،
<lb n="8"/> لكن يجب أن تراعى الشرائط الأخرى التى وصفناها.
<pb n="224" edRef="#source_2"/>ولهذا لا نجد شيئا من
<lb n="9"/> جملة ما هو مغتذ من أنواع الجسم يدخل فى جملة ما هو غير مغتذ، ونجد الإنسان وهو
<lb n="10"/> نوع لا محالة من الحيوان يدخل فى جملة الذكر والأنثى جميعا، وكذلك الفرس وغيره.
<lb n="11"/> والذكر والأنثى قد تدخل أيضا فى الإنسان والفرس. على أنهذا المثنى وهو ملازم ما
<lb n="12"/> به تقع القسمة للمقسوم ــ وإن كان من شرائط الفصل ــ فقد يكون فى غير الفصل. فربما
<lb n="13"/> لزم ما ليس بفصل نوعا واحدا لا يتعداه؛ وذلك إذا كان من لوازم الفصل. </p>
<p n="8">
<lb n="14"/>ونرجع فنقول: وأنت تعلم أن المادة إذا كانت تتحرك إلى قبول حقيقة صورة
<lb n="15"/> ليحدث نوع، فقد يعرض لها عوارض من الأمزجة وغيرها تختلف بها حالها فى أفعال
<lb n="16"/> تصدر عنها لا من حيث تقبل صورة الجنس أو صورة الفصل، إذ ليس كل ما تقبله من
<lb n="17"/> الأحوال وما يعرض لها إنما يكون من جملة ما هو داخل فى الغاية التى إليها تتحرك فى
<lb n="18"/> التكون. فقد علمت مصادمات الأمور الطبيعية، ومعارضة بعضها لبعض، والانفعالات
<lb n="19"/> التى تقع بينها، فربما كانت الانفعالات المعترضة صارفة عن الغاية المقصودة، وربما كانت
<pb n="172"/>
<lb n="1"/> موقعة لاختلافات لا فى نفس الغاية المقصودة، بل فى أمور تناسب الغاية مناسبة ما،
<lb n="2"/> وربما كانت فى أمور خارجة عنها جدا. فما يعرض للمادة من هذه الجهة وتبقى معه المادة
<lb n="3"/> مستمرة إلى الصورة فذلك خارج عن معنى الغاية، والذكورة والأنوثة إنما تؤثر فى كيفية
<lb n="4"/> حال الآلات التى بها يكون التناسل، والتناسل
<pb n="225" edRef="#source_2"/> لا محالة أمر عارض بعد الحياة
<lb n="5"/> وبعد تنوع الحياة شيئا محصلا بعينه. فيكون ذانك وأمثالهما من جملة الأحوال اللاحقة
<lb n="6"/> بعد تنوع النوع نوعا، وإن كانت مناسبة للغاية. فما كان من الانفعالات واللوازم بهذه الصفة
<lb n="7"/> فليعلم أنها ليست من الفصول للأجناس. </p>
<p n="9">
<lb n="8"/>قد عرّفنا طبيعة الكلى وأنه كيف يوجد وأن الجنس منها كيف يفارق المادة
<lb n="9"/> تعريفًا من وجه يمكن أن يتفرع منه وجوه سنوردها بعد، وعرفنا أى الأشياء يتضمنها
<lb n="10"/> الجنس مما يتنوع بها. وبقى بحثان متصلان بما نحن بسبيله. أحدهما، أى الأشياء يتضمنها
<lb n="11"/> الجنس مما ليس بمنوع إياه؟ والثانى، أن هذا التأحيد كيف يكون وكيف يكون عن الجنس
<lb n="12"/> وعن الفصل، وهما شيئان، شىء واحد متحصل بالفعل؟ </p>
<p n="10">
<lb n="13"/>فأما البحث الأول فنقول فيه: إن تلك الأشياء إذ لا تكون فصولا فهى
<lb n="14"/> لا محالة عوارض. والعوارض إما لازمة وإما غير لازمة. واللازمة إما لازمة لأجناس
<lb n="15"/> الجنس ــ إن كان له أجناس ــ وإما لفصول أجناسه، وإما للجنس نفسه من فصله،
<lb n="16"/> وإما لفصول تحته، وإما لمادة شىء منها. وأما ما كان منها من فوق فإن اللازمات
<lb n="17"/> للأجناس الفوقانية والفصول التى لها الفصل المقوم الذى للجنس نفسه واللازمات لمواد هذه
<lb n="18"/> ولأعراضها ــ إذ قد يلزم الأعراض أعراض ــ فجميع ذلك يكون لازما للجنس ولما تحته.
<pb n="173"/>
<lb n="1"/>
<pb n="226" edRef="#source_2"/>وأما التى تلزم الفصول التى تحت الجنس فلا يلزم الجنس شىء منها، إذ يلزم من
<lb n="2"/> ذلك أن يلزمه النقيضان، بل قد يجوز أن يقع فيه كلاهما. </p>
<p n="11">
<lb n="3"/>وأما البحث الثانى فلنفرض مشارا إليه وهو مجموع محصل من فصول
<lb n="4"/> الأجسام وأعراض كثيرة. فإذا قلنا له جسم، فلسنا نعنى بذلك مجرد مجموع الصورة
<lb n="5"/> الجسمية مع المادة التى هذه الأشياء كلها عارضة لها خارجة، بل نعنى شيئا لا فى موضوع
<lb n="6"/> له طول وعرض وعمق سواء كان هذا الحمل عليه أوليا أو غير أولى. فتكون هذه الجملة
<lb n="7"/> من حيث هى جملة معينة يقع عليها حمل الجسم بهذا المعنى، ولا يحمل عليها الجسم
<lb n="8"/> بالمعنى الآخر الذى هو مادته. فإذا قيل له جسم، لم يكن ذلك الجسم إلا هو نفسه، لا
<lb n="9"/> الجزء منه ولا شىء خارج عنه. </p>
<p n="12">
<lb n="10"/>ولكن لقائل أن يقول: قد جعلتم طبيعة الجنس ليست غير طبيعة الشخص، وقد
<lb n="11"/> أجمع الحكماء على أن للشخص أعراضًا وخواص خارجة عن طبيعة الجنس. فنقول: </p>
<p n="13">
<lb n="12"/>معنى قولهم أن للشخص أعراضا وخواص خارجة عن طبيعة الجنس هو
<lb n="13"/> أن طبيعة الجنس المقولة على الشخص لا تحتاج فى أن تكون لها طبيعة الجنس من حيث
<lb n="14"/> تعم إلى تلك الأعراض بالفعل، لا أن طبيعة الجنس لا تقال على الجملة.فإنه لو كان لا يقال
<lb n="15"/> على الجملة لم يكن محمولا على الشخص، بل كان يكون جزءا من الشخص. لكنه لو
<lb n="16"/> لم تكن هذه الأعراض والخواص، لكان يكون أيضا هذه الطبيعة التى قلناها موجودة بهذا
<lb n="17"/> المعنى المذكور،
<pb n="227" edRef="#source_2"/>وهو أنها طبيعة جوهر كيف كانت جوهريته يتقوم بكذا وكذا
<lb n="18"/> مما يجب له فى أنه جسم.
<pb n="174"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="1"/>فهذه الأعراض والخواص خارجة عن أن يحتاج إليها الجسم من الأجناس مثلا
<lb n="2"/> فى أن يكون جسما على ما قيل، إلا أن يكون مخصصًا. وليس فى ذلك إذا كانت هذه،
<lb n="3"/> فليس يقال عليها الجسم. ففرق بين أن يقال: إن طبيعة لا يحتاج فى معناها إلى شىء،
<lb n="4"/> وبين أن يقال: لا يحمل عليه. فقد يحمل على ما لا يحتاج إلى معناه. وأما إذا حمل فقد
<lb n="5"/> تخصص به الفعل بعد أن كان يجوز أن يتخصص بغيره. وكذلك حاله مع الفصول. لو لا
<lb n="6"/> هذا الوجه من الاعتبار فى حمل الجنس لكان طبيعة الجنس جزءا لا محمولا.
<pb n="228" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="7"/> [الفصل الخامس]
<lb n="8"/><num>ه</num> فصل
<lb n="9"/> فى النوع </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>وأما النوع فإنه الطبيعة المتحصلة فى الوجود وفى العقل جميعا؛ وذلك لأن
<lb n="11"/> الجنس إذا تحصل [ماهيه] بأمور تحصله يكون العقل إنما ينبغى له بعد ذلك أن يحصلها
<lb n="12"/> بالإشارة فقط، ولا يطلب شيئا فى تحصيلها إلا الإشارة فقط بعد أن تحصلت الطبيعة
<lb n="13"/> نوع الأنواع. ويكون حينئذ تعرض له لوازم من الخواص والأعراض تتعين بها الطبيعة
<lb n="14"/> المشار إليها. وتكون تلك الخواص والأعراض إما إضافات فقط من غير أن تكون معنى
<lb n="15"/> فى الذات البتة، وهى ما يعرض لشخصيات الأمور البسيطة والأعراض، لأن تشخصها
<lb n="16"/> بكونها محمولة على موصوفاتها، وتشخصها بالموضوع يكون بالعرض كالصور الطبيعية
<lb n="17"/> مثل صورة النار؛ وإما أن تكون أحوالا زائدة على المضافات، لكن بعضها بحيث لو توهم
<lb n="18"/> مرفوعا عن هذا المشار إليه لوجب أن لا يكون هذا المشار إليه الذى هو مغاير الآخرين
<pb n="175"/>
<lb n="1"/> موجودا، بل يكون قد فسد نحو مغايرته اللازمة.
<pb n="229" edRef="#source_2"/> وبعضها بحيث لو توهم
<lb n="2"/> مرفوعا لم يجب به لا بطلان ماهيته بعد وجودها ولا فساد ذاته بعد تخصصها، ولكن
<lb n="3"/> بطلت مغايرته ومخالفته الآخرين إلى مغايرة أخرى من غير فساد. </p>
<p n="2">
<lb n="4"/>لكنا ربما أشكل علينا ذلك فلم يتحصل، وليس كلامنا فيما نعلمه نحن، بل
<lb n="5"/> فيما الأمر فى نفسه عليه.
<pb n="230" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="6"/> [الفصل السادس]
<lb n="7"/>
<num>و</num> فصل
<lb n="8"/> فى تعريف الفصل وتحقيقه </head>
<p n="1">
<lb n="9"/>والفصل أيضا يجب أن نتكلم فيه ونعرف حاله. فنقول: إن الفصل بالحقيقة
<lb n="10"/> ليس هو مثل النطق والحسّ. فإن ذلك غير محمول على شىء إلا على ما ليس فصلا له،
<lb n="11"/> بل نوعا مثل اللمس للحس على ما علمت فى موضع آخر، أو شخصا مثل حمل النطق
<lb n="12"/> على نطق زيد وعمرو. فإن أشخاص الناس لا يحمل عليها النطق ولا الحس فلا يقال لشىء
<lb n="13"/> منها أنه نطق أو حس، لكن يشتق له من أسمائها اسم. فإن كانت هذه فصولا فهى فصول
<lb n="14"/> من جهة أخرى، وليست من الجهة التى هى أقسام المقول على كثيرين بالتواطؤ. فالأولى
<lb n="15"/> أن تكون هذه مبادئ الفصول لا الفصول، فإنها إنما تحمل بالتواطؤ على غير أشخاص
<lb n="16"/> النوع التى يقال إنها فصولها. وذلك لأن النطق يحمل على نطق زيد ونطق عمرو بالتواطؤ،
<lb n="17"/> والحس يحمل على البصر والسمع بالتواطؤ. </p>
<p n="2">
<lb n="18"/>فالفصل الذى هو كالنطق والحس ليس هو بحيث يقال على شىء من الجنس،
<lb n="19"/> فليس الحس ولا النطق حيوانا البتة. وأما الفصل الذى هو الناطق والحساس فالجنس بالقوة
<pb n="176"/>
<lb n="1"/> هو، وإذا صار بالفعل صار نوعا. وأما كيف ذلك فقد
<pb n="231" edRef="#source_2"/> تكلمنا فيه وبينا أنه
<lb n="2"/> كيف يكون الجنس هو الفصل وهو النوع فى الوجود بالفعل وكيف تفترق هذه بعضها من
<lb n="3"/> بعض، وان النوع بالحقيقة شىء هو الجنس إذا صار موصوفًا بالفعل، وأن ذلك التميز
<lb n="4"/> والتفريق هو عند العقل. فإذا احتيل وفصل وتميز فى الوجود فى المركبات صار الجنس
<lb n="5"/> مادةً والفصل صورة، ولم يكن الجنس ولا الفصل مقولا على النوع. </p>
<p n="3">
<lb n="6"/>ثم من الشكوك التى تعرض على هذا الكلام، بل على وجود طبيعة الفصل ما أقوله: </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>إنه من البين أن كل نوع منفصل عن شركائه فى الجنس بفصل. ثم ذلك الفصل
<lb n="8"/> معنى أيضا من المعانى، فإما أن يكون أعم المحمولات، وإما أن يكون معنى واقعًا تحت أعم
<lb n="9"/> المحمولات. ومحال أن يقال: إن كل فصل هو أعم المحمولات. فإن الناطق وأشياء كثيرة مما
<lb n="10"/> يجرى مجراه ليس مقولة ولا فى حكم مقولة؛ فيبقى أن يكون واقعا تحت أعم المحمولات.
<lb n="11"/> وكل ما هو واقع تحت معنى أعم منه فهو منفصل عما يشاركه فيه بفصل يختص به، فيكون
<lb n="12"/> إذن لكل فصل فصل، ويذهب هذا إلى غير النهاية. </p>
<p n="5">
<lb n="13"/>والذى يجب أن يعلم حتى ينحل به هذا الشك أن من الحمل ما يكون المحمول
<lb n="14"/> فيه مقومًا لماهية الموضوع، ومنه ما يكون أمرا لازما له غير مقوم لماهيته كالوجود؛ وأنه
<lb n="15"/> ليس يجب أن يكون كل معنى يكون أخص ويقع تحت معنى أعم، إنما ينفصل عن شركائه
<lb n="16"/> فيه بفصل فى العقل، هو معنى يغاير ذاته وماهيته.
<pb n="232" edRef="#source_2"/> وإنما يجب ذلك إذا كان ما
<lb n="17"/> يحمل عليه مقوما لماهيته فيكون كالجزء فى العقل والذهن لماهيته. فما يشاركه عند العقل
<lb n="18"/> والذهن والتحديد فى ذلك المعنى شاركه فى شىء هو جزء ماهيته؛ فإنه إذا خالفه يجب أن
<pb n="177"/>
<lb n="1"/> يخالفه فى شىء لا يتشاركان فيه، ويكون ذلك جزءا آخر عند العقل والذهن والتحديد من
<lb n="2"/> ماهيته. فتكون مخالفته الأولية له بشىء من جملة ماهيته، ليس بجميع ما يدخل فى ماهيته،
<lb n="3"/> أعنى عند الذهن والتحديد. والجزء غير الكل فتكون مخالفته له بشىء غيره وهو الفصل. </p>
<p n="6">
<lb n="4"/>وأما إذا كانت المشاركة فى أمر لازم وكان لا يشاركه فى أجزاء حد الماهية أصلا
<lb n="5"/> وكانت الماهية بنفسها منفصلة لا بجزء منها، مثل انفصال اللون عن العدد، فإنهما وإن اشتركا
<lb n="6"/> فى الوجود، فالوجود ــ كما اتضح فى سائر ما تعلمت من الفلسفة ــ لازم غير داخل فى
<lb n="7"/> الماهية. فلا يحتاج اللون فى انفصاله من العدد عند التحديد والذهن إلى شىء آخر غير
<lb n="8"/> ماهيته وطبيعته. ولو شاركه العدد فى معنى آخر داخل فى ماهيته لكان يحتاج إلى أن ينفصل
<lb n="9"/> عنه بمعنى آخر غير جملة ماهيته. لكن جملة ماهية اللون غير مشاركة البتة لماهية العدد،
<lb n="10"/> وإنما تشاركها بشىء خارج عن الماهية. فلا يحتاج إذن اللون إلى فصل يخالف به العدد. </p>
<p n="7">
<lb n="11"/>ونقول أيضًا إن الجنس يحمل على النوع على أنه جزء من ماهيته، ويحمل على
<lb n="12"/> الفصل على أنه لازم له لا على أنه جزء من ماهيته، مثاله الحيوان يحمل على
<pb n="233" edRef="#source_2"/>
<lb n="13"/> الإنسان على أنه جزء من ماهيته، ويحمل على الناطق على أنه لازم له على أنه جزء
<lb n="14"/> من ماهيته. فإنما يعنى بالناطق شىء له نطق وشىء له نفس ناطقة من غير أن يتضمن
<lb n="15"/> نفس قولنا الناطق بيانًا لذلك الشىء أنه جوهر أو غير جوهر. إلا أنه يلزم أن لا يكون هذا
<lb n="16"/> الشىء إلا جوهرًا وإلا جسمًا وإلا أحساسا ً، فتكون هذه الأمور مقولة عليه قول اللازم
<lb n="17"/> على الملزوم لأنها غير داخلة فى مفهوم الناطق أى الشىء ذى النطق.
<pb n="178"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="1"/>فنقول الآن: أما الفصل فإنه لا يشارك الجنس الذى يحمل عليه فى الماهية
<lb n="2"/> فيكون إذن انفصاله عنه بذاته. ويشارك النوع على أنه جزء منه فيكون انفصاله عنه
<lb n="3"/> لطبيعة الجنس التى هى ماهية النوع وليست ماهية الفصل. وأما حاله مع
<lb n="4"/> سائر الأشياء، فإن الفصل إن شاركها فى الماهية وجب أن ينفصل عنها بفصل،
<lb n="5"/> وإن لم يشاركها فى الماهية لم يجب أن ينفصل عنها بفصل. وليس يجب أن يكون
<lb n="6"/> كل فصل يشارك شيئا فى ماهية، فليس يجب لا محالة إذا وقع الفصل تحت ما هو
<lb n="7"/> أعم منه أن يكون وقوعه تحته هو وقوعه تحت الجنس، بل قد يمكن أن يقع تحت ما
<lb n="8"/> هو أعم منه ويكون الأعم داخلا فى ماهيته. ويمكن أن لا يقع تحت ما هو أعم منه
<lb n="9"/> إلا وقوع المعنى اللازم له دون الداخل فى ماهيته، مثل الناطق مثلا؛ فإنه يقع
<lb n="10"/> تحت المدرك على أنالمدرك جنس له، والمدرك يقع تحت الجوهر على أنه ــ أعنى
<lb n="11"/> الجوهر ــ لازم له لا جنس على الوجه الذى أومأنا إليه. ويقع أيضا تحت المضاف ــ
<lb n="12"/> لا على أن الإضافة جوهره أو داخلة فى ماهيته ــ بل على أنها لازمة له.
<pb n="234" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="13"/>فالفصل ليس يحتاج فى انفصاله عن النوع إلى فصل آخر، وليس يحتاج فى
<lb n="14"/> انفصاله عن الأشياء المشاركة له فى الوجود وسائر اللوازم إلى معنى غير نفس ماهيته،
<lb n="15"/> وليس يجب أن يقع لا محالة تحت ما هو أعم منه وقوع النوع تحت الجنس، بل قد يقع
<lb n="16"/> وقوع الملزوم الأخص تحت اللازم الذى لا يدخل فى الماهية. </p>
<p n="10">
<lb n="17"/>وأما إذا أخذت الفصل كالنطق مثلا، فإنما يجب أمثاله فى فصول الأشياء
<lb n="18"/> المركبة. فإن عنيت بالنطق كونه ذا نفس ناطقة كان من المعانى المؤلفة من نسبة وجوهر،
<lb n="19"/> على ما علمت من حكمه فى مواضع أخرى. وإن عنيت نفس النفس الناطقة كانت
<pb n="179"/>
<lb n="1"/> جوهرا وكانت جزء جوهر مركب تخالفه بالفصل الواقع بين البسيط والمركب فى الجواهر،
<lb n="2"/> على نحو ما تحققت كثيرا. </p>
<p n="11">
<lb n="3"/>ولنرجع الآن إلى المقدمات التى فى الشك، فنقول: </p>
<p n="12">
<lb n="4"/>أما المقدمة القائلة إن الفصل لأنه معنى من المعانى فإما أن يكون أعم
<lb n="5"/> المحمولات، وإما أن يكون معنى واقعا تحت أعم المحمولات، فمسلّمة. وأما الأخرى
<lb n="6"/> وهى القائلة إن كل ما هو أعم المحمولات فهو مقولة كذب؛ وإنما المقولة أعم المحمولات
<lb n="7"/> الجنسية المقومة للماهية لا التى هى أعم المحمولات، وليس تقوم ماهية كل ما تحتها، بل
<lb n="8"/> تلزم الأشياء. والقائلة الأخرى إن كل ما هو واقع تحت معنى أعم منه فهو مفصل عما
<lb n="9"/> يشاركه فيه بفصل يختص به، كاذبة. لأن المشاركات إذا كانت مشاركة فى اللازم دون
<lb n="10"/> المعنى الداخل فى الماهية، لم يكن الانفصال عنها بفصل بل بمجرد الماهية.
<pb n="235" edRef="#source_2"/>فتعين
<lb n="11"/> بعد هذا أنه لا يجب أن يكون لكل فصل فصل. </p>
<p n="13">
<lb n="12"/>ويجب أن يعلم أن الذى يقال من أن فصول الجوهر جوهر، وفصول الكيف
<lb n="13"/> كيف، معنى ذلك، أن فصول الجوهر يلزم أن تكون جوهرا، وفصول الكيف يلزم أن
<lb n="14"/> تكون كيفا، لا أن فصول الجوهر يوجد فى مفهوم ماهياتها حد الجوهر على أنها جواهر
<lb n="15"/> فى أنفسها، وفصول الكيف يوجد فى ماهياتها حد الكيف على أنها كيفية. إلا أن
<lb n="16"/> نعنى بفصول الجواهر مثلًا لا الفصل المقول على الجوهر بالتواطؤ، بل الفصل المقول عليه
<lb n="17"/> بالإشتقاق؛ أعنى لا الناطق بل النطق، فيكون حينئذ ما علمت ويكون فصلا بالإشتقاق لا
<lb n="18"/> بالتواطؤ، والفصل الحقيقى الذى يقال بالتواطؤ. وليس يجب إذا كان الفصل الذى بالتواطؤ
<lb n="19"/> موجودا، أن يكون أيضًا الفصل الذى بالإشتقاق موجودا؛ إنما يكون هكذا لا فى كل ما
<pb n="180"/>
<lb n="1"/> هو نوع، بل فيما هو نوع جوهرى دون الأنواع العرضية، وليس أيضا فى كل نوع جوهرى،
<lb n="2"/> بل فيما كان مركبا ولم يكن جوهرا بسيطا. </p>
<p n="14">
<lb n="3"/>فالفصل الذى يقال بالتواطؤ معناه شىء بصفة كذا مطلقا، ثم بعد ذلك على
<lb n="4"/> سبيل النظر والتأمل يعلم أنه يجب أن يكون هذا الشىء الذى بصفة كذا جوهرا أو كيفا.
<lb n="5"/> مثاله أن الناطق هو شىء له نطق. فليس فى كونه شيئا له نطق هو أنه جوهر أو عرض،
<lb n="6"/> إلا أنه يعرف من خارج أنه لا يمكن أن يكون هذا الشىء إلا جوهرا أو جسما.
<pb n="236" edRef="#source_2"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="7"/> [الفصل السابع]
<lb n="8"/>
<num>ز</num> فصل
<lb n="9"/> فى تعريف مناسبة الحد المحدود </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>ولقائل أن يقول: </p>
<p n="2">
<lb n="11"/>إن الحد كما وقع عليه الإتفاق من أهل الصناعة مؤلف من جنس وفصل،
<lb n="12"/> وكل واحد منهما مفارق للآخر، ومجموعهما هو [جزءا] الحد، وليس الحد إلا ماهية
<lb n="13"/> المحدود، فتكون نسبة المعانى المدلول عليها بالجنس والفصل إلى طبيعة النوع كنسبتها فى
<lb n="14"/> الحد إلى المحدود. وكما أن الجنس والفصل جزءا الحد، فكذلك معنياهما جزءا المحدود.
<lb n="15"/> وإذا كان كذلك لم يصح حمل طبيعة الجنس على طبيعة النوع لأنه جزء منه. </p>
<p n="3">
<lb n="16"/>فنقول: </p>
<p n="4">
<lb n="17"/>إنا إذا حددنا فقلنا: الإنسان ــ مثلا ــ حيوان ناطق، فليس مرادنا بذلك
<lb n="18"/> أن الإنسان هو مجموع الحيوان والناطق، بل مرادنا بذلك أنه الحيوان الذى ذلك الحيوان
<pb n="181"/>
<lb n="1"/> ناطق، بل الذى هو بعينه الناطق. كأن الحيوان فى نفسه أمر لايتحصل وجوده على النحو
<lb n="2"/> الذى قلنا قبل. فإذا كان ذلك الحيوان ناطقًا حتى يكون هذا الذى نقول له: إنه ذو نفس
<lb n="3"/> درّاكة مجملا الذى هو غير محصل، أى أنه ذو نفس هو قد صار محصلا من حاله أن
<lb n="4"/> نفسه حساسة ناطقة، فيكون هذا تحصيلا لكونه ذا نفس دزاكة. فليس يكون الجسم ذو
<lb n="5"/> النفس الدراكة شيئا، وكونه ذا نفس ناطقة شيئا ينضم إليه خارجا عنه، بل
<pb n="237" edRef="#source_2"/>
<lb n="6"/> يكون هذا الذى هو حيوان هو الجسم ذو النفس الدراكة. ثم كون نفسه دراكة أمر مبهم،
<lb n="7"/> ولا يكون بالفعل فى الوجود مبهما البتة كما علمت، بل يكون فيه محصلا؛ وإنما يكون
<lb n="8"/> هذا الإبهام فى الذهن، إذ يكون مشكلا عليه حقيقة النفس الدراكة حتى يفصل، فيقال
<lb n="9"/> دراكة بالحس والتخيل والنطق. </p>
<p n="5">
<lb n="10"/>وإذا أخذ الحس فى حد الحيوان فليس هو بالحقيقة الفصل، بل هو دليل على
<lb n="11"/> الفصل. فإن فصل الحيوان أنه ذو نفس دراكة متحركة بالإرادة وليس هوية نفس الحيوان أن
<lb n="12"/> يحس، ولا هويته أن يتخيل، ولا هويته أن يتحرك بالإرادة، بل هو مبدأ لجميع ذلك، وهذه
<lb n="13"/> كلها قواه، ليس أن ينسب إلى بعضها أولى من أن ينسب إلى الآخر، لكنه ليس له فى
<lb n="14"/> نفسه اسم، وهذه توابعه، فنضطر إلى أن نخترع له اسما بالنسبة إليها. ولهذا نجمع الحس
<lb n="15"/> والتحرك معًا فى حده، ونجعل الحس كأنه معنى يجمع الحس الظاهر والباطن، أو يقتصر
<lb n="16"/> على الحس فيكون دالا على جميع ذلك لا بالتضمن بل بالالتزام. </p>
<p n="6">
<lb n="17"/>وقد سلف لك بيان هذا وما أشبهه، فليس الحس بالحقيقة فصل الحيوان، بل
<lb n="18"/> أحد شعب فصله وأحد لوازمه. وإنما فصله وجود النفس التى هى مبدأ هذا كله له؛
<lb n="19"/> وكذلك الناطق للإنسان. لكن عدم الأسماء وقلة شعورنا بالفصول يضطرنا ــ إما هذا
<pb n="182"/>
<lb n="1"/> وإما ذاك ــ إلى الإنحراف عن حقيقة الفصل إلى لازمه. فربما اشتققنا اسمه من لازمه،
<lb n="2"/> فعنينا بالحساس الذى له المبدأ الذى ينبعث منه
<pb n="238" edRef="#source_2"/>الحس وغيره؛ وربما كان الفصل
<lb n="3"/> نفسه مجهولا عندنا، ولم نشعر إلا بلازمه. وليس كلامنا فى هذه الأمور على حسب ما
<lb n="4"/> نعقل نحن ونصنع ونتصرف فيها نحن، بل من جهة كيفية وجودها فى أنفسها. ثم لو
<lb n="5"/> كان ليس للحيوان نفس إلا الحساسة كان كونه جسما ذا حس ليس جنسا بمعنى مجرد
<lb n="6"/> الطبيعة الجسمية والحسية بشرط أن يكون هو فقط، بل على النحو الذى قلنا. فاتحاد
<lb n="7"/> الفصل بالجنس ليس إلا على أنه شىء كان يتضمن الجنس بالقوة، لا يلزم الجنس بالقوة،
<lb n="8"/> واتحاد المادة بالصورة أو الجزء بالجزء الآخر فى المركب، فإنما هو اتحاد شىء بشىء خارج
<lb n="9"/> عنه لازم أو عارض. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>فتكون الأشياء التى يكون فيها اتحاد على أصناف. أحدها، أن يكون كاتحاد
<lb n="11"/> المادة والصورة؛ فتكون المادة شيئا لا وجود له بانفراد ذاته بوجه، وإنما يصير بالفعل
<lb n="12"/> بالصورة، على أن تكون الصورة أمرا خارجا عنه، ليس أحدهما الآخر، ويكون المجموع
<lb n="13"/> ليس ولا واحد منهما. والثانى، اتحاد أشياء يكون كل واحد منها فى نفسه مستغنيا عن
<lb n="14"/> الآخر فى القوام، إلا أنها تتحد فيحصل منها شىء واحد إما بالتركيب وإما بالاستحالة
<lb n="15"/> والامتزاج. ومنها، اتحاد أشياء بعضها لا يقوم بالفعل إلا بما انضم إليه، وبعضها يقوم
<lb n="16"/> بالفعل؛ فيقوم الذى لا يقوم بالفعل بالذى يقوم بالفعل ويجتمع من ذلك جملة متحدة، مثل
<lb n="17"/> اتحاد الجسم والبياض. وهذه الاقسام كلها لا تكون المتحدات منها بعضها
<pb n="239" edRef="#source_2"/>بعضا،
<lb n="18"/> ولا جملتها أجزاؤها، ولا يحمل البتة شىء منها على الآخر حمل التواطؤ.
<pb n="183"/>
</p>
<p n="8">
<lb n="1"/>ومنها اتحاد شىء بشىء، قوة هذا الشىء منهما أن يكون ذلك الشىء، لا أن
<lb n="2"/> ينضم إليه. فإن الذهن قد يعقل معنى يجوز أن يكون ذلك المعنى نفسه أشياء كثيرة كل
<lb n="3"/> واحد منها ذلك المعنى فى الوجود، فينضم إليه معنى آخر تعين وجوده بان يكون ذلك المعنى
<lb n="4"/> متضمنا فيه، وإنما يكون آخر من حيث التعيين والإبهام لا فى الوجود؛ مثل المقدار. فإنه
<lb n="5"/> معنى يجوز أن يكون هو الخط والسطح والعمق، لا على أنه يقارنه شىء فيكون مجموعهما
<lb n="6"/> الخط والسطح والعمق، بل على أن يكون نفس الخط ذلك أو نفس السطح ذلك.وذلك
<lb n="7"/> لأن معنى المقدار هو شىء يحتمل مثل المساواة، غير مشروط فيه أن يكون هذا المعنى
<lb n="8"/> فقط. فإن مثل هذا لا يكون جنسًا كما علمت، بل بلا شرط غير ذلك، حتى يجوز أن
<lb n="9"/> يكون هذا الشىء القابل للمساواة هو فى نفسه أى شىء كان، بعد أن يكون وجوده لذاته
<lb n="10"/> هو الوجود، أى يكون محمولا عليه لذاته أنه كذا، سواء كان فى بُعْدٍ أو بُعْدْين أو ثلاثة. </p>
<p n="9">
<lb n="11"/>فهذا المعنى فى الوجود لا يكون إلا أحد هذه، لكن الذهن يخلق له من حيث
<lb n="12"/> يعقل وجودًا مفردًا. ثم أن الذهن إذا أضاف إليه الزيادة لم يضف الزيادة على أنها معنى من
<lb n="13"/> خارج لاحق بالشىء قابل للمساواة حتى يكون ذلك قابلًا للمساواة فى حد نفسه وهذا
<lb n="14"/> شىء آخر مضاف إليه خارجا عن ذلك، بل يكون ذلك تحصيلًا لقبوله للمساواة أنه فى
<lb n="15"/> بعد واحد فقط أو فى أكثر منه.
<pb n="240" edRef="#source_2"/>فيكون القابل للمساواة فى بُعْد واحد فى هذا
<lb n="16"/> الشىء هو نفس القابل للمساوة، حتى يجوز لك أن تقول: إن هذا القابل للمساواة هو هذا
<lb n="17"/> الذى هو ذو بُعْدٍ واحد وبالعكس، ولا يكون هذا فى الأشياء التى مضت. وههنا وإن
<lb n="18"/> كانت كثرة ما لا شك فيها فهى كثرة ليست من الجهة التى تكون من الأجزاء بل كثرة تكون
<pb n="184"/>
<lb n="1"/> من جهة أمر غير محصل وأمر محصل. فإن الأمر المحصل فى نفسه يجوز أن يعتبر من
<lb n="2"/> حيث هو غير محصل عند الذهن فتكون هناك غيرية؛ لكن إذا صار محصلا لم يكن ذلك
<lb n="3"/> شيئًا آخر بالاعتبار المذكور الذى ذلك للعقل وحده. فإن التحصيل ليس يغيره بل يحققه. </p>
<p n="10">
<lb n="4"/>فهكذا يجب أن يعقل التوحيد الذى من الجنس والفصل. وإنه وإن كان مختلفا
<lb n="5"/> وكان بعض الأنواع فيها تركيب فى طبائعها وتنبعث فصولها من صورها، وأجناسها من
<lb n="6"/> المواد التى لصورها، وإن لم يكن لا أجناسها ولا فصولها موادها وصورها من حيث هى
<lb n="7"/> مواد وصور، وبعضها ليس فيها تركيب فى طبائعها بل إن كان فيها تركيب فهو على النحو
<lb n="8"/> الذى قلنا، فإنما يكون أحد الشيئين منهما فى كل نوع غير الآخر، لأنه قد أخذ مرة لا بحاله
<lb n="9"/> من التحصيل، بل على أنه بالقوة محصل، وأخذ مرة وهو محصل بالفعل. وهذه القوة له
<lb n="10"/> ليس بحسب الوجود، بل بحسب الذهن. فإنه ليس له فى الوجود حصول طبيعة جنسية
<lb n="11"/> هى بعد بالقوة محصلة نوعًا، سواء كان النوع له تركيب فى الطبائع أو لم يكن.
<pb n="241" edRef="#source_2"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="12"/>والجنس والفصل فى الحد أيضا من حيث كل واحد منهما هو جزء للحد من
<lb n="13"/> حيث هو حد، فإنه لا يحمل على الحد ولا الحد يحمل عليه. فإنه لا يقال للحد أنه جنس
<lb n="14"/> ولا فصل ولا بالعكس، فلا يقال لحد الحيوان إنه جسم ولا أنه ذو حس ولا بالعكس. وأما
<lb n="15"/> من حيث الأجناس والفصول طبائع [تنبعث] طبيعة على ما علمت فإنها تحمل على
<lb n="16"/> المحدود، بل نقول: إن الحد يفيد بالحقيقة معنى طبيعة واحدة. مثلا إنك إذا قلت: الحيوان
<lb n="17"/> الناطق، يحصل من ذلك معنى شىء واحد هو بعينه الحيوان الذى ذلك الحيوان هو بعينه
<pb n="185"/>
<lb n="1"/> الناطق. فإذا نظرت إلى ذلك الشىء الواحد لم يكن كثرة فى الذهن، لكنك إذا نظرت
<lb n="2"/> إلى الحد فوجدته مؤلفًا من عدة هذه المعانى واعتبرتها من جهة ما كل واحد منها على
<lb n="3"/> الاعتبار المذكور معنى فى نفسه غير الآخر، وجدت هناك كثرة فى الذهن. فإن عنيت
<lb n="4"/> بالحد المعنى القائم فى النفس بالاعتبار الأول، وهو الشىء الواحد الذى هو الحيوان الذى
<lb n="5"/> ذلك الحيوان هو الناطق، كان الحد بعينه هو المحدود المعقول. وإن عنيت بالحد المعنى
<lb n="6"/> القائم فى النفس بالاعتبار الثانى المفصل، لم يكن الحد <choice>
<sic>يعينه</sic>
<corr>بعينه<note>according to Bertolacci 2006, 516</note></corr>
</choice> معناه المحدود، بل كان
<lb n="7"/> شيئا مؤديًا إليه كاسبا له. </p>
<p n="12">
<lb n="8"/>ثم الاعتبار الذى يوجب كون الحد بعينه هو المحدود لا يجعل الناطق والحيوان
<lb n="9"/>
<choice>
<sic>جزئين</sic>
<corr type="MAR">جزءين</corr>
</choice> من الحد، بل محمولين عليه بأنه هو لا أنهما شيئان من حقيقة متغايران ومغايران
<lb n="10"/> للمجتمع. لكن نعنى به فى مثالنا الشىء الذى هو بعينه الحيوان الذى ذلك الحيوان حيوانيته
<lb n="11"/> مستكملة متحصلة بالنطق. والاعتبار الذى يوجب كون الحد غير المحدود يمنع أن يكون
<lb n="12"/> الجنس
<pb n="242" edRef="#source_2"/>والفصل محمولين على الحد، بل جزئين منه. فلذلك ليس الحد بجنس ولا
<lb n="13"/> الجنس بحد ولا الفصل واحدا منهما، ولا جملة معنى الحيوان مؤلفا مع الناطق هو معنى
<lb n="14"/> الحيوان غير مؤلف ولا معنى الناطق غير مؤلف. ولا يفهم من معنى مجموع حيوان وناطق
<lb n="15"/> ما يفهم من أحدهما، ولا يحمل أحدهما عليه؛ فليس مجموع حيوان وناطق هو حيوان
<lb n="16"/> وناطق لأن المجموع من شيئين غيرهما، بل ثالث. لأن كل واحد منهما جزء منه، والجزء
<lb n="17"/> لا يكون هو الكل، ولا الكل يكون هو الجزء.
<pb n="243" edRef="#source_2"/>
<pb n="186"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الثامن]
<lb n="2"/>
<num>ح</num> فصل
<lb n="3"/> فى الحد </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>والذى ينبغى لنا أن نعرفه الآن أن الأشياء كيف تتحدد، وكيف نسبة الحد
<lb n="5"/> إليها، وما الفرق بين الماهية للشىء وبين الصورة. فنقول: كما أن الموجود والواحد من
<lb n="6"/> الأشياء العامة للمقولات ولكن على سبيل تقديم وتأخير، فكذلك أيضا كون الأشياء
<lb n="7"/> ذوات ماهية وحد، فليس ذلك فى الأشياء كلها على مرتبة واحدة. </p>
<p n="2">
<lb n="8"/>فأما الجوهر فإنه مما يتناوله حده تناولا أوليًا بالحقيقة؛ وأما الأشياء الأخرى
<lb n="9"/> فلما كانت ماهيتها متعلقة بالجوهر أو بالصورة الجوهرية على نحو ما حددنا. أما الصورة
<lb n="10"/> الطبيعية فقد عرفت حالها، والمقادير والأشكال قد عرفتها أيضا، فيكون تلك الأشياء
<lb n="11"/> الأخرى أيضا من وجه لا تتحدد إلا بالجوهر، فيعرض من ذلك أن تكون. أما الأعراض
<lb n="12"/> فإن فى حدودها زيادة على ذواتها، لأن ذواتها وإن كانت أشياء لا يدخل الجوهر فيها
<lb n="13"/> على أنه جزء لها بوجه من الوجوه، وذلك لأن ما جزؤه جوهر فهو جوهر، فإن حدودها
<lb n="14"/> يدخل الجوهر فيها على أنه جزء إذ كانت تتحدد بالجوهر لا محالة. </p>
<p n="3">
<lb n="15"/>وأما المركبات فإنها يعرض فيها تكرار شىء واحد بعينه مرتين، فإنه إذ فيها
<lb n="16"/> جوهر فلا بد من إدخاله
<pb n="244" edRef="#source_2"/> فى الحد، وإذ فيها عرض يتحدد بالجوهر فلا بد من
<lb n="17"/> دخوله فى حد العرض مرة أخرى لتكون جملة الحد مؤلفة من حد الجوهر وحد العرض
<lb n="18"/> لا محالة وعائد إلى اثنينية وكثرة. ويتبين إذا حلل حد ذلك العرض ورد إلى مضمناته،
<lb n="19"/> فيكون حد هذا المركب قد وجد فيه الجوهر مرتين، وهو فى ذات المركب مرة واحدة،
<pb n="187"/>
<lb n="1"/> فيكون فى هذا الحد زيادة على معنى المحدود فى نفسه. والحدود [الحقيقة] لا يجب
<lb n="2"/> أن تكون فيها زيادات. ومثال هذا أنك إذا حددت الأنف الأفطس فيجب أن تأخذ فيه
<lb n="3"/> الأنف لا محالة، وتأخذ فيه الأفطس فتكون أخذت فيه حد الأفطس، لكن الأفطس هو
<lb n="4"/> أنف عميق، ولا يجوز أن تأخذ عميقا وحده، فإنه لو كان العميق وحده هو الأفطس
<lb n="5"/> لكانت الساق المعمقة أيضا فطساء، بل يجب لا محالة أن تأخذ الأنف فى حد الأفطس.
<lb n="6"/> فإذا حددت الأنف الأفطس تكون قد أخذت فيه الأنف مرتين؛ فلا يخلو إما أن لا تكون
<lb n="7"/> أمثال هذه حدودا وإنما تكون الحدود للبسائط فقط، أو تكون هذه حدودا على جهة
<lb n="8"/> أخرى. وليس ينبغى أن نقتصر من الحد على أن يكون شرح الاسم، فنجعل أمثال هذه
<lb n="9"/> لذلك حدودا حقيقية، لأن الحد هو ما يدل على الماهية، وقد عرفته. لو كان كل قول
<lb n="10"/> يمكن أن يفرض بإزأه اسمٌ حدا لكان جميع كتب الجاحظ حدودا. </p>
<p n="4">
<lb n="11"/>فإذا كان الأمر على هذا، فبيّن أن هذه المركبات حدودها حدود
<lb n="12"/> على جهة أخرى. </p>
<p n="5">
<lb n="13"/>وكل بسيط فإن ماهيته ذاته لأنه ليس هناك شىء قابل لماهيته،
<pb n="245" edRef="#source_2"/>
<lb n="14"/> ولو كان هناك شىء قابلا لماهيته، لم يكن ذلك الشىء <choice><sic>ماهيتة ماهيه</sic><corr>ماهيته ماهية</corr></choice> المقبول الذى حصل
<lb n="15"/> له، لأن ذلك المقبول كا يكون صورته، وصورته ليس هو الذى يقابله حده، ولا المركبات
<lb n="16"/> بالصورة وحدها هى ما هى، فإن الحد للمركبات ليس هو من الصورة وحدها، بل حد
<lb n="17"/> الشىء يدل على جميع ما يتقوم به ذاته، فيكون هو أيضا يتضمن المادة بوجه. وبذا يعرف
<lb n="18"/> الفرق بين الماهية فى المركبات والصورة. والصورة دائما جزء من الماهية فى المركبات،
<lb n="19"/> وكل بسيط فإن صورته أيضا ذاته لأنه لا تركيب فيه؛ وأما المركبات فلا صورتها ذاتها ولا
<pb n="188"/>
<lb n="1"/> ماهيتها ذاتها. أما الصورة فظاهر أنها جزء منها؛ وأما الماهية فهى ما بها هى ما هى، وإنما
<lb n="2"/> هى ما هى بكون الصورة مقارنة للمادة، وهو أزيد من معنى الصورة. والمركب ليس هذا
<lb n="3"/> المعنى أيضا، بل هو مجموع الصورة والمادة؛ فإن هذا هو ما هو المركب، والماهية هذا
<lb n="4"/> التركيب. فالصورة أحد ما يضاف إليه التركيب، والماهية هى نفس هذا التركيب الجامع
<lb n="5"/> للصورة والمادة، والوحدة الحادثة منهما لهذا الواحد. </p>
<p n="6">
<lb n="6"/>فللجنس بما هو جنس ماهية. وللنوع بما هو نوع ماهية، وللمفرد الجزئى أيضا
<lb n="7"/> بما هو مفرد جزئى ماهية مما يتقوم به من الأعراض اللازمة. فكأن الماهية إذا قيلت على
<lb n="8"/> التى فى الجنس والنوع وعلى التى للمفرد الشخصى كان باشتراك الاسم. وليست هذه
<lb n="9"/> الماهية مفارقة لما هو بها ما هو، وإلا لم تكن ماهية. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>لكنه لا حد للمفرد بوجه من الوجوه، وإن كان للمركب حد ما، وذلك
<lb n="11"/>
<pb n="246" edRef="#source_2"/>لأن الحد مؤلف من أسماء ناعتة لا محالة ليس فيها إشارة إلى شىء معين.
<lb n="12"/> ولو كانت إشارة لكانت تسمية فقط، أو دلالة أخرى بحركة وإشارة وما أشبه ذلك، وليس
<lb n="13"/> فيها تعريف المجهول بالنعت. </p>
<p n="8">
<lb n="14"/>وإذا كان كل اسم يحصر فى حد المفرد يدل على نعت، والنعت يحتمل الوقوع
<lb n="15"/> على عدة، والتأليف لا يخرجها من هذا الاحتمال، فإنه إذا كان آ معنى كليًا وأضيف
<lb n="16"/> إليه ب ــ وهو معنى كلى ــ جاز أن يكون فيه تخصيص ما. ولكن إذا كان تخصيص
<lb n="17"/> كلى بكلى يبقى بعده الشىء الذى هو آ و ب كليًا يجوز أن يقع فيه شركة. ومثال ذلك:
<lb n="18"/> هذه سقراط؛، إن حددته فقلت: إنه الفيلسوف، ففيه شركة؛ وإن قلت: الفيلسوف
<lb n="19"/> الدين، ففيه شركة؛ فإن قلت: الفيلسوف الدين المقتول ظلما، ففيه أيضا شركة؛ فإن
<pb n="189"/>
<lb n="1"/> قلت: ابن فلان، كان فيه احتمال شركة أيضا، وكان فلان شخصا تعريفه كتعريفه. فإن
<lb n="2"/> عرف ذلك الشخص بالإشارة أو باللقب عاد الأمر إلى الإشارة واللقب، وبطل أن يكون
<lb n="3"/> بالتحديد. وإن زيد فقيل: هو الذى قتل فى مدينة كذا يوم كذا، فهذا الوصف أيضا مع
<lb n="4"/> تشخصه بالحيلة كلى يجوز أن يقال على كثيرين إلا أن يستند إلى شخص. </p>
<p n="9">
<lb n="5"/>فإن كان المسند إليه شخصا من جملة أشخاص نوع من الأنواع لم يكن
<lb n="6"/> السبيل إليه إلا بالمشاهدة ولم يجد العقل عليه وقوفا إلا بالحس. فإن كان المسند إليه من
<lb n="7"/> الأشخاص ــ التى
<pb n="247" edRef="#source_2"/>كل شخص منها مستوف لحقيقة النوع ــ فلا شخص نظيرا
<lb n="8"/> له، وكان قد عقل العقل ذلك النوع بشخصه، فإذا جعل الرسم مسندا إليه كان للعقل
<lb n="9"/> وقوف عليه ولم يخف العقل تغير الحال لجواز فساد ذلك الشىء، إذ مثل هذا الشىء
<lb n="10"/> لا يفسد. ولكن المرسوم لا يوثق بوجوده ودوام قول الرسم عليه، وربما عرف العقل مدة
<lb n="11"/> بقائه، فلم يكن هذا أيضا حدًا حقيقيا. فبين أنه لا حد حقيقى للمفرد، إنما يعرف بلقب
<lb n="12"/> أو إشارة أو نسبة إلى معروف بلقب أو إشارة. </p>
<p n="10">
<lb n="13"/>وكل حد فإنه تصور عقلى صادق أن يحمل على المحدود. والجزئى فاسد
<lb n="14"/> إذا فسد، لم يكن محدودا بحده. فيكون حمل الحد عليه مدة ما صادقًا وفى غيرها
<lb n="15"/> كاذبا، فيكون حمل الحدّ عليه بالظن دائما، أو يكون هناك غير التحديد بالعقل زيادة
<lb n="16"/> إشارة ومشاهدة، فيصير بتلك الإشارة محدودًا بحده. وإذا لم يكن ذلك يكون مظنونا
<lb n="17"/> به أن له حده. وأما المحدود بالحقيقة فيكون حدّه له يقينا. فمن شاء أن يحد الفاسدات
<lb n="18"/> فقد تعرض لإبقائها، ويركب شططا.
<pb n="248" edRef="#source_2"/>
<pb n="190"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل التاسع]
<lb n="2"/>
<num>ط</num> فصل
<lb n="3"/> فى مناسبة الحد وأجزائه </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>ونقول: إنه كثيرا ما يكون فى الحدود أجزاء هى أجزاء المحدود. وليس إذا
<lb n="5"/> قلنا: إن الجنس والفصل لا يتقومان جزئين للنوع فى الوجود، نكون كأنا قلنا: إنه لا يكون
<lb n="6"/> للنوع أجزاء. فإن النوع قد يكون له أجزاء، وذلك إذا كان من أحد صنفى الأشياء، أما فى
<lb n="7"/> الأعراض فمن الكميات، وأما فى الجواهر فمن المركبات. وظاهر الحال يومئ إلى أن أجزاء
<lb n="8"/> الحد أقدم من المحدود، لكنه قد يتفق أن يكون فى بعض المواضع بالخلاف. فإنا إذا أردنا أن
<lb n="9"/> نحد قطعة الدائرة حددناها بالدائرة، وإذا أردنا أن نحد أصبع الإنسان حددناها بالإنسان،
<lb n="10"/> وإذا أردنا أن نحد الحادة وهى جزء من القائمة حددناها بالقائمة، ولا نحد البتة القائما
<lb n="11"/> بالحادة ولا الدائرة [بقطعتها] ولا الإنسان بالأصبع. فيجب أن نعرف العلة فى هذا. فنقول: </p>
<p n="2">
<lb n="12"/>إن هذه ليس شىء منها أجزاء النوع من جهة ماهيته وصورته؛ ثم إنه ليس
<lb n="13"/> من شروط الدائرة أن تكون فيها قطعة بالفعل تتألف عنها صورة الدائرة، كما من شرطها
<lb n="14"/> أن يكون لها محيط؛ ولا من شرط الإنسان ــ من حيث هو إنسان ــ أن يكون له أصبع
<lb n="15"/> بالفعل، ولا من شرط القائمة أن تكون هناك حادة هى جزء منها. فهذه كلها ليست أجزاء
<lb n="16"/> للشىء من حيث ماهيته بل من حيث مادته موضوعه. فإنما يعرض
<pb n="249" edRef="#source_2"/>للقائمة أن
<lb n="17"/> تكون فيها حادة، وللدائرة أن تكون فيها قطعة لانفعال يعرض لمادتها، ليس ذلك مما يتعلق
<lb n="18"/> به استكمال مادتها بصورتها ولا استكمال صورتها فى نفسها. واعلم أن السطح مادة
<pb n="191"/>
<lb n="1"/> عقلية لصورة الدائرة وبسببه يقع لها الإنقسام. ولو كان يتعلق بها استكمال مادتها لكان من
<lb n="2"/> اللازمات التى لا يخلو الشىء عنها، لا من المقومات كما مضى لك شرحه. وليس ما نحن
<lb n="3"/> فيه كذلك، بل يخلو الشىء منها. </p>
<p n="3">
<lb n="4"/>وما يجرى مجرى الأصبع أيضًا، فإنه ليس يحتاج الإنسان فى أن يكون حيوانا
<lb n="5"/> ناطقا إلى أصبع، بل هذا من الأجزاء التى لمادته ليحسن بها حال مادته. فما كان من
<lb n="6"/> الأجزاء إنما هو بسبب المادة، وليس تحتاج إليه الصورة، فليست هى من أجزاء الحد البتة.
<lb n="7"/> لكنها إذا كانت أجزاء المادة ولم تكن أجزاء للمادة مطلقا، بل إنما تكون أجزاء لتلك المادة
<lb n="8"/> لأجل تلك الصورة، وجب أن تؤخذ فى حدها تلك الصورة. وذلك النوع فيكون أيضا مع
<lb n="9"/> المادة مثلما أن الأصبع ليس جزئا مناسبا للجسم مطلقا، بل للجسم الذى صار حيوانا أو
<lb n="10"/> إنسانا. وكذلك الحادة والقطعة ليس جزءا للسطح مطلقا، بل للسطح الذى صار قائمة أو
<lb n="11"/> دائرة. فلذلك تؤخذ صورة هذه الكلات فى حدود هذه الأجزاء. </p>
<p n="4">
<lb n="12"/>ثم تفترق هذه الأمثلة الثلاثة. فإن الإصبع فى الإنسان جزء بالفعل؛ فإذا حد
<lb n="13"/> أو رسم الإنسان
<pb n="250" edRef="#source_2"/>من حيث هو شخص كامل إنسانى وجب أن يوجد الأصبع
<lb n="14"/> حينئذ فى رسمه لأنه يكون له ذلك جزءا ذاتيا فى أن يكون شخصا كامل الأعراض ولا
<lb n="15"/> يكون مقوّمًا لطبيعة نوعه. إذا قلنا مرارا: إن ما يتقوم ويتم به الشخص فى شخصه هو
<lb n="16"/> غير ما تتقوم به طبيعة النوع. فهذا القسم من الجملة التى الجزء فيها جزء بالفعل، وأما
<lb n="17"/> ذانك الآخران فليس الجزء فيهما جزءا بالفعل. </p>
<p n="5">
<lb n="18"/>ويشبه أن تكون الدائرة إذا قسمت بالفعل إلى قطع بطلت الوحدة لسطحها
<lb n="19"/> وبطل عنها أنها دائرة، إذ لا يكون المحيط خطا واحدا بالفعل بل كثيرا، اللهم إلا أن تكون
<lb n="20"/> الأقسام بالوهم وبالفرض لا بالفعل وبالقطع. وكذلك حكم القائمة.
<pb n="192"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>ثم الدائرة والقائمة يختلفان فى شىء وهو أن قطعة الدائرة لا تكون إلا من دائرة
<lb n="2"/> بالفعل، والحادة ليس من شرطها فى الوجود أن تكون جزء زاوية أخرى، ولا أنها هى
<lb n="3"/> حادة بالقياس إلى المنفرجة والقائمة، بل هى فى نفسها حادة بسبب وضع أحد ضلعيها
<lb n="4"/> عند الآخر. ولكنها من جهة أن ذلك الوضع من حيث هو وضع وقعت فيه الإضافة، لأن
<lb n="5"/> الميل والقرب بين الخطوط بعضها إلى بعض أو البُعْد فيما بينها مما تتعلق به إضافة ما، عرض
<lb n="6"/> أن يتعلق البيان للمادة بالإضافة، وإن لم يدل على هذه الإضافة بالفعل لصعوبتها فقد دل
<lb n="7"/> عليها بالقوة فى إدخال إضافة بالفعل. </p>
<p n="7">
<lb n="8"/>ثم لما كانت الزاوية السطحية إنما تحدث عن قيام خط على خط، [كان]
<lb n="9"/> الميل الذى يحدث هو ميل عن
<pb n="251" edRef="#source_2"/>اعتدال ما وجهة ما؛ لأنا لو أخذنا قرب أحد
<lb n="10"/> الخطين من الآخر مطلقًا وأخذنا ميله إليه مطلقًا من غير تعيين الميل عنه، لم يكن إلا ميل
<lb n="11"/> مطلق يوجد ذلك للحادة وللقائمة والمنفرجة. فإن خطوطها أيضا فيها ميل لبعضها إلى
<lb n="12"/> بعض. فإنك إذا اعتبرت اتصال خطين على الإستقامة لوجدت المنفرجة وفيها ميل لأحد
<lb n="13"/> خطيها إلى الآخر. لكن هذا الميل هو ميل مطلق يقتضيه انفراج خطى كل زاوية، فيجب
<lb n="14"/> ضرورةً أن يكون هذا الميل حدودًا عن شىء. ولما كان ذلك الشىء يجب أن يكون بُعدًا
<lb n="15"/> خطيا، [فلم] يمكن أن تتوهم خطوط يميل عنها هذا إلا الخط المتصل على الاستقامة
<lb n="16"/> بالخط الثانى، والذى يفعل زاوية منفرجة أو الذى يفعل زاوية قائمة أو الذى يفعل زاوية
<lb n="17"/> حادة. فأما الخط الغير المتصل بهذا الخط فإنه لا يحدد به شىء، وكان اعتبار الميل من
<lb n="18"/> الخط المستقيم مطلقا غير صحيح فى هذا الباب، وإلا المنفرجة والقائمة أيضا حادة. </p>
<p n="8">
<lb n="19"/>وكذلك اعتبار الميل عن الخط الفاعل للمنفرجة، لأن الميل عن الانفراج قد
<lb n="20"/> يحفظ الانفراج، إذ تكون منفرجة أصغر من منفرجة. وكذلك حكم الحادة هذه مع أن
<pb n="193"/>
<lb n="1"/> الحادة لا يمكن أن تعرّف بالحادة فيكون تعريف مجهول بمجهول. فبقى ضرورةً أن يكون
<lb n="2"/> تعريفها بالقائمة التى ليس يبقى قوامها مع الميل عنها محفوظًا. فكأنه يقول: إن الحادة هى
<lb n="3"/> التى عن خطين قام أحدهما على الآخر، ومال أقرب من خط قائمة لو قامت حتى هى
<lb n="4"/> أصغر من القائمة لو كانت. وليس نعنى بها أنها بالفعل موجودة مقيسة بقائمة تزيد عليها
<lb n="5"/> فحينئذ يكون الحد كاذبًا، ولكن بقائمة
<pb n="252" edRef="#source_2"/>بهذه الصفة. والقائمة بهذه الصفة من
<lb n="6"/> حيث هى بالقوة الموجودة بالفعل قوة هى قائمة بالقوة، فإن القوة من حيث هى قوة وجودٌ
<lb n="7"/> بالفعل. وربما كانت القوة أيضا موجودة بالقوة وهى القوة البعيدة من الفعل، ثم يصير بالفعل
<lb n="8"/> قوة قريبة. فإن القوة القريبة على تكوّن الإنسان فى الغذاء تكون بالقوة، ثم إذا صار
<lb n="9"/> [منيّا] صارت تلك القوة القريبة موجودة بالفعل، وإنما يكون فعلها غير موجود. </p>
<p n="9">
<lb n="10"/>فإذن الحادة تحد بالقائمة لا بالفعل مطلقا، بل القوة. فلا تحد بنظير لها ولا أيضا بما
<lb n="11"/> ليس له حصول. فإن المحدود به قائم بالقوة، وذلك له من حيث هو كذلك حصول بالفعل،
<lb n="12"/> وبالحرى إن عرّفت الحادة والمنفرجة بالقائمة؛ فان القائمة تتحقق من المساواة والمماثلة
<lb n="13"/> والوحدانية، وتانك تتحققان من الخروج عن المساواة. وأما القائمة فتتحقق بذاتها. </p>
<p n="10">
<lb n="14"/>ولقد كان يمكن أن يقال: إن الحادة أصغر زاويتين مختلفتين تحدثان من قيام
<lb n="15"/> خط على خط، والمنفرجة أعظمهما؛ وكان حينئذ إذا حقق فقد أشير إلى القائمة، لأن
<lb n="16"/> الأكبر هو الذى يكون مِثْلًا وزيادة، والأصغر هو الذى ينقص عن المِثْل. فبالمثل تتحقق
<lb n="17"/> معرفة الصغر والكبر، وبالواحد المتشابه يتحقق المتكثر الغير المتشابه المختلف. </p>
<p n="11">
<lb n="18"/>فهكذا يجب أن يتصور الحال فى أجزاء المحدودات؛ ثم يجب أن يتذكر
<lb n="19"/> ماقلناه قبل أيضا فى حال أجزاء المادة وعلائقها. </p>
</div>
</div>
<div type="book">
<pb n="194"/>
<pb n="257" edRef="#source_3"/>
<lb n="1"/>
<head>المقالة السادسة
<lb n="2"/> وفيها خمسة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/><num>ا</num> فصل
<lb n="5"/> فى أقسام العلل وأحوالها </head>
<p n="1">
<lb n="6"/> قد تكلمنا فى أمر الجوهر والأعراض، وفى اعتبار التقدم والتأخر
<lb n="7"/>فيها، وفى معرفة مطابقة الحدود للمحدودات الكلية والجزئية. فبالحرى أن نتكلم الآن فى
<lb n="8"/> العلة والمعلول، فإنهما أيضا من اللواحق التى تلحق الموجود بما هو موجود. </p>
<p n="2">
<lb n="9"/>والعلل كما سمعت، صورة وعنصر وفاعل وغاية. فنقول: إنا نعنى بالعلة
<lb n="10"/> الصورية، العلة التى هى جزء من قوام الشىء، يكون الشىء بها هو ما هو بالفعل؛
<lb n="11"/> وبالعنصرية العلة التى هى جزء من قوام الشىء، يكون بها الشىء هو ما هو بالقوة،
<lb n="12"/> وتستقر فيها قوة وجوده؛ وبالفاعل، العلة التى تفيد وجودا مباينا لذاتها، أى لا تكون
<lb n="13"/> ذاتها بالقصد الأول محلا لما يستفيد منها وجود شىء يتصور بها، حتى يكون فى ذاتها
<lb n="14"/> قوة وجوده إلا بالعرض، ومع ذلك فيجب ألا يكون ذلك الوجود من أجله من جهة ما هو
<pb n="195"/>
<lb n="1"/>فاعل، بل إن كان ولا بد فباعتبار آخر، وذلك لأن الفلاسفة الإلهيين ليسوا يعنون بالفاعل
<lb n="2"/> مبدأ التحريك فقط، كما يعنيه الطبيعيون، بل مبدأ الوجود ومفيده، مثل <choice>
 <sic>البارى</sic>
 <corr type="MAR">البارئ</corr>
 </choice> للعالم؛
<lb n="3"/> وأما العلة الفاعلية الطبيعية فلا تفيد وجودا غير التحريك بأحد أنحاء التحريكات؛
<lb n="4"/> فيكون مفيد الوجود فى الطبيعيات مبدأ حركة؛ ونعنى بالغاية، العلة التى لأجلها يحصل
<lb n="5"/> وجود شىء مباين لها.
<pb n="258" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="6"/>وقد يظهر أنه لا علة خارجة عن هذه، فنقول: إن السبب للشىء لا يخلو
<lb n="7"/> إما أن يكون داخلا فى قوامه وجزءا من وجوده، أو لا يكون. فإن كان داخلا فى
<lb n="8"/> قوامه وجزءا من وجوده فإما أن يكون الجزء الذى ليس يجب من وجوده وحده له أن
<lb n="9"/> يكون بالفعل، بل أن يكون بالقوة فقط، ويسمى هيولى؛ أو يكون الجزء الذى وجوده هو
<lb n="10"/> صيرورته بالفعل، وهو الصورة. وأما إن لم يكن جزءا من وجوده فإما أن يكون ما هو
<lb n="11"/> لأجله، أو لا يكون. فإن كان ما هو لأجله، فهو الغاية؛ وإن لم يكن ما هو لأجله، فلا
<lb n="12"/> يخلو إما أن يكون وجوده منه بألا يكون هو فيه إلا بالعرض، وهو فاعله، أو يكون وجوده
<lb n="13"/> منه بأن يكون هو فيه، وهو أيضا عنصره أو موضوعه. </p>
<p n="4">
<lb n="14"/>فتكون المبادئ إذن كلها من جهة خمسة، ومن جهة أربعة. لأنك إن أخذت
<lb n="15"/> العنصر الذى هو قابل، وليس جزءا من الشىء، غير العنصر الذى هو جزء، كانت
<lb n="16"/> خمسة. وإن أخذت كليهما شيئا واحدا، لاشتراكهما فى معنى القوة والاستعداد، كانت
<lb n="17"/> أربعة. ويجب أن لا تأخذ العنصر بمعنى القابل الذى هو جزء، مبدأ للصورة بل للمركب.
<lb n="18"/> إنما القابل يكون مبدأ بالعرض، لأنه إنما يتقوم أولا بالصورة وبالفعل، وذاته باعتبار ذاته فقط
<lb n="19"/> تكون بالقوة، والشىء الذى هو بالقوة من جهة ما هو بالقوة، لا يكون مبدأ البتة. ولكنه
<lb n="20"/> إنما يكون مبدأ بالعرض، فإن العرض يحتاج إلى أن يكون قد حصل الموضوع له بالفعل، ثم
<pb n="196"/>
<lb n="1"/>صار سببا لقوامه، سواء كان العرض لازما فتكون الأولية بالذات، أو زائلا فتكون الأولية
<lb n="2"/> بالذات والزمان. فهذه هى أنواع العلل. وإذا كان الموضوع علة لعرض يقيمه، فليس ذلك
<lb n="3"/> على النوع الذى يكون فيه الموضوع علة للمركب، بل هو نوع آخر.
<pb n="259" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="4"/>وإذا كانت الصورة علة للمادة تقيمها، فليست على الجهة التى تكون الصورة
<lb n="5"/> علة للمركب، وإن كانا يتفقان من جهة أن كل واحد منهما علة لشىء لا تباينه ذاته.
<lb n="6"/> فإنهما وإن اتفقا فى ذلك، فإن أحد الوجهين ليس تفيد العلة للآخر وجوده، بل إنما يفيد
<lb n="7"/> الوجود شىء آخر ولكن فيه؛ والثانى يكون العلة فيه هو المبدأ القريب لإفادة المعلول
<lb n="8"/> وجوده بالفعل، ولكن ليس وحده، وإنما يكون مع شريك وسبب يوجد هذه العلة،
<lb n="9"/> أعنى الصورة فتقيم الآخر به، فتكون واسطة مع شريك فى إفادة ذلك وجوده بالفعل
<lb n="10"/> وتكون الصورة للمادة كأنها مبدأ فاعلى لو كان وجودها بالفعل يكون عنه وحده، ويشبه
<lb n="11"/> أن تكون الصورة جزءا للعلة الفاعلية، مثل أحد محركى السفينة على ما سيتضح بعد.
<lb n="12"/> وإنما الصورة، علة صورية للمركب منها ومن المادة، فالصورة إنما هى صورة للمادة ولكن
<lb n="13"/> ليست علة صورية المادة. </p>
<p n="6">
<lb n="14"/>والفاعل يفيد شيئا آخر وجودا ليس للآخر عن ذاته، يكون صدور ذلك
<lb n="15"/> الوجود عن هذا الذى هو فاعل، من حيث لا تكون ذات هذا الفاعل قابلة لصورة ذلك
<lb n="16"/> الوجود، ولا مقارنة له مقارنة داخلة فيه، بل يكون كل واحد من الذاتين خارجا عن
<lb n="17"/> الآخر، ولا يكون فى أحدهما قوة أن يقبل الآخر. وليس يبعد أن يكون الفاعل يوجد
<lb n="18"/> المفعول حيث هو، وملاقيا لذاته؛ فإن الطبيعة التى فى الخشب هى مبدأ فاعل للحركة،
<lb n="19"/> وإنما تحدث الحركة فى المادة التى الطبيعة فيها وحيث ذاته، ولكن ليس مقارنتهما على
<pb n="197"/>
<lb n="1"/>سبيل أن أحدهما جزء من وجود الآخر أو مادة له، بل الذاتان متباينتان فى الحقائق،
<lb n="2"/> ولهما محل مشترك. </p>
<p n="7">
<lb n="3"/>فمن الفاعل ما يتفق وقتا أن لا يكون فاعلا، ولا مفعوله مفعولا، بل يكون
<lb n="4"/> مفعوله معدوما، ثم يعرض الفاعل الأسباب التى يصير بها فاعلا بالفعل.
<pb n="260" edRef="#source_3"/> وقد
<lb n="5"/> تكلمنا فى هذا فيما سلف، فحينئذ يصير فاعلا، فيكون عنه وجود الشىء بعد ما لم
<lb n="6"/> يكن، فيكون لذلك الشىء وجود، ولذلك الشىء أنه لم يكن، وليس له من الفاعل أنه لم
<lb n="7"/> يكن، ولا أنه كان بعد ما لم يكن، إنما له من الفاعل وجوده. وإذن فإن كان له من ذاته
<lb n="8"/> اللا وجود، لزم أن صار وجوده بعد ما لم يكن، فصار كائنا بعد ما لم يكن. </p>
<p n="8">
<lb n="9"/>فالذى له بالذات من الفاعل الوجود، وأن الوجود الذى له، إنما هو لأن الشىء
<lb n="10"/> الآخر على جملة يجب عنها أن يكون لغيره وجود عن وجوده الذى له بالذات. وأما
<lb n="11"/> أنه لم يكن موجودا فليس عن علة فعلته، فإن كونه غير موجود قد ينسب إلى علة ما،
<lb n="12"/> وهو عدم علته، فأما كون وجوده بعد العدم فأمر لم يصر لعلة، فإنه لا يمكن البتة أن يكون
<lb n="13"/> وجوده إلا بعد عدم. وما لا يمكن فلا علة له، نعم وجوده يمكن أن يكون، وأن لا يكون؛
<lb n="14"/> فلوجوده علة، وعدمه قد يكون وقد لا يكون، فيجوز أن يكون لعدمه علة، وأما كون
<lb n="15"/> وجوده بعد ما لم يكن فلا علة له. </p>
<p n="9">
<lb n="16"/>فإن قال قائل: كذلك وجوده بعد عدمه، يجوز أن يكون، ويجوز أن
<lb n="17"/> لا يكون، فنقول: </p>
<p n="10">
<lb n="18"/>إن عنيت وجوده من حيث هو وجوده، فلا مدخل للعدم فيه؛ فإن نفس
<lb n="19"/> وجوده يكون غير ضرورى، أى ممكن، وليس هو غير ضرورى من حيث هو بعد عدم.
<pb n="198"/>
<lb n="1"/>ولكن الغير الضرورى، وجوده هذا الذى اتفق الآن، وقد كان معدوما. وأما من حيث
<lb n="2"/> أخذ وجوده وجودا بعد عدم، فليحفظ كونه بعد عدم، لا كونه موجودا فقط، الذى
<lb n="3"/> كان بعد عدم، واتفق بعد عدم، وذلك لا سبب له، فلا سبب لكون وجوده بعد العدم،
<lb n="4"/>
<pb n="261" edRef="#source_3"/>وإن كان سببا لوجود الذى كان بعد عدم من حيث وجوده. فحق أن وجوده
<lb n="5"/> جائز أن يكون وأن لا يكون بعد العدم الحاصل، وليس بحق أن يكون وجوده بعد العدم
<lb n="6"/> من حيث هو وجود بعد العدم جائز أن يكون وجودا بعد العدم وأن لا يكون بعد العدم،
<lb n="7"/> اللهم إلا أن لا يكون وجودا أصلا فيكون الاعتبار للوجود. </p>
<p n="11">
<lb n="8"/>وربما ظن ظان أن الفاعل والعلة إنما يحتاج إليه ليكون للشىء وجود بعد ما
<lb n="9"/> لم يكن، وإذا وجد الشىء، فلو فقدت العلة، لوجد الشىء مستغنيا بنفسه، فظن من
<lb n="10"/> ظن أن الشىء إنما يحتاج إلى العلة فى حدوثه، فإذا حدث ووجد فقد استغنى عن العلة،
<lb n="11"/> فتكون عنده العلل علل الحدوث فقط وهى متقدمة لا معا، وهو ظن باطل: </p>
<p n="12">
<lb n="12"/>لأن الوجود بعد الحدوث لا يخلو إما أن يكون وجودا واجبا أو وجودا غير
<lb n="13"/> واجب؛ فإن كان وجودا واجبا، فإما أن يكون وجوبه لتلك الماهية لذات تلك الماهية حتى
<lb n="14"/> تقتضى تلك الماهية وجوب الوجود فيستحيل حينئذ أن تكون حادثة، وإما أن يجب لها
<lb n="15"/> بشرط، وذلك الشرط إما الحدوث، وإما صفة من صفات تلك الماهية، وإما شىء مباين،
<lb n="16"/> ولا يجوز أن يكون وجوب وجوده بالحدوث؛ فإن الحدوث نفسه ليس وجوده واجبا بذاته،
<lb n="17"/> فكيف يجب به وجود غيره؟ والحدوث قد بطل فكيف يكون عند عدمه علة لوجوب
<lb n="18"/> غيره؟ إلا أن يقال إن العلة ليست هى الحدوث، بل يكون الشىء قد حصل له الحدوث،
<lb n="19"/> فيكون هذا من الصفات التى للشىء الحادث فيدخل فى الجملة الثانية من القسمين.
<pb n="199"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="1"/>فنقول: إن هذه الصفات لا تخلو إما أن تكون للماهية بماهى ماهية، لا بما
<lb n="2"/> هى قد وجدت، فيجب أن يكون ما قد يلزمها يلزم الماهية، فتكون الماهية يلزمها وجوب
<lb n="3"/> الوجود؛ أو تكون هذه الصفات حادثة مع الوجود؛ فيكون الكلام فى وجوب وجودها
<lb n="4"/>
<pb n="262" edRef="#source_3"/>كالكلام فى الأول. فإما أن يكون هناك صفات بلا نهاية كلها بهذه الصفة، فتكون
<lb n="5"/> كلها ممكنة الوجود، غير واجبة بذاتها، وإما أن تنتهى إلى صفة تجب بشىء خارج.
<lb n="6"/> والقسم الأول يجعل الصفات كلها ممكنة الوجود فى أنفسها، وقد بان أن الممكن الوجود
<lb n="7"/> فى نفسه، موجود بغيره، فتكون جميع الصفات تجب بغير خارج عنها. والقسم الثانى
<lb n="8"/> يوجب أن الوجود الحادث إنما يبقى وجودا بسبب من خارج وهو العلة. </p>
<p n="14">
<lb n="9"/>على أنك قد علمت أن الحدوث ليس معناه إلا وجودا بعد ما لم يكن، فهناك
<lb n="10"/> وجود، وهناك كون بعد ما لم يكن، وليس للعلة المحدثة تأثير وغناء فى أنه لم يكن، بل إنما
<lb n="11"/> تأثيرها وغناؤها فى أن منه الوجود.ث عرض أن كان ذلك، فى ذلك الوقت، بعد ما لم
<lb n="12"/> يكن، والعارض الذى عرض بالاتفاق لا دخول له فى تقوم الشىء، فلا دخول للعدم المتقدم
<lb n="13"/> فى أن يكون للوجود الحادث علة، بل ذلك النوع من الوجود بما هو لذلك النوع من الماهيات
<lb n="14"/> مستحق لأن يكون له علة وإن استمر وبقى. ولهذا لا يمكنك أن تقول: إن شيئا جعل وجود
<lb n="15"/> الشىء بحيث يكون بعد أن لم يكن، فهذا غير مقدور عليه، بل بعض ما هو موجود واجب
<lb n="16"/> ضرورة أن لا يكون بعد عدم، وبعضه واجب ضرورة أن يكون بعد عدم. </p>
<p n="15">
<lb n="17"/>فأما الوجود، من حيث هو وجود هذه الماهية، فيجوز أن يكون عن علة؛
<lb n="18"/> وأما صفة هذا الوجود، وهى أنه بعد ما لم يكن، فلا يجوز أن تكون عن علة؛ فالشىء من
<lb n="19"/> حيث وجوده حادث، أى من حيث أن الوجود الذى له موصوف بأنه بعد العدم،
<pb n="263" edRef="#source_3"/>
<pb n="200"/>
<lb n="1"/> لا علة له بالحقيقة، بل العلة له من حيث للماهية وجود، فالأمر بعكس ما يظنون، بل العلة
<lb n="2"/> للوجود فقط، فإن اتفق أن سبقه عدم كان حادثا، وإن لم يتفق كان غير حادث. </p>
<p n="16">
<lb n="3"/>والفاعل، الذى تسميته العامة فاعلا، فليس هو بالحقيقة علة من حيث
<lb n="4"/> يجعلونه فاعلا. فإنهم يجعلونه فاعلا من حيث يجب أن يعتبر فيه أنه لم يكن فاعلا، فلا
<lb n="5"/> يكون فاعلا من حيث هو علة، بل من حيث هو علة وأمر لازم معه. فإنه يكون فاعلا
<lb n="6"/>من حيث اعتبار ما له فيه أثر مقرونا باعتبار ما ليس له فيه أثر، كأنه إذا اعتبرت العلة
<lb n="7"/> من حيث ما يستفاد منها مقارنا لما لا يستفاد منها سمى فاعلا. فلذلك كل شىء يسمونه
<lb n="8"/> فاعلا يكون من شرطه أن يكون بالضرورة وقد كان مرة غير فاعل، ثم أراد أو قسر، أو
<lb n="9"/> عرض حال من الأحوال لم يكن، فلما قارنه ذلك المقارن كان ذاته مع ذلك المقارن علة
<lb n="10"/> بالفعل، وقد كان خلا عن ذلك، فيكون فاعلا عندهم من حيث هو علة بالفعل بعد كونه
<lb n="11"/> علة بالقوة، لا من حيث هو علة بالفعل فقط. فيكون كل ما يسمونه فاعلا يلزم أن يكون
<lb n="12"/> أيضا ما يسمونه منفعلا، فإنهم لا يخلونه عن مقارنة ما يقارنه من حال حادثة لأجلها ما
<lb n="13"/> صدر عنه وجوده ما لم يكن. </p>
<p n="17">
<lb n="14"/>فإذا ظهر أن وجود الماهية يتعلق بالغير من حيث هو وجود لتلك الماهية لا من
<lb n="15"/> حيث هو بعد ما لم يكن، فذلك الوجود من هذه الجهة معلول ما دام موجودا. كذلك كان
<lb n="16"/> معلولا متعلقا بالغير، فقد بان أن المعلول يحتاج إلى مفيده الوجود لنفس الوجود بالذات،
<lb n="17"/> لكن الحدوث وما سوى ذلك أمور تعرض له، وأن المعلول يحتاج إلى مفيده الوجود دائما
<lb n="18"/> سرمدا ما دام موجودا.
<pb n="264" edRef="#source_3"/>
<pb n="201"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الثاني]
<lb n="2"/>
<num>ب</num>فصل
<lb n="3"/> فى حل ما يتشكك به على ما يذهب إليه أهل الحق من أن كل علة
<lb n="4"/> هى مع معلولها، وتحقيق الكلام فى العلة الفاعلية </head>
<p n="1">
<lb n="5"/>والذى يظن من أن الابن يبقى مع الأب، والبناء يبقى بعد البَّناء، والسخونة
<lb n="6"/> تبقى بعد النار، فالسبب فيه تخليط واقع من جهة جهل العلة بالحقيقة، فإن البنَّاء والأب
<lb n="7"/> والنار ليست عللا بالحقيقة لقوام هذه المعلولات، فإن البانى العامل له المذكور، ليس علة
<lb n="8"/> لقوام البناء المذكور، ولا أيضا وجوده. </p>
<p n="2">
<lb n="9"/>أما البنَّاء فحركته علة لحركة ما، ثم سكونه وتركه الحركة أو عدم حركته ونقله
<lb n="10"/> بعد ذلك النقل علة لانتهاء تلك الحركة، وذلك النقل بعينه وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع
<lb n="11"/> ما، وذلك الاجتماع علة لتشكل ما، وكل واحد مما هو علة فهو ومعلوله معا. </p>
<p n="3">
<lb n="12"/>وأما الأب فهو علة لحركة المنى، وحركة المنى إذا انتهت على الجهة المذكورة
<lb n="13"/> علة لحصول المنى <choice><sic>قى</sic><corr>فى</corr></choice> القرار، ثم حصوله فى القرار علة لأمر؛ وأما تصويره حيوانا وبقاؤه
<lb n="14"/> حيوانا فله علة أخرى؛ فإذا كان كذلك كان كل علة مع معلولها. </p>
<p n="4">
<lb n="15"/>وكذلك النار على لتسخين عنصر الماء، والتسخين علة لإبطال استعداد الماء
<lb n="16"/> بالفعل لقبول صورة المائية أو حفضها؛ وذلك أن شيئا آخر علة <choice>
<sic>لإحدات</sic>
<corr>لإحداث</corr>
</choice> الاستعداد التام
<lb n="17"/> فى مثل هذه الحال لقبول ضدها وهى الصورة النارية، وعلة الصورة النارية هى العلل التى
<lb n="18"/> تكسو العناصر صورها وهى مفارقة.
<pb n="265" edRef="#source_3"/>
<pb n="202"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>فتكون العلل الحقيقية موجودة مع المعلول؛ وأما المتقدمات فهى علل، إما
<lb n="2"/> بالعرض وإما معينات. فلهذا يجب أن يعتقد أن علة شكل البناء هو الاجتماع، وعلة ذلك
<lb n="3"/> طبائع المجتمعات وثباتها على ما [أُلِّفت]، وعلُة ذلك السببُ المفارق الفاعل للطبائع.
<lb n="4"/> وعلة الولد اجتماع صورته مع مادته بالسبب المفيد للصور. وعلة النار السبب المفيد
<lb n="5"/> للصور وزوال الاستعداد التام لضد تلك الصور معا. فنجد إذن أن العلل مع المعلولات. </p>
<p n="6">
<lb n="6"/>وإذا قضينا بما يتصل به كلامنا بأن العلل متناهية، فإنما نشير إلى هذه
<lb n="7"/> العلل ولا نمنع أن تكون عللا معينة ومُعدة بلا نهاية، بعضها قبل بعض. بل ذلك واجب
<lb n="8"/> ضرورة، لأن كل حادث فقد وجب بعد ما لم يجب لوجوب علته حينئذ كما بينا،
<lb n="9"/> وعلته ما كان أيضا وجب. فوجب فى المور الجزئية، أن تكون الأمور المتقدمة التى
<lb n="10"/> بها تجب فى العلل الموجودة بالفعل، أن تصير عللا لها بالفعل أمورا بلا نهاية، ولذلك لا
<lb n="11"/> يقف فيها سؤال لِمَ البتة. </p>
<p n="7">
<lb n="12"/>ولكن الإشكال ههنا فى شىء، وهو أن هذه التى بلا نهاية لا يخلو إما أن
<lb n="13"/> يوجد كل واحد منها آنا فتتوالى آنات متشافعة ليس بينها زمان وهذا محال؛ وإما أن يبقى
<lb n="14"/> زمانا فيجب أن يكون إيجابها فى كل ذلك الزمان لا فى طرف منه، ويكون المعنى الموجب
<lb n="15"/> لإيجابها ايضا معها فى ذلك الزمان، ويكون الكلام فى إيجاب إيجابها كالكلام فيه، وتحصل
<lb n="16"/> علل بلا نهاية معا. وهذه هو الذى نحن فى منعه فنقول: </p>
<p n="8">
<lb n="17"/>إنه لولا الحركة لوجب هذا الإشكال، إلا أن الحركة تبقى الشىء الواحد لا
<lb n="18"/> على حالة واحدة فلا يكون ما يتجدد من حالة بعد حالة فى آن بعد آن يشافعه ويماسه،
<lb n="19"/> بل كذلك على الاتصال، فتكون ذات العلة غير موجبة
<pb n="266" edRef="#source_3"/> لوجود المعلول بل لكونها
<pb n="203"/>
<lb n="1"/> على نسبة ما، وتلك النسبة تكون علتها الحركة أو شريكة علتها. [التى] بها العلة علة
<lb n="2"/> بالفعل الحركة، فتكون حينئذ العلة لا ثابتة الوجود على حالة واحدة ولا باطلة الوجود
<lb n="3"/> حادثة فى آن واحد، فباضطرار إذن تكون العلة الحافظة أو المشاركة لنظام هذه العلل
<lb n="4"/> التى بسببها تنحل الإشكالات هو الحركة. وسنوضح ذلك فى موضعه إيضاحا أشفى من
<lb n="5"/> هذا. فقد بان ووضح أن العلل الذاتية للشىء التى بها وجود ذات الشىء بالفعل يجب
<lb n="6"/> أن تكون معه لامتقدمة فى الوجود تقدما يكون زواله مع الحدوث المعلول، وأن هذا إنما
<lb n="7"/> يجوز فى علل غير ذاتية أو غير قريبة، والعلل غير الذاتية أو الغير القريبة لا يمنع ذهابها
<lb n="8"/> إلى غير النهاية بل يوجبه. </p>
<p n="9">
<lb n="9"/>وإذ قد تقرر هذا، فإذا كان شىء من الأشياء لذاته سببا لوجود شىء آخر
<lb n="10"/> دائما كان سببا له دائما ما دامت ذاته موجودة. فإن كان دائم الوجود كان معلوله دائم
<lb n="11"/> الوجود، فيكون ميل هذا من العلل أولى بالعلية لأنه يمنع مطلق العدم للشىء فهو الذى
<lb n="12"/> يعطى الوجود التام للشىء. فهذا هو المعنى الذى يسمى إبداعا عند الحكماء وهو تأييس
<lb n="13"/> الشىء بعد ليس مطلق، فإن للمعلول فى نفسه أن يكون «ليس» ويكون له عن علته أن
<lb n="14"/> يكون «أيْس». والذى يكون للشىء فى نفسه أقدم عند الذهن بالذات لا فى الزمان من
<lb n="15"/> الذى يكون عن غيره، فيكون كل معلول «أيْسا» بعد «ليْس» بعدية بالذات. </p>
<p n="10">
<lb n="16"/>فإن أطلق اسم المحدَث على كل ما له «أيس» بعد «ليس» وإن لم تكن
<lb n="17"/> بعَدية بالزمان كان كل معلول محدثا؛ وإن لم يطلق، بل كان شرط المحدث أن يوجد زمان
<lb n="18"/> ووقت كان قبله
<pb n="267" edRef="#source_3"/> فبطل لمجيئه بعده، فتكون بَعديته بعَدية لا تكون مع القبلية
<lb n="19"/> موجودة، بل تكون ممايزة لها فى الوجود لأنها زمانية. فلا يكون كل معلول محدثا، بل
<pb n="204"/>
<lb n="1"/> المعلول الذى سبق وجوده زمان سبق وجوده لا محالة حركة وتغير كما علمت. ونحن
<lb n="2"/> لا نناقش فى الاسماء. </p>
<p n="11">
<lb n="3"/>ثم المحدث بالمعنى الذى لا يستوجب الزمان لا يخلو إما أن يكون وجوده بعد
<lb n="4"/> «ليس» مطلق، أو يكون وجوده بعد «ليس» غير مطلق بل بعد عدم مقابل خاص فى
<lb n="5"/> مادة موجودة على ما عرفته. فإن كان وجوده بعد «ليس» مطلق كان صدوره عن العلة،
<lb n="6"/> ذلك الصدور إبداعا، ويكون أفضل أنحاء إعطاء الوجود، لأن العدم يكون قد منع البتة،
<lb n="7"/> وسُلِّط عليه الوجود، ولو مُكِّن العدم تمكينا يسبق الوجود كان تكوينه ممتنعا إلا عن
<lb n="8"/> مادة، وكان سلطان الإيجاد، أعنى وجود الشىء من الشىء ضعيفا قصيرا مستأنفا. </p>
<p n="12">
<lb n="9"/>ومن الناس من لا يجعل كل ما هذا بصفته مبدعا، بل يقول، إذا توهمنا شيئا
<lb n="10"/> وجد عن علة أولى بتوسط علة وسطى فاعلية، وإن لم يكن عن مادة، ولا كان لعدمه
<lb n="11"/> سلطان، ولكن كان وجوده عن العلة الأولى الحقيقية بعد وجود آخر انساق إليه، فليس
<lb n="12"/> تأييسه عن «ليس» مطلقا، بل عن «أيس» وإن لم يكن ماديا. ومن الناس من يجعل
<lb n="13"/> الإبداع لكل وجود صورى كيف كان؛ وأما المادى، وإن لم تكن المادة سبقت فيخص
<lb n="14"/> نسبته إلى العلة باسم التكوين. </p>
<p n="13">
<lb n="15"/>ونحن لا نناقش فى هذه الاسماء البتة بعد أن تحصل المعانى متميزة، فنجد
<lb n="16"/> بعضها له وجود عن علة دَوْما بلا مادة، وبعضها بمادة، وبعضها بواسطة، وبعضها بغير
<lb n="17"/> واسطة. ويحسن أن يسمى كل ما لم يوجد عن مادة سابقة غير متكون بل مبدعا، وأن
<lb n="18"/> نجعل أفضل ما يسمى مبدعا ما لم يكن بواسطة عن علته الأولى، مادية كانت أو فاعلية
<lb n="19"/> أو غير ذلك.
<pb n="268" edRef="#source_3"/>
<pb n="205"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="1"/>ونرجع إلى ما كنا فيه فنقول: أما الفاعل الذى يعرض له أن يكون فاعلا فلا
<lb n="2"/> بد له من مادة يفعل فيها، لأن كل حادث، كما علمت، يحتاج إلى مادة فربما فعل دفعة،
<lb n="3"/> وربما فعل بالتحريك فيكون مبدأ الحركة؛ وإذا قال الطبيعيون للفاعل، مبدأ الحركة،
<lb n="4"/> عنوا به الحركات الأربع، وتساهلوا فى هذا الموضع فجعلوا الكون والفساد حركة. وقد
<lb n="5"/> يكون الفاعل بذاته فاعلا، وقد يكون بقوة؛ فالذى بذاته، فمثل الحرارة لو كانت موجودة
<lb n="6"/> مجردة تفعل، فكان يصدر عنها ما يصدر لأنها حرارة فقط؛ وأما الفاعل بقوة، فمثل النار
<lb n="7"/> بحرارتها وقد عددنا فى موضع آخر أصناف القوى. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="8"/> [الفصل الثالث]
<lb n="9"/> (ج) فصل
<lb n="10"/> فى مناسبة ما بين العلل الفاعلية ومعلولاتها </head>
<p n="1">
<lb n="11"/>نقول انه ليس الفاعل كل ما أفاد وجودا أفاده مثل نفسه، فربما أفاد وجودا مثل
<lb n="12"/> نفسه وربما أفاد وجودا، لا مثل نفسه، كالنار تسوّد، أو كالحرارة تسخّن؛ والفاعل الذى
<lb n="13"/> يفعل وجودا مثل نفسه، فإن المشهور أنه أولى وأقوى فى الطبيعة التى يفيدها من غيره.
<lb n="14"/> وليس هذا المشهور ببِّين ولا بحق من كل وجه، إلا أن يكون ما يفيده هو نفس الوجود
<lb n="15"/> والحقيقة؛ فحينئذ يكون المفيد أولى بما يفيده من المستفيد. </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>ولْنَعُدْ من رأس فنقول: إن العلل لا تخلو إما أن تكون عللا للمعلولات فى نحو وجود
<lb n="17"/> أنفسها، وإما أن تكون عللا للمعلولات فى وجود اخر. مثالُ الأول: تسخين النار؛ ومثال
<lb n="18"/> الثانى: تسخين الحركة، وحدوث التخلخل من الحرارة، وأشياء كثيرة مشابهة لذلك.
<pb n="269" edRef="#source_3"/>
<pb n="206"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>ولنتكلم عن العلل والمعلولات التى تناسب الوجه الأول. ولنورد الأقسام التى
<lb n="2"/> قد يظن فى الظاهر أنها أقسامه، فنقول: </p>
<p n="4">
<lb n="3"/>قد يظن فى الوجه الأول أنه قد يكون المعلول فى كثير منه أنقص وجودا من
<lb n="4"/> العلة فى ذلك المعنى، إن كان ذلك المعنى يقبل الأشد والأنقص مثل الماء إذا تسخن عن
<lb n="5"/> النار. وقد يكون فى ظاهر النظر مثله أيضا، قبل ذلك أو لم يقبل، مثل النار فإنها يعتقد
<lb n="6"/> فيها، فى الظاهر، أنها تُحيل غيرها مثل نفسها نارا فى الظاهر فيكون مساويا لها فى صورة
<lb n="7"/> النارية، لأن تلك الصورة لا تقبل الأزيد والأقل، ومساويا له فى العرض اللازم من السخونة
<lb n="8"/> المحسوسة إذا كان صدور ذلك الفعل عن الصورة المساوية لصورته وعنه أيضا، والمادة
<lb n="9"/> مساوية فى التهيؤ. </p>
<p n="5">
<lb n="10"/>وأما كون المعلول أزيد فى المعنى الذى هو من العلة، فهو الذى يرى أنه لا يمكن
<lb n="11"/>البتة ولا يوجد فى الأشياء المظنونة عللا ومعلولات، لأن تلك الزيادة لا يجوز أن يكون
<lb n="12"/> حدوثها بذاتها، ولا يجوز أن يكون حدوثا لزيادة استعداد المادة، حتى يكون قد أوجب
<lb n="13"/> ذلك خروج الشىء إلى الفعل بذاته، فإن الاستعداد ليس سببا للإيجاد، فإن جُعل سببُها
<lb n="14"/> العلُة والَأَثُر الذى وجد عن العلة معا، فتلك الزيادة تكون معلولة أمرين لا معلولة أمر واحد؛
<lb n="15"/> وهما مجموعتين يكونان أكثر وأزيد من المعلول الذى هو الزيادة. </p>
<p n="6">
<lb n="16"/>فإن سلمنا هذه الظنون إلى أن نستبين حالها، ساغ لنا أن نقول: إنه إذا كان
<lb n="17"/> المعنى فى المعلول والعلة متساويا فى الشدة والضعف فإنه يكون للعلة، بما هى علة، التقدم
<lb n="18"/> الذاتى لا محالة فى ذلك المعنى. والتقدم الذاتى، الذى له فى ذلك المعنى معنى من حال
<lb n="19"/> ذلك
<pb n="270" edRef="#source_3"/> المعنى، غير الموجود للثانى، فيكون ذلك المعنى مساويا للأول إذا أخذ
<lb n="20"/> بحسب وجوده وأحواله التى له من جهة وجوده أقدم [من الآخر] فيزول إذن مطلق
<pb n="207"/>
<lb n="1"/> المساواة، لأن المساواة تبقى فى الحد، وهما من جهة ما لهما ذلك الحد متساويان، وليس
<lb n="2"/> أحدهما علة ولا معلولا. فأما من جهة ما أحدهما علة والآخر معلول فواضح أن اعتبار
<lb n="3"/> وجود ذلك الحد لأحدهما أولى، إذ كان له أولا لا من الثانى ولم يكن الثانى إلا منه. فظاهر
<lb n="4"/> من هذا أن هذا المعنى إذا كان نفس الوجود لم يمكن أن يتساويا فيه البتة إذ كان إنما يمكن
<lb n="5"/> أن يساويه باعتبار الحد ويفضل عليه باعتبار استحقاق الوجود. والآن فإن استحقاق
<lb n="6"/> الوجود هو من جنس استحقاق الحد بعينه، إذ قد أخذ هذا المعنى نفس الوجود، فَبَيِّن
<lb n="7"/> أنه لا يمكن أن يساويه إذا كان المعنى نفس الوجود فمفيد وجود الشىء من حيث هو
<lb n="8"/> وجود أولى بالوجود من الشىء.</p>
<p n="7">
<lb n="9"/> ولكن ههنا تفصيل آخر بنوع من التحقيق يجب أن لا نغفله، وهو أن العلل
<lb n="10"/> والمعلومات تنقسم فى أول النظر عند التفكر إلى قسمين: </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>قسم تكون طباع المعلول فيه ونوعيته وماهيته الذاتية توجب أن يكون معلولا
<lb n="12"/> فى وجوده لطبيعة أو لطبائع، فتكون العلل مخالفة لنوعيته، لا محالة، إذ كانت عللا له
<lb n="13"/> فى نوعه لا فى شخصه. وإذا كان كذلك لم يكن النوعان واحدا، إذ المطلوب علة ذلك
<lb n="14"/> النوع، بل تكون المعلولات تجب عن نوع غير نوعها، والعلل يجب عنها نوع غير نوعها.
<lb n="15"/> [تكون] عللا للشىء المعلول ذاتية بالقياس إلى نوع المعلول مطلقا.
<pb n="271" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="16"/>وقسم منه يكون المعلول ليس معلول العلة، والعلة علة المعلول فى نوعه بل فى
<lb n="17"/> شخصه. ولنأخذ هذا على ظاهر ما يقتضيه الفكر من التقسيم، وظاهر ما يوجد له من
<pb n="208"/>
<lb n="1"/> الأمثلة وعلى سبيل التوسع، إلى أن نبين حقيقة الحال الواجبة فيه من نظرنا فى السبب
<lb n="2"/> المعطى لصورة كل ذى صورة من الأجسام. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>فمثال الأول كون النفس علة للحركة الاختيارية، ومثال الثانى كون هذه النار
<lb n="4"/> علة لتلك النار. والفرق بين الأمرين معلوم. فإن هذه النار ليست علة لتلك النار على أنها
<lb n="5"/> علة نوعية النار بل على أنها علة نار ما. فإذا اعتبر من جهة النوعية كانت هذه العلة للنوعية
<lb n="6"/> بالعرض؛ وكذلك الأب للابن لا من جهة ما هو أب وذلك ابن، وذاك من جهة وجود الإنسانية. </p>
<p n="11">
<lb n="7"/>وهذا القسم يتوهم على وجهين: أحدهما أن تكون العلة والمعلول مشتركين
<lb n="8"/> فى استعداد المادة كالنار والنار. والآخر أن لا يكونا فيه مشتركين كضوء الشمس الذى
<lb n="9"/> فى جوهره الفاعل للضوء ههنا أو فى القمر. وإذ ليس استعداد المادتين فيهما متساويا ولا
<lb n="10"/> المادتان من نوع واحد، فبالحرى أن لا يتساوى الشخصان فى ذلك، أعنى هذا الضوء
<lb n="11"/> الذى فى الشمس وهذا الضوء الحادث عنه. فيكاد لذلك أن لا يكون الضوءان من نوع
<lb n="12"/> واحد عند من يشترط فى تساوى نوعية الكيفيات أن لا يكون أحدهما أنقص والآخر
<lb n="13"/> أزيد، على ما علمت فى موضعه من صفته، ويكونان نوعا واحدا عند من يرى المخالفة
<lb n="14"/> بالنقص والاشتداد مخالفة بالعوارض والتشخصات. </p>
<p n="12">
<lb n="15"/>وأما القسم الأول وهو أن يكون الأمران مشتركين فى استعداد المادة، فهو
<lb n="16"/> أيضا على قسمين؛ لأن ذلك الاستعداد إما أن يكون استعدادا فى المنفعل تاما، أو يكون
<lb n="17"/> استعدادا ناقصا. والاستعداد التام أن لا يكون فى طباع الشىء معاوق ومضاد لما هو
<lb n="18"/>
<pb n="272" edRef="#source_3"/>بالقوة فيه، كاستعداد الماء المسخن للتبرد لأن فى نفسه قوة طبيعية ــ كما
<pb n="209"/>
<lb n="1"/> علمناه فى الطبيعيات ــ <choice>
<sic>تعاوق</sic>
<corr>تعاون<note>according to Bertolacci 2006, 519</note></corr>
</choice> القوة الخارجة فى التبريد أو لا تعاوقه؛ وأما الاستعداد
<lb n="2"/> الناقص فهو كاستعداد الماء للتسخن، لأن فيه قوة تعاوق التسخن الذى يحدث فيه من
<lb n="3"/> خارج، وتوجد مع التسخن باقية فيه ولا تبطل. </p>
<p n="13">
<lb n="4"/>والقسم الأول على أقسام ثلاثة: فإنه إما أن يكون فى المستعد قوة معاونة،
<lb n="5"/> تبقى كما فى الماء إذا برد عن سخونه. وإما أن يكون فى المستعد قوة مضادة للأمر،
<lb n="6"/> إلا أنها تبطل مع وجود الأمر كما فى الشعر إذا شاب عن سواد. وإما أن لا يكون فى
<lb n="7"/> المستعد ولا واحد من الأمرين لا ضد ولا معين، ولكن عدم الأمر والاستعداد له فقط،
<lb n="8"/> مثل حال التَّفِه فى قبول الطعم، وعديم الرائحة فى قبول الرائحة. فإن سئلنا عن استعداد
<lb n="9"/> الماء لأن يصير نارا أنه من أى الأقسام الخمسة هو، لم يشكل علينا أنه من قسم المشاركة
<lb n="10"/> فى استعداد تام للمادة ولكن به فى المادة ضده. </p>
<p n="14">
<lb n="11"/>ولقائل أن يقول: إنكم قد تركتم اعتبار قسم واحد، وهو أن لا يكون هناك
<lb n="12"/> مشاركة فى المادة أصلا إذ لا يكون لها مادة. </p>
<p n="15">
<lb n="13"/>فالجواب عن هذا أن هناك لا يمكن أن يكون اتفاق فى النوع البتة، فإنه قد
<lb n="14"/> استبان أن الأشياء المتفقة فى النوع البريئة عن المادة أصلا يكون وجودها عينا واحدا.
<lb n="15"/> ولا يجوز أن يقال معنى الواحد منها على كثيرين. </p>
<p n="16">
<lb n="16"/>فإذ قد دللنا على هذه الأقسام التى حاصلها خمسة؛ فإنا نرود الحكم فى
<lb n="17"/> قسم قسم منها فنقول: </p>
<p n="17">
<lb n="18"/>أما القسم من هذا الباب الذى لا مشاركة فيه فى استعداد المادة لا القريبة
<lb n="19"/> ولا البعيدة، فليس يجب فيه أن يكون ما يحدثه الفاعل من الآثار القابلة للزيادة والنقصان
<pb n="210"/>
<lb n="1"/>
<pb n="273" edRef="#source_3"/>مساويا لنفسه، لأنه يمكن أن يكون بما افترقا فيه من جوهر المادة افتراقا فى
<lb n="2"/> الاستعداد لقبول الأمر فلم يقبلاه بالسوية. وليس أيضا يجب أن لا يتساويا فيه، بل قد
<lb n="3"/> يجوز أن يكون الحال فى ذلك مثل الحال فى اتباع سطح فلك الأثير لسطح فلك القمر فى
<lb n="4"/> الحركة التى بالعرض. وذلك حيث يمكن أن لا يكون فى هذا مانع من قبول التأثير مساويا
<lb n="5"/> لما يؤثره الفاعل وهو فى مثل هذا الموضع إحداث مثل نفسه.</p>
<p n="18">
<lb n="6"/>وأما القسم من هذا الباب الذى هناك استعداد تام كيف كان، فالأمر ظاهر
<lb n="7"/> فى أن المنفعل قد يجوز أن يتشبه بالفاعل تشبها تاما؛ وذلك مثل النار تحيل الماء نارا
<lb n="8"/> والملح يحيل العسل ملحا، وما أشبه ذلك. وقد يجوز أن يزيد فيه المنفعل على الفاعل
<lb n="9"/> فى الظاهر غير المتحقق، مثل الماء الذى يجمده الهواء ولا يكون برد ذلك الهواء برد ذلك
<lb n="10"/> الجمد؛ إلا أنك إذا تحققت لم يكن الفاعل وجده هو البرد الذى فى الهواء، بل والقوة
<lb n="11"/> المبردة الصورية التى فى جوهر الماء ــ الذى دللنا عليه فى الطبيعيات ــ إذا عاونها ولم
<lb n="12"/> يعاوقها برد الهواء. </p>
<p n="19">
<lb n="13"/>وأما القسم من هذا الباب الذى يكون استعداد المنفعل فيه ناقصا، فليس
<lb n="14"/> يمكن البتة أن يتشبه فيه المنفعل بالفاعل التام القوة ويساويه، فإنه لا يمكن أن يكون الشىء
<lb n="15"/> الحاصل من قوة فى الشىء لا مضاد لها والحاصل من قوة أخرى، وهناك مضاد ممانع،
<lb n="16"/> متساويين البتة، أو يبطل الممانع. ولهذا لا يمكن أن يكون شىء غير النار يتسخن من
<lb n="17"/> النار وتكون سخونته مثل سخونة تلك النار، أو شىء غير الماء يبرد عن الماء وتكون
<lb n="18"/> برودته أكثر من برودة ذلك الماء؛
<pb n="274" edRef="#source_3"/>لأن استعداد النار للتسخن والماء للتبرد حال
<lb n="19"/> غير مضاد فى جوهره، والقوة الفاعلة داخلة فى جوهره غير غريبة منه. فأما ما ينفعل
<pb n="211"/>
<lb n="1"/> منهما ففيه مانع عنه مضاد. والفاعل الأول للانفعال خارج عن جوهره ويفعل فيه بمماسته
<lb n="2"/> وبتوسط أمر، كالسخونة المحسوسة فى النار المسخنة، والبرودة المحسوسة فى الماء
<lb n="3"/> المبرد، فليس يمكن أن يساويه. </p>
<p n="20">
<lb n="4"/>فإن قال قائل: إن النار قد تذيب الجواهر فتجعلها أسخن منها، لأنا ندخل
<lb n="5"/> أيدينا فى النار ونمرها بعجلة فلا تحترق احتراقها فى المسبوكات لو فعل بها ذلك بعينه،
<lb n="6"/> فيعلم من ذلك يقينا أن المسبوكات أسخن من النار ومع ذلك فإنما سخنت من النار. فإنا
<lb n="7"/> نجيب ونقول: </p>
<p n="21">
<lb n="8"/>إن ذلك ليس بسبب أن المسبوكات أسخن، ولكن لمعان ثلاثة، منها ما
<lb n="9"/> هو أقرب إلى الظهور: أحدهما فى المسبوك، والآخر فى النار، والثالث فى اللامس،
<lb n="10"/> وكلها متعاونة متقاربة. أما الذى فى المسبوك، فلأنه غليظ فيه تشبث ما ولزوجة وبطء
<lb n="11"/> انفصال. فإذا لمس ذهب مع اللامس ولم يمكن أن يفارق إلا فى زمان ذى قدر فى نفسه
<lb n="12"/> بالقياس إلى زمان مفارقة اللامس النار، وإن كان الحس لا يضبط ذلك الإختلاف، لكن
<lb n="13"/> العقل والذهن يوجبه. ومن شأن الفاعل الطبيعى أن يفعل فى المنفعل فى مدة أطول فعلا آكد
<lb n="14"/> وأحكم، وأن يفعل الضعيف فى مدة أطول ما لا يفعله القوى فى مدة قصيرة. </p>
<p n="22">
<lb n="15"/>وأما الذى فى النار، فلأن النار محسوسة إنما هى أجزاء من النار الحقيقية
<lb n="16"/> مع أجزاء من الأرض متصعدة متحركة. واجتماعها على سبيل التجاور لا على سبيل
<lb n="17"/> الإتصال، بل هى فى أنفسها متفرقة، ويتخللها الهواء تخللا على سبيل التجدد. فيكسر
<lb n="18"/> ما بداخله فيها من صرافة حرة، لأنه أبرد منها، ولأنه ليس ينفعل فى تلك العجلة انفعالا
<lb n="19"/> لا يصير به نارا محضا.
<pb n="275" edRef="#source_3"/> ومع ذلك فإنها سريعة الحركة فى نفسها لا يكاد يبقى جزء
<pb n="212"/>
<lb n="1"/> منها مماسا لجزء من اليد زمانا يؤثر فيه تأثيرا محسوسا بل يتجدد. فما لم تجتمع تأثيرات
<lb n="2"/> غير محسوسة كثيرة لا يؤدى إلى قدر محسوس وذلك فى مدة لها قدر. </p>
<p n="23">
<lb n="3"/>وأما المسبوك، فإن جوهره مجتمع متحد ثابت قائم بالإتصال؛ وإذا كان
<lb n="4"/> كذلك كان ما يلاقى سطح اليد من المسبوك سطحا واحدا مطابقا بالكلية، وما يلاقيه
<lb n="5"/> من النار المحسوسة سطوح صغار مخالطة لما هو بالقياس إليها برد، فيختلف بذلك
<lb n="6"/> التأثير، إلا أن يبقى مدة تتوالى فيها المماسات فيكثر ويفعل كل سطح فيما يماسه فعلا،
<lb n="7"/> ثم يتسلط الفعل على ما هو عليه الأمر فى الاستحالات الطبيعية. وأما النار المحقونة فى
<lb n="8"/> مثل الكيران للحدادين فإنها أعظم تأثيرا فيما يماسه من المسبوكات وغيرها، وأسرع مدة
<lb n="9"/> لاجتماعها وصرافتها. </p>
<p n="24">
<lb n="10"/>وأما الحال التى فى اليد، فلأن اليد قادرة على قطع الهواء والنار والأجسام
<lb n="11"/> اللطيفة بأسرع حركة، وليست قادرة على قطع المسبوك الكثيف باسرع حركة، لأن المقاومة
<lb n="12"/> للدفع والخرق فى اللطيف قليل، وفى الكثيف كثير. ويكاد أن يكون هذا يسمى كثيفا
<lb n="13"/> وذلك لطيفا بسبب اختلافهما فى هذا المعنى. فلو كان المسبوك ليس ألزج وأكثر تشبثا لما
<lb n="14"/> يلامسه، وليس أيضا اشد اجتماعا واتحادا، ثم كان قطعه فى مدة أطول لمقاومته، وكان
<lb n="15"/> ثابتا لازما غير هارب عن المماسة، لكفاه ذلك فى جواز أن يؤثر تأثيرا أشد من تاثير
<lb n="16"/> اللطيف بحسب نسبة الأزمنة إذ كان ذا أثر فى مثل زمان ملاقاة اللطيف أثرا ما، فإذا
<lb n="17"/> ضوعف الزمان أمكن أن يساويه فى بعض الأضعاف، وإذا زيد فى الأضعاف أمكن أن
<lb n="18"/> يزيد عليه. وربما لم يكن زمانه المضاعف مع عظم نسبته محسوس القدر لما تعرفه.</p>
<pb n="213"/>
<p n="25">
<lb n="1"/> ومن حق هذا الموضع أن يبسط بسطا أكثر مما بسطناه، لكنه
<pb n="276" edRef="#source_3"/> أولى
<lb n="2"/> بالصناعة الطبيعية. وإنما يجب أن نذكر ههنا قدر ما تنحل به الشبهة ويظهر وجهها، ثم إن
<lb n="3"/> شاء مستقص أن يستقص ذلك استقصاه من الأقوال المستقصاة فى علم الطبيعة وخصوصا
<lb n="4"/> ما عسى يجده من جهتنا. فقد ظهر من جملة هذه التفصيلات الموضع الذى نظن فيه أنه
<lb n="5"/> يجوز أن يتساوى الفاعل والمنفعل فيه، والموضع الذى يظن فيه أنه يجوز أن يزيد عليه،
<lb n="6"/> والموضع الذى لا يجوز إلا أن يقصر عنه. وظهر فى خلال ذلك أنه وإن كان كذلك، فوجود
<lb n="7"/> المعنى من جهة نفس الوجود لا يتساوى فيه الفاعل والمنفعل إذا لم يكن فاعلا للمعنى بما
<lb n="8"/> هو وجود المعنى بالعرض كما بيناه. </p>
<p n="26">
<lb n="9"/>ثم الفاعل والمبدأ الذى ليس منفعله مشاركا له فى النوع ولا فى المادة، وإنما
<lb n="10"/> يشاركه بوجه ما فى معنى الوجود، وليس يمكن أن يعتبر فيه حال المعنى الذى له الوجود
<lb n="11"/> لأنهما ليسا يشتركان فيه، فبقى فيه حال اعتبار الوجود نفسه، وقد كان فى سائر ذلك ما كان
<lb n="12"/> من المتساوية والزائدة على مبدأ الفاعل إذا رجع إلى حال اعتبار الوجود كان المبدأ الفاعلى
<lb n="13"/> غير مساو له؛ لأن وجوده بنفسه، ووجود المنفعل من حيث ذلك الإنفعال مستفاد منه. </p>
<p n="27">
<lb n="14"/>ثم الوجود بما هو وجود لا يختلف فى الشدة والضعف، ولا يقبل الأقل
<lb n="15"/> والأنقص. وإنما يختلف فى عدة أحكام وهى: التقدم، والتأخر، والاستغناء والحاجة،
<lb n="16"/> والوجوب والإمكان. أما فى التقدم والتأخر، فإن الوجود، كما علمت، للعلة أولا،
<lb n="17"/> وللمعلول ثانية. وأما الاستغناء والحاجة، فقد علمت أن العلة لا تفتقر فى الوجود إلى
<lb n="18"/> المعلول، بل يكون موجودا بذاته أو بعلة أخرى؛ وهذا المعنى قريب من الأول وإن خالفه
<pb n="214"/>
<lb n="1"/> فى الاعتبار.
<pb n="277" edRef="#source_3"/>وأما الوجوب والإمكان، فإنا نعلم أنه إن كانت علة هى علة لكل
<lb n="2"/> ما هو معلول فهى واجبة الوجود بالقياس إلى الكل من كل المعلولات وعلى الإطلاق. وإن
<lb n="3"/> كان علة لمعلول ما، فهى واجبة الوجود بالقياس إلى ذلك المعلول، وذلك المعلول كيف كان
<lb n="4"/> فهو ممكن الوجود فى نفسه. </p>
<p n="28">
<lb n="5"/>وتلخيص هذا: هو أن المعلول هو فى ذاته بحيث لا يجب له وجود، وإلا
<lb n="6"/> لوجب من دون علته إذا فرض واجبا لذاته وبحيث لا يمتنع له وجود؛ وإلا لما وجد
<lb n="7"/> بالعلة، فذاته بذاته بلا شرط كون علة له أو لا كون علة له ممكنة الوجود، وإنما يجب
<lb n="8"/> لا محالة بالعلة. </p>
<p n="29">
<lb n="9"/>ثم العلة كما قد تبين لا يجوز أن يجب بها، بل يكون إما واجبا بذاته وإما
<lb n="10"/> واجبا من شىء غيره. فإذا حصل له الوجوب به فحينئذ يصح أن يكون عنه وجوب
<lb n="11"/> غيره؛ فيكون المعلول باعتبار ذاته ممكنا. وأما العلة فباعتبار ذاتها إما واجبا وإما ممكنا.
<lb n="12"/> فإن كان واجبا فوجوده أحق من وجود الممكن. وإن كان ممكنا، وليس يجب بالمعلول،
<lb n="13"/> والمعلول يجب به وبعد وجوبه، فتكون العلة إذا صار ذاتها واجبة لم يكن بالقياس إلى
<lb n="14"/> المعلول، والمعلول لا يصير ذاته واجبة إلا بالقياس إليها؛ فيكون إلى ذات العلة نظر قد
<lb n="15"/> وجب به لا يتناول ذات المعلول بل يكون به هو واجبا، والمعلول غير ملحوظ بعد، وذات
<lb n="16"/> المعلول لا تكون إلا ممكنة، ولا يجب إلا ا، تلاحظ مقيسة بالعلة، فيكون للعلة اختصاص
<lb n="17"/> بوجوب، ولا يكون للمعلول إلا الإمكان فقط عند ذاك الإختصاص، ويكون إذا كان
<lb n="18"/> للمعلول وجوب كان العلة اولا وإلا لكانت العلة بعد ممكنة لم يجب وجودها ووجب وجود
<lb n="19"/> المعلول. فيكون وجب لا عن ذات العلة وهذا محال.
<pb n="215"/>
</p>
<p n="30">
<lb n="1"/>فيكون للعلة وجوب باعتبار ذاته ومن حيث
<pb n="278" edRef="#source_3"/> لم تضف إلى المعلول،
<lb n="2"/> والمعلول بعد ثابت على مقتضى إمكانه إذ كانت العلة لا تجب عنه بل بذاته أو بإضافة إلى
<lb n="3"/> غيره لا إليه، ومن حيث العلة غير مضافة إلى المعلول بعد، فالمعلول ليس يجب وجوده،
<lb n="4"/> بل إنما يجب وجوده من حيث العلة مضافة إليه، فتصير العلة، لهذه المعانى الثلاثة، أولى
<lb n="5"/> بالوجود من المعلول، فالعلة أحق من المعلول، ولأن الوجود المطلق إذا جعل وجود شىء
<lb n="6"/> صار حقيقيا. فبين أن المبدأ المعطى للحقيقة المشارك فيها أولى بالحقية. فإذا صح أن
<lb n="7"/> ههنا مبدأ أولا هو المعطى لغيره الحقيقة، صح أنه الحق بذاته، وصح أن العلم به هو العلم
<lb n="8"/> بالحق مطلقا؛ وإذا حصل العلم به كان العلم الحق مطلقا بالنحو الذى يقال للعلم حق،
<lb n="9"/> وهو الذى بالقياس إلى المعلوم. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="10"/> [الفصل الرابع]
<lb n="11"/>
<num>د</num> فصل
<lb n="12"/> فى العلل الأخرى العنصرية والصورية والغائبة </head>
<p n="1">
<lb n="13"/>فهذا ما نقوله فى المبدأ الفاعلى، ولنشرح الآن القول فى المبادئ الأخر. فأما
<lb n="14"/> العنصر، فهو الذى فيه قوة وجود الشىء، فنقول: إن الشىء تكون له هذه الحالة مع شىء
<lb n="15"/> آخر على وجوه: </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>فتارة يكون كما للّوح إلى الكتابة، وهو أنه مستعد لقبول شىء يعرض له من غير
<lb n="17"/> تغير فيه ولا زوال أمر كان له عنه.
<pb n="279" edRef="#source_3"/>وتارة يكون كما للشمعة إلى الصنم، وللصبى
<lb n="18"/> إلى الرجل، وهو أنه مستعد لقبول شىء يعرض له من غير أن يتغير من أحواله شىء، إلا
<lb n="19"/> حركة فى «أين» أو «كم» أو غير ذلك. وتارة يكون كما للخشبة إلى السرير؛ فإنه يُنقصه
<pb n="216"/>
<lb n="1"/> بالنحت شيئا من جوهره. وتارة يكون مثل ما للأسود إلى الأبيض؛ فإنه يستحيل ويفقد
<lb n="2"/> كيفيته من غير فساد جوهره. وتارة يكون كما للماء إلى الهواء؛ فإنه يكون الهواء
<lb n="3"/> عنه بأن يفسد. وتارة يكون كما للمنى إلى الحيوان، فإنه يحتاج أن ينسلخ عن صور له
<lb n="4"/> انسلاخات حتى يستعد لقبول صورة الحيوان. وكذلك الحصرم للخمر. وتارة يكون كما
<lb n="5"/> للمادة الأولى إلى الصورة؛ فإنها مستعدة لقبولها متقومة بالفعل. وتارة يكون مثل الهِليَلَجة
<lb n="6"/> إلى المعجون؛ فإنه ليس عنه وحده يكون المعجون، بل عنه وعن غيره فيكون قبل ذلك
<lb n="7"/> جزءا من أجزائه بالقوة. وتارة يكون كما للخشب والحجارة إلى البيت؛ فإنه كالأول، إلا
<lb n="8"/> أن الأول إنما يكون عنه المعجون بضرب من الاستحالة، وهذا ليس فيه إلا التركيب. ومن
<lb n="9"/> هذا الجنس أيضا الآحاد للعدد، وقد يجعل قوم المقدمات كذلك للنّتيجة، وذلك غلط. بل
<lb n="10"/> المقدمات كذلك لشكل القياس. وأما النتيجة فليست صورة فى المقدمات، بل شيئا يلزم
<lb n="11"/> عنها، كأن المقدمات تفعلها فى النفس.
<pb n="280" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="12"/>فعلى هذه الأنحاء نجد الأشياء الحاملة للقوة؛ فإنها إما أن تكون حاملة للقوة
<lb n="13"/> بوحدانيتها أو بشركة غيرها. </p>
<p n="4">
<lb n="14"/>فإن كانت بوحدانيتها فإما إلا يحتاج فيما يكون منها إلا إلى الخروج بالفعل
<lb n="15"/> لذلك فقط، وهذا هو الذى بالحرى أن يسمى موضوعا بالقياس إلى ما هو فيه؛ ويجب
<lb n="16"/> أن يكون لمثل هذه بنفسه بالفعل قوام؛ فإنه إن لم يكن له قوام لم يجز أن يكون متهيئا لقبول
<lb n="17"/> الحاصل فيه، بل يجب أن يكون قائما بالفعل؛ فإن كان إنما يصير قائما بما يحله فقد كان
<lb n="18"/> فيه شىء يحله قبل ما حله ثانيا به يقوم، وإما أن يكون الثانى ليس مما يقومه بل مضافا
<lb n="19"/> إليه أو يكون وروده يبطل ما كان يقيمه قبله فيكون قد استحال، وقد فرضناه لم يستحل.
<pb n="217"/>
<lb n="1"/>فهذا قسم وأما إن كان يحتاج إلى زيادة شىء، فإما أن يكون إلى حركة فقط، إما مكانية
<lb n="2"/> وإما حركة كيفية أو حركة كمية أو وضعية و جوهرية، وإما إلى فوات أمر آخر من جوهره
<lb n="3"/> من كم أو كيف أو غير ذلك. </p>
<p n="5">
<lb n="4"/>وأما الذى يكون بمشاركة غيره فيكون لا محالة فيه اجتماع وتركيب، فإما
<lb n="5"/> أن يكون تركيب من اجتماع فقط، وإما أن يكون مع ذلك استحالة فى الكيف. وكل ما
<lb n="6"/> فيه تغير فإما أن ينتهى إلى الغاية وتغير واحد، أو بتغيرات كثيرة. وقد جرت العادة بأن
<lb n="7"/> يسمى الذى يكون الكون منه بالتركيب وهو فى الشىء أسطقسا، وهو الذى ينحل إليه
<lb n="8"/> أخيرا. فإن كان جسمانيا فهو <choice>
<sic>أصغرما</sic>
<corr>أصغر ما</corr>
</choice> ينتهى إليه القاسم فى القسمة إلى <choice>
<sic>[مختلفات]</sic>
<corr>مختلفات</corr>
</choice>
<lb n="9"/> الصور الموجودة فيه وقد حد بأنه الذى منه ومن غيره تركب الشىء؛ وهو فيه بالذات ولا
<lb n="10"/> ينقسم بالصورة.
<pb n="281" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="11"/>ومن رأى أن الأشياء إنما تتكون من الأجناس والفصول جعلها الاسطقسات
<lb n="12"/> الأولى، وخصوصا الواحد والهوية. فقد جعلوها أولى المبادئ بالمبدئية، لأنها أشدها كلية
<lb n="13"/> وجنسية. ولو أنصفوا لعلموا أن القوام بالذات إنما هو للأشخاص، فما يليها أولى بأن يكون
<lb n="14"/> جواهر وقائمات بأنفسها، وأنها أولى بالوجود أيضا. </p>
<p n="7">
<lb n="15"/>ولنعد إلى أمر العنصر فنقول قد جرت العادة فى مواضع بأن يقال: إن الشىء
<lb n="16"/> كان عن العنصر فى مواضع، ولم يجر فى مواضع، فإنه يقال: إنه كان من الخشب باب،
<lb n="17"/> ولا يقال: كان من الإنسان كاتب. وأن ينسب الكائن إلى الموضوع فى مواضع وأن لا
<lb n="18"/> ينسب فى مواضع، فيقال، تارة، إن هذا باب خشبى، ولا يقال: إن هذا كاتب إنسانى.
<lb n="19"/> فأما الأول، فإذا وجدوا الموضوع لم يتحرك إليه البتة ولم يتغير فى قبول الشىء، فإنهم
<pb n="218"/>
<lb n="1"/> حينئذ لا يقولون إنه كان عنه، بل إنما يقولوندائما إنه عن العدم، كما يقولون غير
<lb n="2"/> الكاتب. وإذا تغير خصوصا فيما لا يجدون للعدم منه اسما، فيقولون: كان عن غير
<lb n="3"/> الموضوع. وأما بالنسبة إلى الموضوع فإنما يستعمل فى الأكثر إذا كان الموضوع قد يصلح
<lb n="4"/> غيره للصورة. وأما الصورة فلا ينسب إليها، ولا يقال كان منها، إنما يشتق منها الاسم،
<lb n="5"/> والموضوع قد يكون مشتركا للكل وقد يكون مشتركا لعدة أمور، مثل العصير للخل والخمر
<lb n="6"/> والطلا والرُّبِّ وغير ذلك. </p>
<p n="8">
<lb n="7"/>وكل عنصر فإنه من حيث هو عنصر، إنما له القبول فقط، وأما حصول
<lb n="8"/> الصورة فله من غيره، وما كان من العناصر أو القوابل مبدأ الحركة إلى الأثر موجود فى
<lb n="9"/> نفسه
<pb n="282" edRef="#source_3"/> ظن أنه متحرك إليه بنفسه، وليس كذلك. فقد تبين لنا فى مواضع أخرى
<lb n="10"/> أنه لا يجوز أن يكون شىء واحد فاعلا وقابلا لشىء واحد من غير أن يتجزأ ذاته.
<lb n="11"/> لكن العنصر إذا كان مبدأ حركته فيه بذاته كان متحركا عن الطبيعة، وكان ما يكون منه
<lb n="12"/> طبيعيا، وإذا كان مبدأ الحركة فيه من خارج ولم يكن له أن يتحرك إلى ذلك الكمال من
<lb n="13"/> نفسه، كان ما يكون منه صناعيا أو تجاريا مجراه. فهذا جمل ما نقوله فى العنصر. </p>
<p n="9">
<lb n="14"/>وأما الصورة فنقول: قد يقال صورة لكل معنى بالفعل يصلح أن يفعل حتى
<lb n="15"/> تكون الجواهر المفارقة صورا بهذا المعنى. ويقال صورة لكل هيئة وفعل يكون فى قابل
<lb n="16"/> وحدانى أو بالتركيب حتى تكون الحركات والأعراض صورا. ويقال صورة لما تتقوم به
<lb n="17"/> المادة بالفعل فلا تكون حينئذ الجواهر العقلية والأعراض صورا. ويقال صورة لما تكمل به
<lb n="18"/> المادة وإن لم تكن متقومة بها بالفعل، مثل [الصحة] وما يتحرك بها إليها بالطبع. ويقال
<lb n="19"/> صورة خاصة لما يحدث فى المواد بالصناعة من الأشكال وغيرها. ويقال صورة لنوع
<pb n="219"/>
<lb n="1"/> الشىء ولجنسه ولفصله ولجميع ذلك. وتكون كلية الكلى صورة للأجزاء أيضا. والصورة
<lb n="2"/> قد تكون ناقصة كالحركة وقد تكون تامة كالتربيع والتدوير. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>وقد علمت أن الشىء الواحد يكون صورة وغاية ومبدأ فاعليا من وجوه
<lb n="4"/> مختلفة. وفى الصناعة أيضا، فإن الصناعة هى صورة المصنوع فى النفس. فإن البناء فى
<lb n="5"/> نفسه صورة الحركة إلى صورة البيت، وذلك هو المبدأ الذى يصدر عنه حصول الصورة فى
<lb n="6"/> مادة البيت. وكذلك الصحة هى صورة البرء، ومعرفة العلاج هى صورة الإبراء. والفاعل
<lb n="7"/> الناقص يحتاج إلى حركة وآلات حتى يصدر ما فى نفسه محصلا فى المادة،
<pb n="283" edRef="#source_3"/>
<lb n="8"/> والكامل فإن الصورة التى فى ذاته يتبعها وجود الصورة فى مادتها ويشبه أن تكون الأمور
<lb n="9"/> الطبيعية صورها عند العلل المتقدمة للطبيعة بنوع، وعند الطبيعة على طريق التسخير
<lb n="10"/> بنوع، وأنت تعلم هذا بعد. </p>
<p n="11">
<lb n="11"/>وأما الغاية فهى ما لأجله يكون الشىء، وقد علمته فيما سلف. وقد تكون
<lb n="12"/> الغاية فى بعض الأشياء فى نفس الفاعل فقط كالفرح بالغلبة. وقد تكون الغاية فى بعض
<lb n="13"/> الأشياء فى شىء غير الفاعل، وذلك تارة فى الموضوع مثل غايات الحركات التى تصدر
<lb n="14"/> عن رؤية أو طبيعة، وتارة فى شىء ثالث كمن يفعل شيئا ليرضى به فلان. فيكون رضاء
<lb n="15"/> فلان غاية خارجة عن الفاعل والقابل، وإن كان الفرح بذلك الرضى أيضا غاية أخرى.
<lb n="16"/> ومن الغايات التشبه بشىء آخر، والمتشبه به من حيث هو متشوق إليه غاية، والتشبه
<lb n="17"/> نفسه أيضا غاية.
<pb n="220"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الخامس]
<lb n="2"/>
<num>ه</num> فصل
<lb n="3"/>فى إثبات الغاية وحل شكوك قيلت فى إبطالها،
<lb n="4"/> والفرق بين الغاية وبين الضرورى وتعريف الوجه الذى
<lb n="5"/> تتقدم به الغاية على سائر العلل والوجه الذى تتأخر به </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>فنقول: إنه قد بان، مما سلف لنا من القول، أن كل معلول فله مبدأ، وكل
<lb n="7"/> حادث فله مادة وصورة. ولم يتبين بعد أن كل تحريك فله غاية ما. فإن ههنا ما هو
<lb n="8"/> عبث، وههنا ما هو اتفاق. وأيضا ههنا مثل حركة الفلك، فإن لا غاية لها فى ظاهر الأمر؛
<lb n="9"/>
<pb n="284" edRef="#source_3"/>والكون والفساد لا غاية لهما فى ظاهر الظن. </p>
<p n="2">
<lb n="10"/>ثم لقائل أن يقول: قد يجوز أن يكون لكل غاية غاية، كما يكون لكل ابتداء
<lb n="11"/> ابتداء، فلا يكون بالحقيقة غاية وتمام، لأن الغاية بالحقيقة ما يسكن لديه، وقد نجد
<lb n="12"/> أشياء هى غايات أخرى إلى غير النهاية. فإن ههنا أشياء يظن أنها غايات
<lb n="13"/> ولا تتناهى، كنتائج تترادف عن القياسات ولا تتناهى. ثم لقائل أن يقول: لنترك أن الغاية
<lb n="14"/> موجودة لكل فعل، فلم جعلت علة متقدمة وهو بالحقيقة معلولة العلل كلها؟ ومما يليق أن
<lb n="15"/> نتكلم فيه بعد حل هذه الشبهة أنه هل الغاية والخير شىء واحد أم يختلف؟ وأيضا ما
<lb n="16"/> الفرق بين الجود والخيرية؟ فتقول: </p>
<p n="3">
<lb n="17"/>أما الشك الأول المنسوب إلى الاتفاق والعبث فنحله ونقول: أما حال الاتفاق
<lb n="18"/> وأنه غاية ما فقد فرغ منه فى الطبيعيات. وأما بيان أمر العبث فيجب أن [تعرف]
<lb n="19"/> أن كل حركة ارادية فلها مبدأ قريب، ومبدأ بعيد، ومبدأ أبعد. فالمبدأ القريب هو القوة
<pb n="221"/>
<lb n="1"/> المحركة التى فى عضلة العضو، والمبدأ الذى يليه هو الإجماع من القوة الشوقية، والأبعد
<lb n="2"/> من ذلك هو التخيل أو التفكر. فغذا ارتسم فى التخيل أو الفكر النطقى صورة ما،
<lb n="3"/> فتحركت القوة الشوقية إلى الإجماع، خدمتها القوة المحركة التى فى الاعضاء. فربما
<lb n="4"/> كانت الصور المرتسمة فى التخيل أو الفكر هى نفس الغاية التى تنتهى إليها الحركة؛
<lb n="5"/> وربما كانت شيئا غير ذلك؛ إلا أنه لا يتوصل إليه إلا بالحركة إلى ما تنتهى إليه الحركة،
<lb n="6"/> أو تدوم عليه الحركة. </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>مثال الأول: أن الإنسان ربما ضجر عن المقام فى موضع ما، وتخيل فى نفسه
<lb n="8"/> صورة موضع آخر، فاشتاق إلى المقام فيه، فتحرك نحوه، فانتهت حركته إليه، فكان
<lb n="9"/> متشوقه نفس ما انتهى إليه تحريك القوى المحركة للعضلة.
<pb n="285" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="10"/>ومثال الثانى: أن الإنسان قد يتخيل فى نفسه صورة لقائه لصديق له، فيشتاقه.
<lb n="11"/> فيتحرك إلى المكان الذى يقدر مصادفته فيه، فتنتتهى حركته إلى ذلك المكان. ولا تكون
<lb n="12"/> نفس ما انتهت اليه حركته نفس المتشوق الأول الذى نزع إليه بل معنى آخر؛ لكن المتشوق
<lb n="13"/> يتبعه، ويحصل بعده، وهو لقاء الصديق. </p>
<p n="6">
<lb n="14"/>فقد عرفت هذين القسمين، وتبين لك من ذلك بأدنى تأمل أن الغاية التى تنتهى
<lb n="15"/> إليها الحركة فى كل حال من حيث هى غاية الحركة، هى غاية أولى حقيقية للقوة الفاعلة
<lb n="16"/> المحركة التى فى الأعضاء، وليس للقوة المحركة التى فى الأعضاء غاية غيرها، لكنه ربما
<lb n="17"/> كان للقوة التى قبلها غاية غيرها. فليس يجب دائما أن يكون ذلك الأمر غاية أولى للقوة
<lb n="18"/> الشوقية: تخييلية كانت أو فكرية، ولا أيضا دائما يجب أن لا يكون؛ بل ربما كان، وربما
<pb n="222"/>
<lb n="1"/> لم يكن، كما تبين لك فى المثالين. أما الأول منهما فكانت الغاية فيهما واحدة؛ وأما
<lb n="2"/> الثانى فكانت مختلفة. </p>
<p n="7">
<lb n="3"/>والقوة المحركة التى فى الأعضاء مبدأ حركة لا محالة، والقوة الشوقية ايضا
<lb n="4"/> مبدأ أول لتلك الحركة. فإنه لا يمكن أن تكون حركة نفسانية لا عن شوق البتة، لأن الشىء
<lb n="5"/> الذى لا تنبعث إليه القوة ثم تنبعث إليه إنبعاثًا نفسانيًا يكون بتشوق نفسانى لا محالة
<lb n="6"/> قد حدث بعد ما لم يكن. فإذن كل حركة نفسانية مبدؤها الأقرب قوة محركة فى عضل
<lb n="7"/> الأعضاء، ومبدؤها الذى يليه شوق، والشوق ــ كما علم فى علم كتاب النفس ــ تابع
<lb n="8"/> لتخيل أو فكر لا محالة، فيكون المبدأ الأبعد تخيلا أو فكرا. </p>
<p n="8">
<lb n="9"/>فإذن ههنا مبادئ للحركات النفسانية. منها واجبة بأعيانها ضرورة،
<pb n="286" edRef="#source_3"/>
<lb n="10"/> ومنها غير واجبة بأعيانها ضرورة. والواجبة ضرورة: هى القوى المحركة فى الأعضاء،
<lb n="11"/> والقوة الشوقية. وغير الواجبة: هى التخيل والفكر. فإنه ليس يجب لا محالة أن يكون
<lb n="12"/> تخيل ولا فكر أو فكر ولا تخيل. ولكل مبدأ حركة غاية لا محالة، والمبدأ الذى لا بد
<lb n="13"/> منه فى الحركة الإرادية له غاية لا بد منها. والمبدأ الذى منه بد توجد الحركة خالية
<lb n="14"/> عن غايته. فإن اتفق أن يتطابق المبدأ الأقرب ــ وهو القوة المحركة ــ والمبدءان اللذان
<lb n="15"/> بعده ــ أعنى الشوقية مع التخيل أو الشوقية مع الفكرية ــ كانت نهاية الحركة هى الغاية
<lb n="16"/> للمبادئ كلها، وكان ذلك غير عبث لا محالة. </p>
<p n="9">
<lb n="17"/>وإن اتفق أن يختلف، أعنى أن لا يكون ما هو الغاية الذاتية للقوة المحركة غاية
<lb n="18"/> ذاتية للقوة الشوقية، وجب ضرورة أن يكون للقوة الشوقية غاية أخرى بعد الغاية التى فى
<lb n="19"/> القوة المحركة التى للعضو؛ وذلك لأنا قد أوضحنا أن الحركة الإرادية لا تكون بلا شوق
<pb n="223"/>
<lb n="1"/> وكل ما هو شوق فهو شوق لشىء. وإذا لم يكن لمنتهى الحركة كان لشىء آخر غيره لا
<lb n="2"/> محالة. وإذا كان ذلك الشىء يراد لأجله الحركة فيجب أن يكون بعد انتهاء الحركة. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>وكل نهاية تنتهى إليها الحركة أو تحصل بعد نهاية الحركة، ويكون الشوق
<lb n="4"/> التخيلى والفكرى قد تطابقا عليها، فبين أنها غاية إرادية، وليست بعبث البتة. وكل نهاية
<lb n="5"/> تنتهى إليها الحركة وتكون هى بعينها الغاية المتشوقة المتخيلة ولا تكون المتشوقة بحسب
<lb n="6"/> الفكرة، فهى التى تسمى العبث. </p>
<p n="11">
<lb n="7"/>وكل غاية ليست هى نهاية الحركة ومبدؤها تشوق تخيلى غير فكرى، فلا تخلو:
<lb n="8"/> إما أن يكون التخيل وحده هو المبدأ لحركة الشوق،
<pb n="287" edRef="#source_3"/> أو التخيل مع طبيعة أو مزاج مثل
<lb n="9"/> التنفس أو حركة المريض، أو التخيل مع خلق وملكة نفسانية داعية إلى ذلك الفعل بلا روية. </p>
<p n="12">
<lb n="10"/>فإن كان التخيل وحده هو المبدأ للشوق سمى ذلك الفعل جزافا، ولم يسم
<lb n="11"/> عبثا. وإن كان تخيل مع طبيعة مثل التنفس، سمى ذلك الفعل قصدا ضروريا أو طبيعيا.
<lb n="12"/> وإن كان تخيل مع خلق وملكة نفسانية سمى ذلك الفعل عادة، لأن الخلق إنما يتقرر
<lb n="13"/> باستعمال الأفعال، فما يكون بعد الخلق يكون عادة لا محالة. </p>
<p n="13">
<lb n="14"/>وإذا كانت الغاية التى للقوة المحركة وهى نهاية الحركة موجودة ولم توجد الغاية
<lb n="15"/> الأخرى التى بعدها وينحوها التشوق وهى غاية الشوق فيسمى ذلك الفعل باطلا،
<lb n="16"/> كمن حصل فى المكان الذى قدَّر فيه مصادفَة الصديق ولم يصادفه هناك. فَسُمِّى فعله باطلا
<lb n="17"/> بالقياس إلى القوة المتشوقة دون القوة المحركة وبالقياس إلى الغاية الأولى دون الغاية الثانية. </p>
<p n="14">
<lb n="18"/>وإذا تقررت هذه المقدمات فنقول:
<pb n="224"/>
</p>
<p n="15">
<lb n="1"/>قول من يقول إن العبث فعل من غير غاية البتة هو قول كاذب. وقول القائل
<lb n="2"/> أيضا إن العبث فعل من غير غاية البتة هى خير أو مظنون خيرا، هو قول كاذب. أما
<lb n="3"/> الأول فإن الفعل إنما يكون بلا غاية إذا لم يكن له غاية بالقياس إلى ما هو مبدأ حركته، لا
<lb n="4"/> بالقياس إلى ما ليس مبدأ حركته، وإلى أى شىء اتفق. وما مثل به فى الشك من اللعب
<lb n="5"/> باللحية، فمبدأ حركته القريبة هو القوة التى فى العضلة، والذى قبله
<pb n="288" edRef="#source_3"/> تشوق
<lb n="6"/> تخيلى بلا فكر. وليس مبدؤه فكرا البتة. فليس فيه غاية فكرية. وقد حصلت فيه الغاية
<lb n="7"/> التى للتشوق التخيلى وللقوة المحركة؛ فبيِّن أن هذا الفعل بحسب مبدئه المحرك، منته إلى
<lb n="8"/> غاية، وأنه إنما لا يتحرك إلى غاية بحسب ما ليس مبدأه المحرك. </p>
<p n="16">
<lb n="9"/>ولا يجب أن يظن أن هذا يصدر لا عن شوق تخيلى. فإن كان فعل نفسانى
<lb n="10"/> كان بعد ما لم يكن، فهناك شوق ما لا محالة، وطلب نفسانى، وذلك مع تخيل ما،
<lb n="11"/> إلا أن ذلك التخيل ربما كان غير ثابت بل سريع البطلان، أو كان ثابتا ولكن لم يشعر
<lb n="12"/> به. فليس كل من تخيل شيئا يشعر مع ذلك ويحكم أنه قد تخيل؛ وذلك لأن التخيل
<lb n="13"/> غير الشعور بأنه قد تخيل. وهذا ظاهر. ولو كان كل تخيل يتبعه شعور بالتخيل لذهب
<lb n="14"/> الأمر إلى غير النهاية. </p>
<p n="17">
<lb n="15"/>وأما الثانى فلأن لانبعاث هذا الشوق علة ما لا محالة: إما عادة، وإما ضجر
<lb n="16"/> عن هيئة وإرادة انتقال إلى هيئة أخرى، وإما حرص من القوى المحركة والمحسة على أن
<lb n="17"/> يتجدد لها فعل تحريك وإحساس. والعادة لذيذة، الانتقال من المملول لذيذ، والحرص على
<lb n="18"/> الفعل الجديد لذيذ، أعنى بحسب القوة الحيوانية والتخييلية. واللذة هى الخير الحسى،
<lb n="19"/> والتخييلى، والحيوانى، بالحقيقة، وهى المظنونة خيرا بحسب الإنسانى. فإذا كان
<pb n="225"/>
<lb n="1"/> المبدأ تخيلا حيوانيا فيكون خيره لا محالة خيرا تخيليا حيوانيا. فليس إذن هذا الفعل
<lb n="2"/> خاليا عن خير بحسبه، وإن لم يكن خيرا حقيقيا أى بحسب العقل ثم وراه هذا علل
<lb n="3"/> لتخصيص هيئة دون هيئة من الحركات جزئية لا تضبط. </p>
<p n="18">
<lb n="4"/>وأما الشك الذى يليه فينكشف بأن نعرف الفرق بين الغاية بالذات وبين
<lb n="5"/> الضرورى الذى هو أحد الغايات التى بالعرض. والفرق بينهما أن الغاية بالذات هى الغاية
<lb n="6"/> التى تطلب لذاتها، والضرورى أحد ثلاثة أمور:
<pb n="289" edRef="#source_3"/> إما أمر لا بد من وجوده حتى
<lb n="7"/> توجد الغاية على أنه علة للغاية بوجه، مثل صلابة الحديد حتى يتم القطع به؛ وإما أمر لا
<lb n="8"/> بد من وجوده حتى توجد الغاية لا على أنه علة للغاية، بل على أنه أمر لازم للعلة، مثل
<lb n="9"/> أنه لا بد من أن يكون جسم أدكن حتى يتم القطع به، وإنما لم يكن بد من جسم أدكن لا
<lb n="10"/> لدكنته، لكن لأنه كان لازما للحديد الذى لا بد منه؛ وإما أمر لا بد من وجوده لازما للعلة
<lb n="11"/> الغائية نفسها؛ مثل أن العلة الغائية فى التزويج مثلا التوليد. ثم التوليد يتبعه حب الولد
<lb n="12"/> ويلزمه، لأن التزويج كان لأجله. </p>
<p n="19">
<lb n="13"/>فهذه كلها غايات بالعرض الضرورى، لا بالعرض الاتفاقى. وقد علمت الغايات
<lb n="14"/> العرضية الاتفاقية فى موضع آخر. </p>
<p n="20">
<lb n="15"/>واعلم أن وجود مبادئ الشر فى الطبيعة، هو من القسم الثانى من هذه
<lb n="16"/> الأقسام، فإنه مثلا لما كان يجب فى الغاية <choice>
<sic>الآلهية</sic>
<corr>الإلهية</corr>
</choice> ــ التى هى الجود ــ أن يؤتى كل ممكنِ
<lb n="17"/> الوجودِ وجودُه الخيرى، وكان الوجود الذى للمركبات من العناصر، وكان لا يمكن أن
<lb n="18"/> تكون المركبات إلا من العناصر وكان يمكن أن تكون العناصر لها إلا الأرض والماء والنار
<lb n="19"/> والهواء، وكان لا يمكن أن تكون النار على الجهة المؤدية إلى الغاية الخيرية المقصودة بها إلا
<pb n="226"/>
<lb n="1"/> أن تكون محرقة مفرقة، لزم ذلك ضرورة أن يكون بحيث تضر الصالحين وتفسد كثيرًا
<lb n="2"/> من المركبات. </p>
<p n="21">
<lb n="3"/>وكأنا قد خرجنا عن غرضنا، فلنعد إليه، ولنجب عن الشك المورد فنقول: </p>
<p n="22">
<lb n="4"/>أما أشخاص الكائنات الغير المتناهية فليست هى بغايات
<pb n="290" edRef="#source_3"/> ذاتية فى
<lb n="5"/> الطبيعة. ولكن الغايات الذاتية هى مثلا أن يوجد الجوهر الذى هو الإنسان أو الفرس أو
<lb n="6"/> النخلة، وأن يكون هذا الوجود وجودا دائما ثابتا. وكان هذا ممتنعا فى الشخص الواحد
<lb n="7"/> المشار إليه، لأن كل كائن يلزمه ضرورة الفساد، وأعنى الكائنات من الهيولى الجسمانية.
<lb n="8"/> ولما امتنع فى الشخص استبقى بالنوع. فالغرض الأول إذن هو بقاء الطبيعة الإنسانية مثلا،
<lb n="9"/> أو غيرها، أو الشخص منتشر فى غير معين، وهو العلة التمامية لفعل الطبيعة الكلية؛ وهو
<lb n="10"/> واحد. لكن هذا الواحد لا بد له فى حصوله باقيًا من أن يكون أشخاص بعد أشخاص بلا
<lb n="11"/> نهاية. فيكون لا تناهى الأشخاص بالعدد غرضا على المعنى الضرورى من القسم الأول، لا
<lb n="12"/> على أنه [غرض] بنفسه؛ لأنه لو أمكن أن يبقى الإنسان دائما كما تبقى الشمس والقمر
<lb n="13"/> لما احتيج إلى التوالد والتكاثر بالنسل. </p>
<p n="23">
<lb n="14"/>على أنه وإن سلمنا أن الغرض لا تناهى الأشخاص، كان لا تناهى الأشخاص
<lb n="15"/> غير معنى كا شخص. وإنما يذهب بلا نهاية شخص بعد شخص، لا لا تناه بعد لا تناه.
<lb n="16"/> فإذن الغاية بالحقيقة ههنا موجودة، وهى وجود شخص منتشر، أو لا تناهى الأشخاص
<lb n="17"/> ثم الشخص الذى يؤدى إلى شخص آخر إلى ثالث إلى رابع ليس هو بعينه غاية للطبيعة
<lb n="18"/> الكلية، بل للطبيعة الجزئية. فاذ هى غاية للطبيعة الجزئية فليس غيرها بعدها غرضا وغاية
<lb n="19"/> لتلك الطبيعة الجزئية التى هى غايتها.
<pb n="291" edRef="#source_3"/>وأعنى بالطبيعة الجزئية القوة الخاصة
<pb n="227"/>
<lb n="1"/> التدبير بشخص واحد. وأعنى بالطبيعة الكلية القوة [الفابضة] من جواهر السماويات
<lb n="2"/> كشىء واحد وهو المدبرة لكلية ما فى الكون. وأنت تعلم هذه كلها بعد هذا. </p>
<p n="24">
<lb n="3"/>وأما الحركة الذاهبة إلى غير النهاية فإنها واحدة بالإتصال كما علمت فى
<lb n="4"/> الطبيعيات. وأيضا فإن الغرض فى تلك الحركة ليس هو نفس الحركة بما هى هذه الحركة،
<lb n="5"/> بل الغرض هناك الدوام الذى نصفه بعد. وهذا الدوام معنى واحد إلا أنه متعلق الوجود
<lb n="6"/> بأشياء لنسلم أن عددها بغير نهاية. </p>
<p n="25">
<lb n="7"/>وأما حديث المقدمات والنتيجة، فيجب أن يعلم أن المراد بقولنا: إن العلة
<lb n="8"/> الغائية تتناهى وتقف، أن العلة الغائية التى بحسب فاعل واحد فعل واحد تتناهى، ولا
<lb n="9"/> يجوز أن يكون فاعل طبيعى أو اختيارى يفعل فعلا يروم به بعينه غاية بعد غاية من غير أن
<lb n="10"/> يقف عند نهاية. وأما المبدأ الواحد إذا كان قد يصدر عنه فعل بعد فعل، ويصير بحسب
<lb n="11"/> كل فعل فاعلا غير الفاعل الذى كان بحسب الفعل الآخر، وإن لم يكن بالذات والموضوع
<lb n="12"/> غيره، فيجوز أن تتكثر غاياته ويكون له بحسب كل كون منه فاعلا غاية أخرى. وإن جاز
<lb n="13"/> أن يعتبر له كونه فاعلا بعد كونه فاعلا إلى غير النهاية، كانت غاياته بغير نهاية. </p>
<p n="26">
<lb n="14"/>ثم النتيجة هى علة غاية تمامية للقياس الذى يكون على مطلوب محدود. وكل
<lb n="15"/> تركيب قياس فعل مبتدأ. وللنفس بحسب كل قياس فعل مستأنف يصدر عنه استحقاق أن
<lb n="16"/> يقال له فاعل مستأنف. وفى كل واحد من مرات كونه فاعلا غاية محدودة بعينها لا يجوز
<lb n="17"/> أن تكون ذاهبة إلى غير النهاية، إذ لكل قياس واحد نتيجة واحدة لا محالة.
<pb n="292" edRef="#source_3"/>
<pb n="228"/>
</p>
<p n="27">
<lb n="1"/>وأما الشك الذى يليه فينحل بأن يعلم أن الغاية تفرض شيئا. وتفرض
<lb n="2"/> موجودا؛ وفرق بين الشىء والموجود، وإن كان الشىء لا يكون إلا موجودا، كالفرق بين
<lb n="3"/> الأمر ولازمه. وقد علمت هذا وتحققته فاستأنف تأمله من الإنسان، فإن للإنسان حقيقة
<lb n="4"/> هى حده وماهيته من غير شرط وجود خاص أو عام فى الأعيان أو فى النفس بالقوة
<lb n="5"/> شىء من ذلك أو بالفعل. </p>
<p n="28">
<lb n="6"/>وكل علة فإنها من حيث هى تلك العلة لها حقيقة وشيئية. فالعلة الغائية هى
<lb n="7"/> فى شيئيتها سبب لأن تكون سائر العلل موجودة بالفعل عللا، والعلة الغائية فى وجودها
<lb n="8"/> مسببة لوجود سائر العلل عللا بالفعل. فكأن الشيئية من العلة الغائية علة علة وجودها،
<lb n="9"/> وكأن وجودها معلول معلول شيئيتها، لكن شيئيتها لا تكون علة ما لم تحصل متصورة فى
<lb n="10"/> النفس أو ما يجرى مجراها. ولا علة للعلة الغائية فى شيئيتها إلا علة أخرى غير العلة
<lb n="11"/> التى تحرك إليها أو يتحرك إلها. </p>
<p n="29">
<lb n="12"/>واعلم أن الشىء: يكون معلولا فى شيئيته، ويكون معلولا فى وجوده.
<lb n="13"/> فالمعلول فى شيئيته مثل الاثنينية؛ فإنها فى حد تكونها اثنينية معلولة للوحدة. والمعلول فى
<lb n="14"/> وجوده ظاهر لا يخفى. وكذلك قد يكون للشىء أمر حاصل موجود فى شيئيته مثل
<lb n="15"/> العددية للاثنينية.
<pb n="293" edRef="#source_3"/>وقد يكون الأمر زائدا لأمر زائد على شيئيته مثل كون التربيع فى
<lb n="16"/> الخشب أو الحجر. والأجسام الطبيعية علة لشيئية كثير من الصور والأعراض، أعنى التى لا
<lb n="17"/> يتجدد إلا بها، وعلة لوجود بعضها دون شيئية كما يظن أن الحكم فى التعليمات كذلك. </p>
<p n="30">
<lb n="18"/>فقد سهل لك أن تفهم أن العلة الغائية فى الشيئية قبل العلل الفاعلة والقابلة،
<lb n="19"/> وكذلك قبل الصورة من جهة ما الصورة علة صورية مؤدية <choice><sic>أليها</sic><corr>إليها</corr></choice>. وكذلك أيضا العلة الغائية
<pb n="229"/>
<lb n="1"/> فى وجودها فى النفس قبل العلل الأخرى. أما فى نفس الفاعل فلأنها توجد أولا ثم يتصور
<lb n="2"/> عنده الفاعلية، وطلب القابل، وكيفية الصورة. وأما فى نفس غير الفاعل فليس لبعضها
<lb n="3"/> ترتيب على الآخر ضرورى، فإذن فى اعتبارالشيئية واعتبار الوجود فى العقل ليست
<lb n="4"/> علة أقدم من الغائية. بل هى علة لصيرورة سائر العلل عللا؛ ولكن وجود العلل الأخرى
<lb n="5"/> بالفعل عللا، علة لوجودها. وليست العلة الغائية علة على أنها موجودة، بل على أنها
<lb n="6"/> شىء. فبالجهة التى هى علة، هى علة العلل، وبالجهة الأخرى هى معلولة العلل. </p>
<p n="31">
<lb n="7"/>هذا إذا كانت العلة الغائية فى الكون، وأما إذا كانت العلة الغائية ليست فى
<lb n="8"/> الكون ولكن وجودها أعلى من الكون على ما سيتضح فى موضعه، فلا يكون شىء من
<lb n="9"/> العلل الأخرى علة لها ولا فى الواحد الذى هو الحصول والوجود. فتكون إذن العلة الغائية
<lb n="10"/> ليست معلولة لسائر العلل لا لأنها علة غائية ولكن لأنها ذات كون. ولو كانت ليست ذات
<lb n="11"/> كون، لما كانت معلولة البتة. وأما إذا اعتبرت كونها علة غائية فتجدها علة لسائر العلل
<lb n="12"/> فى أن تكون عللا مثل أن تكون علة فاعلية وعلة قابلية وعلة صورية، لا فى أن تكون
<lb n="13"/> كائنة
<pb n="294" edRef="#source_3"/>وموجودة فى أنفسها. فإذن الذى بالذات للعلة الغائية بما هى علة غائية، أن
<lb n="14"/> تكون علة لسائر العلل ويعرض لها من جهة أن معناها قد يكون واقعا فى الكون أن يكون
<lb n="15"/> معلولا من جهة الكون. </p>
<p n="32">
<lb n="16"/>فقد تبين لك أنه كيف يكون الشىء علة ومعلولا، على أنه فاعل وغاية،
<lb n="17"/> وهذا من المبادئ للطبيعيين. </p>
<p n="33">
<lb n="18"/>وأما البحث الذى بعد هذا فينكشف بما نقوله: إن الغاية التى تحصل فى
<lb n="19"/> فعل الفاعل تنقسم إلى قسمين: غاية تكون صورة أو عرضا فى منفعل قابل للفعل، وغاية
<pb n="230"/>
<lb n="1"/> لا تكون صورة ولا عرضا فى منفعل قابل البتة، فتكون فى الفاعل لا محالة؛ لأنها إن لم
<lb n="2"/> تكن فى الفاعل ولا فى المنفعل، وليس يجوز أن يكون ما يقوم بنفسه جوهرا حدث لا من
<lb n="3"/> مادة ولا من مادة، فلا يكون لها وجود البتة. </p>
<p n="34">
<lb n="4"/>فمثال الأول صورة الإنسانية فى المادة الإنسانية؛ فإنها غاية للقوة الفاعلة
<lb n="5"/> للتصوير فى مادة الإنسان، وإليها يتوجه فعلها وتحريكها. </p>
<p n="35">
<lb n="6"/>ومثال الثانى <choice><sic>الاستكان</sic><corr cert="medium">الاستكنان</corr></choice>؛ فإنه غاية لمستبنى البيت الذى هو مبدأ لحركة كونه،
<lb n="7"/> وليس هو البتة صورة فى البيت. </p>
<p n="36">
<lb n="8"/>ويشبه أن تكون غاية الفاعل القريب الملاصق لتحريك المادة صورة فى المادة،
<lb n="9"/> وأن يكون ما ليس غايته صورة فى المادة ليس مبدأ قريبا للحركة بما هو كذلك. فإن عرض
<lb n="10"/> أن يكون ما غايته صورة فى المادة المتعاطاة وما غايته معنى ليس صورة فى تلك المادة شيئًا
<lb n="11"/> واحدًا، فإن وحدته تكون بالعرض؛ مثل أن يكون
<pb n="295" edRef="#source_3"/>الإنسان يبنى بيتا ليسكن فيه.
<lb n="12"/> فإنه من جهة ما هو طالب الكنِّ داع إلى البناء وعلة أولى للبناء. ومن جهة ما هو بناء معلول
<lb n="13"/> لما هو مستكن، فيكون الغاية لما هو مستكن، غير الغاية لما هو بان. وإذا كان كذلك فيكون
<lb n="14"/> أيضا فى الإنسان الواحد المستكن البانى غايته بما هو مستكن غير غايته بما هو بان. </p>
<p n="37">
<lb n="15"/>وإذ قد تقرر هذا فنقول: أما القسم الأول فإن للغاية نسبة إلى أمور كثيرة هى
<lb n="16"/> قبلها فى الحصول بالفعل والوجود؛ لأنها لها نسبة إلى الفاعل، ونسبة إلى القابل، [وهو]
<lb n="17"/> بالقوة، ونسبة إلى القابل، وهى بالفعل قابل، ونسبة إلى الحركة. فهى بقياسها إلى
<lb n="18"/> الفاعل غاية وبقياسها إلى الحركة نهاية وليست بغاية، لأن الغاية التى لأجلها الشىء ويؤمها
<lb n="19"/> الشىء لا يبطل مع وجودها الشىء، بل يستكمل بها الشىء والحركة تبطل مع انتهائها.
<pb n="231"/>
<lb n="1"/> وهى بقياسها إلى القابل المستكمل به وهو بالقوة خير يصلحه، لأن الشر هو العدم لكماله.
<lb n="2"/> والخير الذى يقابله هو الوجود والحصول بالفعل. وبالقياس إلى القابل وهو بالفعل صورة. </p>
<p n="38">
<lb n="3"/>وأما الغاية التى بحسب القسم الثانى فبِّين أنها ليست صورة للمادة المنفعلة،
<lb n="4"/> ولا هى نفس نهاية الحركة. وقد بان أنها تكون صورة أو عرضا فى الفاعل، ويكون لا
<lb n="5"/> محالة قد خرج بها الفاعل من الذى بالقوة إلى الذى بالفعل، والذى بالقوة هو لأجل العدم
<lb n="6"/> الذى يقارنه شر، والذى بالفعل هو الخير الذى يقابله. فتكون إذن هذه الغاية خيرا بالقياس
<lb n="7"/> إلى ذات الفاعل، لا غلى ذات القابل؛ فإذا نسبت إلى الفاعل من جهة ما هو مبدأ حركة
<lb n="8"/> وفاعل، كانت غاية، وإذا نسبت إليه من جهة ما هو خارج بها من قوة إلى
<pb n="296" edRef="#source_3"/>الفعل
<lb n="9"/> ومستكمل، كانت خيرا إذا كان ذلك الخروج من القوة إلى الفعل فى معنى نافع فى الوجود
<lb n="10"/> أو بقاء الوجود، وكانت الحركة طبيعية أو اختيارية عقلية. وأما إن كانت تخيلية فليس
<lb n="11"/> يجب أن يكون خيرا حقيقيا، بل قد يكون خيرا مظنونا. فيكون إذن كل غاية فهى باعتبار
<lb n="12"/> غاية، وباعتبار آخر خير إما مظنون وإما حقيقى. فهذا هو حال الخير والعلة التمامية. </p>
<p n="39">
<lb n="13"/>وأما الحال الجود والخير فيجب أن يعلم أن شيئا واحدا له قياس إلى القابل المستكمل
<lb n="14"/> به، وقياس إلى الفاعل الذى يصدر عنه. وإذا كان قياسه إلى الفاعل الذى يصدر عنه،
<lb n="15"/> بحيث لا يوجب أن يكون الفاعل منفعلا به أو بشىء يتبعه كان قياسه إلى الفاعل جودا وإلى
<lb n="16"/> الفعل خيرا؛ ولفظة الجود وما يقوم مقامها موضوعها الأول فى اللغات إفادة المفيد لغيره فائدة لا
<lb n="17"/> يستعيض منها بدلا، وأنه إذا استعاض منها بدلا قيل له مبايع أو معاوض، وبالجملة معامل. </p>
<p n="40">
<lb n="18"/>ولأن الشكر والثناء والصيت وسائر الأحوال المستحسنة لا تعد عند الجمهور
<lb n="19"/> من الأعواض، بل إما جواهر وإما أعراض يقررونها فى موضوعات يظن أن المفيد غيره
<pb n="232"/>
<lb n="1"/> فائدة يربح منها شكرا هو أيضا جواد وليس مبايعا ولا معاوضا، وهو فى الحقيقة معاوض؛
<lb n="2"/> لأنه أفاد واستفاد سواء استفاد عوضا ماليا، إما من جنسه، وإما من غير جنسه، أو
<lb n="3"/> شكرا، أو ثناء يفرح به، أو استفاد أن صار فاضلا محمودا، بأن فعل ما هو أولى وأحرى
<lb n="4"/> الذى لو لم يفعله لم يكن جميل الحال فى فضيلته. </p>
<p n="41">
<lb n="5"/>لكن الجمهور لا يعدون هذه المعانى فى الأعواض، فلا يمتنعون عن تسمية من
<lb n="6"/> يحسن إلى غيره بشىء من هذه الخيرات المظنونة أو الحقيقية التى يحصل له بذلك ثناء،
<lb n="7"/> جوادًا.
<pb n="297" edRef="#source_3"/>ولو فطنوا لهذا المعنى لم يسموه جوادا؛ إذ الواحد منهم إذا أحسن إليه
<lb n="8"/> لعوض وإن كان شيئا غير المال، ففطن له، استخف المنة أو أنكرها وأبى أن يكون المحسن
<lb n="9"/> إليه جوادا إذ كان فعله لعلة. </p>
<p n="42">
<lb n="10"/>فإذا حقق وحصل معنى الجود كان إفادة الغير كمالا فى جوهره أو فى أحواله
<lb n="11"/> من غير أنيكون بإزائه، عوض بوجه من الوجوه. فكل فاعل يفعل فعلا لغرض يؤدى إلى
<lb n="12"/> شبه عوض فليس بجواد، وكل مفيد للقابل صورة أو عرضًا وله غاية أخرى يحصل بالخير
<lb n="13"/> الذى <choice>
<sic>أفادة</sic>
<corr>أفاده</corr>
</choice> إياه فليس بجواد. </p>
<p n="43">
<lb n="14"/>بل نقول: إن الغرض والمراد فى المقصود لا يقع إلا للشىء الناقص الذات.
<lb n="15"/> وذلك لأن الغرض إما أن يكون بحسب نفسه فى ذاته، أو بحسب مصالح ذاته، أو
<lb n="16"/> بحسب شىء آخر فى ذاته، أو فى مصالحه. ومعلوم أنه إن كان بحسب ذاته أو بحسب
<lb n="17"/> مصالح ذاته أو بحسب شىء آخر فى مصالحه، وبالجملة بحسب أمر يعود إلى ذاته بعائدة
<lb n="18"/> ما، فذاته ناقصة فى وجودها، أو فى كمالاتها. وإن كان بحسب شىء آخر فلا يخلو: </p>
<p n="44">
<lb n="19"/>إما أن يكون صدور ذلك المعنى عنه إلى غيره بحيث كونه عنه له ولا كونه
<lb n="20"/> عنه بمنزلة، حتى إنه لو لم يصدر عنه ذلك الخير الذى هو خير بحسب غيره كانت حاله
<pb n="233"/>
<lb n="1"/> من كل جهة كحالة لو صدر عنه ذلك. فلم يكن ذلك أجمل به وأحسن به وأجلب إليه
<lb n="2"/> لمحمدة أو غيرها من الأغراض الخاصة فى ذاته، ولا ضده غير الأجمل به وغير الجالب
<lb n="3"/> إليه محمدة أو غيرها من الأغراض المأثورة والنافعة. حتى لو لم يفعل ذلك لما ترك ما هو
<lb n="4"/> الأولى والأحسن به، فيكون لا داعى له إلى ذلك ولا مرجح لأن يصدر عنه ذلك الخير
<lb n="5"/> إلى غيره على [مقابلة].
<pb n="298" edRef="#source_3"/>ومثل هذا إن لم يكن شيئًا يصدر عن طبع وعن إرادة
<lb n="6"/> ليست على سبيل إجابة داع بل على وجه آخر سيوقف عليه، فلا يكون مصدرًا لأمر
<lb n="7"/> من الأمور عن علة من العلل. </p>
<p n="45">
<lb n="8"/>بل يجب أن يكون الأولى بالفاعل القاصد بالقصد المذكور أن يكون إنما يفيض
<lb n="9"/> خيرًا على غيره؛ لأنه أولى به، وضده غير الأولى به؛ ويرجع آخر الأمر إلى غرض يتصل
<lb n="10"/> بذاته ويعود على ذاته ويرجع إلى ذاته، وحينئذ لا يكون وجود ذلك الغرض ولا وجوده
<lb n="11"/> بمنزلة واحدة بالقياس إلى ذاته وكمالات ذاته ومصالحها، بل يكون كونه عن ذاته كون
<lb n="12"/> الأغراض التى تختص بذاته. فيعود إلى أن ذاته تنال بذلك كمالا وحظا خاصا. </p>
<p n="46">
<lb n="13"/>وكذلك فإن سؤال اللم لا يزال يتكرر إلى أن يبلغ المبلغ الراجع إلى الذات.
<lb n="14"/> مثاله إذا قيل للفاعل: لم فعلت كذا؟ فقال، لينال فلان غرضًا؛ فيقال له: ولم طلبت أن ينال
<lb n="15"/> فلان غرضًا؟ فقال: لأن الإحسان حسن، لم يقف السؤال؛ بل قيل: ولم تطلب ما هو
<lb n="16"/> حسن؟ فإذا أجيب حينئذ بخير يعود إليه أو شر ينتفى عنه، وقف السؤال، فإن حصول
<lb n="17"/> الخير لكل شىء وزوال الشر عنه هو المطلوب لذاته مطلقا.
<pb n="234"/>
</p>
<p n="47">
<lb n="1"/>وأما الشفقة والرحمة والعطف على الغير والفرح بما يحسن إلى الغير، والغم بما يقع
<lb n="2"/> من التقصير وغير ذلك، فهى اغراض خاصة للفاعل، ودواع يذم عاملها أو تنحط به منزلة كماله. </p>
<p n="48">
<lb n="3"/>فالجود إفادة الغنى فى جميع الجهات عن الإفادة كمالا. فيكون ذلك المعنى
<lb n="4"/> بالقياس إلى القابل خيرا، وبالقياس إلى الفاعل جودا، وكل إفادة كمال فإنه يكون بالقياس
<lb n="5"/> إلى القابل خيرا، سواء كان بعوض أو لا بعوض ولا يكون بالقياس إلى الفاعل جودا إلا أن
<lb n="6"/> يكون لا بعوض. فهكذا هو البيان لحقيقة الخير والجود. </p>
<p n="49">
<lb n="7"/>وقد تكلمنا عن العلل وأحوالها، وبقى أن نكمل فيها القول فنقول: </p>
<p n="50">
<lb n="8"/>إن هذه العلل الأربع، وإن كان يظن يظن بها أنها تجتمع فى كثير من الأمور
<lb n="9"/> الموجودة فى العلوم، فإن الأمور
<pb n="299" edRef="#source_3"/>التى [لا] تتحرك والتعليميات لا يظن أن
<lb n="10"/> فيها فاعلا أى مبدأ حركة، ولا أيضًا يظن أن فيها غاية لأن الغاية يظن أنها للحركة، ولا
<lb n="11"/> أيضا لها مادة بل إنما يبحث عن صورها، فلذلك استخف بها من استخف، قائلا: إنها
<lb n="12"/> لا تدل على علة تمامية. </p>
<p n="51">
<lb n="13"/>فالنظر فيها لهذا العلم لا أن علمًا واحدًا يتناولها، كما للمتقابلات فليست
<lb n="14"/> متقابلة، ولكن لأن علمًا واحدًا بالوجه الذى به هذا العلم واحد يشرح أمرها. وذلك لأنا
<lb n="15"/> وإن سلمنا أن هذه العلل لا تجتمع فى العلوم كلها حتى تكون من الأمور العامة الواقعة فى
<lb n="16"/> موضوعات للعلوم مختلفة، فإنها أيضا قد توجد فى علوم متفرقة مختلفة. ولو كانت أيضا
<lb n="17"/> فى علم واحد لم يكن فى منّة صاحب ذلك العلم الواحد كالطبيعى مثلا الذى فى صناعته
<lb n="18"/> هذه المبادئ كلها، أن يبينها؛ لأنها مبادئ للعلم الطبيعى ويتكلم فيما يعرض لها.
<pb n="235"/>
</p>
<p n="52">
<lb n="1"/>على أنه ليس الأمر كذلك. فليس كل فاعل مبدأ حركة على ما قيل، فالأمور
<lb n="2"/> التعليمية فى طبائعها إنما يجب وجودها بغيرها، وطبائعها لا تفارق المادة وإن جردت عن
<lb n="3"/> المادة فى الوهم فقد يلزمها فى الوهم من القسمة ومن التشكل ما يكون بسبب المادة،
<lb n="4"/> ويكاد أن تكون المقادير هيولات قريبة الأشكال المقدارية والوحدات أيضا للعدد، والعدد
<lb n="5"/> لخواص العدد، فهذه يوجد لها مبدأ فاعلى ومبدأ قابلى وحيث كانا، كان تمام، والتمام هو
<lb n="6"/> الاعتدال، والتحديد والترتيب التى بها يكون لها ما يكون من الخواص. وإنما هى لأجل أن
<lb n="7"/> يكون على ما هى عليه من الترتيب والاعتدال والتحديد. فإن منع أن يكون هذا تماما أى
<lb n="8"/> غاية حركة فلا يمنع أن يكون خيرا ويكون علة لأنه خير. وهناك أيضا إنما كان علة لأنه
<lb n="9"/> خير ثم كان اتفق لذلك الخير إن كان تماما لحركة، إذ كان السبيل إليه بحركة.
<pb n="300" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="53">
<lb n="10"/>ولولا أن الخواص واللواحق التى لهذه هى غايات تتأدى إليها هيئآتها، لما كان
<lb n="11"/> الطالب يطلبها فى المواد لتلك الغايات؛ فإن الصانع يحرك المادة إلى أن تكون مستديرة، ولا
<lb n="12"/> تكون الغاية هى الاستدارة نفسها بل شىء من خواصها ولواحقها، فتطلب الدائرة لها. </p>
<p n="54">
<lb n="13"/>فقد صارت هذه العلل أيضا مشتركة فيجب أن ينظر فيها صاحب هذا العلم.
<lb n="14"/> وليس ينظر فى المشترك فقط، بل ينظر فيما يخص علما علما، لكنه مبدأ لذلك العلم
<lb n="15"/> وعارض للمشترك. فإن هذا العلم قد ينظر فى العوارض المخصصة للجزئيات إذا كانت
<lb n="16"/> لذاتها أولا وكانت لم تتأدى بعد إلى أن تكون أعراضا ذاتية لموضوعات العلوم الجزئية.
<lb n="17"/> ولو كانت هذه علوما مفردة لكان أفضلها علم الغاية وكان يكون ذلك هو الحكمة. والآن
<lb n="18"/> فذلك أيضا أفضل أجزاء هذا العلم، أعنى العلم الناظر فى العلل الغائية للأشياء. </p>
</div>
</div>
<div type="book">
<pb n="236"/>
<lb n="1"/>
<head>المقالة السابعة
<lb n="2"/>وفيها ثلاثة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/>
<num>أ</num>فصل
<lb n="5"/> فى لواحق الوحدة من الهوية وأقسامها ولواحق الكثرة من الغيرية
<lb n="6"/> والخلاف وأصناف التقابل المعروفة </head>
<p n="1">
<lb n="7"/>
<pb n="303" edRef="#source_3"/>يشبه أن يكون قد استوفينا الكلام بحسب غرضنا هذا فى الأمور
<lb n="8"/> التى تختص بالهوية من حيث هى هوية أو تلحقها؛ ثم الواحد والموجود قد يتساويان
<lb n="9"/> فى الحمل على الأشياء حتى أن كل ما يقال إنه موجود باعتبار يصح أن يقال له أنه
<lb n="10"/> واحد باعتبار. وكل شىء فله وجود واحد. ولذلك ربما ظن أن المفهوم منهما واحد.
<lb n="11"/> وليس كذلك، بل هما واحد بالموضوع، أى كل ما يوصف بهذا يوصف بذاك. ولو كان
<lb n="12"/> المفهوم من الواحد من كل جهة مفهوم الموجود، لما كان الكثير من حيث هو كثير موجودا،
<lb n="13"/> كما ليس واحدا، وإن كان يعرض له الواحد أيضا، فيقال للكثرة إنها كثرة واحدة ولكن
<lb n="14"/> لا من حيث هى كثرة.
<pb n="237"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>فحرى بنا أن نتكلم أيضا فى الأمور التى تختص بالوحدة ومقابلاتها أى الكثرة
<lb n="2"/> مثل الهوية والمجانسة والموافقة والمساواة والمشابهة ومقابلاتها؛ بل الكلام فى الجانب المقابل
<lb n="3"/> لها أكثر. فإن الوحدة متشابهة وما يضادها متفنن متغير متشعب. فالهوية هو أن يحصل
<lb n="4"/> للكثرة وجه وحدة من وجه آخر؛ فمن ذلك ما بالعرض وهو على قياس الواحد
<pb n="304" edRef="#source_3"/>
<lb n="5"/>بالعرض. فكما يقال هناك واحد يقال ههنا هو هو. وما كان هو هو فى الكيف فهو شبيه،
<lb n="6"/> وما كان هو هو فى الكم فهو مساو، وما كان هو هو فى الإضافة يقال له مناسب. وأما
<lb n="7"/> الذى بالذات فيكون فى الأمور التى تقِّوم الذات. فما كان هو هو فى الجنس قيل مجانس،
<lb n="8"/> وما كان هو هو فى النوع قيل مماثل. وأيضا ما كان هو هو فى الخواص يقال له مشاكل.
<lb n="9"/> ومقابلات هذه معروفة من المعرفة بهذه. </p>
<p n="3">
<lb n="10"/>ومقابل الهو هو على الاطلاق الغيرُ. والغيرُ منه غيرٌ فى الجنس ومنه غير فى
<lb n="11"/> النوع، وهو بعينه الغير بالفصل، ومنه غير بالعرض. ويجوز أن يكون الغير بالعرض شيئا
<lb n="12"/> واحدا وهو غير لنفسه من وجهين. وأما الآخر فاسم خاص فى الاصطلاح للمخالف
<lb n="13"/> بالعدد. والغير يفارق المخالف بأن المخالف مخالف بشىء، والغير قد يغاير بالذات.
<lb n="14"/> والمخالف أخص من الغير وكذلك الآخر. </p>
<p n="4">
<lb n="15"/>والأشياء المتغايرة بالجنس الأعلى إذا كانت مما يحل المواد. فنفس تغايرها
<lb n="16"/> بالجنس الأعلى لا يوجب أن لا يجتمع فى مادة واحدة. وأما المغايرات التى تختلف بالأنواع
<lb n="17"/> تحت الأجناس القريبة التى دون الأعلى، فيستحيل البتة أن تجتمع فى موضع واحد. </p>
<p n="5">
<lb n="18"/>وكل الأشياء التى لا تجتمع فى موضع واحد من جهةٍ واحدةٍ فى زمانٍ واحد
<lb n="19"/> فإنها تسمى متقابلات وقد علمت فى المنطق عددها وخاصياتها. والقنية، والعدم منها،
<pb n="238"/>
<lb n="1"/> تدخل بوجه تحت التناقض، والأضداد تدخل بوجه تحت العدد والقنية. ووجه دخول
<lb n="2"/> العدم تحت السالبة، غير وجه دخول الضد تحت العدم. </p>
<p n="6">
<lb n="3"/>ولكن يجب أن تعلم أن العدم يقال على وجوه: فيقال لما من شأنه أن يكون
<lb n="4"/> لموجود ما وليس له، لأنه ليس من شأنه أن يكون له، وإن كان من شأنه أن يوجد لأمر
<lb n="5"/> ما،
<pb n="305" edRef="#source_3"/>كالبصر. فإنه من شأنه أن يكون لشىء ما، لكن الحائط ليس من شأنه أن
<lb n="6"/> يكون البصر له. </p>
<p n="7">
<lb n="7"/>ويقال لما من شأنه أن يكون لجنس الشىء وليس للشىء ولا من شأنه أن يكون
<lb n="8"/> له جنسا قريبا أو بعيدا. ويقال لما من شانه أن يكون لنوع الشىء وليس من شأنه أن يكون
<lb n="9"/> لشخصه كالأنوثة. ويقال لما من شأنه أن يكون للشىء وليس له مطلقا أو فى وقته أو لأن
<lb n="10"/> وقته لم يجيء كالمرد أو لأن وقته قد فات كالدرد؛ والضرب الأول يطابق السالبة مطابقة
<lb n="11"/> شديدة وأما الوجوه الأخرى فيخالفها. </p>
<p n="8">
<lb n="12"/>ويقال عدم لكل فقد بالقسر. ويقال عدم لما يكون قد فقد الشىء لا بتمامه.
<lb n="13"/> فإن الأعور لا يقال له أعمى ولا هو أيضا بصير مطلق. لكن هذا إنما يكون بالقياس إلى
<lb n="14"/> الموضوع البعيد أعنى الإنسان لا العين. </p>
<p n="9">
<lb n="15"/>ثم إن العدم يحمل عليه السلب، ولا ينعكس. وأما العدم فلا يحمل على
<lb n="16"/> الضد، لأنه ليس المرارة عدم الحلاوة، بل هى شىء آخر مع عدم الحلاوة؛ فإن العدم
<lb n="17"/> وحدة قد يكون فى المادة وقد يكون مصاحبا لذات توجب فى المادة عدم ذات أخرى
<lb n="18"/> أولا يكون إلا مع العدم.
<pb n="239"/>
</p>
<p n="10">
<lb n="1"/>وهذه هى الأضداد، وليس السبب فى تقابلها تغاير الأجناس، وقد بينا
<lb n="2"/> ذلك؛ بل السبب فى ذلك أن ذواتها فى حد أنفسها وحد فصولها تتمانع عن الاجتماع
<lb n="3"/> وتتفاسد.
<pb n="306" edRef="#source_3"/>وإذ ليس شىء من الأجناس العالية بمتضادة، فيجب أن تكون
<lb n="4"/> الأضداد الحقيقية واقعة تحت جنس، وأن يكون جنسا واحدا. فيجب أن يكون الأضداد
<lb n="5"/> تتخالف بالفصول، وتكون الأضداد من جملة الغير فى الصورة مثل السواد والبياض تحت
<lb n="6"/> اللون، والحلاوة والمرارة تحت الذوق. </p>
<p n="11">
<lb n="7"/>وأما الخير والشر فليسا بالحقيقة أجناسا عالية ولا الخير يدل على معنىء
<lb n="8"/> متواطئ ولا الشر؛ ومع ذلك فالشر يدل فى كل شىء بوجه ما على عدم الكمال الذى
<lb n="9"/> له، والخير على وجوده. فبينهما مخالفة العدم والوجود. وأما الراحة والألم وأمثال ذلك
<lb n="10"/> فإنها تشترك فى غير جنس الخير والشر، وإنها تشترك فى المحسوس أو فى المتخيل وغير
<lb n="11"/> ذلك. فليست أنواعا للخير والشر. </p>
<p n="12">
<lb n="12"/>ويشبه أن يكون أهل الظاهر من النظر عمدوا إلى الأشياء التى هى متضادة
<lb n="13"/> ولها أجناس قريبة تدخل فيها، وطبقة منها موافقة للحاسة أو العقل وطبقة مخالفة وطبقة
<lb n="14"/> منها موافقة للإيجاب، والأخرى للفصل، وطبقة مخالفة لأيهما كان؛ فالتقطوا منها المعنى
<lb n="15"/> الموافق والمعنى المخالف فجعلوا أحدهما جنسا لطبقة، والآخر لطبقة أخرى. </p>
<p n="13">
<lb n="16"/>وليس الواجب كذلك. بل دلالة الموافقة والمخالفة دلالة اللوازم لأنها ليست
<lb n="17"/> للأشياء فى أنفسها بل بالإضافة. </p>
<p n="14">
<lb n="18"/>ثم إن الأمور الموافقة والمخالفة إذا جعلا كطبيعتين وجد لهما أشياء يصلح
<lb n="19"/> أن تجعل بحسب الاعتبارات المختلفة كالأجناس لها. فغنها تدخل فى جملة الأفعال
<pb n="240"/>
<lb n="1"/> والإنفعالات من جهة، وفى الكيفيات من جهة أخرى، وفى المضافات باعتبارات أخرى،
<lb n="2"/> فإنها من حيث هى صادرة
<pb n="307" edRef="#source_3"/> من أشياء هى أفعال، ومن حيث هى حاصلة عن
<lb n="3"/> أشياء فى أشياء هى انفعالات، ومن حيث يتقرر عنها هيآت قارة فى حواملها فهى من
<lb n="4"/> الكيفيات، ومن حيث أن الموافق موافق لموافقة فهى من المضاف. </p>
<p n="15">
<lb n="5"/>فإذا كان اسم الموافقة والمخالفة مصروفا إلى أحد هذه المعانى بعينه دخل
<lb n="6"/> فى الجنس الخاص له. لست أقول إن شيئا واحدا يدخل فى أجناس مختلفة فهذا مما
<lb n="7"/> نحرمه، بل كل اعتبار هو شىء آخر، وهو الذاخل فى جنس آخر. ولا هذه بالحقيقة
<lb n="8"/> أجناس بل كأجناس، لأنها أمور مركبة من معنى ومن فعل أو إنفعال أو إضافة أو غير
<lb n="9"/> ذلك. ويشبه أن تكون فى ذواتها كيفيات وتكون سائر الاعتبارات تلزمها. ثم مع
<lb n="10"/> الاجتهاد كله فى أن تجعل الموافقة والمخالفة مما يسندها إلى الأجناس العالية فإن لتلك
<lb n="11"/> الطبائع الأضداد التى جعلت طبيعتين أجناسا حقيقية، غير الموافقة والمخالفة هى تدخل
<lb n="12"/> فيها وقد علمت هذا فى موضعه. </p>
<p n="16">
<lb n="13"/>وأما القول بوجود الضدين فى جنسين متضادين مثل الشجاعة والتهور فهو
<lb n="14"/> أيضا قول متوسع فيه. فإن الشجاعة فى نفسها كيفية، وباعتبار ما تكون فضيلة؛ وكذلك
<lb n="15"/> التهور فى نفسه كيفية، وباعتبار ما يكون رذيلة. فالفضيلة والرذيلة ليستا من الأجناس
<lb n="16"/> لهذه الكيفيات، كما أن الطيب وغير الطيب ليسا جنسين للروائح <choice><sic>والمذواقات</sic><corr>والمذوقات</corr></choice>، بل لوازم
<lb n="17"/> لها بحسب اعتبارات تلحقها. </p>
<p n="17">
<lb n="18"/>فالشجاعة فى ذاتها لا تضاد التهور والجبن. وإنما المتضادان هما التهور
<lb n="19"/> والجبن الداخلان فى باب الملكة من الكيف. وأما الشجاعة فتقابل اللا شجاعة كما قلنا
<pb n="241"/>
<lb n="1"/> فى المساوى
<pb n="308" edRef="#source_3"/> وما يقابله. ثم اللاشجاعة كالجنس للتهور والجبن. فإذا ضادت
<lb n="2"/> الشجاعة التهور فتضاده لا لطبيعة ذاتها، بل إنما تضاده لعارض فيها هو أن هذه محمودة
<lb n="3"/> وفضيلة ونافعة، وذلك مذموم ورذيلة وضار. فالأضداد بالحقيقة هى التى تتفق فى الجنس
<lb n="4"/> وتتفق فى الموضوع الواحد؛ فمنها ما يكون الموضوع الواحد يقبل الضدين جميعا من غير
<lb n="5"/> استحالة فى غيرهما، ومنها ما يكون الموضوع يستحيل أولا فى غيرهما حتى يعرض له
<lb n="6"/> أحدهما. فإن مزاجا ما يحلو به الشىء، وإذا أمر احتاج إلى مزاج آخر. وليس كذلك
<lb n="7"/> الحال فى استحالة الحار إلى البارد. </p>
<p n="18">
<lb n="8"/>ولما كان الضدان يكونان فى الجنس، فلا يخلو إما أن يكون عدم كل واحد
<lb n="9"/> منهما فى طبيعة الجنس يلزمه الآخر فقط، فيكون لا واسطة بينهما، إما أن يكون ليس
<lb n="10"/> كذلك. فلا يخلو: إما أن يكون مخالفة تلك الكثرة للواحد منهما مخالفة واحدة ليس مخالفة
<lb n="11"/> بعضها أقل أو أكثر أو يكون ذلك مختلفا. فإن كان مختلفا فى ذلك فيكون أقرب إلى
<lb n="12"/> مشابهته، والأقرب إلى مشابهته فيه شىء من صورته، وبعضها فى غاية الخلاف له فيكون
<lb n="13"/> الضد ذلك. ويكون التضاد غاية الخلاف للمتقابلات المتفقة فى الجنس والمادة. وذلك لأنه
<lb n="14"/> يصدق أن يقول غاية الخلاف من حيث كان متوسطا وحيث لم يكن، لأنه إن كان اثنان كل
<lb n="15"/> واحد منهما فى غاية البعد عن الآخر فالتضاد خلاف تام. ولذلك فإن ضد الشىء واحد. </p>
<p n="19">
<lb n="16"/>وأما إن جعل غاية الخلاف والبعد قد يقع بين الواحد وبين آخرين اثنين
<lb n="17"/> متخالفين، فذلك محال، لأن التخالف بين الواحد وبينهما إما أن يكون فى معنى واحد
<lb n="18"/> من
<pb n="309" edRef="#source_3"/>جهة واحدة، فتكون المخالفات للواحد من جهة واحدة متفقة فى صورة
<pb n="242"/>
<lb n="1"/> الخلاف، ويكون نوعا واحدا لا أنوعا كثيرة، وإما أن يكون من جهات، فيكون ذلك
<lb n="2"/> وجوها من التضاد لا وجها واحدا، فلا يكون ذلك بسبب الفصل الذى إذا لحق الجنس
<lb n="3"/> فعل ذلك النوع من غير انتظار شىء، وخصوصا فى البسائط، وقد علمت هذا، بل
<lb n="4"/> يكون من جهة لواحق وأحوال تلزم النوع. وكلامنا فى نمط واحد من التضاد. وفى التضاد
<lb n="5"/> الذى بالذات ليس نعنى بقوله بالذات الجوهر والموضوع، بل نعنى به ما يقع به التضاد ولو
<lb n="6"/> كان كيفية أيضا. فقد بان أن ضد الواحد واحد. </p>
<p n="20">
<lb n="7"/>والمتوسط فى الحقيقة هو الذى مع أنه يخالف يشابه. فحينئذ يجب أن
<lb n="8"/> يكون الانتقال إليه أولا فى التغيير إلى الضد. فإن الأسود لذلك يغبر أو يخضر أو يحمر أولا
<lb n="9"/> ثم يبيض. وقد يعرض للأضداد متوسطات بسبب الطرفين. فربما كان ذلك لعدم الاسم،
<lb n="10"/> والمتوسط متوسط، ونعنى به متوسطا حقيقيا مثل اللا حار واللا بارد، وإذا لم يكن للفاتر
<lb n="11"/> اسم. فمثل هذا أيضا يكون فى الجنس. وإذا أخرج عن الجنس كقوله لا خفيف ولا ثقيل
<lb n="12"/> فذلك ليس بالمتوسط الحقيقى إنما ذلك متوسط باللفظ. وأما الملكة والعدم، فلا يكون لهما
<lb n="13"/> فى الموضوع متوسط لأنهما هما الموجبة والسالبة بعينهما مخصصة بجنس أو موضوع،
<lb n="14"/> وأيضا فى وقت وحال. فتكون نسبة الملكة والعدم إلى ذلك الشىء والحال نسبة النقيضين
<lb n="15"/> إلى الوجود كله. وإذ لا واسطة بين النقيضين، فكذلك لا واسطة بين العدم والملكة.
<pb n="310" edRef="#source_3"/>
<pb n="243"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الثاني]
<lb n="2"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="3"/> فى اقتصاص مذاهب الحكماء الأقدمين فى المثل ومبادئ التعليميات
<lb n="4"/> والسبب الداعى إلى ذلك وبيان أصل الجهل الذى وقع لهم حتى زاغوا لأجله </head>
<p n="1">
<lb n="5"/>قد حان لنا أن نتجرد لمناقضة آراء قيلت فى الصور والتعليمات والمبادئ
<lb n="6"/> المفارقة والكليات مخالفة لأصولنا التى قد قررناها، وإن كان فى صحة ما قلناه وإعطائنا
<lb n="7"/> القوانين التى أعطيناها تنبيه للمستبصر على حل جميع شبههم وإفسادها ومناقضات
<lb n="8"/> مذاهبهم. لكنا مستظهرون بتكلف ذلك بأنفسنا لما نرجو أن يجرى فى ذلك من فوائد
<lb n="9"/> نذكرها من خلال مقاومتنا إياهم يكون قد ذهب علينا فيما قدمناه وشرحناه. </p>
<p n="2">
<lb n="10"/>ونقول: إن كل صناعة فإن لها نشأة تكون فيها نيئة فجة غير أنها تنضج
<lb n="11"/> بعد حين ثم إنها تزداد وتكمل بعد حين آخر؛ ولذلك كانت الفلسفة فى قديم ما اشتغل بها
<lb n="12"/> اليونانيون خطبية، ثم خالطها غلط وجدل. وكان السابق إلى الجمهور من أقسامها هو
<lb n="13"/> القسم الطبيعى، ثم أخذوا ينتبهون للتعليمى، ثم الإلهى. وكانت لهم انتقالات من بعضها
<lb n="14"/> إلى بعض غير سديدة. </p>
<p n="3">
<lb n="15"/>وأول ما انتقلوا عن المحسوس إلى المعقول تشوشوا. فظن قوم أن القسمة
<lb n="16"/> توجب شيئين فى كل
<pb n="311" edRef="#source_3"/> شىء: كإنسانين فى معنى الإنسانية: إنسان فاسد
<lb n="17"/> محسوس، وإنسان معقول مفارق أبدى لا يتغير. وجعلوا لكل واحد منهما وجودا.
<lb n="18"/> فسموا الوجود المفارق وجودا مثاليا، وجعلوا لكل واحد من الأمور الطبيعية صورة
<pb n="244"/>
<lb n="1"/> مفارقة هى المعقولة، وإياها يتلقى العقل، إذ كان المعقول أمرا لا يفسد، وكل محسوس من
<lb n="2"/> هذه فهو فاسد. وجعلوا العلوم والبراهين تنحو نحو هذه وإياها تتناول. </p>
<p n="4">
<lb n="3"/>وكان المعروف بافلاطون ومعلمه سقراط يفرطان فى هذا الرأى ويقولان إن
<lb n="4"/> للإنسانية معنى واحدا موجود يشترك فيه الأشخاص ويبقى مع بطلانها؛ وليس هو المعنى
<lb n="5"/> المحسوس المتكثر الفاسد فهو إذن المعنى المعقول المفارق. </p>
<p n="5">
<lb n="6"/>وقوم آخرون لم يروا لهذه الصورة مفارقة بل لمبادئها، وجعلوا الأمور التعليمية
<lb n="7"/> التى تفارق بالحدود مستحقة للمفارقة بالوجود، وجعلوا ما لا يفارق بالحد من الصور
<lb n="8"/> الطبيعية لا يفارق بالذات، وجعلوا الصور الطبيعية إنما تتولد بمقارنة تلك الصور التعليمية
<lb n="9"/> للمادة؛ كالتقعير. فإنه معنى تعليمى، فإذا قارن المادة صار فطوسة، وصار معنى طبيعيا.
<lb n="10"/> وكان للتقعير من حيث هو تعليمى أن يفارق وإن لم يكن له من حيث هو طبيعى أن يفارق. </p>
<p n="6">
<lb n="11"/>وأما افلاطون فأكثر ميله إلى أن الصور هى المفارقة. فأما التعليميات فإنها عنده
<lb n="12"/> معان بين الصور والماديات؛ فإنها وإن فارقت فى الحد فليس يجوز عنده أن يكون بعدٌ <choice>
<sic>فائم</sic>
<corr>قائم</corr>
</choice>
<lb n="13"/> لا فى مادة، لأنه إما أن يكون متناهيا، أو غير متناه. فإن كان غير متناه،
<pb n="312" edRef="#source_3"/>وذلك
<lb n="14"/> يلحقه لأنه مجرد طبيعة، كان حينئذ كل بعدٍ غير متناه؛ وإن لحقه لأنه مجرد عن المادة
<lb n="15"/> كانت المادة مفيدة للحصر والصورة، وكلا الوجهين محال؛ بل وجود بعد غير متناه محال،
<lb n="16"/> وإن كان متناهيا فانحصاره فى حد محدود وشكل مقدر ليس إلا لإنفعال عرض له من
<lb n="17"/> خارج، لا لنفس طبيعته، ولن تنفعل الصورة إلا لمادتها. فتكون مفارقة وغير مفارقة.
<lb n="18"/> وهذه محال فيجب أن تكون متوسطة.
<pb n="245"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="1"/>وأما الآخرون فإنهم جعلوا مبادئ الأمور الطبيعية أمورا تعليمية؛ وجعلوها
<lb n="2"/> المعقولات بالحقيقة، وجعلوها المفارقات بالحقيقة. وذكروا أنهم إذا جردوا الأحوال
<lb n="3"/> الجسمانية عن المادة لم يبق إلا [اعظام] وأشكال وأعداد؛ وذلك لأن المقولات التسع فإن
<lb n="4"/> الكيفيات الانفعالية والانفعالات منها والملكات والقوة واللاقوة أمور تكون لذوات الانفعالات
<lb n="5"/> والملكات والقوى. وأما الإضافة فما يتعلق بأمثال هذه فهى أيضا مادية؛ فيبقى الأين وهو
<lb n="6"/> كمى، ومتى وهو كمى، والوضع وهو كمى. وأما الفعل والانفعال فهو مادى. فيحصل
<lb n="7"/> من هذا أن جميع ما ليس بكمى فهو متعلق بالمادة. والمتعلق بالمادة مبدؤه ما ليس متعلقا
<lb n="8"/> بالمادة. فتكون التعليميات هى المبادئ، وتكون هى المعقولات بالحقيقة، وسائر ذلك غير
<lb n="9"/> معقول. ولذلك فليس واحد يحد اللون والطعم وغير ذلك حدا يعبأ به، إنما هو نسبة إلى
<lb n="10"/> قوة مدركة فلا يعقلها عندهم العقل إنما يتخيلها الخيال تبعا للحس. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>قالوا واما الأعداد والمقادير وأحوالها فهى معقولة لذاتها، فهى إذن مفارقة.
<lb n="12"/> وقوم جعلوها مبادئ ولم يجعلوها مفارقة، وهم أصحاب فيثاغورث. وركبوا كل شىء
<lb n="13"/> من الوحدة والثنائية، وجعلوا الوحدة فى حيز الخير والحصر، وجعلوا الثنائية فى حيز
<lb n="14"/> الشر وغير الحصر.
<pb n="313" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="15"/>وقوم جعلوا المبادئ الزائد والناقص والمساوى، وجعلوا المساوى مكان
<lb n="16"/> الهيولى؛ إذ عنه الاستحالة إلى الطرفين. وقوم جعلوه مكان الصورة، لأنها المحصورة
<lb n="17"/> المحدودة ولا حد للزائد والناقص. </p>
<p n="10">
<lb n="18"/>ثم تشعبوا فى أمر تركيب الكل من التعليميات. فجعل بعضهم العدد مبدأ للمقدار.
<lb n="19"/> فركب الخط من وحدتين، والسطح من أربع وحدات. وبعضهم جعل لكل واحد منهما حيزا
<pb n="246"/>
<lb n="1"/> على حدة، وأكثرهم على أن العدد هو المبدأ، والوحدة هى المبدأ الأول، وأن الوحدة والهوية
<lb n="2"/> متلازمتان أو مترادفتان. وقد رتبوا العدد وإنشاؤه من الوحدة على وجوه ثلاثة: أحدها
<lb n="3"/> على وجه العدد العددى. والثانى على وجه العدد التعليمى، والثالث على وجه التكرار. </p>
<p n="11">
<lb n="4"/>أما وجه العدد العددى فجعلوا الوحدة فى أول الترتيب، ثم الثنائية، ثم الثلاثية.
<lb n="5"/> وأما العدد التعليمى: فجعلوا الوحدة مبدأ، ثم الثانى، ثم الثالث، فرتبوا العدد على توالى
<lb n="6"/> وحدة وحدة. وأما الثالث فجعلوا إنشاء العدد بتكرار وحدة بعينها لا باضافة أخرى إليها. </p>
<p n="12">
<lb n="7"/>والعجب من طائفة فيثاغوريّة ترى أن العدد يتألف من وحدة وجوهر، إذ الوحدة
<lb n="8"/> لا تقوم وحدها، فإنها وحدة شىء، والمحل جوهر، وحينئذ يكون التركيب، فتكون الكثرة. </p>
<p n="13">
<lb n="9"/>ومن هؤلاء من يجعل لكل رتبة تعليمية من العدد صورة مطابقة لصورة
<lb n="10"/>
<pb n="314" edRef="#source_3"/>موجودة، فيكون عند التجريد رتبة عدد وعند الخلط بالمادة صورة إنسان أو
<lb n="11"/> فرس، وذلك للمعنى الذى أشرنا إليه فيما سلف. وقوم يرون أن بين هذه الصور العددية
<lb n="12"/> وبين المثل فرقا؛ ومن هؤلاء من جعلها متوسطات على ما سلف قبل. </p>
<p n="14">
<lb n="13"/>وأكثر الفيثاغوريسن يرون أن العدد التعليمى هو مبدأ ولكنه غير مفارق.
<lb n="14"/> ومنهم من يجوز تركيب الصور الهندسية من الآحاد [فيمنع]' تنصيف المقادير. ومنهم من
<lb n="15"/> لا يرى بأسا بأن تكون التعليميات مركبة من أعداد يعرض لها بعد التركيب أن تنقسم إلى
<lb n="16"/> غير نهاية. ومنهم من يجعل الصور العددية مباينة للصور الهندسية.
<pb n="247"/>
</p>
<p n="15">
<lb n="1"/>وأنت إذا فكرت وجدت أصول أسباب الغلط فى جميع ما ضل فيه
<lb n="2"/> هؤلاء القوم خمسة: </p>
<p n="16">
<lb n="3"/>أحدها، ظنهم أن الشىء إذا جرد من حيث لم يقترن به اعتبار غيره كان
<lb n="4"/> مجردا فى الوجود عنه، كأنه إذا التفت إلى الشىء وحده ومعه قرين التفاتا خلا عن
<lb n="5"/> الالتفات إلى قرينه فقد جعل غير مجاور لقرينه. وبالجملة إذا نظر إليه لا بشرط المقارنة
<lb n="6"/> فقد ظن أنه نظر إليه بشرط غير المقارنة، حتى إنما صلح أن ينظر فيه؛ لأنه غير مقارن بل
<lb n="7"/> مفارق. فظن لهذا أن المعقولات الموجودة فى العالم لما كان العقل ينالها من غير أن يتعرض
<lb n="8"/> لما يقارنها أن العقل ليس ينال إلا المفارقات منها؛ وليس كذلك، بل لكل شىء من حيث
<lb n="9"/> ذاته اعتبار، ومن حيث إضافته إلى مقارن اعتبار آخر. </p>
<p n="17">
<lb n="10"/>وإنا إذا عقلنا صورة الإنسان مثلا من حيث هى صورة الإنسان وحده فقد
<lb n="11"/> عقلنا موجودا وحده من حيث ذاته، ولكن حيث عقلناه فليس يجب أن يكون وحده
<lb n="12"/> مفارقا.
<pb n="315" edRef="#source_3"/>فإن المخالط من حيث هو هو غير مفارق على جهة السلب لا على
<lb n="13"/> جهة العدول الذى يفهم منه المفارقة بالقوام. وليس يعسر علينا أن نقصد بالإدراك أو بغير
<lb n="14"/> ذلك من الأحوال واحدا من الاثنين ليس من شأنه أن يفارق صاحبه قواما، وإن فارقه حدا
<lb n="15"/> ومعنى وحقيقة، إذ كانت حقيقته ليست مدخولة فى حقيقة الآخر، إذ المعية توجب
<lb n="16"/> المقارنة لا المداخلة فى المعانى. </p>
<p n="18">
<lb n="17"/>والسبب الثانى، غلطهم فى أمر واحد؛ فإنا إذا قلنا إن الإنسانية معنى
<lb n="18"/> واحد لم نذهب فيه إلى أنه معنى واحد هو بعينه يوجد فى كثيرين فيتكثر بالإضافة
<lb n="19"/> كأب واحد يكون لكثيرين، بل هو كالآباء لأبناء متفرقين. وقد استقصينا القول فى هذا
<pb n="248"/>
<lb n="1"/> فى مواضع أخر. فهؤلاء لم يعلموا أنا نقول لأشياء كثيرة إن معناها واحد، ونعنى بذلك
<lb n="2"/> أن أى واحد منها لو توهمناه سابقا إلى مادة هى بالحالة التى بالأخر، كان يحصل منه هذا
<lb n="3"/> الشخص الواحد. وكذلك أى واحد منها سبق إلى الذهن منطبعا فيه كأن يحصل منه هذا
<lb n="4"/> المعنى الواحد. وإن كان قد سبق واحد تعطل الآخر فلم يعمل شيئا كالحرارة التى لو طرأت
<lb n="5"/> على مادة فيها رطوبة أثرت معنى آخر أو تعرضت لذهن سبق إليه معنى رطوبة ومعقولها
<lb n="6"/> لفعلت معنى آخر. ولو أنهم فهموا معنى الواحد فى هذا لكفاهم. ذلك ما أضلهم. </p>
<p n="19">
<lb n="7"/>والثالث جهلهم بأن قولنا: إن كذا من حيث هو كذا شىء آخر مباين فى
<lb n="8"/> الحد له، قول متناقض؛ كقول المسئول الغالط إذا سئل هل الإنسان من حيث هو إنسان،
<lb n="9"/> إنسان واحد أو كثير؟
<pb n="316" edRef="#source_3"/>فقال: واحد أو كثير؛ فإن الإنسان من حيث هو إنسان،
<lb n="10"/> إنسان فقط، وليس هو من حيث هو إنسان، شيئا غير الإنسان. والوحدة والكثرة غير
<lb n="11"/> الإنسان، وقد فرغنا أيضا من تفهيم هذا. </p>
<p n="20">
<lb n="12"/>والرابع، ظنهم أنا إذا قلنا: إن الإنسانية توجد دائما باقية، أن هذا القول هو
<lb n="13"/> قولنا إنسانية واحدة أو كثيرة. وإنما يكون هذا لو كان قولنا الإنسانية وإنسانية واحدة أو
<lb n="14"/> كثيرة معنى واحدا. وكذلك لا يجب أن يحسبوا أنهم إذا سلموا لأنفسهم أن الإنسانية باقية
<lb n="15"/> فقد لزمهم أن الإنسانية الواحدة بعينها باقية حتى يضعوا إنسانية أزلية. </p>
<p n="21">
<lb n="16"/>والخامس ظنهم أن الأمور المادية إذا كانت معلولة يجب أن تكون عللها
<lb n="17"/> أى أمور يمكن أن تفارق. فإنه ليس إذا كانت الأمور المادية معلولة وكانت التعليميات
<lb n="18"/> مفارقة يجب أن تكون عللها التعليميات لا محالة، بل ربما كانت جواهر أخرى ليست
<pb n="249"/>
<lb n="1"/> من المقولات التسع. ولم يتحققوا كنه التحقيق أن الهندسيات من التعليميات لا تستغنى
<lb n="2"/> حدودها عن المواد مطلقا، وإن استغنت عن نوع ما من المواد. </p>
<p n="22">
<lb n="3"/>وهذه أشياء يشبه أن يكفى فى تحقيقها أصول سلفت لنا. فلنتجرد للقائلين
<lb n="4"/> بالتعليميات.
<pb n="317" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="5"/> [الفصل الثالث]
<lb n="6"/>
<num>ج</num>فصل
<lb n="7"/> فى إبطال القول بالتعليميات والمثل </head>
<p n="1">
<lb n="8"/>فنقول: إنه إن كان فى التعليميات تعليمى مفارق للتعليمى المحسوس، فإما أن
<lb n="9"/> لا يكون فى المحسوس تعليمى البتة أو يكون. فإن لم يكن فى المحسوس تعليمى وجب أن
<lb n="10"/> لا يكون مربع ولا مدور ولا معدود محسوس. وإذا لم يكن شىء من هذا محسوسا،
<lb n="11"/> فكيف السبيل إلى إثبات وجودها بل إلى تخيلها؟ فإن مبدأ تخيلها كذلك من الوجود
<lb n="12"/> المحسوس حتى لو توهمنا واحدا لم يحس شيئا منها لحكمنا أنه لا يتخيل بل لا يعقل شيئا
<lb n="13"/> منها. على أنا أثبتنا وجود كثير منها فى المحسوس. </p>
<p n="2">
<lb n="14"/>وإن كانت طبيعة التعليميات قد توجد أيضا فى المحسوسات فيكون لتلك
<lb n="15"/> الطبيعة بذاتها اعتبار. فتكون ذاتها إما مطابقة بالحد والمعنى للمفارق أو مباينة له. فإن
<lb n="16"/> كانت [مباينة] له فتكون التعليميات المعقولة أمورا غير التى نتخيلها ونعقلها ونحتاج
<lb n="17"/> فى إثباتها إلى دليل مستأنف، ثم نشتغل بالنظر فى حال مفارقتها. فلا يكون ما عملوا
<pb n="250"/>
<lb n="1"/> عليه من الإخلاد إلى الاستغناء عن إثباتها والاشتغال بتقديم الشغل فى بيان مفارقتها
<lb n="2"/> عملا يستنام إليه. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>وإن كانت مطابقة مشاركة له فى الحد فلا يخلو: إما أن تكون هذه التى فى
<lb n="4"/> المحسوسات إنما صارت فيها لطبيعتها وحدها، وكيف يفارق ما له حدها؟ وإما أن يكون
<lb n="5"/> ذلك أمرا يعرض لها بسبب من الأسباب، وتكون هى معرضة لذلك، وحدودها غير مانعة
<lb n="6"/> عن لحوق ذلك إياها. فيكون من شأن تلك المفارقات أن تصير مادية ومن شأن هذه المادية
<lb n="7"/> أن تفارق. وهذه هو خلاف ما عقدوه وبنوا عليه أصل رأيهم.
<pb n="318" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="8"/>وأيضا فإن هذه المادة التى مع العوارض إما أن تحتاج إلى المفارقات أو لا تحتاج
<lb n="9"/> إليها. فإن كانت تحتاج إلى مفارقات، فإنما تحتاج إلى مفارقات غيرها لطبائعها، فتحتاج
<lb n="10"/> المفارقات أيضا إلى أخرى. وإن كانت هذه إنما تحتاج إلى المفارقات لما عرض لها حتى
<lb n="11"/> لو لا ذلك العارض لكانت لا تحتاج إلى المفارقات البتة، ولا كان يجب أن يكون للمفارقات
<lb n="12"/> وجود البتة، فيكون العارض للشىء يوجب أمر أقدم منه وغنى عنه؛ ويجعل
<lb n="13"/> المفارقات محتاجة إليها حتى يجب لها وجود. </p>
<p n="5">
<lb n="14"/>فإن لم يكن الأمر كذلك، بل كان وجود المفارقات يوجب وجودها مع هذا
<lb n="15"/> العارض فلِمَ يوجَب العارض فى غيرها ولا يوجَب فى أنفسها، والطبيعة متفقة؟ وإن كانت
<lb n="16"/> غير محتاجة إلى المفارقات فلا تكون المفارقات عللا لها بوجه من الوجوه ولا مبادئ أولى.
<lb n="17"/> ويلزم أن تكون لها هذه المفارقات ناقصة. فإن هذا [المقارن] للمادة تلحقه من القوى والأفاعيل
<lb n="18"/> ما لا يوجد للمفارق. وكم الفرق بين شكل إنسانى ساذج وبين شكل إنسانى حى [فاعل].
<pb n="251"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>والعجب منهم إذ يجعلون الخط متجردا فى قوامه عن السطح، والنقطة عن
<lb n="2"/> الخط. فما الذى يجمعها فى الجسم الطبيعي؟ أطبيعة واحدة منها توجب ذلك؟ فكذلك
<lb n="3"/> يجب أن يجمعهما لو كان مفارقة أو قوة أخرى، نفس أو عقل أو <choice>
 <sic>بارى</sic>
 <corr type="MAR">بارئ</corr>
 </choice>؛ ثم الخط كيف
<lb n="4"/> يتقدم الجسم التام تقدم العلل وليس هو صورته؟ فليس الخط صورة جسمية ولا هو فاعله
<lb n="5"/> ولا هو غايته. بل إن كان ولا بد فالجسم التام الكامل فى الأبعاد هو غاية الخط وغيره. ولا
<lb n="6"/> هو هيولاه، بل هو شىء يلحقه من جهة ما يتناهى وينقطع. </p>
<p n="7">
<lb n="7"/>وأيضا يلزم القائل
<pb n="319" edRef="#source_3"/> بالأعداد أن يجعل التفاوت بين الأمور بزيادة كثرة
<lb n="8"/> ونقصانها، فيكون الخلاف بين الإنسان والفرس أن أحدهما أكثر والآخر أقل، والأقل دائما
<lb n="9"/> موجود فى الأكثر. فيكون فى أحدهما الآخر. فيلزم من ذلك دخول بعض المتباينات تحت
<lb n="10"/> بعض وهو خلف فاسد. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>ومن هؤلاء من يجعل الوحدات متساوية فيكون ما خالف به الأكثر الأقل جزءا من
<lb n="12"/> الأقل. لكن منهم من يجعل الوحدات أيضا غير متساوية. فإن كانت تختلف بالحد فليست
<lb n="13"/> وحدات إلا بالشتزاك الاسم. وإن كانت لا تختلف بالحد لكنها بعد اتفاق فى الحد تزيد
<lb n="14"/> وتنقص، فإما أن يكون زيادة الزائد منها بشىء فيها بالقوة كالمقادير، فتكون الوحدة مقدارا
<lb n="15"/> لا مبدأ مقدار، وإن كانت زيادة الزائد بشىء فيها بالفعل كالأعداد، فتكون الوحدة كثرة. </p>
<p n="9">
<lb n="16"/>ويلزم القائلين بالعدد العددى المركبين منها صور الطبيعيات أن يعلموا
<lb n="17"/> أحد شيئين: إما أن يجعلوا للعدد المفارق الموجود نهاية، فيكون تناهيه عند حد من
<pb n="252"/>
<lb n="1"/>الحدود دون غيره من الاختراع الذى لا محصول له. أو يجعلوه غير متناه فيجعلوا
<lb n="2"/> صور الطبيعيات غير متناهية. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>وهؤلاء يجعلون الوحدة الأولى غير كل وحدة من الوحدتين اللتين فى الثنائية،
<lb n="4"/> ثم يجعلون الثنائية الأولى غير الثنائية التى فى الثلاثية وأقدم منها، وكذلك فيما بعد
<lb n="5"/> الثلاثية. وهذا محال. فإنه ليس بين الثنائية الأول والثنائية التى فى الثلاثية فرق فى الذات
<lb n="6"/> بل فى عارض، وهو مقارنة شىء له. ومقارنة الشىء للشىء لا يجوز أن تبطل ذاته. ولو
<lb n="7"/> أبطل ذاته، لم يكن مقارنا، لأن المقارن مقارن للموجود. وأما المفسد فغير مقارن. وكيف
<lb n="8"/> تكون الوحدة مفسدة للوحدتين
<pb n="320" edRef="#source_3"/> إلا بإفسادها واحدا واحدا منهما؟ وكيف تكون
<lb n="9"/> الوحدة مفسدة للوحدة؟ ولو أفسدتها لم تكن ثنائية. بل الثنائية بمقارنة الوحدة إياها لا
<lb n="10"/> تصير مباينة فى الذات للثنائية بوجودها غير مقارنة للوحدة؛ فإن الوحدة لا تتغير بالمقارنة
<lb n="11"/> حالا، بل تجعل الكل أكثر وتذر الجزء على حاله. </p>
<p n="11">
<lb n="12"/>وبالجملة إذا كانت الوحدات متشاكلة والتركيب واحدا كانت الطبيعتان
<lb n="13"/> متفقتين، إلا أن يعرض شىء يغير ويفسد. ولا يجوز أن لا تكون الوحدات متشاكلة. فإن
<lb n="14"/> العدد يحدث من وحدات متشاكلة لا غير. </p>
<p n="12">
<lb n="15"/>على أن قوما منهم يقولون إن الثنائية يلحقها من حيث هى ثنائية وحدة غير
<lb n="16"/> وحدة الثلاثية، فكذلك تكون وحدة الثنائية غير وحدة الثلاثية. فيلزم أن تكون العشارية
<lb n="17"/> مركبة لا من خماسيتين على ما تكون به الخماسيتان، لأن آحاد العشرة غير آحاد
<lb n="18"/> الخماسية. فلا تتركب العشارية من خماسيتين. ويلزم أن تكون آحاد الخماسية إذا كانت
<lb n="19"/> جزء عشرة مخالفة لآحادها إذا كانت جزء خمسة عشر. لكنهم عساهم يقولون: إن
<pb n="253"/>
<lb n="1"/>الخماسية التى فى خمسة عشر غير الخماسية التى فى العشارية البسيطة، لأنها خماسية
<lb n="2"/> عشارية هى جزء من خمسة عشر. فيلزم أن تكون العشارية إذا أضيف إليها الخماسية لا
<lb n="3"/> تصير خمسة عشر أو تستحيل آحادها، وذلك كله محال. </p>
<p n="13">
<lb n="4"/>ثم إن لم تكن خماسية العشرة مساوية للخماسية المطلقة فلا تكون خماسية
<lb n="5"/> إلا باشتراك الاسم. فبالحرى أن يتفهم معنى الخماسية فيها بعد المشاركة فى <choice>
<sic>الفظ</sic>
<corr>اللفظ</corr>
</choice>. وإن
<lb n="6"/> كانت مساوية
<pb n="321" edRef="#source_3"/> فتكون إذن الآحاد فى جميعها متساوية، ولثنائيات والثلاثيات.
<lb n="7"/> فتكون أيضا صورة الثلاثية موجودة فى الرباعية. لكن الثلاثية صورة لنوع طبيعى،
<lb n="8"/> والرباعية كذلك. فتكون الأنواع الطبيعية موجودة فيها أنواع أمور أخرى مخالفة. مثلا
<lb n="9"/> إذا كان عدد ما هو صورة للإنسان ثم عدد آخر صورة للفرس إما أكثر منه وإما أقل،
<lb n="10"/> فإن كان أكثر منه كان نوع الإنسان موجودا فى الفرس وإن كان أقل منه كان نوع الفرس
<lb n="11"/> موجودا فى الإنسان. فيلزم أن تكون صورة أنواع قبل أنواع وصورة أنواع بعد أنواع
<lb n="12"/> إذا كانت أشد تركيبا منها وإن لم يأخذ تركيب الأنواع من الأنواع مأخذ غير متناه. ثم
<lb n="13"/> كيف يكون عدد موجود له ترتيب ذاتى من الوحدانية والثنائية يذهب إلى غير النهاية
<lb n="14"/> بالفعل؟ وقد تبين استحالة هذا. </p>
<p n="14">
<lb n="15"/>وأما الذى يولدون العدد بالتكرير مع ثبات الوحدة للواحد فليس يفهم للتكرير
<lb n="16"/> فيه معنى إلا إيجاد شىء آخر غير الأول بالعدد. فإن كان للعدد يفعله التكرير وليس كل
<lb n="17"/> واحد من الأول والثانى فيه وحدة فليس الوحدة مبدأ تأليف عدد. فإن كان الأول من
<lb n="18"/> حيث هو أول وحدة، والثانى من حيث هو ثان وحدة، فهناك وحدتان. فإن الوحدة لا
<lb n="19"/> تتكرر إلا بأن تكون هناك مرة بعد مرة. وهذه المرة إما أن تكون زمانية أو ذاتية. فإن كانت
<pb n="254"/>
<lb n="1"/>زمانية ولم تعدم فى الوسط فهى كما كانت [لا]' أنها كررت. وإن عدمت ثم أوجدت
<lb n="2"/> فالموجودة شخصية أخرى. وإن كانت ذاتية فذلك أبين. </p>
<p n="15">
<lb n="3"/>وقوم جعلوا الوحدة كالهيولى للعدد وقوم جعلوها كالصورة لأنها تقال على
<lb n="4"/> الكل. والعجب من الفيثاغورثيين إذا جعلوا الوحدات الغير المتجزئة مبادئ للمقادير،
<lb n="5"/> وعلموا أن المقادير تذهب إلى مذهب فى التجزؤ إلى غير النهاية.
<pb n="322" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="6"/>وقال قوم: إن الوحدة إذا قارنت المادة صارت نقطة. والثنائية على ذلك
<lb n="7"/> القياس، إذا قارنتها فعلت خطا، والثلاثية سطحا والرباعية جسما. ولا يخلو إما أن
<lb n="8"/> تكون المادة لها مشتركة، أو تكون لكل واحد منها مادة أخرى. فإن كانت لها مادة واحدة
<lb n="9"/> فتصير المادة تارة نقطة، ثم تنقلب جسما، ثم تنقلب نقطة. وهذا مع استحالته يوجب أن
<lb n="10"/> لا يكون كون النقطة مبدأ للجسم أولى من أن يكون الجسم مبدأ للنقطة، بل ربما يكونان
<lb n="11"/> من الأمور المتعاقبة على موضوع واحد. وإن كانت موادها مختلفة، فلا توجد فى مادة
<lb n="12"/> الثنائية وحدة، فلا تكون فى المادة الثنائية ثنائية، ويلزم أن لا تكون هذه الأشياء البتة معا. </p>
<p n="17">
<lb n="13"/>وأما على مذهب التحقيق فليست النقطة موجودة إلا فى الخط، الذى هو
<lb n="14"/> فى السطح، الذى هو فى الجسم، الذى هو فى المادة. وليست النقطة مبدأ إلا بمعنى
<lb n="15"/> الطرف. وأما بالحقيقة فالجسم هو المبدأ، بمعنى أنه معروض له التناهى به. </p>
<p n="18">
<lb n="16"/>والعجب ممن جعل المبدأ الزيادة والنقصان، فجعل المضاف مبدأ. والمضاف
<lb n="17"/> هو أمر عارض لغيره من الموجودات ومتأخر عن كل شىء.
<pb n="255"/>
</p>
<p n="19">
<lb n="1"/>ثم كيف يمكنهم أن يجعلوا فى الوجود كثرة؟ فإن الوحدة الثانية التى توجد
<lb n="2"/> فى الكثرة مضافة إلى الأولى إن كانت موجودة لذاتها. فبماذا تباين وحدة وحدة؟ وواجب
<lb n="3"/> الوجود بذاته لا يتكثر ولا يباين شيئا إلا بالجوهر لا بالعدد. وإن جاءت بانقسام وحدة
<lb n="4"/> فليست الوحدة إلا مقدارا. وإن جاءت بسبب آخر فالوحدة لها علة موجودة فى طبيعتها
<lb n="5"/> وليست من الأمور التى بذاتها ومن المبادئ التى توجد ولا سبب لها.
<pb n="323" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="20">
<lb n="6"/>ثم كيف جعلوا الوحدة والكثرة من الأضداد وقسموها إلى الخير والشر؟ فمنهم
<lb n="7"/> من ما الى أن يجعل العدد من الخير لما فيه من الترتيب والتركيب والنظام، ومنهم من مال إلى
<lb n="8"/> أن يجعل الوحدة من الخير. فإذا كانت الوحدة من الخير، فكيف تولد من خير شر؟ وكيف
<lb n="9"/> صار ازدياد الخير شرا؟ وإن كانت الكثرة خيرا والوحدة شرا، فكيف حصل من ازدياد
<lb n="10"/> الشر خير؟ وكيف كان الأول والمبدأ شرا حتى صار الأفضل [معلولا]' والأنقص علة؟ </p>
<p n="21">
<lb n="11"/>ومنهم من جعل العدد والوحدة من باب الخير، وجعل الشر الهيولى والهيولى
<lb n="12"/> إن كانت معلولة فيكون لها علة تستند إلى هيولى أو إلى صورة، فإن كانت تستند إلى هيولى
<lb n="13"/> فستقف على ما يقصد بالكلام. وإن كانت تستند إلى صورة فكيف يولد الخير الشر؟
<lb n="14"/> وإن لم تكن معلولة فهى واجبة بذاتها. فإما أن تكون قابلة للإنقسام أو مجردة؛ فإن كانت
<lb n="15"/> قابلة للإنقسام فى نفسها فهى مقدار مؤلف من آحاد على رأيهم، فهى أيضا من الخير. وإن
<lb n="16"/> كانت غير منقسمة فى ذاتها فذاتها وحدانية، والوحدانية ــ بما هى وحدانية ــ خير؛ إذ
<lb n="17"/> ليس عندهم للخير معنى إلا كونه وحدة ونظاما من العدد، والوحدة أولى عندهم بذلك.
<pb n="256"/>
</p>
<p n="22">
<lb n="1"/>فإن جعلوا كون الوحدة وحدة غير كونها خيرا، انتقضت أصولهم كلها.
<lb n="2"/> وإن جعلوا الوحدانية خيرية، لزم من ذلك أن تكون الهيولى ــ لأنها وحدانية ــ خيرية.
<lb n="3"/> ثم إن كانت الوحدانية فيها خيرية، ولكنها لا حق لها غريب، فلتجرد الملحوق به،
<lb n="4"/> يلزمه هذا البحث بعينه. </p>
<p n="23">
<lb n="5"/>ثم كيف يتولد من الأعداد حرارة وبرودة وثقل وخفة حتى يكون عدد يوجب
<lb n="6"/> أن يتحرك الشىء إلى فوق وعدد يوجب أن يتحرك الشىء إلى أسفل؟ فإن بطلان هذه
<lb n="7"/> مما يغنى عن تكلف إبانة.
<pb n="324" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="24">
<lb n="8"/>على أن قوما منهم جعلوا الأشياء تتولد من عدد يطابق كيفية ويوجد
<lb n="9"/> معها. فتكون المبادئ ليست أعدادا، بل أعدادا، وكيفيات وأمور أخرى؛
<lb n="10"/> وهذا محال عندهم. </p>
<p n="25">
<lb n="11"/>واعلم بعد هذا كله أن التعليميات لا تفارق الخيرية. وذلك لأنها فى أنفسها
<lb n="12"/> ذوات حظ وافر من الترتيب والنظام والاعتدال. فكل شىء منها على ما ينبغى أن يكون
<lb n="13"/> له، وهذا خير كل شىء.
<pb n="257"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<lb n="1"/>
<head>
<pb n="326" edRef="#source_3"/>المقالة الثامنة
<lb n="2"/> فى معرفة المبدأ الأول للوجود كله ومعرفة صفاته سبعة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/><num>ا</num>فصل
<lb n="5"/> فى تناهى العطل الفاعلية والقابلية </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>
<pb n="327" edRef="#source_3"/>وإذ قد بلغنا هذا المبلغ من كتابنا، فبالحرى أن نختمه بمعرفة المبدء
<lb n="7"/> الأول للوجود كله وأنه هل هو موجود، وهل هو واحد لا شريك له فى مرتبته ولا
<lb n="8"/> ندّ له؟ وندل على مرتبته فى الوجود، وعلى ترتيب الموجودات دونه ومراتبها، وعلى حال
<lb n="9"/> العود إليه، مستعينين به. </p>
<p n="2">
<lb n="10"/>فأول ما يجب علينا من ذلك أن ندل على أن العلل من الوجوه كلها متناهية،
<lb n="11"/> وأن فى كل طبقة منها مبدأ أول، وأن مبدأ جميعها واحد، وأنه مباين لجميع الموجودات،
<lb n="12"/> واجب الوجود وحده، وأن كل موجود فمنه ابتدأ وجوده. </p>
<p n="3">
<lb n="13"/>فنقول: أما أن علة الوجود للشىء تكون موجودة معه فقد سلف لك وتحقق.
<pb n="258"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="1"/>ثم نقول: إنا إذا فرضنا معلولا، وفرضنا له علة، ولعلته علة، فليس يمكن أن
<lb n="2"/> يكون لكل علة علة بغير نهاية، لأن المعلول وعلته وعلة علته إذا اعتبرت جملتها فى القياس
<lb n="3"/> الذى لبعضها إلى بعض كانت علة العلة علة أولى مطلقة للأمرين، وكان للأمرين نسبة
<lb n="4"/> المعلولية إليها، وإن اختلفا فى أن أحدهما معلول بمتوسط والآخر معلول بغير متوسط. ولم
<lb n="5"/> يكن كذلك الأخير، ولا المتوسط لأن المتوسط ــ الذى هو العلة المماسة للمعلول ــ علة
<lb n="6"/>
<pb n="328" edRef="#source_3"/>لشىء واحد فقط والمعلول ليس علة لشىء. ولكل واحد من الثلاثة خاصية.
<lb n="7"/> فكانت خاصية الطرف المعلول أنه ليس علة لشىء، وخاصية الطرف الآخر أنه علة للكل
<lb n="8"/> غيره، وكانت خاصية المتوسط أنه علة لطرف ومعلول لطرف. </p>
<p n="5">
<lb n="9"/>وسواء كان الوسط واحدًا أو فوق واحد، فإن كان فوق واحد، فسواء ترتب
<lb n="10"/> ترتيبا متناهيا أو ترتب ترتيبا غير متناه؛ فإنه إن ترتب فى كثرة متناهية كانت جملة عدد
<lb n="11"/> ما بين الطرفين كواسطة واحدة تشترك فى خاصية الواسطة بالقياس إلى الطرفين، ويكون
<lb n="12"/> لكل واحد من الطرفين خاصية. </p>
<p n="6">
<lb n="13"/>وكذلك إن ترتب فى كثرة غير متناهية ولم يحصل الطرف، كان جميع الطرف
<lb n="14"/> غير المتناهى مشتركا فى خاصية الواسطة، لأنك أى جملة أخذت كانت علة لوجود
<lb n="15"/> المعلول الأخير، وكانت معلولة، إذ كل واحد منها معلول، والجملة متعلقة الوجود بها،
<lb n="16"/> ومتعلق الوجود بالمعلول معلول، إلا أن تلك الجملة شرط فى وجود المعلول الأخير وعلة
<lb n="17"/> له. وكلما زدت فى البصر كان الحكم إلى غير النهاية باقيا. فليس يجوز إذن أن تكون
<lb n="18"/> جملة علل موجودة وليس فيها علة غير معلولة، وعلة أولى. فإن جميع غير المتناهى
<lb n="19"/> يكون واسطة بلا طرف وهذا محال. وقول القائل إنها ــ أعنى المعلل قبل العلل ــ تكون
<pb n="259"/>
<lb n="1"/>بلا نهاية مع تسليمه لوجود الطرفين، حتى يكون طرفان وبينهما وسائط بلا نهاية، ليس
<lb n="2"/> يمنع غرضنا الذى نحن فيه، وهو إثبات العلة الأولى. </p>
<p n="7">
<lb n="3"/>على أن قول القائل: أن ههنا طرفين ووسائط بغير نهاية قول يقوله باللسان،
<lb n="4"/> دون الاعتقاد. وذلك لأنه إذا كان له طرف فهو متناه فى نفسه، فإن كان المحصى
<pb n="329" edRef="#source_3"/>
<lb n="5"/> لا ينتهى إلى طرفه، فإن ذلك معنى فى المحصى لا معنى فى الشىء نفسه. وكون الأمر فى
<lb n="6"/> نفسه متناهيا، هو أن يكون له طرف، وكل ما بين الطرفين فهو محدود ضرورة بهما. </p>
<p n="8">
<lb n="7"/>فقد تبين من جميع هذه الأقاويل أن ههنا علة أولى. فإنه وإن كان ما بين الطرفين
<lb n="8"/> غير متناه، ووجد الطرف، فذلك الطرف أول لما لا يتناهى، وهو علة غير معلول. </p>
<p n="9">
<lb n="9"/>وهذا البيان يصلح أن يجعل بيانا لتناهى جميع طبقات أصناف العلل، وإن كان
<lb n="10"/> استعمالنا له فى العلل الفاعلية؛ بل قد علمت أن كل ذى ترتيب فى الطبع، فانه متناه،
<lb n="11"/> وذلك فى الطبيعيات، وإن كان كالدخيل فيها. فلنقبل على بيان تناهى العلل التى تكون
<lb n="12"/> أجزاء من وجود الشىء ومتقدمة فى الزمان، وهى العلل التى تختص باسم العنصرية،
<lb n="13"/> وهى ما يكون عنه الشىء، بأن يكون هو جزءا ذاتيا للشىء. </p>
<p n="10">
<lb n="14"/>وبالجملة اعتبر بقولنا شىء من شىء أن يكون قد دخل فى وجود الثانى أمر
<lb n="15"/> كان للشىء الأول، إما الجوهر والذات الذى للشىء الأول، مثل الإنسان فى الصبى، إذا
<lb n="16"/> قيل: إنه كان منه رجل، أو جزء من الجوهر والذات الذى للشىء الأول، ملل الهيولى فى
<lb n="17"/> الماء، إذا قيل: إنه كان من هواء. ولا تعتبر المفهوم من قول القائل: كان كذا من كذا، إذا
<lb n="18"/> كان بعده، ولم تدل لفظ «من» على شىء من ذات الأول، بل على البعدية فقط.
<pb n="260"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="1"/>فنقول: إن كون الشىء من الشىء لا بمعنى بعد الشىء، بل بمعنى أن فى
<lb n="2"/> الثانى أمرا من الأول داخلا فى جوهره، يقال على وجهين: </p>
<p n="12">
<lb n="3"/>أحدهما بمعنى أن يكون الأول إنما هو ما هو بأنه بالطبع يتحرك إلى الاستكمال
<lb n="4"/> بالثانى، كالصبى إنما هو صبى لأنه فى طريق السلوك إلى الرجلية مثلا. فإذا صار رجلا
<lb n="5"/> لم
<pb n="330" edRef="#source_3"/> يفسد، ولكنه استكمل، لأنه لم يزل عنه أمر جوهرى، ولا أيضا أمر عرضى،
<lb n="6"/> إلا، ما يتعلق بالنقص، وبكونه بالقوة بعدُ إذا قيس إلى الكمال الأخير. </p>
<p n="13">
<lb n="7"/>والثانى أن يكون الأول ليس فى طباعه أن يتحرك إلى الثانى، وإن كان يلزمه
<lb n="8"/> الإستعداد لقبول صورته، لا من جهة ماهيته،ولكن من جهة حامل ماهيته. وإذا كان
<lb n="9"/> منه الثانى، لم يكن من جوهره الذى بالفعل إلا بمعنى بعد، ولكن كان من جزء جوهره،
<lb n="10"/> وهو الجزء الثانى الذى يقارن القوة؛ مثل الماء إنما يصير هواء بأن تخلع عن هيولاه صورة
<lb n="11"/> المائية، ويحصل لها صورة الهوائية. </p>
<p n="14">
<lb n="12"/>والقسم الأول كما لا يخفى عليك، يحصل فيه الجوهر الذى للأول
<lb n="13"/> بعينه فى الثانى. والقسم الثانى لا يحصل الجوهر الذى فى الأول بعينه فى الثانى، بل جزء
<lb n="14"/> منه ويفسد ذلك الجوهر. </p>
<p n="15">
<lb n="15"/>ولما كان فى أول القسمين جوهر ما هو أقدم موجودا فيما هو أشد تأخرًا
<lb n="16"/> كان هو بعينه، أو هو بعض منه؛ وكان الثانى هو مجموع جوهر الأول وكمال مضاف
<lb n="17"/> إليه. ولما كان قد علم فيما سلف أن الشىء المتناهى الموجود بالفعل لا يكون له أبعاض
<lb n="18"/> بالفعل، كانت أبعاضا مقدارية أو معنوية لها تراتيب غير متناهية، فقد استغنينا بذلك
<pb n="261"/>
<lb n="1"/>عن أن نشتغل ببيان أنه هل يمكن أن يكون موضوع من هذا القبيل قبل موضوع بلا
<lb n="2"/> نهاية، أو لا يمكن. </p>
<p n="16">
<lb n="3"/>وأما الثانى من القسمين فإنه من الظاهر أيضا وجوب التناهى فيه، لأن الأول
<lb n="4"/> إنما هو بالقوة الثانى لأجل المقابلة التى بين صورته وبين صورة الثانى. وتلك المقابلة تقتصر
<lb n="5"/> فى الإستحالة على الطرفين بأن يكون كل واحد من الأمرين موضوعا للآخر، فيفسد هذا
<lb n="6"/> إلى ذاك،
<pb n="331" edRef="#source_3"/>وذاك إلى هذا. فحينئذ بالحقيقة لا يكون أحدهما بالذات متقدما على
<lb n="7"/> الآخر، بل يكون تقدمه عليه بالعرض، أى باعتبار الشخصية دون النوعية. ولهذا ليس
<lb n="8"/> طبيعة الماء أولى بأن تكون مبدأ للهواء من الهواء للماء، بل هما كالمتكافئين فى الوجود.
<lb n="9"/> وأما هذا الشخص من الماء فيجوز أن يكون لهذا الشخص من الهواء، ولا يمنع أن يتفق أن
<lb n="10"/> لا يكون لتلك الأشخاص نهاية أو بداية. </p>
<p n="17">
<lb n="11"/>وليس كلامنا ههنا فيما هو بشخصيته مبدأ لا بنوعيته، وفيما هو بالعرض
<lb n="12"/> مبدأ لا بالذات. فإنا نجوز أن تكون هناك علل قبل علل بلا نهاية فى الماضى والمستقبل.
<lb n="13"/> وإنما علينا أن نبين التناهى فى الأشياء التى هى بذواتها علل، فهذا هو الحال فى ثانى
<lb n="14"/> القسمين، بعد أن نستعين أيضا بما قيل فى الطبيعيات. </p>
<p n="18">
<lb n="15"/>والقسم الأول هو الذى هو بذاته علة موضوعية، ولا ينعكس فيصير الثانى
<lb n="16"/> علة للأول. فأن الثانى لما كان عند الاستكمال، والأول عند الحركة إلى الاستكمال، لم يجز
<lb n="17"/> أن تكون حركة إلى الاستكمال بعد حصول لاستكمال، كما يجوز أن يكون الاستكمال
<lb n="18"/> بعد الحركة إلى الاستكمال. فجاز رجل من صبى ولم يجز صبى من رجل.
<pb n="332" edRef="#source_3"/>
<pb n="262"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/>[الفصل الثاني]
<lb n="2"/><num>ب</num> فصل
<lb n="3"/> فى شكوك تلزم ما قيل وحلها </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>ونحن فقد آثرنا فى هذا البيان أن نحاذى المذكور منه فى التعليم الأول فى
<lb n="5"/> المقالة الموسومة بألف الصغرى، ثم على هذا الموضوع شكوك يجب أن نوردها ثم نتجرد
<lb n="6"/> الحلها. فمن ذلك، أن لقائل أن يقول: </p>
<p n="2">
<lb n="7"/>إن المعلم الأول لم يستوف القسمة فى كون الشىء من شىء آخر، لأنه ذكر ذلك
<lb n="8"/> على وجهين: أحدهما، كون الشىء عن آخر يضاده، وبالجملة الكون الذى على سبيل
<lb n="9"/> الاستحالة؛ والثانى، كون الشىء المستكمل عن المتحرك إليه والذى فى طريق الكون. </p>
<p n="3">
<lb n="10"/>وهذا غير مستوف للقسمة، لأن كل ما يكون عن الشىء يكون أولا على
<lb n="11"/> وجهين، وهو أنه لا يخلو: إما أن يكون الأول المكون منه هو على وجود ذاته لم يبطل منه
<lb n="12"/> شىء، ولم يفسد إلا معنى الاستعداد أو ما يتعلق به. وأما أن يكون الأول إنما أمكن أن
<lb n="13"/> يكون منه الثانى بزوال شىء من الأول. </p>
<p n="4">
<lb n="14"/>والقسم الأول لا يخلو: أن يكون عنه الشىء، وقد كان مستعدًا فقط، فخرج
<lb n="15"/> إلى الفعل دفعة من غير سلوك، أو يكون قد كان مستعدا فقط فخرج إلى الفعل بحركة
<lb n="16"/> متصلة كان فيها بين الاستعداد الصرف وبين الاستكمال الصرف.
<pb n="333" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="17"/>فيكون الكائن فى القسم الأول ينسب أنه كان عن حالة واحدة، كقولنا: كان
<lb n="18"/> عن الجاهل بأمرى كذا عالم. والكائن فى القسم الثانى ينسب أنه كان تارة عن حالة سالكا،
<lb n="19"/> كقولنا كان من الصبى رجل، وتارة عن حالة مستعدة فقط كقولنا: كان عن المنى رجل.
<pb n="263"/>
<lb n="1"/>فإن اسم الصبى هو للمستعد أن يستكمل رجلا، وهو فى السلوك، واسم المنى للمستعد
<lb n="2"/> أن يكون إنسانا لا بشرط أن يكون فى السلوك. </p>
<p n="6">
<lb n="3"/>فقد ترك المعلم الأول من الأقسام ما كان استكمالا، وكان الكون منه غير
<lb n="4"/> منسوب إلى الحركة نحو الاستكمال. وأيضا فإنه ليس كل خروج عن استعداد صرف إلى
<lb n="5"/> فعل استكمالا. فإن النفس تعتقد الرأى الخطأ فيخرج إلى الفعل فيه من القوة، ويكون ليس
<lb n="6"/> على سبيل الاستكمال. ولا أيضا على سبيل الاستحالة. </p>
<p n="7">
<lb n="7"/>وأيضا فإن العناصر تتكون منها الكائنات فتكون مستحيلة عند الامتزاج غير
<lb n="8"/> فاسدة فى صورها الذاتية على ما علمت، فيكون المزاج غير كائن فيها[لا] لزوال ضد
<lb n="9"/> المزاج بل عدمه فقط، فيكون هذا القسم ليس هو من القسم الذى مثل له بكون الهواء من
<lb n="10"/> الماء. وذلك لأن العناصر لا تفسد فى أنواعها عند المزاج بل تستحيل، ولا من القسم الذى
<lb n="11"/> مثل له بكون الرجل من الصبى؛ لأنه كان لا ينعكس؛ فلا يكون الصبى بفساد الرجل،
<lb n="12"/> وههنا ينعكس، فيكون من <choice>
<sic>الممتزيج</sic>
<corr>الممتزج</corr>
</choice> شىء عنه امتزج بعد فساد المزاج. </p>
<p n="8">
<lb n="13"/>وأيضا فإنه إنما تكلم لا على الموضوع، بما هو الموضوع، بل بما يدل عليه لفظ
<lb n="14"/> الكون من الشىء. ومعلوم أن هذا لا يقال لكل نسبة للمتكون إلى موضوعه؛ فإن ما كان
<lb n="15"/> من
<pb n="334" edRef="#source_3"/> المستعدات التى يكون منها الشىء بالاستكمال لا اسم له من جهة ما هو
<lb n="16"/> مستعد، ولا يلحقه تغير عن حالته التى له قبل الخروج إلى الفعل. فلا يقال إن الشىء كان
<lb n="17"/> منه. فلا يقال كان من الإنسان رجل، ولكن من الصبى، لأن الصبى اسم له من جهة ما
<lb n="18"/> هو ناقص، ولأنه لا يتم إلا بإستحالات أيضا فى طريق السلوك. فكأنه لما سمى كان له
<lb n="19"/> معنى يدل عليه لاسم يزول عنه عند الخروج إلى الفعل؛ كأنه ما لم يتوهم فيه زوال أمر ما،
<pb n="264"/>
<lb n="1"/>كان له بسببه استحقاق الاسم، لم يقل إنه يكون منه شىء. فيعرض من هذا أن تكون
<lb n="2"/> ما لا يسمى فيه نسبة الكائن إلى الموضوع غير داخل فى هذه القسمة ويعرض منه أن
<lb n="3"/> تكون النسبة إلى الموضوع بالعرض لا الذى بالذات، لأن الصبى بما هو صبى لا يجوز أن
<lb n="4"/> يصير رجلا، حتى يكون هو صبيا ورجلا، بل يفسد المعنى المفهوم من اسم الصبى حتى
<lb n="5"/> يصير رجلا. فيكون الكون من الصبى آخر الأمر بمعنى بعد ويكون أيضا إنما يتكلم عن
<lb n="6"/> الموضوعات التى بالعرض. </p>
<p n="9">
<lb n="7"/>وأيضا فإنه لا يخلو: إما أن يكون الماء إذا كان منه الهواء عنصرا له بوجه،
<lb n="8"/>أو لا يكون. فإن لم يكن فالاشتغال بذكره باطل. وإن كان فليس يجب إذا كان الهواء
<lb n="9"/> يستحيل فى كيفيته الفاعلة إلى المائية، فيصير عنصرا له أن لا يستحيل فى كيفية أخرى،
<lb n="10"/> فيصير عنصرا لشىء آخر، مثلا فى رطوبته فى فيصير عنصرا للنار من غير أن يرجع ماء؛ ثم
<lb n="11"/> كذلك النار فى كيفية أخرى غير مقابلة للتى فيها استحالة إليها الهواء. فتكون العلل المادية
<lb n="12"/> تذهب إلى غير نهاية، من غير أن ترجع؛ فإذن
<pb n="335" edRef="#source_3"/> لم يتبين من وضعه أنه يجب أن
<lb n="13"/> يرجع لا محالة، بل بان إمكان الرجوع. ويتعلق بذلك إمكان التناهى. فليس ذلك مطلوبه،
<lb n="14"/> بل مطلوبه وجوب التناهى. </p>
<p n="10">
<lb n="15"/>ولنشرع الآن فى حل هذه الشكوك فنقول: </p>
<p n="11">
<lb n="16"/>الأولى أن يكون كلام المعلم الأول، إنما هو فى مباديء الجوهر ــ بما هو
<lb n="17"/> جوهر ــ لا بما هو جوهر معروض له ما لا يقوم جوهريته، ولا أيضا يكمله. فيكون كلامه
<lb n="18"/> فى كون الجوهر من عنصره، أو من موضع له، إما على سبيل كون نوع الجوهر مطلقا،
<lb n="19"/> وأما على سبيل كون كمال نوع الجوهر.
<pb n="265"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="1"/>والأولى أيضا أن يكون كلامه فى الكون الطبيعى دون الصناعى. وإذا كان
<lb n="2"/> كذلك كان العنصر جزءا ذاتيا فى وجود الكائن وأيضا فى وجود المتكون منه. لست
<lb n="3"/> أعنى بالذاتى أنه يكون ضروريًا لوجود المركب منه ومن غيره، فإن هذا أيضًا موجود
<lb n="4"/> للعنصر فى الأكوان غير الذاتية، مثل العنصر فى الجسم الأبيض. ولكن أعنى بالذاتية أن
<lb n="5"/> يكون كون العنصر جزءا أمرا ذاتيا له، فلا يقوم ذلك العنصر بالفعل إلا أن يكون جزءا لذلك
<lb n="6"/> الشىء أو لما الشىء كما له الطبيعى؛ إذ يكون جزءا لجوهر أو لآخر، حكمه حكمه، لا أن
<lb n="7"/> يكون العنصر يقوم دون ذلك، ثم عرض له أن صار جزا من مركب منه ومن عرض فيه،
<lb n="8"/> ليس هو مقوما له ولا مكملا لما يقومه، فيكون كونه جزءا هو ذاتى بالقياس إلى المركب،
<lb n="9"/> وليس ذاتيا بالقياس إلى ذاته، بل يجب أن لا يعرى عن كونه جزءا. </p>
<p n="13">
<lb n="10"/>وإذا كان كذلك، لم يخل الموضوع من أحد أمرين: </p>
<p n="14">
<lb n="11"/>إما أن يكون متقوما بهذا الشىء أو بآخر يقوم مقامه، فيكون قد كان فيه
<lb n="12"/> قبل حصول الصورة الحادثة فيه شىء آخر يقوم مقامها فى تقويمه إلا أنها لا تجتمع مع هذا؛
<lb n="13"/>
<pb n="336" edRef="#source_3"/>فيكون قد كان حصل من العنصر ومن ذلك الشىء جوهر، فلما كان الثانى فسد
<lb n="14"/> ذلك الجوهر المركب. وهذا أحد القسمين. </p>
<p n="15">
<lb n="15"/>وإما أن يكون العنصر قد يقوم لا بهذا الشىء الذى حدث، ولكن بصورة
<lb n="16"/> غير مستكملة فيما لها بالطبع، ولكنها قد حصلت بحيث يقوّم المادة فقط، ولم يحصل
<lb n="17"/> الأمر الذى هو علة غائية لهذه الصورة بالطبع، فيكون الجوهر قد حصل ولم يحصل كاملا
<lb n="18"/> بالطبع. وإذا كان ذلك الكمال كمالا له بالطبع، والقوة الطبيعية مبدأ الحركة إلى الكمال
<lb n="19"/> الذى بالطبع، فيلزم ضرورة أن لا يكون هذا الشىء موجودًا على سلامته الطبيعية زمانًا
<pb n="266"/> لا عائق له فيه وهو غير متحرك بالطبع إلى ذلك الكمال؛ فإذن يلزم ضرورة فى هذا القسم
<lb n="2"/> أن يكون المستعد متحركا إلى الكمال. </p>
<p n="16">
<lb n="3"/>فقد ظهر إذن أن جميع أصناف كون الجوهر الذى بحسب هذا النظر
<lb n="4"/> هو داخل تحت أحد هذين القسمين ضرورة؛ وكذلك جميع أصناف ما هو كون الشىء
<lb n="5"/> عن شىء يكون ذلك القابل فى كليهما جزءا ذاتيا باعتباره فى نفسه، وباعتباره
<lb n="6"/> بالقياس إلى المركب. </p>
<p n="17">
<lb n="7"/>وليس لقائل أن يقول: إنه يجوز أن تكون القوة الطبيعية لا تتحرك إلى كما لها
<lb n="8"/> لإعواز معين من خارج اأو عائق مانع. مثال الأول فقدان ضوء الشمس فى الحبوب
<lb n="9"/> والبذور؛ ومثال الثانى الأمراض المذبلة. فالجواب عن ذلك أن كلام المعلم الأول ليس
<lb n="10"/> فى الذى يكون لا محالة يتحرك بالفعل، بل فى الذى لو لم يكن عائق لطبيعته، وكانت
<lb n="11"/> الأسباب الطبيعية المعاضدة بالطبع لطبيعته موجودة، كان متحركا إلى الكمال وكان فى
<lb n="12"/> طريق السلوك.
<pb n="337" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="18">
<lb n="13"/>فقد ظهر إذن أن سائر الأقسام غير مقصودة فى هذا البحث إلا القسم
<lb n="14"/> المذكور؛ بل هذا الحكم غير صحيح فى سائر الأقسام. فانه يجوز فى غير كون الجوهر
<lb n="15"/> إذا فرضنا موضوعا مبتدأ أن لا يزال يكتسب استعدادا بعد استعداد لأمور عرضية
<lb n="16"/> من غير أن <choice><sic>ينناهى</sic><corr>يتناهى</corr></choice>
، كالخشب. فإنك كلما شكلته بشكل استعد بذلك لأمر، وإذا خرج
<lb n="17"/> استعداده إلى الفعل، استعد لأمر آخر. وكذلك النفس فى إدراك المعقولات، ويشبه أن
<lb n="18"/> تكون الاستحالات الطبيعية لا يمنع فيها هذا المعنى.
<pb n="267"/>
</p>
<p n="19">
<lb n="1"/>وأما الشبهة المذكورة فى كون الاشياء من العناصر، وأنه ليس على أحد
<lb n="2"/> القسمين، فحلها يظهر أيضا مما قد قيل، وهو أن العنصر مفردا ليس مستعدا لقبول
<lb n="3"/> الصور الحيوانية والنباتية، بل يحصل له ذلك الاستعداد بالكيفية التى يحدث فيه بالمزاج.
<lb n="4"/> والمزاج يحدث فيه لا محالة استحالة ما فى أمر طبيعى له، وإن لم يكن مقوما. فتكون
<lb n="5"/> نسبته إلى صورة المزاج من القسم الذى يكون بالاستحالة. وإذا حصل فيه المزاج كان
<lb n="6"/> قبول صورة الحيوانية له استكمالا لذلك المزاج، ويتحرك الظبع به إليه. فتكون نسبته إلى
<lb n="7"/> صورة الحيوانية نسبة الصبى إلى الرجل. فلذلك ليست تفسد الصورة الحيوانية إلى أن
<lb n="8"/> تصير مجرد مزاج، كما لا يكون الصبى من الرجل، ويفسد المزاج إلى موجب الصورة
<lb n="9"/> البسيطة، كما يستحيل الماء إلى الهواء. وليس الحيوان عنصرا لجوهر العناصر، بل
<lb n="10"/> يستحيل إليها من حيث هى بسيطة. </p>
<p n="20">
<lb n="11"/>فيكون إذن الامتزاج والبساطة يتعاقبان على الموضوع. والبساطة ليست
<lb n="12"/> تقوم جوهر العناصر ولكن تكمل طبيعة كل واحد منها، من حيث هو بسيط. فتكون
<lb n="13"/> النار نارا صرفة فى الكيفية التى فيها، اللازمة لصورتها وكذلك الماء، وكذلك كل واحد
<lb n="14"/> من العناصر. فإذن كون الحيوان يتعلق بكونين، ولكل واحد منهما حكم يخصه من وجوب
<lb n="15"/> التناهى. فهو داخل أيضا فى القسمين المذكورين.
<pb n="338" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="21">
<lb n="16"/>وأما الشبهة التى تعرض من جهة إنه إننا أخذ من العناصر ما جرت به
<lb n="17"/> العادة بأن يقال: إن الشىء منه دون ما لم تجرى به العادة، فالجواب عن تلك الشبهة هو إنه
<lb n="18"/> ليس تتغير أحكام الأشياء من جهة الأسماء، ولكن يجب أن يقصد المعنى؛ فلنقصد
<lb n="19"/> ولنعرف الحال فيه فنقول:
<pb n="268"/>
</p>
<p n="22">
<lb n="1"/>إن العنصر أو الموضوع الذى يكون منه الشىء إذا كان يتقدمه فى الزمان،
<lb n="2"/> فإن له من جهة تقدمه له خاصية لا تكون مع حصوله له، وهى الاستعداد القوى. وإنما
<lb n="3"/> يتكون الجوهر منه لأجل استعداده لقبول صورته. واما إذا زال الاستعداد بالخروج إلى
<lb n="4"/> الفعل، وجد الجوهر وكان محالا أن يقال إنه متكون منه. </p>
<p n="23">
<lb n="5"/>فإذا لم يكن من جهة الاستعداد أسم، بل أخذ له اسمه الذى لذاته
<lb n="6"/> الذى يكون له أيضا عندما لا يجوز أن يتكون منه الشىء، لم يكن هو الاسم الذى يتعلق
<lb n="7"/> بمعناه التكون. فإن لم يكن له من جهة الاستعداد اسم، لم يمكن أن يقال باللفظ، وإن
<lb n="8"/> كان المعنى حاصلا فى الوجود؛ وإذا كان المعنى الذى يكون للمسمى حاصلا فى غير
<lb n="9"/> المسمى كان حكمه فى المعنى حكم ذلك، وإن كان عدم الاسم يمنع أن يكون حكمه
<lb n="10"/> فى اللفظ حكم ذلك. </p>
<p n="24">
<lb n="11"/>فإذا أخذنا القول الذى يكون لذلك الاسم لو كان موضوعا أمكننا حينئذ أن
<lb n="12"/> نقول فى كل شىء: إنه يكون من العنصر له؛ مثلا أمكننا أن نقول: إن النفس العاقلة تكون
<lb n="13"/> من نفس جاهلة مستعدة للعلم، إلا أن نمنع استعمال لفظ يكون فيما خلا التكو ن الذى فى
<lb n="14"/> الجوهر. فلا يجوز أن نقول فى النفس العاقلة: إنها كانت من نفس مستعدة للعلم؛ ولكن
<lb n="15"/> يجوز لا محالة فى الجواهر، وكلامنا فيها. على أنه فيما أحسب لا يختلف هذا الحكم
<lb n="16"/> فى الجواهر مع ذواتها، وفى الجواهر مع أحوالها.
<pb n="339" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="25">
<lb n="17"/>وأما قول هذا القائل: إن هذا يكون كونا من الشىء بمعنى بعد، فليس إذا
<lb n="18"/> كان بمعنى بعد كيف كان، لم يكن الكون الذى نقصده؛ فإنه لا بد فى كل كون عن شىء
<lb n="19"/> أن يكون الكائن بعد ما عنه كان، إنما الذى يزيفه المعلم الأول ولا يتعرض له هو أن لا يكون
<pb n="269"/>
<lb n="1"/>هناك معنى غير البعدية، مثل المثل الذى يضربه ويشرحه. وأما إذا كان من الشىء بمعنى
<lb n="2"/> أن كان بعده، بأن بقى له من جوهره، الذى كان أولا ما هو أيضا"من جوهر الثانى لم يكن
<lb n="3"/> بمعنى بعد فقط، وكان الذى كلامنا فيه. </p>
<p n="26">
<lb n="4"/>وأما قول هذا القائل: إنه تكلم فى العنصر الذى بالعرض دون العنصر الذى
<lb n="5"/> بالذات، فقد وقعت فيه مغالطة بسبب أن العنصر للكون ليس هو بعينه العنصر للقوام
<lb n="6"/> فى الاعتبار، وإن كان هو هو بالذات. فإن العنصر بالذات للكون هو ذات مقارنة للقوة،
<lb n="7"/> والعنصر بالذات للقوام هو ذات مقارنة للفعل، وكل واحد منهما هو عنصر بالعرض لما ليس
<lb n="8"/> هو عنصرا له بالذات. وكلامه فى العنصر الذى للكون، لا فى الذى للقوام. فيكون إنما
<lb n="9"/> أخذ العنصر بالعرض لو أخذ العنصر الذى للكون مبدأ للقوام. فإن الصبى ليس عنصرًا
<lb n="10"/> لقوام الرجل ولا يكون منه قوام الرجل، ولكنه عنصر لكون الرجل ويكون منه كون الرجل. </p>
<p n="27">
<lb n="11"/>فإن قال قائل: إن المعلم الأول إنما يتكلم فى مباديء الجوهر مطلقا، فلم أعرض
<lb n="12"/> عن العنصر الذى للجوهر فى قوامه، مثل موضوع السماء، واقتصر على العنصر الذى
<lb n="13"/> للجوهر فى كونه؟ فالجواب عن ذلك: </p>
<p n="28">
<lb n="14"/>أن عنصر قوامه جزء منه، وهو معه بالفعل، ولا يشكل تناهى الأمور الموجودة
<lb n="15"/> بالفعل فى شىء متناه موجود بالفعل. على أن من بلغ أن يتعلم هذا العلم،
<pb n="340" edRef="#source_3"/> ووقف
<lb n="16"/> على سائر ما سلف، فإنما يشكل عليه من أمر تناهى العلل ولا تناهيها أنه هل يمكن أن يكون
<lb n="17"/> كذلك فى العناصر التى بالقوة واحدا بعد آخر مختلفة بالقرب والبعد. </p>
<p n="29">
<lb n="18"/>وأما الشك الآخر فى حديث الماء والهواء، فحله سهل على من وقف على
<lb n="19"/> كلامنا فى العناصر، حيث تكلمنا فى الكون والفساد. على أن الكلام ههنا فى كون
<pb n="270"/>
<lb n="1"/>الشىء من الشىء بالذات. وكل تغير من الذى بالذات فهو فى مضادة واحدة مقتصر
<lb n="2"/> عليها. فيكون الذى كان عنها بالذات يفسد إليها ضرورة، وفى الأخرى كذلك، فتكون
<lb n="3"/> جملة التغيرات محصورة، وكل طبقة منها مقتصرة على طرفين نرجع بأحدهما على
<lb n="4"/> الآخر. فقد انحلت جميع الشبه المذكورة. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="5"/> [الفصل الثالث]
<lb n="6"/>
<num>ج</num>فصل
<lb n="7"/> فى إبانة تناهى العلل الغائية والصورية وإثبات المبدأ الأول مطلقا،
<lb n="8"/> وفصل القول فى العلة الأولى مطلقا، وفى العلة الأولى مقيدا،
<lb n="9"/> وبيان أن ما هو علة أولى مطلقة علة لسائر العلل. </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>وأما تناهى العلل الغائية فيظهر لك من الموضوع الذى حاولنا فيه إثباتها وحللنا
<lb n="11"/> الشكوك فى أمرها. فإن العلة الغائية إذا ثبت وجودها ثبت تناهيها؛ وذلك لأن العلة
<lb n="12"/> التمامية هى التى تكون سائر الأشياء لأجلها، ولا تكون هى من أجل شىء آخر. فإن كان
<lb n="13"/> وراء العلة التمامية علة تمامية كانت الأولى لأجل الثانية، فلم تكن الأولى علة تمامية، وقد
<lb n="14"/> فرضت علة تمامية.
<pb n="341" edRef="#source_3"/> فإذا كان كذلك، فمن جوز أن تكون العلل التمامية تستمر
<lb n="15"/> واحدة بعد أخرى، فقد رفع العلل التمامية فى أنفسها، وأبطل طبيعة الخير التى هى العلة
<lb n="16"/> التمامية، إذا الخير هو الذى يطلب لذاته، وسائر الأشياء تطلب لأجله. فإذا كان شىء
<lb n="17"/> يطلب لشىء آخر كان نافعا لا خيرا حقيقيا. </p>
<p n="2">
<lb n="18"/>فقد اتضح أن فى ايجاب لا تناهى العلل التمامية رفع العلل التمامية؛ فإن من
<lb n="19"/> جوز أن وراء كل تمام تماما فقد أبطل فعل العقل. فإنه من البين بنفسه أن العاقل إنما يفعل ما
<pb n="271"/>
<lb n="1"/>يفعل بالعقل؛ لأنه يؤم مقصودا وغاية؛ حتى إنه إذا كان فاعل ما منا يفعل فعلا وليس له غاية
<lb n="2"/> عقلية، قيل إنه يعبث ويجازف ويفعل لا بما هو ذو عقل، ولكن بما هو حيوان. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>وإذا كان هذا هكذا، فيجب أن تكون الأمور التى يفعلها العاقل بما هو عاقل
<lb n="4"/> محدودة، تفيد غايات مقصودة لأنفسها. وإذا كان الفعل العقلى لا يكون إلا محدود
<lb n="5"/> الغاية، وليس ذلك للفعل العقلى من جهة ما هو فعل عقلى، بل من جهة ما هو فعل يؤم به
<lb n="6"/> الفاعل الغاية، فهو إذن كذلك من جهة ما هو ذو غاية، فإذن كونه ذا غاية يمنع أن يكون
<lb n="7"/> لكل غاية غاية. فظاهر أنه لا يصح قول القائل: إن كل غاية وراءها غاية. وأما الأفعال
<lb n="8"/> الطبيعية والحيوانية، فقد علم أيضا فى مواضع أخرى إنها لغايات. </p>
<p n="4">
<lb n="9"/>وأما العلة الصورية للشىء فيفهم عن قريب تناهيها بما قيل فى المنطق، وبما
<lb n="10"/> علم من تناهى الأجزاء الموجودة للشىء بالفعل على ترتيب طبيعى، وأن الصورة التامة
<lb n="11"/> للشىء واحدة، وأن الكثير يقع منها على نحو العموم والخصوص، وأن العموم والخصوص
<lb n="12"/> يقتضى الترتيب الطبيعى، وماله ترتيب طبيعى فقد علم تناهيه. وفى تأمل هذا القدر كفاية
<lb n="13"/> وغنية عن التطويل.
<pb n="342" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="14"/>و نبتديء فنقول: إذا قلنا مبدأ أول فاعلى، بل مبدأ أول مطلق فيجب أن يكون
<lb n="15"/> واحدا. وأما إذا قلنا علة أولى عنصرية، وعلة أولى صورية، وغير ذلك، لم يجب أن
<lb n="16"/> تكون واحدة وجوب ذلك فى واجب الوجود، لأنه لا تكون ولا واحد منها علة أولى
<lb n="17"/> مطلقا، لأن واجب الوجود واحد، وهو فى طبقة المبدأ الفاعلى، فيكون الواحد الواجب
<lb n="18"/> الوجود هو أيضا مبدأ وعلة لتلك الأوائل.
<pb n="272"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>فقد بان من هذا ومما سلف لنا شرحه، أن واجب الوجود واحد بالعدد،
<lb n="2"/> وبان أن ما سواه إذا اعتبر ذاته كان ممكنا فى وجوده، فكان معلولا، ولاح أنه ينتهى فى
<lb n="3"/> المعلولية لا محالة إليه. فإذن كل شىء إلا الواحد الذى هو لذاته واحد، والموجود الذى
<lb n="4"/> هو لذاته موجود، فإنه مستفيد الوجود عن غيره، وهو أيس به، وليس فى ذاته. وهذا
<lb n="5"/> معنى كون الشىء مبدعا أى نائل الوجود عن غيره، وله عدم يستحقه فى ذاته مطلق،
<lb n="6"/> ليس إنما يستحق العدم بصورته دون مادته، أو بمادته دون صورته، بل بكليته. فكليته إذا
<lb n="7"/> لم تقترن بايجاب الموجد له، واحتسب أنه منقطع عنه وجب عدمه بكليته. فإذن إيجاده
<lb n="8"/> عن الموجد له بكليته. فليس جزء منه يسبق وجوده بالقياس إلى هذا المعنى، لا مادته ولا
<lb n="9"/> صورته، إن كان ذا مادة وصورة. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>فالكل إذن بالقياس إلى العلة الأولى مبدع. وليس إيجاده لما يوجد عنه إيجادا
<lb n="11"/> [يمنع] العدم البتة من جواهر الأشياء، بل إيجادا يمنع العدم مطلقا فيما يحتمل السرمد.
<lb n="12"/> فذلك هو الإبداع المطلق. والتأييس المطلق ليس تأييسا ما. وكل شىء حادث عن ذلك
<lb n="13"/> الواحد، وذلك الواحد محدِث له إذ المحدَث هو الذى كان بعد ما لم يكن. </p>
<p n="8">
<lb n="14"/>وهذا البعد إن كان زمانيا سبقه القبل وعدم مع حدوثه، فكان شىء هو
<lb n="15"/> الموصوف بأنه قبله، وليس الآن.
<pb n="343" edRef="#source_3"/> فلم يكن يتهيأ أن يحدث شىء إلا وقبله شىء
<lb n="16"/> آخر يعدم بوجوده، فيكون الإحداث عن الليس المطلق، وهو الابداع، باطلا لا معنى له.
<lb n="17"/> بل البعد الذى ههنا هو البعد الذى بالذات. فإن الأمر الذى للشىء من تلقاء نفسه قبل
<lb n="18"/> الذى له من غيره. وإذا كان له من غيره الوجود والوجوب فله من نفسه العدم والامكان،
<pb n="273"/>
<lb n="1"/>وكان عدمه قبل وجوده، ووجوه بعد عدمه قبلية وبعدية بالذات. فكل شىء غير
<lb n="2"/> الأول الواحد، فوجوده بعد ما لم يكن باستحقاق نفسه. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الرابع]
<lb n="4"/>
<num>د</num>فصل
<lb n="5"/> فى الصفات الأولى للمبدأ الواجب الوجود </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>فقد ثبت لك الآن شىء واجب الوجود. وكان ثبت لك أن واجب الوجود
<lb n="7"/> واحد، فواجب الوجود واحد لا يشاركه فى رتبته شىء، فلا شىء سواه واجب
<lb n="8"/> الوجود؛ وإذ لا شىء سواه واجب الوجود، فهو مبدأ وجوب الوجود لكل شىء،
<lb n="9"/> ويوجه إيجابا أوليا أو بواسطة. وإذا كان كل شىء غيره فوجوده من وجوده فهو أول.
<lb n="10"/> ولا نعنى بالأول معنى ينضاف إلى وجوب وجوده حتى يتكثر به وجوب وجوده، بل نعنى
<lb n="11"/> به اعتبار إضافته إلى غيره. </p>
<p n="2">
<lb n="12"/>وأعلم أنا إذا قلنا، بل بينا أن واجب الوجود لا يتكثر بوجه من الوجوه،
<lb n="13"/> وأن ذاته وحدانى صرف محض حق، فلا نعنى بذلك أنه أيضا لا يسلب عنه وجودات،
<lb n="14"/> ولاتقع
<pb n="344" edRef="#source_3"/> له إضافة إلى وجودات. فإن هذا لا يمكن. وذلك لأن كل موجود
<lb n="15"/> فيسلب عنه أنحاء من الوجود مختلفة كثيرة، ولكل موجود إلى الموجودات نوع من
<lb n="16"/> الإضافة والنسبة، وخصوصا الذى يفيض عنه كل وجود. لكنا نعنى بقولنا إنه وحدانى
<lb n="17"/> الذات لا يتكثر أنه كذلك فى ذاته، ثم إن تبعته إضافات إيجابية وسلبية كثيرة فتلك لوازم
<lb n="18"/> للذات معلولة للذات، توجد بعد وجود الذات، وليست مقومة للذات ولا أجزاء لها. فإن
<pb n="274"/>
<lb n="1"/>قال قائل: فإن كانت تلك معلولة فلها أيضا إضافة أخرى، ويذهب إلى غير النهاية، فإنا
<lb n="2"/> نكلفه أن يتأمل ما حققناه فى باب المضاف من هذا الفن، حيث أردنا أن نبين أن الإضافة
<lb n="3"/> تتناهى. وفى ذلك إنحلال شكه. </p>
<p n="3">
<lb n="4"/>ونعود فنقول: إن الأول لا ماهية له غير الإنية. وقد عرفت معنى الماهية،
<lb n="5"/> وبماذا تفارق الإنية فيما تفارقه فى افتتاح تبياننا هذا. فنقول: إن واجب الوجود لا يصح
<lb n="6"/> أن يكون له ماهية يلزمها وجوب الوجود، بل نقول من رأس: </p>
<p n="4">
<lb n="7"/>إن واجب الوجود قد يعقل نفس واجب الوجود، كالواحد قد يعقل نفس
<lb n="8"/> الواحد، وقد يعقل من ذلك أن ماهيته هى مثلا إنسان أو جوهر آخر من الجواهر، وذلك
<lb n="9"/> الإنسان هو الذى هو واجب الوجود، كما أنه قد يعقل من الواحد أنه ماء أو هواء
<lb n="10"/> أو إنسان وهو واحد. </p>
<p n="5">
<lb n="11"/>وقد تتأمل فتعلم ذلك مما وقع فيه الاختلاف فى أن المبدأ فى الطبيعيات واحد
<lb n="12"/> أو كثير. فبعضهم جعل المبدأ واحدا، وبعضهم جعله كثيرا.
<pb n="345" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="13"/>والذى جعله منهم واحدا فمنهم من جعل المبدأ الأول لا ذات الواحد، بل شيئا
<lb n="14"/> هو الواحد، مثل ماء أو هواء أو نار أو غير ذلك. ومنهم من جعل المبدأ ذات الواحد
<lb n="15"/> من حيث هو واحد، لا شىء عرض له الواحد؛ ففرق إذن بين ماهية يعرض لها الواحد
<lb n="16"/> والموجود، وبين الواحد والموجود من حيث هو واحد وموجود. </p>
<p n="7">
<lb n="17"/>فنقول: إن واجب الوجود لا يجوز أن يكون على الصفة التى فيها تركيب
<lb n="18"/> حتى يكون هناك ماهية ما، وتكون تلك الماهية واجبة الوجود، فيكون لتلك الماهية معنى
<lb n="19"/> غير حقيقتها وذلك المعنى وجوب الوجود؛ مثلا إن كانت تلك الماهية أنه إنسان، فيكون
<pb n="275"/>
<lb n="1"/>أنه إنسان غير أنه واجب الوجود، فحينئذ لا يخلو إما أن يكون لقولنا وجوب الوجود
<lb n="2"/> هناك حقيقة، أو لا يكون. ومحال أن لا يكون لهذا المعنى حقيقة، وهى مبدأ كل حقيقة،
<lb n="3"/> بل هى تؤكد الحقيقة وتصححها. </p>
<p n="8">
<lb n="4"/>فإن كان له حقيقة وهى غير تلك الماهية، فإن كان ذلك الوجوب من الوجود
<lb n="5"/> يلزمه أن يتعلق بتلك الماهية ولا يجب دونها، فيكون معنى واجب الوجود من حيث هو
<lb n="6"/> واجب الوجود يوجد بشى ليس هو. فلا يكون واجب الوجود، من حيث هو واجب
<lb n="7"/> الوجود. وبالنظر إلى ذاته من حيث هو واجب الوجود ليس بواجب الوجود، لأن له
<lb n="8"/> شيئا به يجب. وهذا محال إذا أخذ مطلقا غير مقيد بالوجود الصرف الذى يلحق
<lb n="9"/> الماهية، وإذا أخذ لاحقا للماهية فإنه وإن كان قد <choice>
<sic>يقارن</sic>
<corr>يفارق<note>according to Bertolacci 2006, 534</note></corr>
</choice> ذلك الشىء فليست تلك الماهية
<lb n="10"/>البتة
<pb n="346" edRef="#source_3"/>واجبة الوجود مطلقا، ولا عارضا لها وجوب الوجود مطلقا، لأنها لا تجب
<lb n="11"/> فى كل وقت، وواجب الوجود مطلقا يجب فى كل وقت. وليس هكذا حال الوجود إذا
<lb n="12"/> أخذ مطلقا غير مقيد بالوجوب الصرف الذى يلحق الماهية، فلا ضير لو قال قائل: إن
<lb n="13"/> ذلك الوجود معلول للماهية من هذه الجهة أو لشىء آخر. </p>
<p n="9">
<lb n="14"/>وذلك لأن الوجود يجوز أن يكون معلولا، والوجوب المطلق الذى بالذات لا
<lb n="15"/> يكون معلولا، فبقى أن يكون واجب الوجود بالذات مطلقا متحققا من حيث هو واجب
<lb n="16"/> الوجود بنفسه، واجب الوجود من دون تلك الماهية، فتكون تلك الماهية عارضة لواجب
<lb n="17"/> الوجود المتحقق القوام بنفسه، إن كان يمكن. فواجب الوجود مشار إليه بالعقل فى ذاته؛
<lb n="18"/> ويتحقق واجب الوجود وإن لم تكن تلك الماهية العارضة. فإذن ليست تلك الماهية ماهية
<lb n="19"/> للشىء المشار إليه بالعقل أنه واجب الوجود، بل ماهية لشىء آخر لاحق له. وقد كانت
<pb n="276"/>
<lb n="1"/> فرضت ماهية لذلك الشىء لا شىء آخر، هذا خلف، فلا ماهية لواجب الوجود غير أنه
<lb n="2"/> واجب الوجود؛ وهذه هى الإنية. </p>
<p n="10">
<lb n="3"/>ونقول: إن الإنية والوجود لو صارا عارضين للماهية فلا يخلو إما أن يلزمها
<lb n="4"/> لذاتها، أو لشىء من خارج؛ ومحال أن يكون لذات الماهية، فإن التابع لا يتبع إلا موجودا.
<lb n="5"/> فيلزم أن يكون للماهية وجود قبل وجودها، وهذا محال. </p>
<p n="11">
<lb n="6"/>ونقول إن كل ماله ماهية غير
<pb n="347" edRef="#source_3"/> الإنية فهو معلول؛ وذلك لأنك
<lb n="7"/> علمت أن الإنية والوجود لا يقوم من الماهية التى هى خارجة عن الإنية مقام الأمر
<lb n="8"/> المقوم، فيكون من اللوازم. </p>
<p n="12">
<lb n="9"/>فلا يخلو: إما أن يلزم الماهية لأنها تلك الماهية وإما أن يكون لزومها إياها
<lb n="10"/> بسبب شىء. ومعنى قولنا اللزوم اتباع الوجود، ولن يتبع موجود إلا موجودا. فإن كانت
<lb n="11"/> الإنية تتبع الماهية وتلزمها لنفسها، فتكون الإنية قد تبعت فى وجودها وجودا، وكل ما
<lb n="12"/> يتبع فى وجوده وجودا فإن متبوعه موجود بالذات قبله، فتكون الماهية موجودة بذاتها
<lb n="13"/> قبل وجودها، وهذا خلف. فبقى أن يكون الوجود لها عن علة. فكل ذى ماهية معلول.
<lb n="14"/> وسائر الأشياء غير الواجب الوجود فلها ماهيات؛ وتلك الماهيات هى التى بأنفسها ممكنة
<lb n="15"/> الوجود، وإنما يعرض لها وجود من خارج. </p>
<p n="13">
<lb n="16"/>فالأول لا ماهية له، وذوات الماهيات يفيض عليها الوجود منه. فهو مجرد
<lb n="17"/> الوجود بشرط سلب العدم وسائر الأوصاف عنه؛ ثم سائر الأشياء التى لها ماهيات فإنها
<lb n="18"/> ممكنة توجد به. وليس معنى قولى: إنه مجرد الوجود بشرط سلب سائر الزوائد عنه أنه
<lb n="19"/> الوجود المطلق المشترك فيه. إن كان موجود هذه صفته؛ فأن ذلك ليس الموجود المجرد
<pb n="277"/>
<lb n="1"/> بشرط السلب بل الموجود لا بشرط الإيجاب، أعنى فى الأول أنه الموجود مع شرط لا
<lb n="2"/> زيادة تركيب، وهذا الآخر هو الموجود لا بشرط الزيادة. فلهذا ما كان الكلى يحمل على
<lb n="3"/> كل شىء، وذلك لا يحمل على كل ما هناك زيادة. وكل شىء غيره فهناك زيادة. </p>
<p n="14">
<lb n="4"/>والأول أيضا لا جنس له؛ وذلك لأن الأول لا ماهية له، وما لا ماهية له فلا
<lb n="5"/> جنس له؛ إذ الجنس مقول فى جواب ما هو والجنس من وجه هو بعض الشىء، والأول
<lb n="6"/> قد تحقق أنه غير مركب.
<pb n="348" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="15">
<lb n="7"/>وأيضا أن معنى الجنس لا يخلو: إما أن يكون واجب الوجود، فلا يتوقف
<lb n="8"/> إلى أن يكون هناك فصل. وإن لم يكن واجب الوجود، وكان مقوما لواجب الوجود، كان
<lb n="9"/> واجب الوجود متقوما بما ليس بواجب الوجود، وهذا خلف. فالأول لا جنس له. </p>
<p n="16">
<lb n="10"/>ولذلك فإن الأول لا فصل له. وإذ لا جنس له ولا فصل له فلا حد له، ولا
<lb n="11"/> برهان عليه، لأنه لا علة له، ولذلك لا لمّ له، وستعلم أنه لا لمية لفعله. </p>
<p n="17">
<lb n="12"/>ولقائل أن يقول: إنكم إن تحاشيتم أن تطلقوا على الأول اسم الجوهر فلستم
<lb n="13"/> تتحاشون أن تطلقوا عليه معناه؛ وذلك لأنه موجود لا فى موضوع، وهذا المعنى هو
<lb n="14"/> الجوهر الذى جنستموه له. </p>
<p n="18">
<lb n="15"/>فنقول: ليس هذا معنى الجوهر الذى <choice>
<sic>جنساه</sic>
<corr>جنسناه</corr>
</choice>، بل معنى ذلك أنه الشىء
<lb n="16"/> ذو الماهية المتقررة الذى وجوده ليس فى موضوع كجسم أو نفس؛ والدليل على أنه إذا
<lb n="17"/> لم يعن بالجوهر هذا لم يكن جنسا البتة، هو أن المدلول عليه بلفظ الموجود ليس يقتضى
<lb n="18"/> جنسيته، والسلب الذى يلحق به لا يزيده على الوجود إلا نسبة مباينة. وهذا المعنى
<lb n="19"/> ليس فيه إثبات شىء محصل بعد الوجود، ولا هو معنى لشىء بذاته، بل هو بالنسبة
<pb n="278"/>
<lb n="1"/>فقط، فالموجود لا فى موضوع. إنما المعنى الإثباتى فيه الذى يجوز أن يكون لذات ما، هو
<lb n="2"/> الموجود؛ وبعده شىء سلبى ومضاف خارج عن الهوية التى تكون للشىء. فهذا المعنى
<lb n="3"/> إن أخذ على هذا الوجه لم يكن جنسا، وأنت قد علمت هذا فى المنطق علما متقنا. </p>
<p n="19">
<lb n="4"/>وقد علمت فى المنطق أيضا أنا إذا قلنا: كل «أ» مثلا، عنينا كل شىء
<lb n="5"/> موصوف بأنه «أ» ولو كانت له حقيقة غير الألفية، فقولنا فى حد الجوهر: إنه الموجود
<lb n="6"/> لا فى موضوع،
<pb n="349" edRef="#source_3"/> معناه أنه الشىء الذى يقال عليه موجود لا فى موضوع، على
<lb n="7"/> أن الموجود لا فى موضوع محمول عليه، وله فى نفسه ماهية مثل الإنسان والحجر،
<lb n="8"/> والشجر، فهكذا يجب أن يتصور الجوهر حتى يكون جنسا. والدليل على أن بين الأمرين
<lb n="9"/> فرقًا وأن الجنس أحدهما دون الآخر، أنك تقول لشخص إنسان ما مجهول الوجود: إنه لا
<lb n="10"/> محالة هو ما وجوده أن لا يكون فى موضوع، ولا تقول: إنه لا محالة موجود الآن لا فى
<lb n="11"/> موضوع. وكأنا قد بالغنا فى تعريف هذا حيث تكلمنا فى المنطق. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="12"/> [الفصل الخامس]
<lb n="13"/>
<num>ه</num>فصل
<lb n="14"/> كأنه توكيد وتكرار لما سلف من توحيد واجب الوجود
<lb n="15"/> وجميع صفاته السلبية على سبيل الإنتاج </head>
<p n="1">
<lb n="16"/>و بالحرى أن نعيد القول فى أن حقيقة الأول موجودة للأول دون غيره؛ وذلك
<lb n="17"/> لأن الواحد ــ بما هو واجب الوجود ــ يكون ما هو به هو، وهو ذاته؛ ومعناه إما
<lb n="18"/> مقصورا عليه لذات ذلك المعنى، أو لعلة، مثلا: لو كان الشىء الواجب الوجود هو هذا
<lb n="19"/> الإنسان، فلا يخلو إما أن يكون هو هذا للإنسانية ولأنه إنسان، أو لا يكون. فإن كان لأنه
<pb n="279"/>
<lb n="1"/>إنسان هو هذا، فالإنسانية تقتضى أن يكون هذا فقط؛ فإن وجدت لغيره فما اقتضت
<lb n="2"/> الإنسانية أن يكون هذا، بل إنما صار هذا الأمر غير الإنسانية. </p>
<p n="2">
<lb n="3"/>وكذلك الحال فى حقيقة واجب الوجود، فإنها إن كانت لأجل نفسها هى هذا
<lb n="4"/> المعين استحال أن تكون تلك الحقيقة لغيره، فتكون تلك الحقيقة ليست إلا هذا. وإن كان
<lb n="5"/>
<pb n="350" edRef="#source_3"/>تحقق هذا المعنى لهذا المعين لا عن ذاته، بل عن غيره، وإنما هو هو لأنه هذا
<lb n="6"/> المعين، فيكون وجوده الخاص له مستفادا من غيره، فلا يكون واجب الوجود، وهذا
<lb n="7"/> خلف. فإذن حقيقة الواجب الوجود [للواحد] فقط. وكيف تكون الماهية المجردة عن
<lb n="8"/> المادة لذاتين، والشيئان إنما يكونان اثنين إما بسبب المعنى، وإما بسبب الحامل للمعنى،
<lb n="9"/> وإما بسبب الوضع أو المكان، أو بسبب الوقت والزمان، وبالجملة لعلة من العلل؟ لأن كل
<lb n="10"/> اثنين لا يختلفان بالمعنى، فإنما يختلفان بشىء عارض للمعنى مقارن له؛ فكل ما ليس له
<lb n="11"/> وجود إلا وجود معنى، ولا يتعلق بسبب خارج أو حالة خارجة، فبماذا يخالف مثله؟
<lb n="12"/> فإذن لا يكون له مشارك فى معناه، فالأول لا ند له. </p>
<p n="3">
<lb n="13"/>وأيضا، فإنا نقول: إن وجوب الوجود لا يجوز أن يكون معنى مشتركا فيه لعدة
<lb n="14"/> بوجه من الوجوه، لا متفقى الحقائق والأنواع ولا مختلفى الحقائق والأنواع. أما أول ذلك
<lb n="15"/> فإن وجوب الوجود لا ماهية له تقارنه غير وجوب الوجود. فلا يمكن أن يكون لحقيقة
<lb n="16"/> وجوب الوجود اختلاف بعد وجوب الوجود. </p>
<p n="4">
<lb n="17"/>وأيضا، لا يخلو إما أن يكون ما يختلف به آحاد واجب الوجود بعد الاتفاق
<lb n="18"/> فى وجوب الوجود أشياء موجودة لكل واحد من المتفقين فيه بها يخالفه صاحبه، أو غير
<lb n="19"/> موجودة لشىء منها، أو موجودة لبعضها وليس فى البعض الآخر إلا عدمها.
<pb n="280"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>فإن كانت غير موجودة وليس هناك شىء يقع به الاختلاف بعد الاتفاق،
<lb n="2"/> فلا اختلاف بينهما فى الحقائق، فهى متفقة الحقائق، وقد قلنا إنها تختلف حقائقها بعد
<lb n="3"/> ما اشتركت فيه. </p>
<p n="6">
<lb n="4"/>وإن كانت غير موجودة فى بعضها وموجودة فى بعضها، مثلا أن يكون
<lb n="5"/> أحدهما
<pb n="351" edRef="#source_3"/>انفصل عن <choice><sic>اللآخر</sic><corr>الآخر</corr></choice>بأن له حقيقة وجوب الوجود، وشيئا هو الشرط فى
<lb n="6"/> الانفصال، وللآخر حقيقة وجوب الوجود مع عدم الشرط الذى لذلك، وإنما فارقه لأجل
<lb n="7"/> هذا العدم فقط، وليس هناك شىء إلا العدم ينفصل به عن الآخر، فيكون من شأن وجوب
<lb n="8"/> الوجود بالحقيقة التى له أن تثبت قائمة مع عدم شرط يلحق به. والعدم لا معنى له محصلا
<lb n="9"/> فى الأشياء، وإلا لكان فى شىء واحد معان بلا نهاية؛ فإن فيه اختلاف أشياء بلا نهاية. </p>
<p n="7">
<lb n="10"/>فلا يخلو إما أن يكون وجوب الوجود متحققًا فى الثانى من دون الزيادة التى
<lb n="11"/> له، أو لا يكون. فإن لم يكن، فيكون ليس له دونه وجوب الوجود، ويكون شرطا فى
<lb n="12"/>وجوب الوجود فى الآخر أيضا. وإن كان، فتكون الزيادة فصلا أيضًا، وليس من شرط
<lb n="13"/> وجوب الوجود؛ وهو مع ذلك مركب، وواجب الوجود غير مركب. وإن كان لكل واحد
<lb n="14"/> منهما ما ينفصل به عن الآخر، فهو يقتضى التركيب فى كل واحد منهما. </p>
<p n="8">
<lb n="15"/>ثم لا يخلو أيضا، إما أن يكون وجوب الوجود يتم وجوب وجود دون
<lb n="16"/> كل واحد من الزيادتين، أو يكون ذلك شرطا له فى أن يتم. فإن تم، فوجوب الوجود لا
<lb n="17"/> اختلاف فيه بالذات، إنما الاختلاف فى العوارض التى تلحقه، وقد قام الوجود واجبًا
<lb n="18"/> مستغنيًا فى قوامه عن تلك اللواحق. وإن لم يتم فلا يخلو: إما أن لا يتم دون ذلك فى أن
<lb n="19"/> يكون له حقيقة وجوب الوجود، وإما أن يكون وجوب الوجود معنى متحققًا فى نفسه،
<lb n="20"/> وليس ذانك ولا أحدهما داخلا فى هويته من حيث هو واجب الوجود، ولكنه لابد من
<pb n="281"/>
<lb n="1"/> أن يصير حاصل الوجود
<pb n="352" edRef="#source_3"/> بأحدهما، مثل أن الهيولى ــ وإن كانت لها جوهريتها
<lb n="2"/> فى حد هيوليتها ــ فإن وجودها بالفعل إما بهذه الصورة أو بالأخرى؛ وأيضا اللون، فإنه
<lb n="3"/> وإن كان فصل السواد لا يقومه ــ من حيث هو لون ولا فصل البياض ــ فإن كل واحد
<lb n="4"/> منهما كالعلة له فى أن يوجد بالفعل ويحصل. وليس أحدهما علة له بعينه، بل أيهما اتفق،
<lb n="5"/> ولكن ذلك فى حال، وذلك فى حال. </p>
<p n="9">
<lb n="6"/>فإن كان الأمر على مقتضى الوجه الأول، فكل واحد منهما داخل فى تقويم
<lb n="7"/> وجوب الوجود وشرط فيه، فحيث كان وجوب الوجود، وجب أن يكون معه. وإن
<lb n="8"/> كان على مقتضى المعنى الثانى فواجب الوجود يحتاج إلى شىء يوجد به، فيكون
<lb n="9"/> واجب الوجود ــ من بعد ما يتقرر له معنى أنه واجب الوجود ــ يحتاج إلى شىء آخر
<lb n="10"/> يوجد به، وهذا محال. </p>
<p n="10">
<lb n="11"/>وأما فى اللون، وفى الهيولى، فليس الأمر هناك على هذه الصورة. فإن
<lb n="12"/> الهيولى فى إنها هيولى شىء، واللون فى أنه لون شىء، وفى أنه موجود شىء. ونظير
<lb n="13"/> اللون هناك هو واجب الوجود ههنا، ونظير فصلى السواد والبياض هناك هو ما يختص
<lb n="14"/> به كل واحد من المفروضين ههنا. فكما أن كل واحد من فصلى السواد والبياض لا مدخل
<lb n="15"/> لهما فى تقرير اللونية، كذلك يجب أن يكون خاصة كل واحد من هذين المفروضين لا
<lb n="16"/> مدخل لهما فى تقرير وجوب الوجود.
<pb n="353" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="11">
<lb n="17"/>وأما هناك، فكان المدخل للفصلين فى أن صار اللون موجودا، أى صار
<lb n="18"/> اللون شيئا هو غير اللون، وزائدا على أنه لون؛ وههنا ليس يمكن ذلك؛ لأن وجوب
<lb n="19"/> الوجود يكون متقرر الوجود، بل هو تقرر الوجود، بل الوجود شرط فى تقرير ماهية
<lb n="20"/> واجب الوجود، أو هو نفسه مع عدم عدم، أو امتناع بطلان.
<pb n="282"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="1"/>وأما فى اللون، فالوجود لا حق يلحق ماهية هى اللون، فتوجد الماهية التى
<lb n="2"/> هى بنفسها لون عينا موجودة بالوجود. فلو كانت الخاصة ليست علة فى تقرير ماهية
<lb n="3"/> وجوب الوجود، بل فى أن يحصل له الوجود، وكان الوجود أمرا خارجا عن تلك الماهية
<lb n="4"/> خروجها عن ماهية اللون، كان الامر مستمرا"على قياس سائر الأشياء العامة المنفصلة
<lb n="5"/> بفصول، وبالجملة المنقسمة فى معان مختلفة؛ لكن الوجود يجب أن يكون حاصلا حتى
<lb n="6"/> يكون وجوبه، فتكون الخاصة كأنها تحتاج إليها كشىء فى أمر هو الذى استغنى فيه عنه؛
<lb n="7"/> وهذا خلف، محال. بل الوجوب ليس له الوجود كشىء ثان يحتاج إليه، كما للونية
<lb n="8"/> وجود ثان. وبالجملة كيف يكون شىء خارج عن وجوب الوجود شرطا فى وجوب
<lb n="9"/> الوجود؟ ومع ذلك فإن حقيقة وجوب الوجود كيف يتعلق بموجب له، فيكون وجوب
<lb n="10"/> الوجود فى نفسه إمكان الوجود؟
<pb n="354" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="11"/>ونقرر من رأس فنقول: بالجملة إن الفصول وما يجرى مجراها لا يتحقق بها
<lb n="12"/> حقيقة المعنى الجنسى من حيث معناه، بل إنما كانت علة لتقويم الحقيقة موجودة. فإن
<lb n="13"/> الناطق ليس شرطا يتعلق به الحيوان فى أن له معنى الحيوان وحقيقته، بل فى أن يكون
<lb n="14"/> موجودا"معينا. وإذا كان المعنى العام هو نفس واجب الوجود، وكان الفصل يحتاج
<lb n="15"/> إليه فى أن يكون واجب الوجود موجودا، فقد دخل ما هو كالفصل فى ماهية ما هو
<lb n="16"/> كالجنس، والحال فيما يقع به اختلاف غير فصلى فى جميع هذا ظاهر. فبين أن وجوب
<lb n="17"/> الوجود ليس مشتركا فيه. فالأول لا شريك له. وإذ هو بريء عن كل مادة وعلائقها وعن
<lb n="18"/> الفساد، وكلاهما شرط مع ما يقع تحت التضاد، فالأول لا ضد له. </p>
<p n="14">
<lb n="19"/>فقد وضح أن الأول لا جنس له، ولا ماهية له، ولا كيفية له، ولا كمية له،
<lb n="20"/> ولا أين له، ولا متى له، ولا ند له، ولا شريك له، ولا ضد له، تعالى وجل، وأنه لا حدّ
<pb n="283"/>
<lb n="1"/> له، ولا برهان عليه، بل هو البرهان على كل شىء، بل هو إنما عليه الدلائل الواضحة،
<lb n="2"/> وأنه إذا حققته فإنما يوصف بعد الإنية بسلب المشابهات عنه، وبإيجاب الإضافات كلها
<lb n="3"/> إليه، فإن كل شىء منه وليس هو مشاركا لما منه، وهو مبدأ كل شىء وليس هو شيئا
<lb n="4"/> من الأشياء بعده.
<pb n="355" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="5"/> [الفصل السادس]
<lb n="6"/>
<num>و</num> فصل
<lb n="7"/> فى إنه تام بل فوق التام وخير، ومفيد كل شىء بعده، وأنه حق،
<lb n="8"/> وأنه عقل محض، ويعقل كل شىء، وكيف ذلك، وكيف يعلم ذاته، وكيف يعلم
<lb n="9"/> الكليات، وكيف يعلم الجزئيات، وعلى أى وجه لا يجوز أن يقال يدركها. </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>فواجب الوجود تام الوجود، لأنه ليس شىء من وجوده وكمالات وجوده
<lb n="11"/> قاصرًا عنه، ولا شىء من جنس وجوده خارجا عن وجوده يوجد لغيره، كما يخرج فى
<lb n="12"/> غيره، مثل الإنسان. فإن أشياء كثيرة من كمالات وجوده قاصرة عنه، وأيضا فان إنسانيته
<lb n="13"/> توجد لغيره. بل واجب الوجود فوق التمام؛ لأنه ليس إنما له الوجود الذى له فقط، بل
<lb n="14"/> كل وجود أيضًا فهو فاضل عن وجوده، وله، وفائض عنه. </p>
<p n="2">
<lb n="15"/>وواجب الوجود بذاته خير محض، والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شىء
<lb n="16"/> وما يتشوقه كل شىء هو الوجود، أو كمال الوجود من باب الوجود. والعدم من حيث
<lb n="17"/> هو عدم لا يتشوق إليه، بل من حيث يتبعه وجود أو كمال للوجود. فيكون المتشوق
<lb n="18"/> بالحقيقة الوجود. فالوجود خير محض وكمال محض.
<pb n="284"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>فالخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شىء فى حدّه ويتم به وجوده. والشر لا
<lb n="2"/> ذات له، بل هو إما عدم جوهر، أو عدم صلاح حال الجوهر. فالوجود خيرية، وكمال
<lb n="3"/> الوجود
<pb n="356" edRef="#source_3"/> خيرية الوجود. والوجود الذى لا يقارنه عدم ــ لا عدم جوهر، ولا
<lb n="4"/> عدم شىء للجوهر، بل هو دائما بالفعل ــ فهو خير محض. والممكن الوجود بذاته ليس
<lb n="5"/> خيرًا محضًا؛ لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود بذاته. فذاته تحتمل العدم، وما أحتمل
<lb n="6"/> العدم بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئا من الشر والنقص. فإذن ليس الخير المحض إلا
<lb n="7"/> الواجب الوجود بذاته. </p>
<p n="4">
<lb n="8"/>وقد يقال أيضا: خير، لما كان مفيدا لكمالات الأشياء وخيراتها. وقد بان أن
<lb n="9"/> واجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود، ولكل كمال وجود، فهو من هذه
<lb n="10"/> الجهة خير أيضا لا يدخله نقص ولا شر. وكل واجب الوجود فهو حق؛ لأن حقية كل
<lb n="11"/> شىء خصوصية وجوده الذى يثبت له. فلا أحق إذن من واجب الوجود. </p>
<p n="5">
<lb n="12"/>وقد يقال حق، أيضا، لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا. فلا أحق بهذه الحقيقة
<lb n="13"/> مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا، ومع صدقه دائما، ومع دوامه لذاته لا لغيره؛ وسائر
<lb n="14"/> الأشياء فإن ماهياتها كما علمت لا تستحق الوجود، بل هى فى أنفسها وقطع أضافتها
<lb n="15"/> إلى واجب الوجود تستحق العدم؛ فلذلك كلها فى أنفسها باطلة، وبه حقة، وبالقياس
<lb n="16"/> إلى الوجه الذى يليه حاصلة. فلذلك كل شىء هالك إلا وجهه. فهو أحق بأن يكون حقا. </p>
<p n="6">
<lb n="17"/>وواجب الوجود عقل محض؛ لأنه ذات مفارقة للمادة من كل وجه؛ وقد
<lb n="18"/> عرفت أن السبب فى أن لا يعقل الشىء هو المادة وعلائقها لا وجوده. وأما الوجود
<lb n="19"/> الصورى فهو الوجود العقلى وهو الوجود الذى إذا تقرر فى شىء صار للشىء به عقل.
<pb n="285"/>
<lb n="1"/> والذى يحتمل نيله هو عقل بالقوة، والذى ناله بعد القوة هو عقل بالفعل على سبيل
<lb n="2"/> الاستكمال، والذى
<pb n="357" edRef="#source_3"/> هو له ذاته هو عقل بذاته. وكذلك هو معقول محض لأن
<lb n="3"/> المانع للشىء أن يكون معقولا هو أن يكون فى المادة وعلائقها، وهو المانع عن أن يكون
<lb n="4"/> عقلا. وقد تبين لك هذا. </p>
<p n="7">
<lb n="5"/><choice><sic>فالبرئ</sic><corr>فالبرىء</corr></choice> عن المادة والعلائق، المتحقق بالوجود المفارق، هو معقول لذاته. ولأنه
<lb n="6"/> عقل بذاته وهو أيضا معقول بذاته فهو معقول ذاته، فذاته عقل وعاقل ومعقول. لا أن هناك
<lb n="7"/> أشياء متكثرة. وذلك لأنه بما هو هوية مجردة عقل، وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته
<lb n="8"/> فهو معقول لذاته، وبما يعتبر له أن ذاته له هوية مجردة فهو عاقل ذاته؛ فإن المعقول هو الذى
<lb n="9"/> ماهيته المجردة لشىء، والعاقل هو الذى له ماهية مجردة لشىء. وليس من شرط هذا
<lb n="10"/> الشىء أن يكون هو أو آخر، بل شىء مطلقا، والشىء مطلقا أعم من هو أو غيره. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>فالأول باعتبار أن له ماهية مجردة لشىء، هو عاقل؛ وباعتبار أن ماهيته
<lb n="12"/> المجردة لشىء، هو معقول، وهذا الشىء هو ذاته؛ فهو عاقل بأن له الماهية المجردة التى
<lb n="13"/> لشىء هو ذاته، ومعقول بأن ماهيته المجردة هى لشىء هو ذاته. </p>
<p n="9">
<lb n="14"/>وكل من تفكر قليلا علم أن العاقل يقتضى شيئا معقولا. وهذا الاقتضاء لا
<lb n="15"/> يتضمن أن ذلك الشىء آخر أو هو، بل المتحرك إذا اقتضى شيئا محركا لم يكن نفس هذا
<pb n="286"/>
<lb n="1"/> الاقتضاء يوجب أن يكون شيئا آخر أو هو، بل نوع آخر من البحث يوجب ذلك؛ وتبين
<lb n="2"/> أنه من المحال أن يكون ما يتحرك هو ما يحرك. ولذلك لم يمتنع أن يتصور فريق لهم عدد
<lb n="3"/> أن فى الأشياء شيئا متحركا عن ذاته، إلى وقت أن قام البرهان على امتناعه. ولم يكن
<lb n="4"/> نفس تصور المحرك والمتحرك يوجب ذلك، إذ كان المتحرك يوجب أن يكون له شىء محرك
<lb n="5"/> مطلقا بلا شرط أنه آخر أو هو، والمحرك يوجب أن يكون له شىء متحرك عنه بلا شرط
<lb n="6"/> أنه آخر أو هو.
<pb n="358" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="10">
<lb n="7"/>وكذلك المضافات تعرف <choice>
<sic>إثنينيتها</sic>
<corr>أنيتها<note>according to Bertolacci 2006, 538</note></corr>
</choice> لأمر، لا لنفس النسبة والإضافة المفروضة
<lb n="8"/> فى الذهن؛ فإنا نعلم علما يقينا أن لنا قوة نعقل بها الأشياء. فإما أن تكون القوة التى
<lb n="9"/> نعقل بها هذه القوة هى هذه القوة نفسها، فتكون هى نفسها تعقل ذاتها، أو تعقل ذلك قوة
<lb n="10"/> أخرى، فتكون لنا قوتان: قوة نعقل الأشياء بها، وقوة نعقل بها هذه القوة، ثم يتسلسل
<lb n="11"/> الكلام إلى غير النهاية. فيكون فينا قوى تعقل الأشياء بلا نهاية بالفعل. فقد بان أن نفس
<lb n="12"/> كون الشىء معقولا لا يوجب أن يكون معقولا لشىء، ذلك الشىء آخر. </p>
<p n="11">
<lb n="13"/>وبهذا تبين أنه ليس يقتضى العاقل أن يكون عاقل شىء آخر؛ بل كل ما توجد
<lb n="14"/> له الماهية المجردة فهو عاقل، وكل ماهية مجردة توجد له أو لغيره فهو معقول، إذ كانت هذه
<lb n="15"/> الماهية لذاتها عاقلة، ولذاتها أيضا معقولة لكل ماهية مجردة تفارقها أو لا تفارقها. </p>
<p n="12">
<lb n="16"/>فقد فهمت أن نفس كونه معقولا وعاقلا، لا يوجب أن يكون اثنين فى الذات،
<lb n="17"/> ولا اثنين فى الاعتبار أيضا؛ فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا اعتبار أن ماهية مجردة لذاته،
<pb n="287"/>
<lb n="1"/> وأنه ماهية مجردة ذاته لها، وههنا تقديم وتأخير فى ترتيب المعانى، والغرض المحصل شىء
<lb n="2"/> واحد بلا قسمة. فقد بان أن كونه عاقلا ومعقولا لا يوجب فيه كثرة البتة. </p>
<p n="13">
<lb n="3"/>وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء، وإلا
<lb n="4"/> فذاته إما متقومة بما يعقل، فيكون تقومها بالأشياء؛ وإما عارضة لها أن تعقل، فلا
<lb n="5"/> تكون واجبة الوجود من كل جهة؛ وهذا محال. ويكون لولا أمور من خارج لم يكن
<lb n="6"/> هو بحال، ويكون له حال لا يلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون لغيره فيه تأثير. والأصول
<lb n="7"/> السالفة تبطل هذا
<pb n="359" edRef="#source_3"/> وما أشبهه. ولأنه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ
<lb n="8"/> له. وهو مبدأ للموجودات التامة بأعينها، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا،
<lb n="9"/> وبتوسط ذلك بأشخاصها. </p>
<p n="14">
<lb n="10"/>ومن وجه آخر لا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث
<lb n="11"/> هى متغيرة عقلا زمانيا مشخصا بل على نحو آخر نبينه. فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل
<lb n="12"/> عقلا زمانيا منها أنها موجودة غير معدومة، وتارة يعقل عقلا زمانيا منها أنها معدومة غير
<lb n="13"/> موجودة،فيكون لكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين
<lb n="14"/> تبقى مع الثانية؛ فيكون واجب الوجود متغير الذات. </p>
<p n="15">
<lb n="15"/>ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا يتشخص لم تعقل
<lb n="16"/> بما هى فاسدة، وإن أدركت بما هى مقارنة لمادة وعوارض مادة ووقت وتشخص لم تكن
<lb n="17"/>معقولة بل محسومة أو متخيلة؛ ونحن قد بينا فى كتب أخرى أن كل صورة محسوسة
<lb n="18"/> وكل صورة خيالية فإنما تدرك من حيث هى محسوسة أو متخيلة بآلة متجزئة. وكما
<pb n="288"/>
<lb n="1"/> أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، كذلك إثبات كثير من التعقلات.
<lb n="2"/> بل واجب الوجود إنما يعقل كل شىء على نحو كلى، ومع ذلك فلا يعزب عنه شىء
<lb n="3"/> شخصى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض. وهذا من العجايب التى
<lb n="4"/> يحوج تصورها إلى لطف قريحة. </p>
<p n="16">
<lb n="5"/>وأما كيفية ذلك، فلأنه إذا عقل ذاته وعقل أنه مبدأ كل موجود، عقل أوائل
<lb n="6"/> الموجودات عنه وما يتولد عنها، ولا شىء من الأشياء يوجد إلا وقد صار من جهة
<lb n="7"/> ما واجبا يسببه؛ وقد بينا هذا. فتكون هذه الأسباب يتأدى بمصادماتها إلى أن توجد
<lb n="8"/>
<pb n="360" edRef="#source_3"/>عنها الأمور الجزئية. والأول يعلم الأسباب ومطابقتها، فيعلم ضرورة ما يتأدى
<lb n="9"/> إليها، وما بينها من الأزمنة وما لها من العودات؛ لأنه ليس يمكن أن يعلم تلك ولا يعلم
<lb n="10"/> هذا، فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هى كلية، أعنى من حيث لها صفات. وإن
<lb n="11"/> تخصصت بها شخصا فبالإضافة إلى زمان متشخص أو حال متشخصة لو أخذت تلك
<lb n="12"/> الحال بصفاتها كانت أيضا بمنزلتها [لكنها] تستند إلى مبادىء كل واحد منها نوعه فى
<lb n="13"/> شخصه، فتستند إلى أمور شخصية. </p>
<p n="17">
<lb n="14"/>وقد قلنا: إن مثل هذا الاستناد قد يجعل للشخصيات رسما ووصفا
<lb n="15"/> مقصورا عليها. فإن كان ذلك الشخص مما هو عند العقل شخصى أيضا، كمن للعقل
<lb n="16"/> إلى ذلك المرسوم سبيل، وذلك هو الشخص الذى هو واحد فى نوعه لا نظير له، ككرة
<lb n="17"/> الشمس مثلا، أو كالمشترى. وأما إذا كان النوع منتشرا فى الأشخاص، لم يكن للعقل إلى
<lb n="18"/> رسم ذلك الشىء سبيل إلا أن يشار إليه ابتداء على ما عرفته. ونعود فنقول: </p>
<p n="18">
<lb n="19"/>كما أنك [اذا] تعلم حركات السماويات كلها، فأنت تعلم كل كسوف وكل
<lb n="20"/> اتصال وكل انفصال جزئى يكون بعينه ولكن على نحو كلى؛ لأنك تقول فى كسوف ما إنه </p><p>
<pb n="289"/>
<lb n="1"/> كسوف يكون بعد زمان حركة يكون لكذا من كذا شماليا نصفيا، ينفصل القمر منه إلى
<lb n="2"/> مقابلة كذا، ويكون بينه وبين كسوف مثله سابق له أو متأخر عنه مدة كذا. وكذلك بين
<lb n="3"/> حال الكسوفين الآخرين حتى لا تقدر عارضا من عوارض تلك الكسوفات إلا علمته،
<lb n="4"/> ولكنك علمته كليا، لأن هذا المعنى قد يجوز أن يحمل على كسوفات كثيرة كل واحد
<lb n="5"/> منها يكون حاله تلك الحال، لكنك تعلم لحجة ما أن ذلك الكسوف لا يكون إلا واحدا
<lb n="6"/>
<pb n="361" edRef="#source_3"/>بعينه، وهذا لا يدفع الكلية إن تذكرت ما قلناه من قبل. </p>
<p n="19">
<lb n="7"/>ولكنك مع هذا كله، ربما لم يجز أن تحكم فى هذا الآن بوجود هذا الكسوف
<lb n="8"/> أو لا وجوده، إلا أن تعرف جزئيات الحركات بالمشاهدة الحسية، وتعلم ما بين هذا المشاهد
<lb n="9"/> وبين ذلك الكسوف من المدة. وليس هذا نفس معرفتك بأن فى الحركات حركة جزئية
<lb n="10"/> صفتها صفة ما شاهدت، وبينها وبين الكسوف الثانى الجزئى كذا، فإن ذلك قد يجوز أن
<lb n="11"/> تعلمه على هذا النوع من العلم ولا تعلمه وقت ما يشك فيه أنها هل هى موجودة؛ بل يجب
<lb n="12"/> أن يكون قد حصل لك بالمشاهدة شىء مشار إليه حتى تعلم حال ذلك الكسوف. </p>
<p n="20">
<lb n="13"/>فإن منع مانع أن يسمى هذا معرفة للجزء من جهة كلية، فلا مناقشة معه؛
<lb n="14"/> فإن غرضنا الآن غير ذلك، وهو فى تعريفنا أن الأمور الجزئية كيف تعلم وتدرك علما
<lb n="15"/> وإدراكا يتغير معهما العالِم، وكيف يعلم ويدرك علما وإدراكا لا يتغير معهما العالم. فإنك
<lb n="16"/> إذا علمت أمر الكسوفات كما توجد أنت، أو لو كنت موجودا دائما، كان لك علم لا
<lb n="17"/> بالكسوف المطلق، بل بكل كسوف كائن؛ ثم كان وجود ذلك الكسوف وعدمه لا يغير
<pb n="290"/>
<lb n="1"/> منك أمرا. فإن علمك فى الحالين يكون واحدا، وهو أن كسوفا له وجود بصفات كذا،
<lb n="2"/> بعد كسوف كذا، أو بعد وجود الشمس فى الحمل كذا، فى مدة كذا، ويكون بعد كذا،
<lb n="3"/> وبعده كذا، ويكون هذا [العقل] منك صادقا قبل ذلك الكسوف ومعه وبعده. </p>
<p n="21">
<lb n="4"/>فأما إن أدخلت الزمان فى ذلك، فعلمت فى آن مفروض أن هذا الكسوف
<lb n="5"/> ليس بموجود، ثم علمت فى آن آخر أنه موجود، لم يبق علمك ذلك عند وجوده، بل
<lb n="6"/> يحدث علم آخر، ويكون فيك التغير الذى أشرنا إليه. ولم يصح أن تكون فى وقت
<lb n="7"/> الانجلاء على ما كنت
<pb n="362" edRef="#source_3"/> قبلى الانجلاء، هذا وأنت زمانى وآنى. ولكن الأول الذى
<lb n="8"/> لا يدخل فى زمان وحكمه، فهو بعيد أن يحكم حكما فى هذا الزمان وذلك الزمان من
<lb n="9"/> حيث هو فيه ومن حيث هو حكم منه جديدا ومعرفة جديدة. </p>
<p n="22">
<lb n="10"/>واعلم أنك إنما كنت تتوصل إلى إدراك الكسوفات الجزئية لإحاطتك بجميع
<lb n="11"/> أسبابها، وإحاطتك بكل ما فى السماء. فإذا وقعت الإحاطة بجميع أسبابها ووجودها،
<lb n="12"/> انتقل منها إلى جميع المسببات. ونحن سنبين هذا من ذى قبل بزيادة كشف. فتعلم كيف
<lb n="13"/> يعلم الغيب وتعلم من هناك إن الأول من ذاته كيف يعلم كل شىء، وأن ذلك لأنه مبدأ كل
<lb n="14"/> شىء، ويعلم الأشياء من حالها إذ هو مبدأ شىء أو أشياء حالها وحركاتها كذا، وما
<lb n="15"/> ينتج عنها كذا، إلى التفصيل بعده، ثم على الترتيب الذى يلزم ذلك التفصيل لزوم التعدية
<lb n="16"/> والتأدية. فتكون هذه الأشياء مفاتيح الغيب التى لا يعلمها أحد إلا هو، فالله أعلم بالغيب
<lb n="17"/> وهو عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم.
<pb n="291"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل السابع]
<lb n="2"/>
<num>ز</num> فصل
<lb n="3"/> فى نسبة المعقولات إليه، وفى إيضاح أن صفاته الإيجابية والسلبية
<lb n="4"/> لا توجب فى ذاته كثرة، وأن له البهاء الأعظم والجلال الأرفع
<lb n="5"/> والمجد الغير المتناهى، وفى تفصيل حال اللذة العقلية </head>
<p n="1">
<lb n="6"/>ثم يجب أن يعلم أنه إذا قيل عقل للأول قيل على المعنى البسيط الذى عرفته
<lb n="7"/> فى كتاب النفس، وأنه ليس فيه اختلاف صور مترتبة متخالفة كما يكون فى النفس على
<lb n="8"/> المعنى
<pb n="363" edRef="#source_3"/> الذى مضى فى كتاب النفس؛ فهو لذلك يعقل الأشياء دفعة واحدة من
<lb n="9"/> غير أن يتكثر بها فى جوهره، أو تتصور فى حقيقة ذاته بصورها، بل تفيض عنه صورها
<lb n="10"/> معقولة. وهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور الفائضة عن عقليته. ولأنه يعقل ذاته،
<lb n="11"/> وأنه مبدأ كل شىء، فيعقل من ذاته كل شىء. </p>
<p n="2">
<lb n="12"/>وأعلم أن المعنى المعقول قد يؤخذ من الشىء الموجود، كما عرض أن اخذنا
<lb n="13"/> نحن عن الفلك بالرصد والحس صورته المعقولة. وقد تكون الصورة المعقولة غير مأخوذة
<lb n="14"/> عن الموجود، بل بالعكس، كما أنا نعقل صورة بنائية نخترعها، ثم تكون تلك الصورة
<lb n="15"/> المعقولة محركة لأعضائنا إلى أن نوجدها. فلا تكون وجدت فعقلناها؛ ولكن عقلناها
<lb n="16"/> فوجدت. ونسبة الكل إلى العقل الأول الواجب الوجود هو هذا؛ فإنه يعقل ذاته وما
<lb n="17"/> توجبه ذاته، ويعلم من ذاته كيفية كون الخير فى الكل، فتتبع صورته المعقولة صورة
<lb n="18"/> الموجودات على النظام المعقول عنده، لا على أنها تابعة اتباع الضوء للمضيء والإسخان
<lb n="19"/> للحار، بل هو عالم بكيفية نظام الخير فى الوجود، وأنه عنه، وعالم بأن هذه العالمية يفيض
<lb n="20"/> عنها الوجود على الترتيب الذى يعقله خيرا ونظاما.
<pb n="292"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>وعاشق ذاته التى هى مبدأ كل نظام، وخير من حيث هى كذلك، فيصير
<lb n="2"/> نظام الخير معشوقا له بالعرض، لكنه لا يتحرك إلى ذلك عن شوق؛ فإنه لا ينفعل
<lb n="3"/> منه البتة، ولا يشتاق شيئا ولا يطلبه. فهذه إرادته الخالية عن نقص <choice><sic>يجلبة</sic><corr>يجلبه</corr></choice> شوق وانزعاج
<lb n="4"/> قصد إلى غرض.
<pb n="364" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="4">
<lb n="5"/>ولا يظن أنه لو كانت للمعقولات عنده، صور وكثرة، كانت كثرة الصور التى
<lb n="6"/> يعقلها أجزاء لذاته؛ وكيف، وهى تكون بعد ذاته؟ لأن عقله لذاته ذاته، ومنها يعقل كل
<lb n="7"/> ما بعده؛ فعقله لذاته علة عقله ما بعد ذاته، فعقله ما بعد ذاته معلول عقله لذاته. على أن
<lb n="8"/> المعقولات والصور التى له بعد ذاته إنما هى معقولة على نحو المعقولات العقلية لا النفسانية؛
<lb n="9"/> وإنما له إليها إضافة المبدأ الذى يكون عنه لا فيه، بل إضافات على الترتيب بعضها قبل
<lb n="10"/> بعض، وإن كانت معا لا تتقدم ولا تتأخر فى الزمان. فلا يكون هناك انتقال فى المعقولات. </p>
<p n="5">
<lb n="11"/>ولا يظن أن الإضافة العقلية إليها إضافة إليها كيف وجدت. وإلا لكان كل
<lb n="12"/> مبدأ صورة فى مادة من شأن تلك الصور أن تعقل بتدبير ما، من تجريد وغيره، ويكون
<lb n="13"/> هو عقلا بالفعل، بل هذه الإضافة إليها وهى بحال معقولة. ولو كانت من حيث وجودها
<lb n="14"/> فى الأعيان، لكان إنما يعقل ما يوجد فى كل وقت ولا يعقل المعدوم منها فى الأعيان
<lb n="15"/> إلى أن يوجد، فيكون لا يعقل من نفسه أنه مبدأ ذلك الشىء على الترتيب إلا عندما
<pb n="293"/>
<lb n="1"/> يصير مبدأ؛ فلا يعقل ذاته، لأن ذاته من شأنها أن يفيض عنها كل وجود، وإدراكها من
<lb n="2"/> حيث شأنها إنها كذا يوجب إدراك الآخر وإن لم يوجد. فيكون العالم الربوبى محيطا
<lb n="3"/> بالوجود الحاصل والممكن، ويكون لذاته إضافة إليها من حيث هى معقولة لا من حيث
<lb n="4"/> لها وجود فى الأعيان. </p>
<p n="6">
<lb n="5"/>فبقى لك النظر فى حال وجودها معقولة أنها تكون موجودة فى ذات الأول
<lb n="6"/> كاللوازم التى تلحقه، أو يكون لها وجود مفارق لذاته وذات غيره كصور مفارقة على ترتيب
<lb n="7"/> موضوعة
<pb n="365" edRef="#source_3"/> فى صقع الربوبية، أو من حيث هى موجودة فى عقل أو نفس إذا عقل
<lb n="8"/> الأول هذه الصور، ارتسمت فى أيها كان. فيكون ذلك العقل أو النفس كالموضوعة لتلك
<lb n="9"/> الصور المعقولة، وتكون معقولة له على أنها فيه، ومعقولة من الأول على أنها عنه؛ ويعقل
<lb n="10"/> الأول من ذاته أنه مبدأ لها. فيكون من جملة تلك المعقولات ما المعقول منه أن الأول مبدأ
<lb n="11"/> له بلا واسطة، بل يفيض وجوده عنه أولا، وما المعقول منه أنه مبدأ له بتوسط فهو يفيض
<lb n="12"/> عنه ثانيا. وكذلك يكون الحال فى وجود تلك المعقولات، وإن كان ارتسامها فى شىء،
<lb n="13"/> واحد. لكن بعضها قبل وبعضها بعد، على الترتيب السبى و المسبى. </p>
<p n="7">
<lb n="14"/>وإذا كانت تلك الأشياء المرتسمة فى ذلك الشىء من معلولات الأول، فتدخل
<lb n="15"/> فى جملة ما الأول يعقل ذاته مبدأ لها، فيكون صدورها عنه ليس على ما قلنا من أنه
<lb n="16"/> إذا عقل خيرا وجد؛ لأنها نفس عقله للخير، أو يتسلسل الأمر؛ لأنه يحتاج أن يعقل أنها
<lb n="17"/> عقلت، وكذلك إلى ما لانهاية، وذلك محال فهى نفس عقله للخير. فإذا قلنا لما عقلها
<pb n="294"/>
<lb n="1"/>وجدت، ولم يكن معها عقل آخر، ولم يكن وجودها إلا أنها تعقلات، فإنما يكون كأنا قلنا
<lb n="2"/> لأنه عقلها عقلها، أو لأنها وجدت عنه وجدت عنه. </p>
<p n="8">
<lb n="3"/>وإن جعلت هذه المعقولات أجزاء ذاته عرض تكثر. وإن جعلتها لواحق ذاته،
<lb n="4"/> عرض لذاته أن لا يكون من جهتها واجب الوجود لملاصقته ممكن الوجود. وإن جعلتها
<lb n="5"/> أمورا مفارقة لكل ذات عرضت الصور الأفلاطونية. وإن جعلتها موجودة فى عقل، ما
<lb n="6"/> عرض أيضا ما ذكرنا قبل هذا من المحال.
<pb n="366" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="7"/>فينبغى أن تجتهد جهدك فى التخلص من هذه الشبهة، وتتحفظ أن لا تكثر
<lb n="8"/> ذاته، ولا تبالى بأن تكون ذاته مأخوذة مع إضافة ما ممكنة الوجود. فإنها من حيث هى
<lb n="9"/> علة لوجود زيد ليست بواجبة الوجود بل من حيث ذاتها. وتعلم أن العالم الربوبى عظيم
<lb n="10"/> جدا، وتعلم أنه فرق بين أن يفيض عن الشىء صورة من شأنها أن تعقل، وأن يفيض عن
<lb n="11"/> الشىء صورة معقولة من حيث هى معقولة بلا زيادة. وهو يعقل ذاته مبدأ لفيضان كل
<lb n="12"/> معقول من حيث هو معقول معلول، كما هو مبدأ لفيضان كل موجود من حيث هو موجود
<lb n="13"/> معلول. ثم تجتهد فى تأمل الأصول المعطاة والمستقبلة ليتضح لك ما ينبغى أن يتضح. </p>
<p n="10">
<lb n="14"/>فالأول يعقل ذاته ونظام الخير الموجود فى الكل أنه كيف يكون بذلك النظام،
<lb n="15"/> لأنه يعقله وهو مستفيض كائن موجود. وكل معلوم الكون، وجهة الكون عن مبدئه عند
<lb n="16"/> مبدئه، وهو خير غير مناف، وهو تابع لخيرية ذات المبدأ وكمالها المعشوقين لذاتيهما،
<lb n="17"/> فذلك الشىء مراد. لكن ليس مراد الأول هو على نحو مرادنا حتى يكون له فيما يكون
<pb n="295"/>
<lb n="1"/>عنه غرض، فكأنك قد علمت استحالة هذا وستعلم، بل هو لذاته مريد هذا النحو من
<lb n="2"/> الإرادة العقلية المحضة. وحياته هذا أيضا بعينه. فإن الحياة التى عندنا تكمل بإدراك وفعل
<lb n="3"/> هو التحريك ينبعثان عن قوتين مختلفتين. وقد صح أن نفس مدركه ــ وهو ما يعقله عن
<lb n="4"/> الكل ــ هو سبب الكل وهو بعينه مبدأ فعله. وذلك إيجاد الكل؛ فمعنى واحد منه هو
<lb n="5"/> إدراك وسبيل إلى الإيجاد. فالحياة منه ليس مما تفتقر إلى قوتين حتى تتم بقوتين؛ ولا الحياة
<lb n="6"/> منه غير العلم وكل ذلك له بذاته. </p>
<p n="11">
<lb n="7"/>وأيضا فإن الصور المعقولة التى تحدث فينا فتصير سببا للصورة الموجودة
<lb n="8"/> الصناعية لو كانت بنفس وجودها كافية لأن تكون منها الصور الصناعية ــ بأن تكون صورها
<lb n="9"/> بالفعل
<pb n="367" edRef="#source_3"/>مباديء لما هى له صور ــ لكان المعقول عندنا هو بعينه القدرة. ولكن ليس
<lb n="10"/> كذلك، بل وجودها لا يكفى فى ذلك، لكن يحتاج إلى إرادة متجددة منبعثة من قوة شوقية
<lb n="11"/> تتحرك منهما معًا القوة المحركة فتحرك العصب والأعضاء الأدوية، تم تحرك الآلات الخارجة،
<lb n="12"/> ثم تحرك المادة. فلذلك لم يكن نفس وجود هذه الصور المعقولة قدرة ولا إرادة، بل عسى
<lb n="13"/> القدرة فينا عند المبدأ المحرك، وهذه الصورة محركة لمبدأ القدرة، فتكون محركة المحرك. </p>
<p n="12">
<lb n="14"/>فواجب الوجود ليست إرادته مغايرة الذات لعلمه، ولا مغايرة المفهوم لعلمه.
<lb n="15"/> فقد بينا أن العلم الذى له بعينه هو الإرادة التى له. وكذلك قد تبين أن القدرة التى له
<lb n="16"/> هى كون ذاته عاقلة للكل عقلا، هو مبدأ للكل لا مأخوذا عن الكل، ومبدأ بذاته، لا
<lb n="17"/> يتوقف على وجود شىء. وهذه الإرادة على الصورة التى حققناها التى لا تتعلق بغرض
<pb n="296"/>
<lb n="1"/>فى فيض الوجود، لا تكون غير نفس الفيض وهو الجود. فقد كنا حققنا لك من أمر
<lb n="2"/> الجود ما إذا تذكرته علمت أن هذه الإرادة نفسها تكون جودا، وإذا حققت تكون الصفة
<lb n="3"/> الأولى لواجب الوجود أنه إنُّ وموجود. ثم الصفات الأخرى بعضها يكون المعنى فيها
<lb n="4"/> هذا الوجود مع إضافة، وبعضها هذا الوجود مع سلب، وليس ولا واحد منها موجبا
<lb n="5"/> فى ذاته كثرة البتة ولا مغايرة. </p>
<p n="13">
<lb n="6"/>فاللواتى تخالط السلب أنه لو قال قائل للأول، ولم يتحاش، إنه جوهر، لم
<lb n="7"/> يعن إلا هذا الوجود، وهو مسلوب عنه الكون فى الموضوع. وإذا قال له: واحد، لم
<lb n="8"/> يعن إلا هذا الوجود نفسه مسلوبا عنه القسمة بالكم أو القول، أو مسلوبا عنه الشريك
<lb n="9"/>
<pb n="368" edRef="#source_3"/>وإذا قال: عقل وعاقل ومعقول، لم يعن بالحقيقة إلا أن هذا المجرد مسلوب عنه
<lb n="10"/> جواز مخالطة المادة وعلائقها مع اعتبار إضافة ما. وإذا قال له: أول، لم يعن إلا إضافة
<lb n="11"/> هذا الوجود إلى الكل. وإذا قال له: قادر، لم يعن به إلا أنه واجب الوجود مضافا إلى
<lb n="12"/> أن وجود غيره إنما يصح عنه على النحو الذى ذكر. وإذا قال له: حى، لم يعن إلا هذا
<lb n="13"/> الوجود العقلى مأخوذا مع الإضافة إلى الكل المعقول أيضا بالقصد الثانى، إذ الحى هو
<lb n="14"/> المدرك الفعال. وإذا قال له: مريد، لم يعن إلا كون واجب الوجود مع عقليته ــ أى سلب
<lb n="15"/> المادة عنه ــ مبدأ لنظام الخير كله وهو يعقل ذلك، فيكون هذا مؤلفا من إضافة وسلب.
<lb n="16"/> وإذا قال له: جواد، عناه من حيث هذه الإضافة مع السلب، بزيادة سلب آخر، وهو أنه لا
<lb n="17"/> ينحو غرضا لذاته. وإذا قال له: خير، لم يعن إلا كون هذا الوجود مبرأ عن مخالطة ما
<lb n="18"/> بالقوة والنقص وهذا سلب، أو كونه مبدأ لكل كمال ونظام وهذا إضافة.
<pb n="297"/>
</p>
<p n="14">
<lb n="1"/>فإذا عقلت صفات الأول الحق على هذه الجهة، لم يوجد فيها شىء يوجب
<lb n="2"/> لذاته أجزاء أو كثرة بوجه من الوجوه. </p>
<p n="15">
<lb n="3"/>ولا يمكن أن يكون جمال أو بهاء فوق أن تكون الماهية عقلية محضة، خيرية
<lb n="4"/> محضة، بريئة عن كل واحد من أنحاء النقص، واحدة من كل جهة. فالواجب الوجود
<lb n="5"/> له الجمال والبهاء المحض، وهو مبدأ جمال كل شىء وبهاء كل شىء. وبهاؤه هو أن يكون
<lb n="6"/> على ما يجب له، فكيف جمال ما يكون على ما يجب فى الوجود الواجب؟ وكل جمال
<lb n="7"/> وملاءمة
<pb n="369" edRef="#source_3"/> وخير مدرك فهو محبوب معشوق. ومبدأ ذلك كله إدراكه، إما الحسى،
<lb n="8"/> وأما الخيالى وأما الوهمى وأما الظنى، وأما العقلى. وكلما كان الإدراك أشد اكتناهًا
<lb n="9"/> وأشد تحقيقًا والمدرك أكمل وأشرف ذاتا، فإحباب القوة المدركة إياه والتذاذها به أكثر. </p>
<p n="16">
<lb n="10"/>فالواجب الوجود الذى هو فى غاية الكمال والجمال والبهاء الذى يعقل
<lb n="11"/> ذاته بتلك الغاية والبهاء والجمال، وبتمام التعقل، وبتعقل العاقل والمعقول على أنهما واحد
<lb n="12"/> بالحقيقة، تكون ذاته لذاته أعظم عاشق ومعشوق وأعظم لاذ وملتذ. فإن اللذة ليست
<lb n="13"/> إلا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم. فالحسية إحساس الملائم، والعقلية تعقل الملائم.
<lb n="14"/> وكذلك، فالأول أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك. فهو أفضل لاذ وملتذ، ويكون
<lb n="15"/> ذلك أمرا لا يقاس إليه شىء. وليس عندنا لهذه المعانى أسام غير هذه الأسامى، فمن
<lb n="16"/> استبشعها استعمل غيرها.
<pb n="298"/>
</p>
<p n="17">
<lb n="1"/>ويجب أن يعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس،
<lb n="2"/> لأنه ــ أعنى العقل ــ يعقل ويدرك الأمر الباقى الكلى، ويتحد به ويصير هو هو على
<lb n="3"/> وجه ما، ويدركه بكنهه لا بظاهره، وليس كذلك الحس للمحسوس؛ فاللذة التى تجب لنا
<lb n="4"/> بأن نعقل ملائمًا، هى فوق اللذة التى تكون لنا بأن نحس ملائما. ولا نسبة بينهما. لكنه
<lb n="5"/> قد يعرض أن تكون القوة المدركة لا تستلذ بما يجب أن تستلذ به لعوارض، كما أن المريض
<lb n="6"/> لا يستلذ الحلو، ويكرهه لعارض. فكذلك يجب أن يعلم من حالنا ما دمنا فى البدن.
<lb n="7"/> فإذا حصل لقوتنا العقلية كمالها بالفعل لا تجد من اللذة ما يجب للشىء فى نفسه؛ وذلك
<lb n="8"/>
<pb n="370" edRef="#source_3"/>لعائق البدن. ولو انفردنا عن البدن، كنا بمطالعتنا ذاتنا، وقد صارت عالما عقليا
<lb n="9"/> مطابقا للموجودات الحقيقية، والجمالات الحقيقية، واللذات الحقيقية، متصلة بها اتصال
<lb n="10"/> معقول بمعقول، نجد من اللذة والبهاء ما لا نهاية له. وسنوضح هذه المعانى كلها بعد. </p>
<p n="18">
<lb n="11"/>واعلم أن لذة كل قوة حصول كمالها لها؛ فللحس المحسوسات الملائمة،
<lb n="12"/> وللغضب الانتقام، وللرجاء الظفر، ولكل شىء ما يخصه، وللنفس الناطقة مصيرها عالما
<lb n="13"/> عقليا بالفعل. فالواجب الوجود معقول، عقل أو لم يعقل، ومعشوق، عشق أو لم يعشق.
<pb n="299"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<head>
<lb n="1"/>المقالة التاسعة
<lb n="2"/> فى صدور الأشياء عن التدبير الأول والمعاد إليه
<lb n="3"/> سبعة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="4"/> [الفصل الأول]
<lb n="5"/>
<num>ا</num>فصل
<lb n="6"/> فى صفة فاعلية المبدأ الأول </head>
<p n="1">
<lb n="7"/>
<pb n="373" edRef="#source_3"/>فقد ظهر لنا أن للكل مبدأ واجب الوجود، غير داخل فى جنس أو
<lb n="8"/> واقع تحت حد أو برهان، بريء عن الكم والكيف والماهية و الأين و المتى والحركة، لا ند
<lb n="9"/> له ولا شريك له ولا ضد له، وأنه واحد من جميع الوجوه؛ لأنه غير منقسم: لا فى الأجزاء
<lb n="10"/> بالفعل ولا فى الأجزاء بالفرض والوهم كالمتصل، ولا فى العقل بأن تكون ذاته مركبة من
<lb n="11"/> معان عقلية متغايرة تتحد منها جملة؛ وأنه واحد من حيث هو غير مشارك البتة فى
<lb n="12"/> وجوده الذى له. فهو بهذه الوحدة فرد. وهو واحد لأنه تام الوجود ما بقى له شىء ينتظر
<lb n="13"/> حتى يتم، وقد كان هذا أحد وجوه الواحد. وليس الواحد فيه إلا على الوجه السلبى،
<lb n="14"/> ليس كالواحد الذى للأجسام، لاتصال أو اجتماع، أو غير ذلك مما يكون الواحد فيه
<lb n="15"/> بوحدة هى معنى وجودى يلحق ذاتا أو ذواتا.
<pb n="300"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>وقد أتضح لك فيما سلف من العلوم الطبيعية وجود قوة غير متناهية غير
<lb n="2"/> مجسمة، وأنها مبدأ الحركة الأولية، وبان لك أن الحركة المستديرة ليست متكونة تكونا
<lb n="3"/> زمانيا، وقد بان لك من هناك من وجه ما أنه مبدأ دائم الوجود. وقد بان لك بعد ذلك أن
<lb n="4"/> واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته، وأنه لا يجوز أن تستأنف له حالة
<lb n="5"/> لم تكن، مع أنه قد بان لك أن العلة لذاتها تكون موجبة المعلول. فإن دامت أوجبت المعلول
<lb n="6"/> دائما. ولو اكتفيت بتلك الأشياء لكفاك ما نحن فى شرحه، إلا أنا نزيدك بصيرة.
<pb n="374" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="7"/>فنقول: إنك قد علمت أن كل حادث فله مادة، فإذا كان لم يحدث ثم حدث لم
<lb n="8"/> يخل، إما أن تكون علتا الفاعلية والقابلية لم تكونا فحدثتا، أو كانتا، ولكن كان الفاعل لا
<lb n="9"/> يحرك والقابل لا يتحرك، أو كان الفاعل ولم يكن القابل، أو كان القابل ولم يكن الفاعل. </p>
<p n="4">
<lb n="10"/>ونقول قولا مجملا قبل العود إلى التفصيل، إنه إذا كانت الأحوال من جهة العلل
<lb n="11"/> كما كانت ولم يحدث البتة أمر لم يكن، كان وجوب كون الكائن عنها، أولا وجوبه، على
<lb n="12"/> ما كان؛ فلم يجز أن يحدث كائن البتة. </p>
<p n="5">
<lb n="13"/>فإن حدث أمر لم يكن، فلا يخلو: إما أن يكون حدوثه على سبيل ما
<lb n="14"/> يحدث، لحدوث علته دفعة، لا على سبيل ما يحدث لقرب علته أو بعدها، أو يكون
<lb n="15"/> حدوثه على سبيل ما يحدث لقرب علته أو بعدها. فأما القسم الأول فيجب أن يكون
<lb n="16"/> حدوثه لحدوث العلة ومعها غير متأخر عنها البتة؛ فإنه إن كانت العلة غير موجودة ثم
<lb n="17"/> وجدت، أو موجودة وتأخر عنها المعلول، لزم ما قلناه فى الأول من وجوب حادث آخر
<pb n="301"/>
<lb n="1"/> غير العلة، فكان ذلك الحادث هو العلة القريبة. فإن تمادى الأمر على هذه الجهة، وجبت
<lb n="2"/> علل وحوادث دفعة غير متناهية، ووجبت معا. وهذا مما عرفنا الأصل القاضى بإبطاله.
<lb n="3"/> فبقى أن لا تكون العلل الحادثة كلها دفعة لا لقرب من علة أولى أو بعد. </p>
<p n="6">
<lb n="4"/>فبقى أن مبادئ الكون تنتهى إلى قرب علل أو بعدها، وذلك بالحركة. فإذن قد
<lb n="5"/> كان قبل الحركة حركة، وتلك الحركة أوصلت العلل إلى هذه الحركة، فهما كالمتماسين، وإلا
<lb n="6"/> رجع الكلام إلى الرأس فى الزمان الذى بينهما. وذلك أنه إن لم تماسه حركة كانت
<pb n="375" edRef="#source_3"/>
<lb n="7"/> الحوادث الغير المتناهية منها فى آن واحد، إذ لا يجوز أن تكون فى آنات متلاقية متماسة،
<lb n="8"/> فاستحال ذلك، بل يجب أن يكون واحد قد قرب فى ذلك الآن بعد بُعد، أو بعد قرب؛
<lb n="9"/> فيكون ذلك الآن نهاية حركة أولى تؤدى إلى حركة أخرى، أو أمر آخر. فإن أدت إلى
<lb n="10"/> حركة أخرى وأوجبت، كانت الحركة التى هى كعلة قريبة لهذه الحركة مماسة لها. </p>
<p n="7">
<lb n="11"/>والمعنى فى هذه المماسة مفهوم، على أنه لا يمكن أن يكون زمان بين حركتين
<lb n="12"/> ولا حركة فيه. فإنه قد بان لنا فى الطبيعيات أن الزمان تابع للحركة، ولكن الاشتغال بهذا
<lb n="13"/> النحو من البيان يعرفنا [إن] كانت حركة قبل حركة، ولا يعرفنا أن تلك الحركة كانت
<lb n="14"/> علة لحدوث هذه الحركة اللاحقة. </p>
<p n="8">
<lb n="15"/>فقد ظهر ظهورا واضحا أن الحركة لا تحدث بعد ما لم تكن إلا لحادث وذلك
<lb n="16"/> الحادث لا يحدث إلا بحركة مماسة لهذه الحركة. ولا تبالى أى حادث كان ذلك الحادث:
<lb n="17"/> كان قصدا من الفاعل، أو إرادة، أو علما، أو آلة، أو طبعا، أو حصول وقت أوفق للعمل
<lb n="18"/> دون وقت، أو حصول تهيؤ أو استعداد من القابل لم يكن، أو وصول من المؤثر لم يكن.
<lb n="19"/> فإنه كيف كان، فحدوثه متعلق بالحركة، لا يمكن غير هذا.
<pb n="302"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="1"/>ولنرجع إلى التفصيل فنقول: إن كانت العلة الفاعلية والقابلية موجودتى
<lb n="2"/> الذات، ولا فعل ولا انفعال بينهما، فيحتاج إلى وقوع نسبة بينهما توجب الفعل والانفعال.
<lb n="3"/> أما من جهة الفاعل، فمثل إرادة موجبة للفعل، أو طبيعة موجبة للفعل، أو آلة أو زمان.
<lb n="4"/>
<pb n="376" edRef="#source_3"/>وأما من جهة القابل، فمثل استعداد لم يكن. أو من جهتيهما جميعا مثل وصول
<lb n="5"/> أحدهما إلى الآخر. وقد وضح أن جميع هذا بحركة ما. </p>
<p n="10">
<lb n="6"/>وأما إن كان الفاعل موجودا ولم يكن قابل البتة، فهذا محال: أما أولا؛ فلأن
<lb n="7"/> القابل كما بينا لا يحدث إلا بحركة أو اتصال فيكون قبل الحركة حركة. وأما ثانيا، فإنه لا
<lb n="8"/> يمكن أن يحدث ما لم يتقدمه وجود القابل، وهو المادة، فيكون قد كان القابل حتى حدث
<lb n="9"/> القابل. وأما إن وضع أن القابل موجود والفاعل ليس بموجود، فالفاعل يحدث ويلزم أن
<lb n="10"/> يكون حدوثه بعلة ذات حركة على ما وصفناه. </p>
<p n="11">
<lb n="11"/>وأيضا مبدأ الكل ذات واجبة الوجود، وواجب الوجود واجب ما يوجد
<lb n="12"/> عنه، وإلا فله حال لم يكن فليس واجب الوجود من جميع جهاته. فإن وضعت الحال
<lb n="13"/> الحادثة لا فى ذاته، بل خارجة عن ذاته كما يضع بعضهم الإرادة، فالكلام على حدوث
<lb n="14"/> الإرادة عنها ثابت، هل هو بإرادة أو طبع، أو لأمر آخر أى أمر كان؟ ومهما وضع أمر
<lb n="15"/> حدث لم يكن؛ فإما أن يوضع حادثا فى ذاته، وإما غير حادث فى ذاته، بل على أنه
<lb n="16"/> شىء مباين لذاته، فيكون الكلام ثابتا. وأن حدث فى ذاته، كان ذاته متغيرا، وقد بُيَّن
<lb n="17"/> أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته.
<pb n="377" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="12">
<lb n="18"/>وأيضا إذا كان هو عند حدوث المباينات عنه كما كان قبل حدوثها، ولم
<lb n="19"/> يعرض البتة شىء لم يكن، وكان الأمر على ما كان ولا يوجد عنه شىء، فليس يجب
<pb n="303"/>
<lb n="1"/> أن يوجد عنه شىء بل يكون الحال والأمر على ما كان. فلا بد من مميز لوجوب الوجود
<lb n="2"/> عنه، وترجيح للوجود عنه بحادث متوسط لم يكن حين كان الترجيح للعدم عنه، وكان
<lb n="3"/> التعطل عن الفعل حاله. وليس هذا أمرا خارجا عنه؛ فإنا نتكلم فى حدوث الحادث عنه
<lb n="4"/> نفسه بلا واسطة أمر يحدث فيحدث به الثانى، كما يقولون فى الإرادة والمراد. </p>
<p n="13">
<lb n="5"/>والعقل الصريح الذى لم يكدر يشهد أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع
<lb n="6"/> جهاتها كما كانت، وكان لا يوجد عنها فيما قبل شىء، وهى الآن كذلك، فالآن أيضا
<lb n="7"/> لا يوجد عنها شىء. فإذا صار الآن يوجد عنها شىء، فقد حدث فى الذات قصد
<lb n="8"/> وإرادة، أو طبع، أو قدرة وتمكن، أو شىء مما يشبه هذا لم يكن. ومن أنكر هذا، فقد
<lb n="9"/> فارق مقتضى عقله لسانا ويعود إليه ضميرا. فإن الممكن أن يوجد وأن لا يوجد، لا يخرج
<lb n="10"/> إلى الفعل ولا يترجح له أن يوجد إلا بسبب؛ وإذا كانت هذه الذات التى للعلة كما كانت
<lb n="11"/> ولا تترجح، ولا يجب عنها هذا الترجيح، ولا داعى ولا مصلحة ولا غير ذلك، فلا بد
<lb n="12"/> من حادث موجب للترجيح فى هذه الذات إن كانت هى العلة الفاعلية، وإلا كانت نسبتها
<lb n="13"/> إلى ذلك الممكن على ما كان قبل، ولا تحدث لها نسبة أخرى؛ فيكون الأمر بحاله، ويكون
<lb n="14"/> الإمكان إمكانا صرفا بحاله. </p>
<p n="14">
<lb n="15"/>وإذا حدث لها نسبة فقد حدث أمر، ولا بد من أن يحدث لذاته وفى ذاته.
<lb n="16"/> فانها إن كانت خارجة عن ذاته كان الكلام ثابتا، ولم تكن هى النسبة المطلوبة؛ فإنا نطلب
<lb n="17"/>
<pb n="378" edRef="#source_3"/>النسبة الموافقة لوجود كل ما هو خارج عن ذاته بعد ما لم يكن أجمع، كأنها
<lb n="18"/> جملة واحدة وفى حال ما لم يوجد شىء؛ و إلا فقد أخرج من الجملة شىء ونظر فى حال
<lb n="19"/> ما بعده. فإن كان مبدأ النسبة مباينا له، فليست هى النسبة المطلوبة؛ فإذن الحادث الأول
<pb n="304"/>
<lb n="1"/> يكون على هذا القول فى ذاته؛ لكنه محال فكيف يمكن أن يحدث فى ذاته شىء،
<lb n="2"/> وعمن يحدث، وقد بان أن واجب الوجود بذاته واحد؟ </p>
<p n="15">
<lb n="3"/>فيرى أن ذلك غير الحادث منه فيكون ليست النسبة المطلوبة؛ لأنا نطلب
<lb n="4"/> النسبة الموجبة لخروج الممكن الأول إلى الفعل، أهى عن واجب وجود آخر؟ وقد قيل إن
<lb n="5"/> واجب الوجود واحد. وعلى أنه إن كان عن آخر، فهو العلة الأولى والكلام فيه ثابت. ثم
<lb n="6"/> كيف يجوز أن يتميز فى العدم وقت ترك ووقت شروع؟ وبماذا يخالف الوقت الوقت؟ </p>
<p n="16">
<lb n="7"/>وأيضا، إذ بان أن الحادث لا يحدث الا لحدوث حال فى المبدأ؛ فلا
<lb n="8"/> يخلو إما أن يكون حدوث ما يحدث عن الأول بالطبع، أو بعرض فيه عن غير الإرادة،
<lb n="9"/> أو بالإرادة؛ إذ ليس بقسرى ولا اتفاقى. فإن كان بالطبع، فقد تغير الطبع، أو كان
<lb n="10"/> بالعرض فقد تغير العرض. </p>
<p n="17">
<lb n="11"/>وإن كان بالإرادة، فلنترك أنها حدثت فيه أو مباينة له، بل نقول: إما أن
<lb n="12"/> يكون المراد نفس الإيجاد، أو غرضا، ومنفعة بعده. فإن كان المراد نفس الإيجاد لذاته،
<lb n="13"/> فلم لم يوجد قبل؟ أتراه استصلحه الآن؟ أو حدث وقته؟ أو قدر عليه الآن؟ ولا معنى
<lb n="14"/>
<pb n="379" edRef="#source_3"/>فيما يقوله القائل: إن هذا السؤال باطل؛ لأن السؤال فى كل وقت عائد، بل هذا
<lb n="15"/> سؤال حق لأنه فى كل وقت عائد ولازم. </p>
<p n="18">
<lb n="16"/>وإن كان لغرض ومنفعة، فمعلوم أن الذى هو للشىء بحيث كونه ولا
<lb n="17"/> كونه بمنزلة فليس لغرض، والذى هو للشىء بحيث كونه منه أولى فهو نافع؛ والحق الأول
<lb n="18"/> كامل الذات لا ينتفع بشىء.
<pb n="305"/>
</p>
<p n="19">
<lb n="1"/>وأيضا فإن الأول بماذا سبق أفعاله الحادثة؟ أبذاته؟ أم بالزمان؟ فإن
<lb n="2"/> كان بذاته فقط مثل الواحد للاثنين ــ وإن كانا معا ــ وحركة المتحرك ــ بأن يتحرك
<lb n="3"/> بحركة ما يتحرك عنه وإن كانا معا ــ فيجب أن يكونا كلاهما محدثين: الأول القديم،
<lb n="4"/> والأفعال الكائنة عنه. </p>
<p n="20">
<lb n="5"/>وإن كان قد سبق لا بذاته فقط، بل بذاته والزمان بأن كان وحده ولا عالم
<lb n="6"/> ولا حركة ــ ولا شك أن لفظة «كان» تدل على أمر مضى وليس الآن، وخصوصا ويعقبه
<lb n="7"/> قولك «ثم» ــ فقد كان كون مضى قبل أن خلق الخلق، وذلك الكون هو متناه، فقد كان إذن
<lb n="8"/> زمان قبل الحركة والزمان، لأن الماضى إما بذاته وهو الزمان، وإما بالزمان، وهو الحركة
<lb n="9"/> وما فيها وما معها؛ فقد بان لك هذا. </p>
<p n="21">
<lb n="10"/>فإن لم يسبق بأمر هو ماض للوقت الأول من حدوث الخلق، فهو حادث مع
<lb n="11"/> حدوثه. وكيف لا يكون سبق على أوضاعهم بأمر ما للوقت الأول من الخلقة، وقد كان
<lb n="12"/> ولا خلق، وكان وخلق؟ وليس «كان ولا خلق» ثابتا عند كونه «كان وخلق» ولا «كونه
<lb n="13"/> قبل الخلق» ثابت «مع كونه مع الخلق» وليس «كان ولا خلق» نفس وجوده وحده. فإن
<lb n="14"/> ذاته حاصلة بعد الخلق. ولا «كان ولا خلق» هو وجوده مع عدم الخلق بلا شىء ثالث.
<lb n="15"/> فإن وجود ذاته حاصل بعد الخلق، وعدم الخلق موصوف بأنه قد كان وليس الآن.
<pb n="380" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="22">
<lb n="16"/>وتحت قولنا: «كان» معنى معقول دون معقول الأمرين؛ لأنك إذا قلت:
<lb n="17"/> «وجود ذات وعدم ذات» لم يكن مفهوما منه السبق، بل قد يصح أن يفهم معه التأخر؛
<lb n="18"/> فإنه لو عدمت الأشياء صح وجوده وعدم الأشياء، ولم يصح أن يقال لذلك «كان»؛
<pb n="306"/>
<lb n="1"/> بل إنما يفهم السبق بشرط ثالث. فوجود الذات شىء، وعدم الذات شىء، ومفهوم
<lb n="2"/> كان شىء موجود غير المعنيين. وقد وضع هذا المعنى للخالق ممتدا لا عن بداية،
<lb n="3"/> وجوّز فيه أن يخلق قبل أى خلق توهم فيه خلقا. فإذا كان هكذا، كانت هذه القبيلة
<lb n="4"/> مقدرة مكمّمة، وهذا هو الذى نسميه الزمان، إذ تقديره ليس تقدير ذى وضع ولا ثبات،
<lb n="5"/> بل على سبيل التجدد. </p>
<p n="23">
<lb n="6"/>ثم إن شئت فتأمل أقاويلنا الطبيعية؛ إذ بينا أن ما يدل عليه معنى «كان
<lb n="7"/> ويكون» عارض لهيئة غير قارة. والهيئة غير القارة هى الحركة. فإذا تحققت علمت أن الأول
<lb n="8"/> إنما سبق الخلق عندهم ليس سبقا مطلقا، بل سبقا بزمان معه حركة وأجسام أو جسم. </p>
<p n="24">
<lb n="9"/>وهؤلاء المعطلة الذين عطلوا الله عن جوده لا يخلو: إما أن يسلموا أن الله
<lb n="10"/> كان قدرا قبل أن يخلق الخلق، أن يخلق جسما ذا حركات بقدر أوقات وأزمنة تنتهى إلى
<lb n="11"/> وقت خلق العالم، أو يبقى مع خلق العالم ويكون له إلى وقت خلق العالم أوقات وأزمنة
<lb n="12"/> محدودة، أو لم يكن للخالق أن يبتديء الخلق إلا حين ابتدأ. وهذا القسم الثانى يوجب انتقال
<lb n="13"/> الخالق من العجز إلى القدرة، أو انتقال المخلوقات من الامتناع إلى الإمكان بلا علة.
<pb n="381" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="25">
<lb n="14"/>والقسم الأول يقسم عليهم قسمين، فيقال: لا يخلو إما أن يكون كان يمكن أن
<lb n="15"/> يخلق الخالق جسما غير ذلك الجسم إنما ينتهى إلى خلق العالم بمدة وحركات أكثر، أولا
<lb n="16"/> يمكن. ومحال أن لا يمكن، لما بيناه. فإن أمكن فإما أن يمكن خلقه مع خلق ذلك الجسم
<lb n="17"/> الأول الذى ذكرنا قبل هذا الجسم، أو إنما يمكن قبله. فإن أمكن معه، فهو محال؛ لأنه لا
<lb n="18"/> يمكن أن يكون ابتداء خلقين متساويى الحركة فى السرعة و البطء، ويقع بحيث ينتهيان إلى
<pb n="307"/>
<lb n="1"/> خلق العالم، ومدة أحدهما أطول من الآخر. وإن لم يمكن معه، بل كان إمكانه مباينا له،
<lb n="2"/> متقدما عليه، أو متأخرا عنه، يقدر فى حال العدم إمكان خلق شيْ ولا إمكانه، وذلك
<lb n="3"/> فى حال دون حال، وقع ذلك متقدما و متأخرا، ثم ذلك إلى غير نهاية. </p>
<p n="26">
<lb n="4"/>فقد، وضح صدق ما قدمناه من وجود حركة لا بدء لها فى الزمان، وإنما
<lb n="5"/> البدء لها من جهة الخالق، وإنها هى الحركات السماوية. فيجب أن يعلم أن العلة القريبة
<lb n="6"/> للحركة الأولى نفس لا عقل، وأن السماء حيوان مطيع لله تبارك وتعالى. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="7"/> [الفصل الثاني]
<lb n="8"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="9"/> فى أن المحرك القريب للسماويات لا طبيعة ولا عقل، بل نفس، والمبدأ الأبعد عقل </head>
<p n="1">
<lb n="10"/>فنقول: إنا قد بينا فى الطبيعيات أن الحركة لا تكون طبيعية للجسم على
<lb n="11"/> الإطلاق؛ والجسم على حالته الطبيعية إذا كان كل حركة بالطبع مفارقة بالطبع لحالة،
<lb n="12"/> والحالة التى تفارق
<pb n="382" edRef="#source_3"/> بالطبع هى حالة غير طبيعية لا محالة، فظاهر أن كل حركة
<lb n="13"/> تصدر عن طبع فمن حالة غير طبيعية. ولو كان شىء من الحركات مقتضى طبيعة الشىء لما
<lb n="14"/> كان شىء من نسب الحركات باطل الذات مع بقاء الطبيعة. بل الحركة إنما تقتضيها الطبيعة
<lb n="15"/> لوجود حال غير طبيعية: إما فى الكيف، كما إذا سخن الماء بالقسر، وإما بالكم كما
<lb n="16"/> يذبل البدن الصحيح ذبولا مرضيا، وإما فى المكان، كما إذا نقلت المدرة إلى حيز الهواء.
<lb n="17"/> وكذلك إذا كانت الحركة قد تكون فى مقولة أخرى. والعلة فى تجدد حركة بعد حركة
<lb n="18"/> تجدد الحال الغير الطبيعية، وتقدير البعد عن الغاية.
<pb n="308"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>فإذا كان الأمر على هذه الصفة، لم تكن حركة مستديرة عن طبيعة؛ وإلا
<lb n="2"/> كانت عن حالة غير طبيعية إلى حالة طبيعية، وإذا وصلت إليها سكنت. ولم يجز أن
<lb n="3"/> يكون فيها بعينها قصد إلى تلك الحالة الغير الطبيعية، لأن الطبيعة ليست تفعل باختيار،
<lb n="4"/> بل على سبيل التسخير، وسبيل ما يلزمها بالذات. فإن كانت الطبيعة تحرك على سبيل
<lb n="5"/> الاستدارة فهى تحرك لا محالة: إما من أين غير طبيعى، أو وضع غير طبيعى، هربا طبيعيا
<lb n="6"/> عنه؛ وكل هرب طبيعى عن شىء فمحال أن يكون هو بعينه قصدا طبيعيا إليه. والحركة
<lb n="7"/> المستديرة تفارق كل نقطة، وتتركها، وتقصد فى تركها تلك النقطة. وليست تهرب عن
<lb n="8"/> شىء إلا وتقصده. فليست إذن الحركة المستديرة طبيعية.
<pb n="383" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="9"/>إلا إنها قد تكون بالطبع، أى ليس وجودها فى جسمها مخالفا لمقتضى طبيعة
<lb n="10"/> أخرى لجسمها. فإن الشىء المحرك لها وإن لم يكن قوة طبيعية كان شيئا طبيعيا لذلك الجسم
<lb n="11"/> غير غريب عنه؛ فكأنه طبيعته. </p>
<p n="4">
<lb n="12"/>وأيضا فإن كل قوة فإنما تحرك متوسط الميل، والميل هو المعنى الذى يحس فى
<lb n="13"/> الجسم المتحرك؛ وإن سكن قسرا أحس ذلك الميل فيه يقاوم المسكن مع سكونه طلبا
<lb n="14"/> للحركة. فهو غير الحركة لا محالة، وغير القوة المحركة لأن القوة المحركة تكون موجودة عند
<lb n="15"/> إتمامها الحركة ولا يكون الميل موجودا. فهكذا أيضا الحركة الأولى؛ فإن محركها لا يزال
<lb n="16"/> يحدث فى جسمها ميلا بعد ميل. وذلك الميل لا يمتنع أن يسمى طبيعة، لأنه ليس بنفس،
<lb n="17"/> ولا من خارج، ولا له إرادة أو اختيار، ولا يمكنه أن لا يحرك، أو يحرك إلى غير جهة
<lb n="18"/> محدودة، ولا هو مع ذلك مضاد لمقتضى طبيعة ذلك الجسم الغريب. فإن سميت هذا
<lb n="19"/> المعنى طبيعة كان لك أن تقول: إن الفلك يتحرك بالطبيعة، إلا أن طبيعته فيض عن نفس
<lb n="20"/> يتجدد بحسب تصور النفس. فقد بان أن الفلك ليس مبدأ حركة طبيعية، وكان قد بان
<lb n="21"/> أنه ليس قسرا، فهى عن إرادة لا محالة.
<pb n="309"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>ونقول: إنه لا يجوز أن يكون مبدأ حركته القريب قوة عقلية صرفة لا يتغير ولا
<lb n="2"/> يتخيل الجزئيات البتة. وكأنا قد أشرنا إلى جمل مما تعين فى معرفة هذا المعنى فى الفصول
<lb n="3"/> المتقدمة، وأوضحنا أن الحركة معنى متجدد النسب، وكل شطر منه مخصص بنسب
<lb n="4"/> فإنه لا ثبات له، ولا يجوز أن يكون عن معنى ثابت البتة وحده؛ فإن كان عن معنى ثابت
<lb n="5"/> فيجب أن يلحقه
<pb n="384" edRef="#source_3"/> ضرب من تبدل الأحوال. أما إن كانت الحركة عن طبيعة فيجب
<lb n="6"/> أن تكون كل حركة تتجدد فيه فلتجدد قرب وبعد من انهاية المطلوبة، وكل حركة تعدم
<lb n="7"/>منه فلعدم قرب وبعد من النهاية. ولو لا ذلك التجدد لم يكن تجدد حركة. فإن الثابت من
<lb n="8"/> جهة ما هو ثابت لا يكون عنه إلا ثابت. وأما إن كانت عن إرادة فيجب أن تكون عن
<lb n="9"/> إرادة متجددة جزئية. فإن الإرادة الكلية نسبتها إلى كل شطر من الحركة نسبة واحدة؛ فلا
<lb n="10"/> يجب أن تتعين منها هذه الحركة دون هذه. فإنها إن كانت لذاتها علة لهذه الحركة، لم يجز
<lb n="11"/> أن تبطل هذه الحركة، وإن كانت علة لهذه الحركة بسبب حركة قبلها أو بعدها معدومة،
<lb n="12"/> كان المعدوم موجبا لموجود، والمعدوم لا يكون موجبا لموجود، وإن كان قد تكون الأعدام
<lb n="13"/> علة للأعدام. وأما أن يوجب المعدوم شيئا فهذا لا يمكن. وإن كانت علة لأمور تجدد،
<lb n="14"/> فالسؤال فى تجددها ثابت. فان كان تجددا طبيعيا لزم المحال الذى قدمناه، وإن كان إراديا
<lb n="15"/> يتبدل بحسب تصورات متجددة فهو يثبت الذى نريده. </p>
<p n="6">
<lb n="16"/>فقد بان أن الإرادة العقلية الواحدة لا توجب البتة حركة، ولكن قد يمكن أن
<lb n="17"/> يتوهم أن ذلك لإرادة عقلية منتقلة؛ فإنه قد يمكن أن ينتقل العقل من معقول إلى معقول
<pb n="310"/>
<lb n="1"/> آخر، إذا لم يكن عقلا من كل جهة بالفعل، ويمكن أن يعقل الجزئى تحت النوع منتشرًا
<lb n="2"/> مخصوصا بعوارض، عقلا بنوع كلى على ما أشرنا إليه. فيجب إذن أن يتوهم وجود
<lb n="3"/> عقل يعقل الحركة الكلية ويريدها، ثم يعقل انتقاله من حد إلى حد، ويأخذ تلك الحركات
<lb n="4"/> وحدودها بنوع معقول على ما أوضحناه، وعلى ما من شأننا أن نبرهن عليه
<pb n="385" edRef="#source_3"/>
<lb n="5"/> من أن حركة من كذا إلى كذا فهو من كذا إلى كذا، فتعين مبدأ ما كليا إلى طرف آخر
<lb n="6"/> كلى بمقدار ما موهوم كلى، وكذلك حتى تفنى الدائرة. فلا يبعد أن يتوهم أن تجدد الحركة
<lb n="7"/> يتبع تجدد هذا المعقول. </p>
<p n="7">
<lb n="8"/>فنقول: ولا على هذا السبيل يمكن أن يتم أمر الحركة المستديرة؛ فإن هذا التأثير
<lb n="9"/> على هذا الوجه يكون صادرا عن الإرادة الكلية، وإن كانت على سبيل تجدد وانتقال.
<lb n="10"/> والإرادة الكلية كيف كانت فإنما هى بالقياس إلى طبيعة مشترك فيها، وإن كانت إرادة
<lb n="11"/> لحركة تتبعها إرادة لحركة. وأما هذه الحركة التى من ههنا بعينه إلى هناك بعينه فليست
<lb n="12"/> أولى بأن تصدر عن تلك الإرادة من هذه الحركة التى من هناك إلى حد ثالث. فنسبة
<lb n="13"/> جميع أجزاء الحركة المتساوية فى الجزئية إلى واحد واحد من تلك الإرادات الجزئية العقلية
<lb n="14"/> المنتقلة واحدة، وليس جزء من ذلك أولى بأن ينسب إلى واحد من تلك التصورات من أن
<lb n="15"/> لا ينسب. فنسبته إلى مبدئه ولا نسبته واحدة؛ فإنه بعد عن مبدئه بإمكان ولم يتميز، ولم
<lb n="16"/> يترجح وجوده عن لا وجوده. وكل ما لم يجب عن علته فإنه لا يكون، كما قد علمت. </p>
<p n="8">
<lb n="17"/>وكيف يصح أن يقال: إن الحركة من «ا» إلى «ب» لزمت عن إرادة عقلية،
<lb n="18"/> والحركة من «ب» إلى «ج» من إرادة أخرى عقلية، دون أن يلزم عن كل واحدة من تلك
<lb n="19"/> الإرادات غير ما لزم من الأخرى، ويكون بالعكس؟ فإن «ا» و «ب» و «ج» متشابهة
<pb n="311"/>
<lb n="1"/> بالنوع، وليس شىء من الإرادات الكلية بحيث يعين «ا» دون
<pb n="386" edRef="#source_3"/> «ب» و «ب»
<lb n="2"/> دون «ج.» وليس «الألف» أولى بأن يتعين من «الباء» و«الجيم» عن تلك الإرادة ما
<lb n="3"/> كانت عقلية، ولا «الباء» من «الجيم» إلا أن تصير نفسانية جزئية. وإذا لم تتعين تلك
<lb n="4"/> الحدود فى العقل بل كانت حدودا كلية فقط، لم يمكن أن توجد الحركة من «أ» إلى «ب»
<lb n="5"/> أولى من التى من «ب» إلى «ج» ولا «الألف» أولى بأن يتعين من «ب» و«ج» عن تلك
<lb n="6"/> الإرادة ما كانت عقلية، ولا «الباء» من «الجيم». </p>
<p n="9">
<lb n="7"/>ثم كيف يمكن أن نفرض فيها إرادة وتصورا، ثم إرادة وتصورا يختلفان فى أمر
<lb n="8"/> متفق، ولا استناد فيه إلى مخصص شخص يقاس به؟ ومع هذا كله فإن العقل لا يمكنه
<lb n="9"/> أن يفرض هذا الانتقال إلا مشاركا للتخيل والحس. ولا يمكننا إذا رجعنا إلى العقل الصريح
<lb n="10"/> أن نعقل جملة الحركة وأجزاء الانتقال العقلى فيما نعقله دائرة معا. فإذن على الأحوال كلها
<lb n="11"/> لا غنى عن قوة نفسانية تكون هى المبدأ القريب للحركة، وإن كنا لا نمنع أن يكون هناك
<lb n="12"/> أيضا قوة عقلية تنتقل هذا الانتقال العقلى بعد استناده إلى شبه تخيل. وأما القوة العقلية
<lb n="13"/> مجردة عن جميع أصناف التغير فتكون حاضرة المعقول دائما، إن كان معقوله كليا عن
<lb n="14"/> كلى، أو كليا عن جزئى، على ما أوضحناه. </p>
<p n="10">
<lb n="15"/>فإذا كان الأمر على هذا، فالفلك يتحرك بالنفس، والنفس مبدأ حركته
<lb n="16"/> القريبة. وتلك النفس متجددة التصور والإرادة، وهى متوهمة، أى لها إدراك للمتغيرات
<lb n="17"/> كالجزئيات وإرادة لأمور جزئية بأعينها؛ وهى كمال جسم الفلك وصورته. ولو كانت لا
<lb n="18"/> هكذا، بل قائمة بنفسها من كل وجه، لكانت عقلا محضا لا يتغير ولا ينتقل ولا يخالطه
<lb n="19"/>
<pb n="387" edRef="#source_3"/>ما بالقوة. والمحرك القريب للفلك، وإن لم يكن عقلا، فيجب أن يكون قبله عقل،
<pb n="312"/>
<lb n="1"/> هو السبب المتقدم لحركة الفلك. فقد علمت أن هذه الحركة محتاجة إلى قوة غير متناهية،
<lb n="2"/> مجردة عن المادة لا تتحرك بالذات ولا بالعرض. </p>
<p n="11">
<lb n="3"/>وأما النفس المحركة فإنها ــ كما تبين لك ــ جسمانية مستحيلة ومتغيرة
<lb n="4"/> وليست مجردة عن المادة، بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس الحيوانية التى لنا إلينا، إلا
<lb n="5"/> أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا بالمادة. وبالجملة تكون أوهامها أو ما يشبه الأوهام
<lb n="6"/> صادقة وتخيلاتها أو ما يشبه التخيلات حقيقة، كالعقل العملى فينا. وبالجملة إدراكاتها
<lb n="7"/> بالجسم ولكن المحرك الأول لها قوة غير مادية أصلا بوجه من الوجوه. وإذ ليس يجوز أن
<lb n="8"/> يتحرك بوجه من الوجه فى أن يحرك، وإلا لاستحالت ولكانت مادية ــ كما قد تبين
<lb n="9"/> هذا ــ فيجب أن يحرك كما يحرك محرك بتوسط المحرك الآخر، وذلك الآخر محاول
<lb n="10"/> للحركة مريد لها متغير بسببها. وهذا هو النحو الذى يحرك عليه محرك المحرك. </p>
<p n="12">
<lb n="11"/>والذى يحرك المحرك من غير أن يتغير بقصد واشتياق فهو الغاية، والغرض
<lb n="12"/> الذى إليه ينحو المحرك، وهو المعشوق. والمعشوق بما هو معشوق هو الخير عند العاشق؛
<lb n="13"/> بل نقول: إن كل متحرك حركة غير قسرية فهى هى إلى أمر ما، ولتشوق أمر ما، حتى
<lb n="14"/> الطبيعة أيضا؛ فإن شوق الطبيعة أمر طبيعى، وهو الكمال الذاتى للجسم، إما فى
<lb n="15"/> صورته، وإما فى أينه ووضعه؛ وشوق الإرادة أمر إرادى، إما إرادة لمطلوب حسى
<lb n="16"/> كاللذة، أو وهمى خيالى كالغلبة، أو ظنى وهو الخير المظنون. فطالب اللذة هو الشهوة،
<lb n="17"/> وطالب الغلبة
<pb n="388" edRef="#source_3"/> هو الغضب، وطالب الخير المظنون هو الظن، وطالب الخير
<lb n="18"/> الحقيقى المحض هو العقل. ويسمى هذا الطلب اختيارا. والشهوة والغضب غير ملائم
<lb n="19"/> لجوهر الجسم الذى لا يتغير ولا ينفعل؛ فإنه لا يستحيل إلى حال غير ملائمة، فيرجع إلى
<pb n="313"/>
<lb n="1"/> حال ملائمة، فيلتذ أو ينتقم من مخيل له فيغضب. وعلى أن كل حركة إلى لذيذ أو غلبة
<lb n="2"/> فهى متناهية. وأيضا فإن أكثر المظنون لا يبقى مظنونا سرمديا. </p>
<p n="13">
<lb n="3"/>فوجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا وإرادة لخير حقيقى، فلا يخلو ذلك
<lb n="4"/> الخير: إما أن يكون مما ينال بالحركة فيتوصل إليه، أو يكون خيرا ليس جوهره مما ينال بوجه،
<lb n="5"/> بل هو مباين؛ ولا يجوز أن يكون ذلك الخير من كمالات الجوهر المتحرك فينال بالحركة، وإلا
<lb n="6"/> لانقطعت الحركة، ولا يجوز أن يكون يتحرك ليفعل فعلا يكتسب بذلك الفعل كمالا، كما من
<lb n="7"/> شأننا أن نجود لنمدح، ونحسن الأفعال ليحدث لنا ملكة فاضلة، أو نصير خيرين. وذلك أن
<lb n="8"/> المفعول يكتسب لإكماله من فاعله، ومحال أن يعود فيكمل جوهر فاعله. فإن كمال المعلول
<lb n="9"/> أخس من كمال العلة الفاعلة، والأخس لا يكسب الأشرف والأكمل كمالا؛ بل عسى
<lb n="10"/> أن يهىء الأخس للافضل آلته ومادته حتى يوجد هو فى بعض الأشياء عن سبب آخر. </p>
<p n="14">
<lb n="11"/>وأما نحن فإن المدح الذى نطلبه ونرغب فيه هو كمال غير حقيقى بل مظنون.
<lb n="12"/> والملكة الفاضلة التى نحصلها بالفعل ليس سببها الفعل، بل الفعل يمنع ضدها و يهيء لها.
<lb n="13"/> وتحدث هذه الملكة من الجوهر المكمل لأنفس الناس ــ وهو العقل الفعال ــ أو جوهر آخر
<lb n="14"/>
<pb n="389" edRef="#source_3"/>يشبهه. وعلى هذا فإن الحرارة المعتدلة سبب لوجود القوى النفسانية، ولكن
<lb n="15"/> على أنها مهيئة للمادة لا موجدة، وكلامنا فى الموجد. ثم بالجملة إذا كان الفعل مهيئا
<lb n="16"/>ليوجد كمالا انتهت الحركة عند حصوله. </p>
<p n="15">
<lb n="17"/>فبقى أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته ليس من شأنه أن ينال.
<lb n="18"/> وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار الإمكان؛ والتشبه به هو تعقل ذاته
<pb n="314"/>
<lb n="1"/> فى كمالها، فيصير مثله، فى أن يحصل له الكمال الممكن له فى ذاته كما حصل لمعشوقه.
<lb n="2"/> فيوجب البقاء الأبدى على أكمل ما يكون لجوهر الشىء فى أحواله ولوازمه كمالا لذلك.
<lb n="3"/> فما كان يمكن أن يحصل كماله الأقصى له فى أول الأمر تم تشبهه به بالثبات، وما كان لا
<lb n="4"/> يمكن أن يحصل كماله الأقصى له فى أول الأمر تم تشبهه به بالحركة. </p>
<p n="16">
<lb n="5"/>وتحقيق هذا هو أن الجوهر السماوى قد بان أن محركه يحرك عن قوة غير
<lb n="6"/> متناهية. والقوة التى لنفسه الجسمانية متناهية، لكنهما ــ بما يعقل الأول فيسنح عليها من
<lb n="7"/> نوره وقوته دائما ــ تصير كأن له قوة غير متناهية. فلا يكون له قوة غير متناهية، بل
<lb n="8"/> للمعقول الذى يسنح عليه من نوره وقوته. وهو ــ أعنى الجرم السماوى ــ فى جوهره
<lb n="9"/> على كماله الأقصى إذ لم يبق له فى جوهره أمر بالقوة، وكذلك فى كمه وكيفه، إلا فى
<lb n="10"/> وضعه أو أينه أولا، وفيما يتبع وجودهما من الأمور ثانيًا. وإنه ليس أن يكون على وضع
<lb n="11"/> أو أين أولى بجوهره من أن يكون على وضع أو أين آخر له فى حيزه؛ فانه ليس شىء
<lb n="12"/> من أجزاء مدار فلك أو كوكب أولى بأن يكون ملاقيا له لجزئه من جزء آخر. فمتى
<lb n="13"/> كان فى جزء بالفعل
<pb n="390" edRef="#source_3"/> فهو فى جزء آخر بالقوة، فقد عرض لجوهر الفلك ما بالقوة
<lb n="14"/> من جهة وضعه أو أينه. </p>
<p n="17">
<lb n="15"/>والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال يكون للشىء دائمًا.
<lb n="16"/> ولم يكن هذا ممكنا للجوهر السماوى بالعدد؛ فحفظ بالنوع والتعاقب. فصارت الحركة
<lb n="17"/> حافظة لما يمكن من هذا الكمال؛ ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى فى البقاء
<lb n="18"/> على الكمال الأكمل بحسب الممكن، ومبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه.
<pb n="315"/>
</p>
<p n="18">
<lb n="1"/>وأنت إذا تأملت حال الأجسام الطبيعية فى شوقها الطبيعى إلى أن يكون
<lb n="2"/> بالفعل أينًا، لم تتعجب أن يكون جسم يشتاق شوقا إلى أن يكون على وضع من أوضاعه
<lb n="3"/> التى يمكن أن تكون له، أو إلى أن يكون على أكمل ما يكون له من كونه متحركا،
<lb n="4"/> وخصوصا ويتبع ذلك من الأحوال والمقادير الفائضة ما يتشبه فيه بالأول تعالى من حيث
<lb n="5"/> هو مفيد للخيرات، لا أن يكون المقصود تلك الأشياء فتكون الحركة لأجل تلك الأشياء؛
<lb n="6"/> بل أن يكون المقصود هو التشبه بالأول تعالى ــ بقدر الإمكان ــ فى أن يكون على أكمل
<lb n="7"/> ما يكون فى نفسه، وفيما يتبعه من حيث هو تشبه بالأول، لا من حيث هو يصدر عنه
<lb n="8"/> أمور بعده حتى تكون الحركة لأجل ذلك بالمقصود الأول، كلا. </p>
<p n="19">
<lb n="9"/>وأقول: إن نفس الشوق إلى التشبه بالأول من حيث هو بالفعل تصدر عنه
<lb n="10"/> الحركة الفلكية صدور الشىء عن التصور الموجب له، وإن كان غير مقصود فى ذاته
<lb n="11"/> بالقصد الأول؛ لأن ذلك تصور لما بالفعل فيحدث عنه طلب لما بالفعل الأكمل. ولا يمكن
<lb n="12"/> بالشخص فيكون بالتعاقب وهو الحركة؛ لأن الشخص الواحد إذا دام لم يحصل لأمثاله
<lb n="13"/> وجود، وبقيت دائما بالقوة.
<pb n="391" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="20">
<lb n="14"/>والحركة تتبع أيضا ذلك التصور المقصود على هذا النحو، لا على أن
<lb n="15"/> تكون مقصودة أولية وإن كان ذلك التصور الواحد يتبعه تصورات جزئية ــ ذكرناها
<lb n="16"/> وفصلناها ــ على سبيل الانبعاث، لا على سبيل المقصود الأول. وتتبع تلك التصورات
<lb n="17"/> الجزئية الحركات المنتقل بها فى الأوضاع. والجزء الواحد بكماله لا يمكن فى هذا الباب؛
<lb n="18"/> فيكون الشوق الأول على ما ذكرنا، ويكون سائر ما يتلوه انبعاثات. وهذه الأشياء قد
<lb n="19"/> يوجد لها نظائر بعيدة فى أبداننا ليست تناسبها، وإن كانت قد تخيلها وتحكيها، مثل
<pb n="316"/>
<lb n="1"/> ان الشوق إذا اشتد إلى خليل، أو إلى شىء آخر، تبع ذلك فينا تخيلات على سبيل
<lb n="2"/> الانبعاث، يتبعها حركات ليست الحركات التى نحو المشتاق نفسه، بل حركات نحو شىء
<lb n="3"/> فى طريقه وفى سبيله وأقرب ما يكون منه. </p>
<p n="21">
<lb n="4"/>فالحركة الفلكية كائنة بالإرادة والشوق على هذا النحو. وهذه الحركة مبدؤها
<lb n="5"/> شوق واختيار ولكن على النحو الذى ذكرناه، ليس أن تكون الحركة مقصودة بالقصد
<lb n="6"/> الأول. وهذه الحركة كأنها عبادة ما ملكية أو فلكية. وليس من شرط الحركة الإرادية أن
<lb n="7"/> تكون مقصودة فى نفسها، بل إذا كانت القوة الشوقية تشتاق نحو أمر، يسنح منها تأثير
<lb n="8"/> يحرك الأعضاء؛ فتارة يتحرك على النحو الذى يوصل به إلى الغرض، وتارة على نحو
<lb n="9"/> آخر مشابه أو مقارب له إذا كان عن تخيل، سواء كان الغرض أمرا ينال، أو أمرا يقتدى
<lb n="10"/> به ويحتذى حذوه ويتشبه بوجوده. </p>
<p n="22">
<lb n="11"/>فإذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدأ الأول، وبما يعقل منه أو يدرك منه على
<lb n="12"/> نحو عقلى أو نفسانى، شغل ذلك عن كل شىء وكل جهة، لكنه ينبعث عن ذلك ما
<lb n="13"/> هو أدون مرتبة منه،
<pb n="392" edRef="#source_3"/>وهو الشوق إلى التشبه به بمقدار الإمكان. فيلزم طلب
<lb n="14"/> الحركة لا من حيث هى حركة، ولكن من حيث قلنا. ويكون هذا الشوق يتبع ذلك
<lb n="15"/> العشق والالتذاذ منبعثا عنه، وهذا الاستكمال منبعثا عن الشوق. فعلى هذا النحو
<lb n="16"/> يحرك المبدأ الأول جرم السماء. </p>
<p n="23">
<lb n="17"/>وقد اتضح لك من هذه الجملة أيضا، أن المعلم الأول إذا قال: إن الفلك متحرك
<lb n="18"/> بطبعه فماذا يعنى؛ أو قال: إنه متحرك بالنفس فماذا يعنى؛ أو قال: متحرك بقوة غير
<lb n="19"/> متناهية تحرك كما يحرك المعشوق، فماذا يعنى، وأنه ليس فى أقواله تناقص ولا اختلاف.
<pb n="317"/>
</p>
<p n="24">
<lb n="1"/>ثم أنت تعلم أن جوهر هذا الخير المعشوق الأول واحد. ولا يمكن أن يكون
<lb n="2"/> هذا المحرك الأول الذى لجملة السماء فوق واحد، وإن كان لكل كرة من كرات السماء
<lb n="3"/> محرك قريب يخصها، ومتشوق ومعشوق يخصها على ما يراه المعلم الأول ومن بعده من
<lb n="4"/> محصل علماء المشائين. فإنهم إنما ينفون الكثرة عن محرك الكل، ويثبتون الكثرة للمحركات
<lb n="5"/> المفارقة وغير المفارقة التى يختص واحدا واحدا منها؛ فيجعلون أول المفارقات الخاصة
<lb n="6"/> محرك الكرة الأولى، وهى عند من تقدم بطليموس كرة الثوابت، وعند من تعلم العلوم التى
<lb n="7"/> ظهرت لبطليموس كرة خارجة عنها غير مكوكبة، وبعد ذلك محرك الكرة التى
<lb n="8"/> تلى الأولى بحسب اختلاف الرأيين، وكذلك هلم جرا. </p>
<p n="25">
<lb n="9"/>فهؤلاء يرون أن محرك الكل شىء واحد، ولكل كرة بعد ذلك محرك خاص.
<lb n="10"/> والمعلم الأول يضع عدد الكرات المتحركة على ما كان ظهر فى زمانه، ويتبع عددها عدد
<lb n="11"/> المباديء المفارقة. وبعض من هو أسد قولا من أصحابه يصرح ويقول ــ فى رسالته التى
<lb n="12"/> فى مبادئ
<pb n="393" edRef="#source_3"/> الكل ــ إن محرك جملة السماء واحد لا يجوز أن يكون عددا كثيرا،
<lb n="13"/> وإن كان لكل كرة محرك ومتشوق يخصانها. والذى يحسن عبارته عن كتب المعلم الأول
<lb n="14"/> على سبيل تلخيص، وإن لم يكن يغوص فى المعانى، يصرح ويقول ما هذا معناه: إن الأشبه
<lb n="15"/> والأحق وجود مبدأ حركة خاصة لكل فلك على أنه فيه، ووجود مبدأ حركة خاصة له
<lb n="16"/> على أنه معشوق مفارق. وهذان أقرب قدماء تلامذة المعلم الأول من سواء السبيل. </p>
<p n="26">
<lb n="17"/>ثم القياس يوجب هذا. فإنه قد صح لنا بصناعة المجسطى أن حركات
<lb n="18"/> وكرات سماوية كثيرة ومختلفة فى الجهة وفى السرعة والبطء، فيجب لكل حركة محرك
<lb n="19"/> غير الذى للآخر <choice>
<sic>ومشوق</sic>
<corr>ومتشوّق<note>according to Bertolacci 2006, 544</note></corr>
</choice> غير الذى للآخر؛ وإلا لما اختلفت الجهات، ولما اختلفت
<pb n="318"/>
<lb n="1"/> السرعة والبطء. وقد بينا أن هذه المتشوقات خيرات محضة مفارقة للمادة، وإن كانت
<lb n="2"/> الكرات والحركات كلها تشترك فى الشوق إلى المبدأ الأول، فتشترك لذلك فى دوام الحركة
<lb n="3"/> وإستدارتها ونحن نزيد هذا بيانا. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="4"/> [الفصل الثالث]
<lb n="5"/>
<num>ح</num> فصل
<lb n="6"/> فى كيفية صدور الأفعال من المبادئ العالية، ليعلم من ذلك
<lb n="7"/> ما يجب أن يعلم من المحركات المفارقة المعقولة بذاتها المعشوقة </head>
<p n="1">
<lb n="8"/>ولنحقق هذا البيان، ولنفتتح من مبدأ آخر فنقول: إن قومًا لما سمعوا ظاهر
<lb n="9"/> قول فاضل المتقدمين إذ يقول: إن الاختلاف فى هذه الحركات وجهاتها يشبه أن يكون
<lb n="10"/> للعناية
<pb n="394" edRef="#source_3"/> بالأمور الكائنة الفاسدة التى تحت كرة القمر، وكانوا سمعوا أيضا وعلموا
<lb n="11"/> بالقياس أن حركات السماويات لا يجوز أن تكون لأجل شىء غير ذواتها، ولا يجوز أن
<lb n="12"/> تكون لأجل معلولاتها، أرادوا أن يجمعوا بين هذين المذهبين. </p>
<p n="2">
<lb n="13"/>فقالوا: إن نفس الحركة ليست لأجل ما تحت كرة القمر ولكن للتشبه بالخير
<lb n="14"/> المحض والشوق إليه. وأما اختلاف الحركات، فلاختلاف ما يكون من كل واحد منها فى
<lb n="15"/> عالم الكون والفساد اختلافا ينتظم به بقاء الأنواع، كما أن رجلا خيّرًا لو أراد أن يمضى
<lb n="16"/> فى حاجته سمت موضع، واعترض إليه طريقان، أحدهما يختص بإيصاله إلى الموضع
<lb n="17"/> الذى فيه قضاء وطره، والآخر يضيف إلى ذلك إيصال نفع إلى مستحق، وجب فى حكم
<lb n="18"/> خيريته أن يقصد الطريق الثانى، وإن لم تكن حركته لأجل نفع غيره بل لأجل ذاته. قالوا:
<pb n="319"/>
<lb n="1"/> فكذلك حركة كل فلك، إنما هى ليبقى على كماله الأخير دايما، لكن الحركة إلى هذه الجهة
<lb n="2"/> وبهذه السرعة لينتفع غيره. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>فأول ما نقول لهؤلاء: إنه إن أمكن أن يحدث للأجرام السماوية فى حركاتها
<lb n="4"/> قصد ما لأجل شىء معلول، ويكون ذلك القصد فى اختيار الجهة، فيمكن أن يحدث
<lb n="5"/> ذلك ويعرض فى نفس الحركة حتى يقول قائل: </p>
<p n="4">
<lb n="6"/>إن السكون كان يتم لها به خيرية تخصها والحركة كانت لا تضرها فى الوجود
<lb n="7"/> وتنفع غيرها، ولم يكن أحدهما أسهل عليها من الأخر أو أعسر فاختارت الأنفع. فإن
<lb n="8"/> كانت العلة المانعة عن القول بأن مصير حركاتها لنفع الغير، استحالة قصدها فعلا لأجل
<lb n="9"/> الغير من المعلولات، فهذه العلة موجودة فى نفس
<pb n="395" edRef="#source_3"/> قصد اختيار الجهة. وإن لم يمنع
<lb n="10"/> هذه العلة قصد اختيار الجهة، لم يمنع قصد الحركة وكذلك الحال فى قصد السرعة والبطء
<lb n="11"/> هذه الحال. وليس ذلك على ترتيب القوة والضعف فى الأفلاك بسبب ترتيبها بعضها على
<lb n="12"/> بعض فى العلو والسفل حتى ينسب إليه، بل ذلك مختلف.</p>
<p n="5">
<lb n="13"/> ونقول بالجملة: لا يجوز أن يكون منها شىء لأجل الكائنات؛ لا قصد حركة،
<lb n="14"/> ولا قصد جهة من حركة، ولا تقدير سرعة وبطء، بل ولا قصد فعل البتة لأجلها. وذلك
<lb n="15"/> لأن كل قصد فيكون من أجل المقصود، فيكون أنقص وجودا من المقصود؛ لأن كل ما
<lb n="16"/> لأجله شىء آخر فهو أتم وجودا من الآخر من حيث هو والآخر على ما هما عليه، بل به
<lb n="17"/> يتم للآخر النحو من الوجود الداعى إلى القصد. ولا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من
<lb n="18"/> الشىء الأخس. فلا يكون البتة إلى معلول قصد صادق غير مظنون؛ وإلا كان القصد
<lb n="19"/> معطيا ومفيدا لوجود ما هو أكمل وجودا منه.
<pb n="320"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>وإنما يقصد بالواجب شىء يكون القصد مهيئا له ومفيد وجوده شىء آخر:
<lb n="2"/> مثل الطبيب للصحة. فالطبيب لا يعطى الصحة بل يهيء لها المادة والآلة؛ وإنما يفيد الصحة
<lb n="3"/> مبدأ أجل من الطبيب، وهو الذى يعطى المادة جميع صورها، وذاته أشرف من المادة.
<lb n="4"/> وربما كان القاصد مخطئا فى قصده إذا قصد ما ليس أشرف من القصد، فلا يكون القصد
<lb n="5"/> لأجله فى الطبع بل بالخطأ؛ ولأن هذا البيان يحتاج إلى تطويل وتحقيق، وفيه شكوك لا
<lb n="6"/> تحل إلا بالكلام المشبع، فلنعدل إلى الطريق الأوضح فنقول: </p>
<p n="7">
<lb n="7"/>إن كل قصد فله مقصود، والعقلى منه هو الذى يكون وجود المقصود عن
<lb n="8"/> القاصد أولى بالقاصد من لا وجوده عنه، وإلا فهو هدر. والشىء الذى هو أولى بالشىء
<lb n="9"/> فإنه يفيد كمالا ما،
<pb n="396" edRef="#source_3"/> إن كان بالحقيقة فحقيقيا، وإن كان بالظن فظنيًا، مثل
<lb n="10"/> استحقاق المدح وظهور القدرة وبقاء الذكر؛ فهذه وما أشبهها كمالات ظنية، أو الربح،
<lb n="11"/> أو السلامة، أو رضى الله تعالى وتقدس وحسن معاد الآخرة؛ وهذه وما أشبهها كمالات
<lb n="12"/> حقيقية لا تتم بالقاصد وحده. </p>
<p n="8">
<lb n="13"/>فإذن، كل قصد ليس عبثا"فإنه يفيد كمالا ما لقاصده، لو لم يقصده لم يكن
<lb n="14"/> ذلك الكمال؛ والعبث أيضا يشبه أن يكون كذلك. فإن فيه لذة أو راحة أو غير ذلك أو
<lb n="15"/> شيئا مما علمت [من] سائر ما تبين لك. </p>
<p n="9">
<lb n="16"/>ومحال أن يكون المعلول المستكمل وجوده بالعلة يفيد العلة كمالا لم يكن، فإن
<lb n="17"/> المواضع التى يظن فيها إن المعلول أفاد علته كمالا مواضع كاذبة أو محرفة، ومثلك ممن
<lb n="18"/> أحاط بما سلف له من الفنون لا يقصر عن تأملها وحلها.
<pb n="321"/>
</p>
<p n="10">
<lb n="1"/>فإن قال قائل: إن الخيرية توجب هذا، فإن الخير يفيد الخير، قيل إن الخير
<lb n="2"/> يفيد الخير ولكن لا على سبيل قصد وطلب ليكون ذلك؛ فإن هذا يوجب النقص. فإن
<lb n="3"/> كل طلب وقصد لشىء فهو طلب لمعدوم وجوده من الفاعل أولى من لا وجوده، وما
<lb n="4"/>دام معدومًا وغير مقصود لم يكن ما هو الأولى بالفاعل, وذلك نقص. فإن الخيرية لا
<lb n="5"/> تخلو: أما أن تكون صحيحة موجودة دون هذا القصد ولا مدخل لوجود هذا القصد
<lb n="6"/> فى وجودها، فيكون كون هذا القصد ولا كونه عن الخيرية واحدًا، فلا تكون الخيرية
<lb n="7"/> توجبه، ولا يكون حال سائر لوازم الخيرية التى تلزمها لذاتها لا عن قصد وهو قصد هذه
<lb n="8"/> الحال،
<pb n="397" edRef="#source_3"/>وأما أن يكون بهذا القصد تتم الخيرية وتقوم، فيكون هذا القصد علة
<lb n="9"/> لاستكمال الخيرية وقوامها لا معلولا لها. </p>
<p n="11">
<lb n="10"/>وإن قال قائل: إن ذلك للتشبه بالعلة الأولى فى أن خيرته متعدية، وحتى
<lb n="11"/> يكون بحيث يتبعها خير، فنقول: إن هذا فى ظاهر الأمر مقبول وفى الحقيقة مردود.
<lb n="12"/> فإن التشبه به فى إن لا يقصد شيئا بل بأن ينفرد بالذات، فإنه على هذه الصفة اتفاقا
<lb n="13"/> من جماعة من أهل العلم. وأما استفادة كمال بالقصد فمباين للتشبه به، اللهم إلا أن يقال
<lb n="14"/> إن المقصود الأول شىء، وهذا بالقصد الثانى وعلى جهة الاستتباع، فيجب فى اختيار
<lb n="15"/> الجهة أيضا أن يكون المقصود بالقصد الأول شيئا، وتكون المنفعة المذكورة مستتبعة لذلك
<lb n="16"/> المقصود، فتكون الجهة الخيرية غير مقصودة قصدا أوليا لنفس ما يتبع، بل يجب أن يكون
<lb n="17"/> هناك استكمال فى ذات الشىء مستتبع تلك المنفعة حتى يكون تشبها بالأول. </p>
<p n="12">
<lb n="18"/>ونحن لا نمنع أن تكون الحركة مقصودة بالقصد الأول على إنها تشبه بذات
<lb n="19"/> الأول من الجهة التى قلنا، وتشبه بالقصد الثانى بذات الأول من حيث يفيض عنه الوجود
<pb n="322"/>
<lb n="1"/> بعد أن يكون القصد الأول أمرا آخر ينظر به إلى فوق. وأما النظر إلى أسفل واعتباره،
<lb n="2"/> فلو جاز أن يقع بالقصد الأول إلى الجهة، حتى يكون تشبها بالأول فى الاستتباع، لجاز
<lb n="3"/> فى نفس اختيار الحركة. فكانت الحركة لأجل ما تحت، ويفيض عنها وجود ليس تشبهًا
<lb n="4"/> به من حيث هو كامل الوجود ومعشوقه؛ إنما ذلك لذاته من حيث ذاته؛ ولا مدخل
<lb n="5"/>البتة لوجود الأشياء عنه فى تشريف ذاته وتكميلها، بل المدخل إنه على كماله الأفضل،
<lb n="6"/> وبحيث ينبعث عنه وجود الكل لا طلبًا وقصدًا. فيجب أن يكون الشوق إليه من طريق
<lb n="7"/> التشبه على هذه الصورة، لا على ما يتعلق للأول به كمال.
<pb n="398" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="13">
<lb n="8"/>فإن قال قائل: إنه كما قد يجوز أن يستفيد الجرم السماوى بالحركة خيرًا
<lb n="9"/> وكمالا، والحركة فعل له مقصود، فكذلك لسائر أفاعيلها، فالجواب إن الحركة ليست
<lb n="10"/> تستفيد كمالا وخيرا، وإلا لانقطعت عنده، بل هى نفس الكمال الذى أشرنا إليه. وهى
<lb n="11"/> بالحقيقة استثبات نوع ما يمكن أن يكون للجرم السماوى بالفعل، إذ لا يمكن استثبات
<lb n="12"/> الشخص له. فهذه الحركة لا تشبه سائر الحركات التى تطلب كمالا خارجا عنها، بل يكمل
<lb n="13"/> لهذه الحركة نفس المتحرك عنها بذاتها؛ لأنها نفس استبقاء الأوضاع والأيون على التعاقب.
<lb n="14"/> وبالجملة يجب أن ترجع إلى ما فصلناه فيما سلف حين بينا إن هذه الحركة كيف تتبع تصور
<lb n="15"/> المتشوق، وهذه الحركة شبيهة بالثبات. </p>
<p n="14">
<lb n="16"/>فإن قال قائل: إن هذا القول يمنع وجود العناية بالكائنات والتدبير المحكم
<lb n="17"/> الذى فيها؛ فإنا سنذكر بعد ما نزيل هذا الإشكال، ونعرف إن عناية <choice>
<sic>البارى</sic>
<corr type="MAR">البارئ</corr>
</choice> بالكل على أى
<lb n="18"/> سبيل هى، وإن عناية كل علة بما بعدها على أى سبيل هى، وأن الكائنات التى عندنا
<lb n="19"/> كيف العناية بها من المبادئ الأولى ومن الأسباب التى وسطها.
<pb n="323"/>
</p>
<p n="15">
<lb n="1"/>وقد اتضح بما أوضحناه إنه لا يجوز أن يكون شىء من العلل يستكمل
<lb n="2"/> بالمعلول بالذات لا بالعرض، وإنها لا تقصد فعلا لأجل المعلول وإن كان ترضى به وتعلمه. بل
<lb n="3"/> كما إن الماء يبرد بذاته بالفعل ليحفظ نوعه لا ليبرد غيره، ولكن يلزمه أن يبرد غيره، والنار
<lb n="4"/> تسخن بذاتها بالفعل لتحفظ نوعها لا لتسخن غيرها، ولكن يلزمها أن تسخن غيرها،
<lb n="5"/> والقوة الشهوانية تشتهى لذة الجماع ليندفع الفضل ويتم لها اللذة، لا ليكون عنها ولد، ولكن
<lb n="6"/> يلزمها ولد؛ والصحة
<pb n="399" edRef="#source_3"/> هى صحة بجوهرها وذاتها، لا لأن تنفع المريض، لكن
<lb n="7"/> يلزمها نفع المريض، كذلك فى العلل المتقدمة، إلا إن هناك إحاطة بما يكون، وعلما بأن وجه
<lb n="8"/> النظام والخير فيها كيف يكون، وإنه على ما يكون وليس فى تلك. </p>
<p n="16">
<lb n="9"/>فإذا كان الأمر على هذا، فالأجسام السماوية إنما اشتركت فى الحركة
<lb n="10"/> المستديرة شوقا إلى معشوق مشترك. وإنما اختلفت، لأن مبادئها المعشوقة المتشوق إليها قد
<lb n="11"/> تختلف بعد ذلك الأول. وليس إذا أشكل علينا إنه كيف وجب عن كل تشوق حركة بهذه
<lb n="12"/> الحال، فيجب أن يؤثر ذلك فيما علمنا من إن الحركات مختلفة لاختلاف المتشوقات. </p>
<p n="17">
<lb n="13"/>ولكن بقى علينا شىء، وهو إنه يمكن أن تتوهم المتشوقات <choice><sic>المختلفه</sic><corr>المختلفة</corr></choice> أجساما
<lb n="14"/> لا عقولا مفارقة، حتى يكون مثل الجسم الذى هو أخس متشبها بالجسم الذى هو
<lb n="15"/> أقدم وأشرف، كما ظنه القوم من أحداث المتفلسفة الإسلامية فى تشويش الفلسفة إذ لم
<lb n="16"/> يفهم غرض الأقدمين. </p>
<p n="18">
<lb n="17"/>فنقول: إن هذا محال؛ وذلك لأن التشبه به يوجب مثل حركته وجهتها
<lb n="18"/> والغاية التى تؤمها. فإن أوجب القصور عن مرتبته شيئا فإنما يوجب الضعف فى الفعل،
<lb n="19"/> لا المخالفة فى الفعل مخالفة توجب أن يكون هذا إلى جهة وذاك إلى أخرى. ولا يمكن
<pb n="324"/>
<lb n="1"/> أن يقال: إن السبب فى هذه المخالفة طبيعة ذلك الجسم؛ كأن طبيعة ذلك الجسم تعاند أن
<lb n="2"/> يتحرك من «أ» إلى «ب» ولا تعاند أن يتحرك من «ب» إلى «أ». فإن هذا محال، لأن
<lb n="3"/> الجسم بما هو جسم لا يوجب هذا، والطبيعة بما هى طبيعة للجسم تطلب الأين الطبيعى
<lb n="4"/> من غير وضع مخصوص. ولو كانت تطلب وضعا مخصوصا لكان النقل عنه قسرا،
<lb n="5"/> فدخل فى حركة الفلك معنى قسرى.
<pb n="400" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="19">
<lb n="6"/>ثم وجود كل جزء من أجزاء الفلك على كل نسبة محتمل فى طبيعة الفلك.
<lb n="7"/> فليس يجب إذن أن يكون إذا أزيل جزء من جهة جاز، وإن أزيل من جهة لم يجز بحسب
<lb n="8"/> بساطته إلا أن يكون هناك طبيعة تقبل حركة إلى جهة فتجيب إلى تلك الجهة ولا تجيب إلى
<lb n="9"/> جهة أخرى إن كانت عيقت عن جهتها. وقد قلنا: إن مبدأ هذه الحركة ليست طبيعته،
<lb n="10"/> ولا أيضا هناك طبيعة توجب وضعا بعينه ولا جهات مختلفة. فليس إذن فى جوهر الفلك
<lb n="11"/> طبيعة تمنع تحريك النفس له إلى أى جهة كانت. وأيضا، لا يجوز أن يقع ذلك من جهة
<lb n="12"/> النفس حتى يكون طبعها أن يريد تلك الجهة لا محالة، إلا أن يكون الغرض فى الحركة
<lb n="13"/> مختصا بتلك الجهة لأن الإرادة تبع للغرض ليس الغرض تبعا للإرادة. وإذا كان هكذا، كان
<lb n="14"/> السبب مخالفة الغرض. فإذن، لا مانع من جهة الجسمية، ولا من جهة الطبيعة، ولا من
<lb n="15"/> جهة النفس، إلا اختلاف الغرض والقسر أبعد الجميع عن الإمكان. فإذن لو كان الغرض
<lb n="16"/> تشبها بعد الأول بجسم من السماوية، لكانت الحركة من نوع حركة ذلك الجسم، ولم يكن
<lb n="17"/> مخالفا له أو أسرع منه فى كثير من المواضع، وكذلك إن كان الغرض لمحرك هذا الفلك
<lb n="18"/> التشبه بمحرك ذلك الفلك. </p>
<p n="20">
<lb n="19"/>وقد كان بان أنه ليس الغرض فى تلك الحركات شيئا يوصل إليه بالحركة،
<lb n="20"/> وإلا لزم الانقطاع، بل شيئا مباينا لا يوصل إليه. وبان الآن أنه لبس جسما، فبقى أن
<lb n="21"/> الغرض لكل فلك تشبه بشىء غير جواهر الأفلاك من مواده وأنفسها. ومحال أن يكون
<pb n="325"/>
<lb n="1"/> بالعنصريات وما يتولد عنها. ولا أجسام ولا أنفس غير هذه. فبقى أن يكون لكل واحد
<lb n="2"/> منها تشبه بجوهر عقلى مفارق يخصه وتختلف الحركات وأحوالها اختلافها الذى لها
<lb n="3"/> لأجل ذلك، وإن كنا لا نعرف كيفية وجوب ذلك ولميته، وتكون العلة الأولى متشوق
<lb n="4"/> الجميع
<pb n="401" edRef="#source_3"/> بالاشتراك. </p>
<p n="21">
<lb n="5"/>فهذا معنى قول القدماء إن للكل محركا واحدا معشوقا وإن لكل كرة محركا
<lb n="6"/> يخصها ومعشوقا يخصها. فيكون إذن لكل فلك نفس محركا تعقل الخير، ولها بسبب
<lb n="7"/> الجسم تخيل، أى تصور للجزئيات وإرادة للجزئيات، ويكون ما تعقله من الأول وما يعقله من
<lb n="8"/> المبدأ الذى يخصه القريب منه مبدأ تشوقه إلى التحرك. ويكون لكل فلك عقل مفارق نسبنه
<lb n="9"/> إلى نفسه نسبة العقل الفعال إلى أنفسنا، وإن مثال كلى عقلى لنوع فعله فهو يتشبه به. </p>
<p n="22">
<lb n="10"/>وبالجملة، لا بد فى كل متحرك منها لغرض عقلى من مبدأ عقلى يعقل الخير
<lb n="11"/> الأول، وتكون ذاته مفارقة، فقد علمت أن كل ما يعقل مفارق الذات؛ ومن مبدأ للحركة
<lb n="12"/> جسمانى أى مواصل للجسم، فقد علمت أن الحركة السماوية نفسانية تصدر عن نفس
<lb n="13"/> مختارة متجددة الاختيارات، على الاتصال جزئيتها. </p>
<p n="23">
<lb n="14"/>فيكون عدد العقول المفارقة بعد المبدأ الأول بعدد الحركات. فإن كانت
<lb n="15"/> [الأفلاك] المتحيرة إنما المبدأ فى حركة كرات كل كوكب فيها قوة تفيض من الكواكب، لم
<lb n="16"/> يبعد إن تكون المفارقات بعدد الكواكب لا بعدد الكرات، وكان عددها عشرة بعد الأول:
<lb n="17"/> أولها العقل المحرك الذى لا يتحرك وتحريكه لكرة الجرم الأقصى، ثم الذى هو مثله لكرة
<lb n="18"/> الثوابت، ثم الذى هو مثله لكرة زحل، وكذلك حتى ينتهى إلى العقل الفائض على أنفسنا،
<pb n="326"/>
<lb n="1"/> وهو عقل العالم الأرضى، ونحن نسميه العقل الفعال. وإن لم يكن كذلك، بل كان كل كرة
<lb n="2"/> متحركة لها حكم فى حركة نفسها ولكل كوكب، كانت هذه المفارقات أكثر عددا، وكان
<lb n="3"/> يلزم على مذهب المعلم الأول قريبا من خمسين فما فوقها، وآخر العقل الفعال؛ وقد
<lb n="4"/> علمت من كلامنا فى الرياضيات مبلغ ما ظفرنا به من عددها.
<pb n="402" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="5"/> [الفصل الرابع]
<lb n="6"/>
<num>د</num> فصل
<lb n="7"/> فى ترتيب وجود العقل والنفوس السماوية والأجرام العلوية عن المبدأ الأول </head>
<p n="1">
<lb n="8"/>قد صح لنا فى ما قدمناه من القول أن الواجب الوجود بذاته واحد، وأنه ليس
<lb n="9"/> بجسم ولا فى جسم ولا منقسم بوجه من الوجوه، فإذن الموجودات كلها وجودها عنه. </p>
<p n="2">
<lb n="10"/>ولا يجوز أن يكون له مبدأ بوجه من الوجوه ولا سبب لا الذى عنه، ولا الذى
<lb n="11"/> فيه أو به يكون، ولا الذى له، حتى يكون لأجل شىء. فلهذا لا يجوز أن يكون كون
<lb n="12"/> الكل عنه على سبيل قصد منه كقصدنا لتكوين الكل ولوجود الكل فيكون قاصدا لأجل
<lb n="13"/> شىء غيره. وهذا الفصل قد فرغنا من تقريره فى غيره، وذلك فى أظهر، ونخصه من بيان
<lb n="14"/> امتناع أن يقصد وجود الكل عنه إن ذلك يؤدى إلى تكثره فى ذاته. فإنه حينئذ يكون فيه
<lb n="15"/> شىء بسببه يقصد، وهو معرفته وعلمه لوجوب القصد أو استحبابه أو خيرية فيه توجب
<lb n="16"/> ذلك، ثم قصد، ثم فائدة يفيدها إياه القصد على ما أوضحنا قبل؛ وهذا محال.
<pb n="327"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>وليس كون الكل عنه على سبيل الطبع بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة،
<lb n="2"/> ولا لرضى منه. وكيف يصح هذا وهو عقل محض يعقل ذاته؟ فيجب أن يعقل إنه يلزمه
<lb n="3"/> وجود الكل عنه؛ لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلا محضا ومبدأ أولا. وإنما يعقل وجود الكل
<lb n="4"/> عنه على إنه مبدئه. وليس فى ذاته مانع كاره لصدور الكل عنه. وذاته عالمة بأن كماله
<lb n="5"/> وعلوه بحيث يفيض
<pb n="403" edRef="#source_3"/> عنه الخير، وإن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاتها،
<lb n="6"/> وكل ذات يعلم ما يصدر عنه، ولا تخالطه معاوقة ما بل يكون على ما أو ضحنا بيانه،
<lb n="7"/> فإنه راض بما يكون عنه. فالأول راض بفيضان الكل عنه. </p>
<p n="4">
<lb n="8"/>ولكن الحق الأول إنما فعله الأول وبالذات أنه يعقل ذاته التى هى لذاتها مبدأ
<lb n="9"/> لنظام الخير فى الوجود؛ فهو عاقل لنظام الخير فى الوجود، وإنه كيف ينبغى أن يكون، لا
<lb n="10"/> عقلا خارجا عن القوة إلى الفعل، ولا عقلا منتقلا، من معقول إلى معقول، فإن ذاته بريئة
<lb n="11"/> عما بالقوة من كل وجه، على ما أو ضحناه قبل، بل عقلا واحدًا. ويلزم ما يعقله من
<lb n="12"/> نظام الخير فى الوجود أن يعقل أنه كيف يمكن، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل
<lb n="13"/> وجود الكل على مقتضى معقوله؛ فإن الحقيقة المعقولة عنده هى بعينها على ما علمت،
<lb n="14"/> علم وقدرة وإرادة. وأما نحن فنحتاج فى تنفيذ ما نتصوره إلى قصد وحركة وإرادة حتى
<lb n="15"/> توجد. وهو لا يحسن فيه ذلك ولا يصح له لبرائته عن الاثنينية. وعلى ما أطنبنا فى بيانه
<lb n="16"/> فتعقُّلُه علة للوجود على ما يعقله؛ ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده وتبع
<lb n="17"/> لوجوده، لا إن وجوده لأجل وجود شىء آخر غيره. وهو فاعل الكل بمعنى أنه الموجود
<pb n="328"/>
<lb n="1"/> الذى يفيض عنه كل وجود فيضانا مباينا لذاته، ولأن كون ما يكون عن الأول إنما هو على
<lb n="2"/> سبيل اللزوم إذا صح أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته، وفرغنا
<lb n="3"/> من بيان هذا الغرض قبل. </p>
<p n="5">
<lb n="4"/>فلا يجوز أن يكون أول الموجودات عنه ــ وهى المبدعات ــ كثيرة لا بالعدد
<lb n="5"/> ولا بالانقسام إلى مادة وصورة، لأنه يكون لزوم ما يلزم عنه هو لذاته، لا لشىء آخر. والجهة
<lb n="6"/> والحكم الذى فى ذاته الذى يلزم عنه هذا الشىء ليست الجهة والحكم الذى فى ذاته الذى
<lb n="7"/> يلزم عنه، لا هذا الشىء بل غيره؛
<pb n="404" edRef="#source_3"/>فإن لزم منه شيئان متباينان بالقوام، أو شيئان
<lb n="8"/> متباينان يكون منهما شىء واحد، مثل مادة وصورة، لزوما معا، فإنما يلزمان عن جهتين
<lb n="9"/> مختلفتين فى ذاته. وتانك الجهتان إن كانتا لا فى ذاته بل لازمتين لذاته، فالسؤال فى لزومهما له
<lb n="10"/> ثابت حتى تكونا من ذاته. فتكون ذاته منقسمة المعنى، وقد منعنا هذا قبل وبينا فساده. </p>
<p n="6">
<lb n="11"/>فتبين إن أول الموجودات عن العلة الأولى واحد بالعدد، وذاته وماهيته واحدة لا
<lb n="12"/> فى مادة، فليس شىء من الأجسام ولا من الصور التى هى كمالات للأجسام معلولا قريبا
<lb n="13"/> له، بل المعلول الأول عقل محض؛ لأنه صورة لا فى مادة، وهو أول العقول المفارقة التى
<lb n="14"/> عددناها ويشبه أن يكون هو المبدأ المحرك للجرم الأقصى على سبيل التشويق. </p>
<p n="7">
<lb n="15"/>ولكن لقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يكون الحادث عن المبدأ الأول صورة مادية،
<lb n="16"/> لكنها يلزم عنها وجود مادتها، فنقول: </p>
<p n="8">
<lb n="17"/>إن هذا يوجب أن تكون الأشياء التى بعد هذه الصورة وهذه المادة تالية فى
<lb n="18"/> درجة المعلولات، وأن يكون وجودها بتوسط المادة، فتكون المادة سببا لوجود صور
<lb n="19"/> الأجسام الكثيرة فى العالم وقواها، وهذا محال، إذ المادة وجودها إنها قابلة فقط وليست
<pb n="329"/>
<lb n="1"/> سببا لوجود شىء من الأشياء على غير سبيل القبول. فإن كان شىء من المواد ليس
<lb n="2"/> هكذا فليس هو مادة إلا باشتراك الاسم؛ فيكون إن كان الشىء المفروض ثابتا ليس على
<lb n="3"/> صفة المادة إلا باشتراك الاسم. فالمعلول الأول لا تكون نسبته إليه على إنه صورة فى مادة
<lb n="4"/> إلا باشتراك الاسم. فإن كان هذا الثانى من جهة توجد عنه هذه المادة، ومن جهة أخرى
<lb n="5"/> توجد صورة شىء آخر، حتى لا تكون الصورة الأخرى موجودة بتوسط المادة، كانت
<lb n="6"/> الصورة المادية تفعل فعلا لا يحتاج فيه إلى المادة. وكل شىء يفعل فعله من غير أن يحتاج
<lb n="7"/> إلى المادة, فذاته أولا غنية عن المادة. فتكون الصورة المادية غنية عن المادة.
<pb n="405" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="8"/>وبالجملة فإن الصورة المادية وإن كانت علة للمادة فى أن تخرجها إلى الفعل
<lb n="9"/> وتكملها، فإن للمادة أيضا تأثيرا فى وجودها وهو تخصيصها وتعيينها، وإن كان مبدأ
<lb n="10"/> الوجود من غير المادة كما قد علمت، فيكون لا محالة كل واحد منهما علة للأخرى فى
<lb n="11"/> شىء، وليسا من جهة واحدة. ولولا ذلك لاستحال أن يكون للصورة المادية تعلق بالمادة
<lb n="12"/> بوجه من الوجوه. ولذلك قد سلف منا القول: أن المادة لا يكفى فى وجودها الصورة
<lb n="13"/> فقط، بل الصورة كجزء العلة؛ وإذا كان كذلك، فليس يمكن أن تجعل الصورة من كل وجه
<lb n="14"/> علة للمادة مستغنية بنفسها. فبين أنه لا يجوز أن يكون المعلول الأول صورة مادية أصلا؛
<lb n="15"/> ولا أن يكون مادة أظهر. فوجب أن يكون المعلول الأول صورة غير مادية أصلا، بل عقلا. </p>
<p n="10">
<lb n="16"/>وأنت تعلم إن ههنا عقولا ونفوسا مفارقة كثيرة. فمحال أن يكون وجودها
<lb n="17"/> مستفادا بتوسط ما ليس له وجود مفارق. لكنك تعلم أن فى جملة الموجودات عن الأول
<lb n="18"/> أجساما؛ إذ علمت أن كل جسم ممكن الوجود فى حيز نفسه وأنه يجب بغيره، وعلمت
<lb n="19"/> أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول تعالى بغير واسطة، فهى كائنة عنه بواسطة. وقد
<pb n="330"/>
<lb n="1"/> علمت أنه لا يجوز أن تكون الواسطة وحدة محضة لا اثنينية فيها؛ فقد علمت أن الواحد
<lb n="2"/> من حيث هو واحد إنما يوجد عنه واحد. فبالحرى أن يكون عن المبدعات الأول بسبب
<lb n="3"/> [إثنينيه] يجب أن يكون فيها ضرورة أو كثرة كيف كانت. ولا يمكن فى العقول المفارقة
<lb n="4"/> شىء من الكثرة، إلا على ما أقول: </p>
<p n="11">
<lb n="5"/>إن المعلول بذاته ممكن الوجود، وبالأول واجب الوجود. ووجوب وجوده
<lb n="6"/> بأنه عقل، وهو يعقل ذاته، ويعقل الأول ضرورة، فيجب أن يكون
<pb n="406" edRef="#source_3"/> فيه من الكثرة
<lb n="7"/> معنى عقله لذاته ممكنة الوجود فى حيزها، وعقله وجوب وجوده من الأول المعقول بذاته،
<lb n="8"/> وعقله للأول. وليست الكثرة له عن الأول. فإن إمكان وجوده أمر له بذاته لا بسبب
<lb n="9"/> الأول، بل له من الأول وجوب وجوده. ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة
<lb n="10"/> لوجوب وجوده عن الأول. ونحن لا نمنع أن يكون عن شىء واحد ذات واحدة، ثم يتبعها
<lb n="11"/> كثرة إضافية ليست فى أول وجوده، ولا داخلة فى مبدأ قوامه؛ بل يجوز أن يكون الواحد
<lb n="12"/> يلزم عنه واحد، ثم ذلك الواحد يلزمه حكم وحال، أو صفة، أو معلول، ويكون ذلك
<lb n="13"/> أيضا واحدا. ثم يلزم عنه بمشاركة ذلك اللازم شىء، فيتبع من هناك كثرة كلها يلزم ذاته.
<lb n="14"/> فيجب إذن أن تكون مثل هذه الكثرة هى العلة لإمكان وجود الكثرة فيها عن المعلولات
<lb n="15"/> الأُول. ولولا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منه إلا واحدة، ولم يمكن أن يوجد عنها
<lb n="16"/> جسم. ثم لا إمكان للكثرة هناك إلا على هذا الوجه فقط. </p>
<p n="12">
<lb n="17"/>وقد بان لنا فيما سلف أن العقول المفارقة كثيرة العدد، فليست إذن موجودة
<lb n="18"/> معا عن الأول، بل يجب أن يكون أعلاها هو الموجود الأول عنه ثم يتلوه عقل وعقل. ولأن
<lb n="19"/> تحت كل عقل فلكا بمادته وصورته التى هى النفس وعقلا دونه، فتحت كل عقل ثلاثة
<pb n="331"/>
<lb n="1"/> أشياء فى الوجود، فيجب أن يكون إمكان وجود هذه الثلاثة عن العقل الأول فى الإبداع
<lb n="2"/> لأجل التثليث المذكور. والأفضل يتبع الأفضل من جهات كثيرة. فيكون إذن العقل الأول
<lb n="3"/> يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته، وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك الأقصى،
<lb n="4"/> وكمالها وحى النفس، وبطبيعة إمكان الوجود الحاصلة له المندرجة فى تعقله لذاته وجود
<lb n="5"/> جرمية الفلك الأقصى المندرجة فى جملة ذلك الفلك الأقصى بنوعه، وهو الأمر المشارك
<lb n="6"/> للقوة. [فيما] يعقل الأول،
<pb n="407" edRef="#source_3"/>يلزم عنه عقل وبما يختص بذاته على جهة تلزم عنه
<lb n="7"/> الكثرة الأولى بجزئيها، أعنى المادة والصورة، والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها، كما
<lb n="8"/> أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل الذى يحاذى صورة الفلك. وكذلك الحال فى
<lb n="9"/> عقل عقل، وفلك فلك، حتى ينتهى إلى العقل الفعال الذى يدبر أنفسنا. وليس يجب أن
<lb n="10"/> يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق. فإنا نقول: إنه إن لزم
<lb n="11"/> وجود كثرة عن العقول فبسبب المعانى التى فيها من الكثرة. وقولنا هذا ليس ينعكس حتى
<lb n="12"/> يكون كل عقل فيه هذه الكثرة يلزم كثرته هذه المعلولات؛ ولا هذه العقول متفقة الأنواع،
<lb n="13"/> حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. </p>
<p n="13">
<lb n="14"/>ولنبتدىء لبيان هذا المعنى ابتداء آخر فنقول: إن الأفلاك كثيرة فوق العدد
<lb n="15"/> الذى فى المعلول الأول من جهة كثرته المذكورة، وخصوصا إذا فصل كل فلك إلى صورته
<lb n="16"/> ومادته. فليس يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول، ولا أيضا يجوز أن يكون
<lb n="17"/> كل جرم متقدم منها علة للمتأخر. وذلك لأن الجرم بما هو جرم لا يجوز أن يكون مبدأ جرم،
<lb n="18"/> وبما له قوة نفسانية لا يجوز أن يكون مبدأ جرم ذى نفس أخرى. وذلك لأنا بينا أن كل
<lb n="19"/> نفس لكل فلك فهى كماله وصورته وليس جوهرا مفارقًا، وإلا لكان عقلا لا نفسا، وكان
<pb n="332"/>
<lb n="1"/> لا يتحرك البتة على سبيل التشوق وكان لا يحدث فيه من حركة الجرم تغير، ومن مشاركة
<lb n="2"/> الجرم تخيل وتوهم، وقد ساقنا النظر إلى إثبات هذه الأحوال لأنفس الأفلاك كما علمت.
<lb n="3"/> وإذا كان الأمر على هذا، فلا يجوز أن تكون أنفس الأفلاك تصدر عنها أفعال فى أجسام
<lb n="4"/> أخرى غير أجسامها إلا بوساطة أجسامها. فإن صور الأجسام وكمالاتها على صنفين: </p>
<p n="14">
<lb n="5"/>إما صور قوامها بمواد الأجسام، فكما أن قوامها بمواد تلك الأجسام،
<lb n="6"/> فكذلك ما يصدر عن قوامها يصدر بواسطة مواد تلك الأجسام. ولهذا السبب فإن النار
<lb n="7"/> لا تسخن
<pb n="408" edRef="#source_3"/> حرارتها أى شىء اتفق بل ما كان ملاقيًا لجرمها، أو من جسمها بحال.
<lb n="8"/> والشمس لا تضيء كل شىء، بل ما كان مقابلا لجرمها. </p>
<p n="15">
<lb n="9"/>وإما صور قوامها بذاتها لا بمواد الأجسام، كالأنفس؛ ثم كل نفس فإنما
<lb n="10"/> جعلت خاصة لجسم بسبب أن فعلها بذلك الجسم وفيه. ولو كانت مفارقة الذات والفعل
<lb n="11"/> جميعا لذلك الجسم، لكانت نفس كل شىء لا نفس ذلك الجسم فقط. فقد بان على
<lb n="12"/> الوجوه كلها أن القوى السماوية المنطبعة بأجسامها، لا تفعل إلا بواسطة جسمها. ومحال
<lb n="13"/> أن تفعل بواسطة الجسم نفسا، لأن الجسم لا يكون متوسطا بين نفس ونفس؛ فإن كانت
<lb n="14"/> تفعل نفسًا بغير توسط الجسم، فلها انفراد قوام من دون الجسم واختصاص بفعل مفارق
<lb n="15"/> لذاتها وذات الجسم. وهذا غير الأمر الذى نحن فى ذكره. وإن لم تفعل نفسا، لم تفعل
<lb n="16"/> جرما سماويا، لأن النفس متقدمة على الجسم فى المرتبة و الكمال. </p>
<p n="16">
<lb n="17"/>فإن وضع لكل فلك شىء يصدر عنه فى فلكه شىء وأثر من غير أن يستغرق
<lb n="18"/> ذاته فى شغل ذلك الجرم وبه، ولكن ذاته مباينة فى القوام وفى الفعل لذلك الجسم، فنحن
<lb n="19"/> لا نمنع هذا. وهذا هو الذى نسميه العقل المجرد، ونجعل صدور ما بعده عنه. ولكن هذا
<pb n="333"/>
<lb n="1"/> غير المنفعل عن الجسم وغير المشارك إياه، والصائر صورة خاصة به، والكائن عن الجهة
<lb n="2"/> التى حدثنا عنها حين أثبتنا هذه النفس. </p>
<p n="17">
<lb n="3"/>فقد بان ووضح أن للأفلاك مباديء غير جرمانية، وغير صور الأجرام،
<lb n="4"/> وأن كل فلك يختص بمبدأ منها، والجميع يشترك فى مبدأ واحد. ومما لا شك فيه أن ههنا
<lb n="5"/> عقولا بسيطة مفارقة، تحدث مع حدوث أبدان الناس، ولا تفسد بل تبقى. وقد تبين ذلك
<lb n="6"/> فى العلوم الطبيعية، وليست صادرة عن العلة الأولى، لأنها كثيرة مع وحدة النوع، ولأنها
<lb n="7"/> حادثة.
<pb n="409" edRef="#source_3"/> فهى إذن معلولات الأول بتوسط. </p>
<p n="18">
<lb n="8"/>ولا يجوز أن تكون العلل الفاعلية المتوسطة بين الأولى وبينها، دونها فى
<lb n="9"/> المرتبة، فلا تكون عقولا بسيطة ومفارقة. فإن العلل المعطية للوجود أكمل وجودا. أما
<lb n="10"/> القابلة للوجود فقد تكون أخس وجودا؛ فيجب إذن أن يكون المعلول الأول عقلا واحدًا
<lb n="11"/> بالذات، ولا يجوز أيضًا أن تكون عنه كثرة متفقة النوع؛ وذلك لأن المعانى المتكثرة التى
<lb n="12"/> فيه، وبها يمكن وجود الكثرة فيه إن كانت مختلفة الحقائق، كان ما يقتضيه كل واحد
<lb n="13"/> منها شيئًا غير ما يقتضى الآخر فى النوع. فلم يلزم كل واحد منها ما يلزم الآخر. بل طبيعة
<lb n="14"/> أخرى. وأن كانت متفقة الحقائق، فبماذا تخالفت وتكثرت، ولا انقسام مادة هناك؟ </p>
<p n="19">
<lb n="15"/>فإذن المعلول الأول لا يجوز عنه وجود كثرة إلا مختلفة الأنواع. فليست هذه
<lb n="16"/> الأنفس الأرضية أيضًا كائنة عن المعلول الأول بلا توسط علة أخرى موجودة. وكذلك عن
<lb n="17"/> كل معلول أول عال حتى ينتهى إلى معلول أول كونه مع كون الاسطقسات القابلة للكون
<lb n="18"/> والفساد، المتكثرة بالنوع والعدد معا. فيكون تكثر القابل سببا لتكثر فعل مبدأ واحد
<lb n="19"/> بالذات. وهذا بعد استتمام وجود السماويات كلها. فيلزم دائما عقل بعد عقل حتى
<pb n="334"/>
<lb n="1"/> تتكون كرة القمر ثم تتكون الاسطقسات، وتتهيأ لقبول تأثير واحد بالنوع كثير بالعدد عن
<lb n="2"/> العقل الأخير. فإنه إذا لم يكن السبب فى الفاعل، وجب فى القابل ضرورة. فإذن يجب
<lb n="3"/> أن يحدث عن كل عقل عقل تحته، ويقف حيث يمكن أن تحدث الجواهر العقلية منقسمة
<lb n="4"/> متكثرة بالعدد، لتكثر الأسباب. فهناك ينتهى. </p>
<p n="20">
<lb n="5"/>وقد اتضح وبان أن كل عقل هو أعلى فى المرتبة، فإنه المعنى فيه، وهو أنه
<lb n="6"/> بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه، وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه
<lb n="7"/> وجرمه. وجرم الفلك كائن عنه، ومستبقى بتوسط النفس الفلكية. فإن كل صورة فهى
<lb n="8"/> علة لأن يكون مادتها بالفعل، لأن المادة نفسها لا قوام لها.
<pb n="410" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="9"/> [الفصل الخامس]
<lb n="10"/>
<num>ه</num> فصل
<lb n="11"/> فى حال تكون الإسطقسات عن العلل الأوائل </head>
<p n="1">
<lb n="12"/>فإذا استوفت الكرات السماوية عددها، لزم بعدها وجود اسطقسات؛ وذلك
<lb n="13"/> لأن الأجسام الاسسطقسية كائنة فاسدة، فيجب أن تكون مبادئها القريبة أشياء تقبل نوعا
<lb n="14"/> من التغير والحركة، وأن لا يكون ما هو عقل محض وحده سببا لوجودها. وهذا يجب
<lb n="15"/> أن يتحقق من أصول، أن يتحقق من أصول، أكثرنا التكرار فيها، وفرغنا من تقريرها. </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>ولهذه الاسطقسات مادة يشترك فيها، وصور يختلف بها؛ وصور يختلف بها، فيجب أن يكون
<lb n="17"/> اختلاف صورها مما يعين فيه اختلاف فى أحوال الأفلاك، وأن يكون اتفاق مادتها مما يعين
<pb n="335"/>
<lb n="1"/> فيه اتفاق فى أحوال الأفلاك. والأفلاك تتفق فى طبيعة اقتضاء الحركة المستديرة؛ فيجب
<lb n="2"/> أن يكون مقتضى تلك الطبيعة يعين فى وجود المادة، ويكون ما يختلف فيه مبدأ تهىء
<lb n="3"/> المادة للصور المختلفة. </p>
<p n="3">
<lb n="4"/>لكن الأمور الكثيرة المشتركة فى النوع والجنس لا تكون وحدها بلا مشاركة
<lb n="5"/> من واحد معين، علة لذات هى فى نفسها متفقة واحدة، وإنما يقيمها غيرها؛ فلا يوجد
<lb n="6"/> إذن هذا الواحد عنها إلا بارتباط بواحد يردها إلى أمر واحد. فيجب أن تكون العقول
<lb n="7"/> المفارقة بل آخرها الذى يلينا هو الذى يفيض عنه ــ بمشاركة الحركات السماوية ــ شىء
<lb n="8"/> فيه رسم صور العالم الأسفل على جهة الانفعال، كما أن فى ذلك العقل أو العقول رسم
<lb n="9"/> الصور على جهة التفعيل. ثم تفيض منه الصور فيها بالتخصيص لا بانفراد
<pb n="411" edRef="#source_3"/> ذاته،
<lb n="10"/> فإن الواحد يفعل فى الواحد ــ كما علمت ــ واحدًا، بل بمشاركة الأجسام السماوية.
<lb n="11"/> فيكون إذا خصص هذا الشىء تأثير من التأثيرات السماوية بلا واسطة جسم عنصرى،
<lb n="12"/> أو بواسطة تجعله على استعداد خاص بعد العام الذى كان ذلك فى جوهره فاض عن هذا
<lb n="13"/> المفارق صورة خاصة وارتسمت فى تلك المادة. </p>
<p n="4">
<lb n="14"/>وأنت تعلم إن الواحد لا يخصص الواحد من حيث كل واحد منهما واحد
<lb n="15"/> بأمر دون أمر يكون له، بل يحتاج إلى أن تكون هناك مخصصات مختلفة. ومخصصات
<lb n="16"/> المادة معداتها. والمعد هو الذى يحدث عنه فى المستعد أمر ما تصير مناسبته لذلك الأمر
<lb n="17"/> لشىء بعينه أولى من مناسبته لشىء آخر. فيكون هذا الإعداد مرجحا لوجود ما هو
<lb n="18"/> أولى فيه من الأوائل الواهبة للصور. </p>
<p n="5">
<lb n="19"/>ولو كانت المادة على التهيؤ الأول وتشابهت نسبتها إلى الضدين فما يرجح
<lb n="20"/> أحدهما، اللهم إلا بحال تختلف به المؤثرات فيه. وذلك الاختلاف أيضا منسوب إلى
<pb n="336"/>
<lb n="1"/> جميع المواد نسبة واحدة فلا يجب أن نختص بموجبة مادة دون مادة إلا لأمر أيضا يكون
<lb n="2"/> فى تلك المادة، وليس إلا الاستعداد الكامل، وليس الاستعداد الكامل إلا مناسبة كاملة
<lb n="3"/> لشىء بعينه هو المستعد له. </p>
<p n="6">
<lb n="4"/>وهذا مثل الماء إذا أفرط تسخينه فاجتمعت السخونة الغريبة، والصورة
<lb n="5"/> المائية، وهى بعيدة المناسبة للصورة المائية وشديدة المناسبة للصورة النارية. فإذا
<lb n="6"/> أفرط ذلك واشتدت المناسبة، اشتد الاستعداد. فصار من حق الصورة النارية أن تفيض،
<lb n="7"/> ومن حق هذه أن تبطل. </p>
<p n="7">
<lb n="8"/>ولأن المادة ليست تبقى بلا صورة، فليس قوامها عن ما ينسب إليه من المبادىء
<lb n="9"/> الأولى وحدها، بل عنها وعن
<pb n="412" edRef="#source_3"/>الصورة. ولأن الصورة التى تقيم هذه المادة الآن
<lb n="10"/> قد كانت المادة قائمة دونها، فليس قوامها عن الصورة وحدها بل بها؛ و بالمبادىء الباقية
<lb n="11"/> بواسطتها أو واسطة أخرى مثلها. فلو كانت من المبادىء الأولى وحدها لاستغنت عن
<lb n="12"/> الصورة، ولو كانت عن الصورة وحدها لما سبقت بالصورة؛ بل كما أن المتفق فيه من
<lb n="13"/> الحركة المستدير هناك يلزم طبيعة تقيمها الطبائع الخاصة بفلك فلك، فكذلك المادة ههنا
<lb n="14"/> يقيمها مع الطبيعة المشتركة ما يكون عن الطبائع الخاصة وهى الصور. </p>
<p n="8">
<lb n="15"/>وكما أن الحركة أخس الأحوال هناك، فكذلك المادة أخس الذوات ههنا.
<lb n="16"/> وكما أن الحركة هناك تابعة لطبيعة ما بالقوة، كذلك المادة ههنا مرافقة لما بالقوة. وكما أن
<lb n="17"/> الطبائع الخاصة والمشتركة هناك مبادىء أو معينات لطبيعة الخاصة والمشتركة ههنا، فكذلك
<lb n="18"/> ما يلزم الطبائع الخاصة والمشتركة هناك من النسب المختلفة المتبدلة الواقعة فيها بسبب
<lb n="19"/> الحركة مبدأ لتغير الأحوال وتبدلها ههنا. وكذلك امتزاج نسبتها هناك سبب لامتزاج نسب
<pb n="337"/>
<lb n="1"/> هذه العناصر أو معين. ولأجسام السماويات تأثير فى أجسام هذا العالم بالكيفيات التى
<lb n="2"/> تخصها، ويسرى منها إلى هذا العالم، ولأنفسها تأثير أيضا فى أنفس هذا العالم. وبهذه
<lb n="3"/> المعانى يعلم أن الطبيعة التى هى مدبرة لهذه الأجسام بالكمال والصورة، حادية عن النفس
<lb n="4"/> الفاشية فى الفلك، أو بمعونتها.
<pb n="413" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="9">
<lb n="5"/>وقال قوم من المنتسبين إلى هذا العلم: إن الفلك لأنه مستدير فيجب أن يستدير
<lb n="6"/> على شىء ثابت فى حشوه، فيلزم محاكته له التسخين حتى يستحيل نارا، وما يبعد
<lb n="7"/> عنه يبقى ساكنا، فيصير إلى التبرد و التكثف حتى يصير أرضا، وما يلى النار منه يكون
<lb n="8"/> حارا، ولكنه أقل حرارة من النار؛ وما يلى الأرض يكون كثيفا، ولكنه أقل تكثفًا
<lb n="9"/> من الأرض. وقلة الحر وقلة التكثف يوجبان الترطيب. فإن اليبوسة إما من الحر، وإما
<lb n="10"/> من البرد؛ لكن الرطب الذى يلى الأرض هو أبرد، والذى يلى النار هو أشد حرارة. فهذا
<lb n="11"/> سبب كون العناصر. </p>
<p n="10">
<lb n="12"/>فهذا هو ما قد قالوا وليس ما يمكن أن يصحح بالكلام القياسى، ولا هو
<lb n="13"/> بسديد عند التفتيش. ويشبه أن يكون الأمر على قانون آخر، وأن تكون هذه المادة التى
<lb n="14"/> تحدث بالشركة يفيض إليها من الأجرام السماوية، إما عن أربعة أجرام، وإما عن عدة
<lb n="15"/> منحصرة فى أربع جمل، عن كل واحد منها ما <choice>
<sic>تهيؤه</sic>
<corr>يهيؤه<note>according to Bertolacci 2006, 548</note></corr>
</choice> لصورة جسم بسيط. فإذا
<lb n="16"/> استعد نال الصورة من واهب الصور؛ أو يكون ذلك كله يفيض عن جرم واحد، وأن يكون
<lb n="17"/> هناك سبب يوجب انقساما من الأسباب الخفية علينا. فإنك إن أردت أن تعرف ضعف
<lb n="18"/> ما قالوه، تتأمل أنهم يوجبون أن يكون الوجود أولا للجسم، وليس له فى نفسه إحدى
<lb n="19"/> الصور المقومة غير الصور الجسمية، وإنما يكتسب سائر الصور بالحركة والسكون ثانيا؛
<pb n="338"/>
<lb n="1"/> وبيّنا نحن قبل هذا استحالة هذا، وبيّنا أن الجسم لا يستكمل له وجود بمجرد الصورة
<lb n="2"/> الجسمية، ما لم تقترن بها صورة أخرى، وليست صورته المقيمة للهيلولى الأبعاد فقط. فإن
<lb n="3"/> الأبعاد تتبع فى وجودها صورا أخرى تسبق الأبعاد. و إن شئت فتأمل حال التخلخل من
<lb n="4"/> الحرارة، و التكاثف من البرودة، بل الجسم لا يصير جسما حتى يصير بحيث يتبع غيره
<lb n="5"/> فى الحركة،
<pb n="414" edRef="#source_3"/>حتى تسخنه متابعته تلك الحركات المتتابعة التى بيّنا أنها ليست
<lb n="6"/> قسرية بل طبيعية، إلا وقد تمت طبيعته. لكن يجوز أن يكون إذا تمت طبيعته يستحفظ
<lb n="7"/> بأصلح المواضع لاستحفاظها، لأن الحار يستحفظ حيث الحركة، والبارد يستحفظ حيث
<lb n="8"/> السكون. ثم لا يفكرون أنه لم وجب لبعض تلك المادة أن يهبط إلى المركز، فعرض له
<lb n="9"/> البرودة، ولبعضه أن جاوز الفوق. </p>
<p n="11">
<lb n="10"/>أما الآن فإن السبب فى ذلك معلول. أما فى الكليات فالخفة والثقل، وأما فى
<lb n="11"/> جزئى عنصر واحد، فلأنه قد صح أن أجزاء العناصر كائنة، وأنه إذا تكون جزء منه فى
<lb n="12"/> موضع ضرورة، لزم أن يكون سطح منه يلى الفوق إذا تحرك فوق، كان ذلك السطح أولى
<lb n="13"/> بالفوقية من السطح الآخر. وأما فى أول تكونه، فإنما يصير سطح منه إلى فوق، وسطح إلى
<lb n="14"/> أسفل، لأنه لا محالة قد استحال بحركة ما، وأن الحركة أوجبت له ضرورة وضعا ما. </p>
<p n="12">
<lb n="15"/>فالأشبه عندى ما قد ذهبنا إليه، وأظن أن الذى قال ذلك فى تكون
<lb n="16"/> الاسطقسات، رام تقريبا للأمر عند بعض من كتابه من العاميين، فجزم عليه القول من تأخر
<lb n="17"/> عنهم على أن كاتب ذلك الكلام شديد التذبذب و الاضطراب.
<pb n="339"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل السادس]
<lb n="2"/>
<num>و</num> فصل
<lb n="3"/> فى العناية وبيان [كيفية] دخول الشر فى القضاء الإلهى </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>وخليق بنا إذا بلغنا هذا المبلغ، أن نحقق القول فى العناية. ولا شك أنه قد
<lb n="5"/> أتضح لك مما سلف منا بيانه أن العلل العالية لا يجوز أن تكون تعمل ما تعمل لأجلنا، أو
<lb n="6"/> تكون
<pb n="415" edRef="#source_3"/>الجملة يهمها شىء، ويدعوها داع ويعرض لها إيثار. ولا لك سبيل إلى
<lb n="7"/> أن تنكر الآثار العجيبة فى تكون العالم، وأجزاء السموات، وأجزاء الحيوان والنبات،
<lb n="8"/> مما لا يصدر ذلك اتفاقا، بل يقتضى تدبيرا ما. فيجب أن يعلم أن العناية هى كون الأول
<lb n="9"/> عالما بذاته لما عليه الوجود فى نظام الخير، وعلة لذاته للخير و الكمال بحسب الإمكان،
<lb n="10"/> وراضيا به على النحو المذكور، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ فى الإمكان. فيفيض
<lb n="11"/> عنه ما يعقله نظاما وخيرا على الوجه الأبلغ الذى يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام،
<lb n="12"/> بحسب الإمكان، فهذا هو معنى العناية. </p>
<p n="2">
<lb n="13"/>واعلم أن الشر يقال على وجوه: فيقال شر، لمثل النقص الذى هو الجهل
<lb n="14"/> والضعف والتشويه فى الخلقة؛ ويقال: شر، لما هو مثل الألم والغم الذى يكون إدراك ما
<lb n="15"/> بسبب لا فقد سبب فقط. فإن السبب المنافى للخير المانع للخير، والموجب لعدمه، ربما
<lb n="16"/> كان مباينا لا يدركه المضرور، كالسحاب إذا ظلل فمنع شروق الشمس عن المحتاج إلى أن
<lb n="17"/> يستكمل بالشمس. فإن كان هذا المحتاج داركا، أدرك أنه غير منتفع ولم يدرك من حيث
<lb n="18"/> يدرك ذلك أن السحاب قد حال، بل من حيث هو مبصر. وليس هو من حيث هو مبصر
<pb n="340"/>
<lb n="1"/> متأذيا بذلك، متضررا أو متناقصا من حيث هو شىء آخر. وربما كان مواصلا يدركه
<lb n="2"/> مدرك عدم السلامة كمن يتألم بفقدان اتصال عضو بحرارة ممزقة. فأنه من حيث يدرك
<lb n="3"/> فقدان الاتصال بقوة فى نفس ذلك العضو، يدرك المؤذى الحار أيضا. فيكون قد أجتمع
<lb n="4"/> هناك إدراكان: إدراك على نحو ما سلف من إدراكنا للأشياء العدمية، وإدراك على <choice><sic>ما</sic><corr>نحو ما</corr></choice>
<lb n="5"/> <choice><sic>نحو</sic><corr>نحو ما</corr></choice> سلف من إدراكنا الأمور الوجودية، </p>
<p n="3">
<lb n="6"/>وهذا المدرك الوجودى ليس شرا
<pb n="416" edRef="#source_3"/> فى نفسه بل بالقياس إلى هذا
<lb n="7"/> الشىء. وأما عدم كماله وسلامته فليس شرا بالقياس إليه فقط حتى يكون له وجود
<lb n="8"/> ليس هو به شرا؛ بل وليس نفس وجوده إلا شرا فيه، وعلى نحو كونه شرا. فإن العمى لا
<lb n="9"/> يجوز إلا أن يكون فى العين، ومن حيث هو فى العين لا يجوز أن يكون إلا شرا، وليس له
<lb n="10"/> و جهة أخرى حتى يكون بها غير شر. وأما الحرارة مثلا إذا صارت شرا بالقياس إلى المتألم
<lb n="11"/> بها، فلها جهة أخرى تكون بها غير شر؛ فالشر بالذات وهو العدم ولا كل عدم، بل عدم
<lb n="12"/> مقتضى طباع الشىء من الكمالات الثابتة لنوعه وطباعته، والشر بالعرض هو المعدوم، أو
<lb n="13"/> الحابس للكمال عن مستحقه. </p>
<p n="4">
<lb n="14"/>ولا خير عن عدم مطلق إلا عن لفظه. فليس هو بشر حاصل. ولو كان
<lb n="15"/> له حصول ما، لكائن الشر العام. فكل شىء وجوده على كماله الأقصى، وليس فيه ما
<lb n="16"/> بالقوة، فلا يلحقه شر، وإنما الشر ليلحق ما فى طباعه ما بالقوة، وذلك لأجل المادة. والشر
<lb n="17"/> يلحق المادة لأمر أول يعرض لها فى نفسها، ولأمر طاريء من بعد. </p>
<p n="5">
<lb n="18"/>فأما الأمر الذى فى نفسها، فأن يكون قد عرض لمادة ما فى أول وجودها
<lb n="19"/> بعض أسباب الشر الخارجة، فتمكن منها هيئة من الهيئات، تلك الهيئة يمانع استعدادها
<lb n="20"/> الخاص الكمال الذى منيت بشر يوازيه؛ مثل المادة التى يتكون منها إنسان أو فرس، إذا
<pb n="341"/>
<lb n="1"/> عرض لها من الأسباب الطارئة ما جعلها أردأ مزاجا وأعصى جوهرًا، فلم تقبل التخطيط
<lb n="2"/> والتشكيل والتقويم؛ فتشوهت الخلقة ولم يوجد المحتاج إليه من كمال المزاج والبنية، لا لأن
<lb n="3"/> الفعل حرم، بل لأن المنفعل لم يقبل. </p>
<p n="6">
<lb n="4"/>وأما الأمر الطارىء من خارج فأحد شيئين: إما مانع وحائل ومبعد للمكمل،
<lb n="5"/> وإما مضاد واصل ممحق للكمال. مثال الأول وقوع سحب كثيرة وتراكمها، وإضلال جبال
<lb n="6"/> شاهقة تمنع تأثير الشمس فى الثمار على الكمال.
<pb n="417" edRef="#source_3"/>ومثال الثانى حبس البرد
<lb n="7"/> للنبات المصيب لكماله فى وقته، حتى يفسد الاستعداد الخاص وما يتبعه. </p>
<p n="7">
<lb n="8"/>وجميع سبب الشر إنما يوجد فيما تحت فلك القمر. وجملة ما تحت فلك القمر
<lb n="9"/> طفيف بالقياس إلى سائر الوجود كما علمت. ثم الشر إنما يصيب أشخاصا، وفى أوقات،
<lb n="10"/> والأنواع محفوظة، وليس الشر الحقيقى يعم أكثر الأشخاص، إلا نوعا من الشر. </p>
<p n="8">
<lb n="11"/>وأعلم أن الشر الذى هو بمعنى العدم، إما أن يكون شرا بحسب أمر واجب
<lb n="12"/> أو نافع قريب من الواجب، وإما أن لا يكون شرا بحسب ذلك، بل شرا بحسب الأمر
<lb n="13"/> الذى هو ممكن فى الأقل. ولو وجد كان على سبيل ما هو فضل من الكمالات التى بعد
<lb n="14"/> الكمالات الثانية، ولا مقتضى له من طباع الممكن [الذي] هو فيه. وهذا القسم غير
<lb n="15"/> الذى نحن فيه، وهو الذى استثنيناه، هذا وليس هو شرا بحسب النوع، بل بحسب
<lb n="16"/> اعتبار زائد على واجب النوع كالجهل بالفلسفة، أو بالهندسة أو غير ذلك. فإن ذلك ليس
<lb n="17"/> شرا من جهة ما نحن ناس، بل هو شر بحسب كمال الإصلاح فى أن يعم، وستعرف
<lb n="18"/> أنه إنما ما يكون بالحقيقة شر إذا اقتضاه شخص إنسان، أو شخص نفسه. وإنما يقتضيه
<lb n="19"/> الشخص لا لأنه إنسان أو نفس، بل لأنه قد ثبت عنده حسن ذلك وأشتاق إليه، واستعد
<pb n="342"/>
<lb n="1"/> لذلك الاستعداد كما سنشرح لك بعد. وأما قبل ذلك فليس مما ينبعث الشىء إليه فى بقاء
<lb n="2"/> طبيعة النوع انبعاثه إلى الكمالات الثانية التى تتلو الكمال الأول. فإذا لم يكن، كان عدمًا
<lb n="3"/> فى أمر ما يقتضى فى الطباع. </p>
<p n="9">
<lb n="4"/>فالشر فى أشخاص الموجودات قليل،
<pb n="418" edRef="#source_3"/>ومع ذلك فأن وجود الشر
<lb n="5"/> فى الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير. فإن هذه العناصر لو لم تكن بحيث تتضاد
<lb n="6"/> وتنفعل عن الغالب، ولم يمكن أن تكون عنها هذه الأنواع الشريفة. ولو لم تكن النار منها
<lb n="7"/> بحيث إذا تأدت بها المصادمات الواقعة فى مجرى الكل على الضرورة إلى <choice>
<sic>ملاقة</sic>
<corr>ملاقاة</corr>
</choice> رداء
<lb n="8"/> رجل شريف، وجب <choice>
<sic>احتراقه</sic>
<corr>احراقه<note>according to Bertolacci 2006, 549</note></corr>
</choice>، لم تكن النار منتفعا بها النفع العام. </p>
<p n="10">
<lb n="9"/>فوجب ضرورة أن يكون الخير الممكن فى هذه الأشياء إنما يكون خيرا بعد
<lb n="10"/> أن يمكن وقوع مثل هذا الشر عنه ومعه. فإفاضة الخير لا توجب أن يترك الخير الغالب
<lb n="11"/> لشر يندر، فيكون تركه شرا من ذلك الشر، لأن عدم ما يمكن فى طباع المادة وجوده إذا
<lb n="12"/> كان عدمان شرا من عدم واحد. ولهذا ما يؤثر العاقل الاحتراق بالنار بشرط أن يسلم منها
<lb n="13"/> حيا على الموت بلا ألم. فلو ترك هذا القبيل من الخير لكان يكون ذلك شرا فوق هذا الشر
<lb n="14"/> الكائن بأيجاده، وكان فى مقتضى العقل المحيط بكيفية وجوب الترتيب فى نظام الخير أن
<lb n="15"/> يعقل استحقاق مثل هذا النمط من الأشياء وجودا محجوزا ما يقع معه من الشر ضرورة.
<lb n="16"/> فوجب أن يفيض وجوده. </p>
<p n="11">
<lb n="17"/>فإن قال قائل: فقد كان جائزا أن يوجد المدبر الأول خيرا محضا مبرأ
<lb n="18"/> عن الشر، فنقول:</p>
<pb n="343"/>
<p n="12">
<lb n="1"/> هذا لم يكن جائزا فى مثل هذا النمط من الوجود، وإن كان جائزا فى
<lb n="2"/> الوجود المطلق على أنه ضرب من الوجود المطلق مبرأ، ليس هذا الضرب. وذلك مما قد
<lb n="3"/> فاض عن المدبر الأول، ووجد فى الأمور العقلية والنفسية والسماوية، وبقى هذا النمط
<lb n="4"/> فى الإمكان ولم يكن ترك إيجاده لأجل ما قد يخالطه من الشر الذى إذا لم يكن مبدؤه
<lb n="5"/> موجودا أصلا؛ وترك لئلا يكون هذا الشر كان ذلك شرا من أن يكون هو، فكونه خير
<lb n="6"/> الشرين. ولكان أيضا يجب أن لا توجد الأسباب الخيرية التى هى قبل هذه الأسباب التى
<lb n="7"/> تؤدى إلى الشر بالعرض. فإن وجود تلك مستتبع لوجود هذه؛ فكان فيه أعظم خلل
<lb n="8"/> فى نظام الخير الكلى. </p>
<p n="13">
<lb n="9"/>بل وإن لم نلتفت إلى ذلك، وقصرنا التفاتنا
<pb n="419" edRef="#source_3"/>إلى ما ينقسم إليه
<lb n="10"/> الإمكان فى الوجود من أصناف الموجودات المختلفة فى أحوالها، فكان الوجود المبرأ
<lb n="11"/> من الشر قد حصل، وبقى نمط من الوجود إنما يكون على هذه السبيل، ولا كونه أعظم
<lb n="12"/> شرا من كونه. فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض عنه الوجود الذى هو أصوب،
<lb n="13"/> وعلى النمط الذى قيل؛ بل نقول من رأس: </p>
<p n="14">
<lb n="14"/>إن الشر يقال على وجوه. فيقال شر للأفعال المذمومة، ويقال شر لمبادئها من
<lb n="15"/> الأخلاق، ويقال شر للآلام والغموم وما يشبهها، ويقال شر لنقصان كل شىء عن كماله
<lb n="16"/>وفقدانه ما من شأنه أن يكون له. فكأن الألام والغموم، وإن كانت معانيها وجودية ليست
<lb n="17"/>أعدامًا، فإنها تتبع الأعدام والنقصان. والشر الذى هو فى الأفعال هو أيضا إنما هو بالقياس
<lb n="18"/> إلى من يفقد كماله بوصول ذلك إليه، مثل الظلم أو بالقياس إلى ما يفقد من كمال يجب
<pb n="344"/>
<lb n="1"/> فى السياسة الدينية كالزنا. وكذلك الأخلاق إنما هى شروط بسبب صدور هذه عنها.
<lb n="2"/> وهى مقارنة لأعدام النفس كمالات يجب أن تكون لها. </p>
<p n="15">
<lb n="3"/>ولا تجد شيئا مما يقال له شر من الأفعال إلا وهو كمال للقياس إلى سببه الفاعل
<lb n="4"/> له. وعسى إنما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له، أو بالقياس إلى فاعل آخر يمنع عن
<lb n="5"/> فعله فى تلك المادة التى هو أولى بها من هذا الفعل. فالظلم يصدر مثلا عن قوة طلابة للغلبة
<lb n="6"/> وهى الغضبية مثلا، والغلبة هى كمالها، ولذلك خلقت من حيث هى غضبية، يعنى أنها
<lb n="7"/> خلقت لتكون متوجهة إلى الغلبة، تطلبها وتفرح بها. فهذا الفعل بالقياس إليها خير لها،
<lb n="8"/> وإن ضعفت عنه، فهو بالقياس أليها شر لها. وإنما هى شر للمظلوم، أو للنفس المنطقية التى
<lb n="9"/> كمالها كسر هذه القوة والاستيلاء عليها. فإن عجزت عنه كان شرا لها. وكذلك السبب
<lb n="10"/>
<pb n="420" edRef="#source_3"/>فى الفاعل للآلام والإحراق كالنار إذا أحرقت مثلا. فإن الإحراق كمال للنار،
<lb n="11"/> لكنه شر بالقياس إلى من سلب سلامته بذلك، لفقدانه ما فقد. وأما الشر الذى سببه
<lb n="12"/> النقصان وقصور يقع فى الجبلة، وليس فاعلا فعله، بل لأن الفاعل لم يفعله، فليس ذلك
<lb n="13"/> بالحقيقة خيرا بالقياس إلى شىء. </p>
<p n="16">
<lb n="14"/>وأما الشرور التى تتصل بأشياء هى خيرات، فإنما هى من سببين: سبب
<lb n="15"/> من جهة المادة أنها قابلة للصورة والعدم، وسبب من جهة الفاعل. فإنه لما وجب أن يكون
<lb n="16"/> عنه الماديات، وكان مستحيلا أن يكون للمادة وجود الوجود الذى يغنى غناء المادة ويفعل
<lb n="17"/> فعل المادة إلا أن يكون قابلا للصورة والعدم، وكان مستحيلا أن لا يكون قابلا للمتقابلات،
<lb n="18"/> وكان مستحيلا أن يكون للقوى الفعالة أفعال مضادة لأفعال أخرى، قد حصل وجودها
<lb n="19"/> وهى لا تفعل فعلها، فإنه من المستحيل أن يخلق ما يراد منه الغرض المقصود بالنار، وهى
<pb n="345"/>
<lb n="1"/> لا تحرق، ثم كان الكل إنما يتم بأن يكون فيه محترق ومسخن، وأن يكون فيه محرِِق
<lb n="2"/> مسخَّن، لم يكن بد من أن يكون الغرض النافع فى وجود هذين يستتبع آفات تعرض من
<lb n="3"/> الإحراق والاحتراق، كمثل إحراق النار عضو إنسان ناسك. </p>
<p n="17">
<lb n="4"/>لكن الأمر الأكثرى هو حصول الخير المقصود فى الطبيعة، والأمر الدائم
<lb n="5"/> أيضا. أما الأكثرى فإن أكثر أشخاص الأنواع فى كنف السلامة من الاحتراق؛ وأما
<lb n="6"/> الدائن فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بوجود مثل النار على أن تكون
<lb n="7"/> محرق، وفى الأقل ما يصدر عن النيران الآفات التى تصدر عنها، وكذلك فى سائر تلك
<lb n="8"/> الأسباب المشابهة لذلك. </p>
<p n="18">
<lb n="9"/>فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأغراض شرية أقلية. فأريدت
<lb n="10"/> الخيرات الكائنة عن هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذى يصلح أن يقال: إن الله تعالى
<lb n="11"/> يريد الأشياء، وأريد الشر أيضا
<pb n="421" edRef="#source_3"/> على الوجه الذى بالعرض، إذ علم أنه يكون
<lb n="12"/> ضرورة فلم يعبأ به. فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض وكل بقدر. </p>
<p n="19">
<lb n="13"/>وكذلك فإن المادة قد علم من أمرها أنها تعجز عن أمور، وتقصر عنها
<lb n="14"/> الكمالات فى أمور، لكنها يتم لها ما لا نسبة له كثيرا إلى ما يقصر عنها. فإذا كان كذلك،
<lb n="15"/> فليس من الحكمة الإلهية أن تترك الخيرات الفائقة الدائمة والأكثرية لأجل شرور فى أمور
<lb n="16"/> شخصية غير دائمة؛ بل نقول: </p>
<p n="20">
<lb n="17"/>إن الأمور فى الوهم إما أمور إذا توهمت موجودة، يمتنع أن تكون إلا شرا
<lb n="18"/> على الإطلاق، وإما أمور وجودها أن يكون خيرا، ويمتنع أن تكون شرورا وناقصة، وإما
<pb n="346"/>
<lb n="1"/> أمور تغلب فيها الخيرية إذا وجدت وجودها، ولا يمكن غير ذلك لطباعها، وإما أمور
<lb n="2"/> تغلب فيها الشرية، وإما أمور متساوية الحالين. </p>
<p n="21">
<lb n="3"/>فأما ما لا شرية فيه، فقد وجد فى الطباع؛ وأما ما كله شر أو الغالب أو
<lb n="4"/> المساوى أيضا، فلم يوجد. وأما الذى الغالب فى وجوده الخير فالأحرى به أن يوجد،
<lb n="5"/> إذا كان الأغلب فيه أنه خير. فإن قيل: فلما لم تمنع الشرية عنه أصلا حتى كان يكون
<lb n="6"/> كله خيرا، فيقال حينئذ: </p>
<p n="22">
<lb n="7"/>لم يكن هى هى إذ قلنا إن وجوده الوجود الذى يستحيل أن يكون، بحيث
<lb n="8"/> لا يعرض عنها شر. فإذا صيرت بحيث لا يعرض عنها شر، فلا أن يكون وجودها الوجود
<lb n="9"/> الذى لها، بل يكون وجود أشياء أخرى وجدت وهى غيرها وهى حاصلة، أعنى ما
<lb n="10"/> خلق بحيث لا يلزمه شر لزوما أوليا. ومثال هذا: </p>
<p n="23">
<lb n="11"/>أن النار إذا كان وجودها أن تكون محرقة، وكان وجود المحرق هو أنه
<lb n="12"/> إذا مس ثوب الفقير أحرقه، وكان وجود ثوب الفقير أنه قابل للاحتراق، وكان وجود
<lb n="13"/> كل واحد منهما أن يعرض له حركات شىء، وكان وجود الحركات الشتى
<pb n="422" edRef="#source_3"/> فى
<lb n="14"/> الأشياء على هذه الصفة وجود ما يعرض له الالتقاء، وكان وجود الالتقاء بين الفاعل
<lb n="15"/> والمنفعل بالطبع وجودا يلزمه الفعل والانفعال، فإن لم تكن الثوانى لم تكن الأوائل، فالكل
<lb n="16"/> إنما رتبت فيه القوة الفعالة والمنفعلة السماوية والأرضية الطبيعية والنفسانية، بحيث
<lb n="17"/> تؤدى إلى النظام الكلى مع استحالة أن تكون هى على ما هى عليه ولا تؤدى إلى شرور.
<lb n="18"/> فيلزم من أحوال العالم بعضها بالقياس إلى بعض أن يحدث فى نفس ما صورة اعتقاد <choice><sic>ردىّ</sic><corr type="MAR">ردىء</corr></choice>
<lb n="19"/> أو كفر أو شر آخر فى نفس أو بدن، بحيث لو لم يكن كذلك لم يكن النظام الكلى يثبت.
<pb n="347"/>
<lb n="1"/> فلم يعبأ ولم يلتفت إلى اللوازم الفاسدة التى تعرض بالضرورة. وقيل: خلقت هؤلاء للنار
<lb n="2"/> ولا أبالى، وخلقت هؤلاء للجنة ولا أبالى، وقيل: كل ميسر لما خلق له.</p>
<p n="24">
<lb n="3"/>فإن قال قائل: ليس الشر شيئا نادرا أو اقليا، بل هو أكثرى، فليس هو
<lb n="4"/> كذلك. بل الشر كثير، وليس بأكثرى؛ وفرق بين الكثير والأكثرى، فإن ههنا أمورا كثيرة
<lb n="5"/> هى كثيرة وليس بأكثرية كالأمراض؛ فإنها كثيرة وليست أكثرية. فأذا تأملت هذا الصنف
<lb n="6"/> الذى نحن فى ذكره من الشر وجدته أقل من الخير الذى يقابله، ويوجد فى مادته فضلا
<lb n="7"/> عنه بالقياس إلى الخيرات الأخرى الأبدية. </p>
<p n="25">
<lb n="8"/>نعم الشرور التى هى نقصانات للكمالات الثانية هى أكثرية، لكنها ليست من
<lb n="9"/> الشرور التى كلامنا فيها. وهذه الشرور، مثل الجهل بالهندسة، ومثل فوت الجمال الرائع
<lb n="10"/> وغير ذلك مما لا يضر فى الكمالات الأولى، ولا فى الكمالات التى تليها مما يظهر منفعتها.
<lb n="11"/> وهذه الشرور ليس بفعل فاعل، بل لأن لا يفعل الفاعل لأجل أن القابل ليس مستعدا أو
<lb n="12"/> ليس يتحرك إلى القبول. وهذه الشرور هى أعدام خيرات من باب الفضل والزيادة.
<pb n="423" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="13"/> [الفصل السابع]
<lb n="14"/>
<num>ز</num> فصل
<lb n="15"/> فى المعاد </head>
<p n="1">
<lb n="16"/>وبالحرى أن نحقق ههنا فى أحوال الأنفس الإنسانية إذا فارقت أبدانها، وأنها إلى
<lb n="17"/> أية حال ستصير، فنقول: </p>
<p n="2">
<lb n="18"/>يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو منقول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من
<lb n="19"/> طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وه الذى للبدن عند البعث. وخيرات البدن وشروره
<pb n="348"/>
<lb n="1"/> معلومة لا يحتاج إلى أن تعلم، وقد بسطت الشريعة الحقة التى أتانا بها نبينا وسيدنا ومولانا
<lb n="2"/> محمد صلى الله عليه وعلى آله حال السعادة والشقاوة التى بحسب البدن. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهانى وقد صدقته النبوة وهو السعادة
<lb n="4"/> والشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس، وإن كانت الأوهام ههنا تقتصر على تصورهما الآن
<lb n="5"/> لما نوضح من العلل. والحكماء الإلهيون رغبتهم فى إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم
<lb n="6"/> فى إصابة السعادة البدنية، بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك، وإن أعطوها، ولا <choice>
<sic>يسشعظمونها</sic>
<corr>يستعظمونها</corr>
</choice>
<lb n="7"/> فى جبنة هذه السعادة التى هى مقاربة الحق الأول، وهى على ما سنصفها عن قريب،
<lb n="8"/> فلنعرف حال هذه السعادة، والشقاوة المضادة لها. فإن البدنية مفروغ منها فى الشرع، فنقول: </p>
<p n="4">
<lb n="9"/>يجب أن تعلم أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها وأذى وشرا يخصها؛
<lb n="10"/> مثاله أن لذة الشهوة وخيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من الخمسة، ولذة
<lb n="11"/> الغضب الظفر، ولذة الوهم الرجاء، ولذة الحفظ الأمور الموافقة الماضية.
<pb n="424" edRef="#source_3"/>
<lb n="12"/> وأذى كل واحد منها ما يضاده. ويشترك كلها نوعا من الشركة فى أن الشعور بموافقتها
<lb n="13"/> وملائمتها هو الخير واللذة الخاصة بها، وموافق كل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول
<lb n="14"/> الكمال الذى هو بالقياس إليه كمال بالفعل. فهذا أصل. </p>
<p n="5">
<lb n="15"/>وأيضا فإن هذه القوى وإن اشتركت فى هذه المعانى فإن مراتبها فى الحقيقة
<lb n="16"/> مختلفة. فالذى كماله أفضل وأتم، والذى كماله أكثر، والذى كماله أدوم، والذى كماله
<lb n="17"/> أوصل إليه واحصل له، والذى هو فى نفسه أكمل فعلا وأفضل، والذى هو فى نفسه أشد
<lb n="18"/> إدراكا؛ <choice><sic>فاللذه</sic><corr>فاللذة</corr></choice> التى له هى أبلغ وأوفر لا محالة. وهذا أصل.
<pb n="349"/>
</p>
<p n="6">
<lb n="1"/>وأيضا قد يكون الخروج إلى الفعل فى كمال ما بحيث يعلم أنه كائن ولذيذ،
<lb n="2"/> ولا يتصور كيفيته ولا يشعر بالتذاذه، ما لم يحصل. وما لم يشعر به لم يشتق إليه ولم ينزع
<lb n="3"/> نحوه؛ مثل العنين فإنه متحقق أن <choice>
<sic>للمجماع</sic>
<corr>للجماع</corr>
</choice> لذة، لكنه لا يشتهيه ولا يحن نحوه الاشتهاء
<lb n="4"/> والحنين اللذين يكونان مخصوصين به، بل شهوة أخرى، كما يشتهى من يجرب من حيث
<lb n="5"/> يحصل به إدراك وإن كان مؤذيا، وبالجملة، فإنه لا يتخيله. وكذلك حال الأكمة عند الصور
<lb n="6"/> الجميلة، والأصم عند الألحان المنتظمة. </p>
<p n="7">
<lb n="7"/>ولهذا يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهى كما للحمار فى بطنه وفرجه،
<lb n="8"/> وأن المبادئ الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة اللذة والغبطة، وأن رب العالمين ليس له
<lb n="9"/> فى سلطانه وخاصيته البهاء الذى له وقوته الغير المتناهية أمر فى غاية الفضيلة والشرف
<lb n="10"/> والطيب نجله عن أن نسميه لذة، وللحمار والبهائم حالة طيبة ولذيذة، كلا، بل أى نسبة
<lb n="11"/> تكون لما للعالية إلى هذه الخسيسة؟ ولكنا نتخيل هذا ونشاهده ولم نعرف
<pb n="425" edRef="#source_3"/> ذلك
<lb n="12"/> بالاستشعار بل بالقياس. فحالنا عنده كحال الأصم الذى لم يسمع قط، فى عدم تخيل
<lb n="13"/> اللذة اللحنية وهو متيقن لطيبها. وهذا أصل. </p>
<p n="8">
<lb n="14"/>وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة وهناك مانع أو شاغل
<lb n="15"/> للنفس، فتكرهه وتؤثر ضده عليه، مثل كراهية بعض المرضى للطعم الحلو وشهوتهم للطعوم
<lb n="16"/>
<choice>
<sic>الردية</sic>
<corr type="MAR">الرديئة</corr>
</choice> الكريهات بالذات. وربما لم يكن كراهية، ولكن كان عدم الاستلذاذ به كالخائف يجد
<lb n="17"/> الغلبة أو اللذة فلا يشعر بها ولا يستلذها. وهذا أصل. </p>
<p n="9">
<lb n="18"/>وأيضا فإنه قد تكون القوة الداركة <choice><sic>ممنوه</sic><corr>ممنوّة<note>according to Bertolacci 2006, 551</note></corr></choice> بضد ما هو كمالها ولا تحس به ولا تنفر
<lb n="19"/> عنه، حتى إذا زال العائق ورجعت إلى غريزتها، تأذت به؛ مثل الممرور، فربما لا يحس
<pb n="350"/>
<lb n="1"/> بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه ويستنقى أعضاءه، فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له.
<lb n="2"/> وكذلك قد يكون الحيوان غير مشته الغذاء البتة، بل كارها له، وهو أوفق شىء له،
<lb n="3"/> ويبقى عليه مدة طويلة. فإذا زال العائق عاد إلى واجبه فى طبعه، فاشتد جوعه وشهوته
<lb n="4"/> للغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك عند فقدانه. وقد يحصل سبب الألم العظيم مثل إحراق
<lb n="5"/> النار وتبريد الزمهرير، إلا أن الحس مئوف، فلا يتأذى البدن به حتى تزول الآفة، فيحس
<lb n="6"/> حينئذ بالألم العظيم. </p>
<p n="10">
<lb n="7"/>فإذا تقررت هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذى نؤمه فنقول: </p>
<p n="11">
<lb n="8"/>إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة
<lb n="9"/> الكل والنظام المعقول فى الكل والخير الفائض فى الكل مبتدئة من مبدأ الكل سالكة إلى 
<lb n="10"/> الجواهر
<pb n="426" edRef="#source_3"/>الشريفة الروحانية المطلقة ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان، ثم
<lb n="11"/> الأجسام العلوية بهيئاتها وقوامها، ثم كذلك حتى تستوفى فى نفسها هيئة الوجود كله،
<lb n="12"/> فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله، مشاهدة لما هو الحسن المطلق والخير
<lb n="13"/> المطلق والجمال الحق المطلق، ومتحدة به، ومنتقشة بمثاله وهيئته، ومنخرطة فى سلكه،
<lb n="14"/> وصائرة من جوهره. </p>
<p n="12">
<lb n="15"/>فإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التى للقوى الأخرى وجد فى المرتبة التى
<lb n="16"/> بحيث يقبح معها أن يقال: إنه أفضل وأتم منها. بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه فضيلة
<lb n="17"/> وتماما وكثرة وسائر ما يتم به التذاذ المدركات مما ذكرناه. </p>
<p n="13">
<lb n="18"/>وأما الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدى بدوام المتغير الفاسد؟ وأما شدة
<lb n="19"/> الوصول فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار فى جوهر
<pb n="351"/>
<lb n="1"/> قابله حتى يكون كأنه هو هو بلا انفصال؛ إذ العقل والعاقل و المعقول واحد أو قريب من
<lb n="2"/> الواحد_ وأما أن المدرك فى نفسه أكمل فأمر لا يخفى. وأما أنه أشد إدراكا فأمر أيضا
<lb n="3"/> تعرفه بأدنى تأمل وتذكر لما سلف بيانه. فإن النفس النطقية أكثر عدد مدركات، وأشد
<lb n="4"/> تقصيا للمدرك وأشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة فى معناه إلا بالعرض. ولها الخوض
<lb n="5"/> فى باطن المدرك وظاهره. بل كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك أو كيف تقاس هذه
<lb n="6"/> اللذة باللذة الحسية والبهيمية والغضبية؟ </p>
<p n="14">
<lb n="7"/>ولكنا فى عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا فى الرذائل لا نحس بتلك اللذة إذا
<lb n="8"/> حصل عندنا شىء من أسبابها، كما أومأنا إليه فى بعض ما قدمناه من الأصول. ولذلك
<lb n="9"/> لا نطلبها ولا نحن إليها، اللهم إلا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما
<lb n="10"/> عن أعناقنا، وطالعنا شيئا من تلك
<pb n="427" edRef="#source_3"/> اللذة. فحينئذ ربما تخيلنا منها خيالا طفيفا
<lb n="11"/> ضعيفا، وخصوصا عند انحلال المشكلات واستيضاح المطلوبات النفسية. ونسبة
<lb n="12"/> التذاذنا هذا إلى التذاذ ذلك، ونسبة التذاذ الحسى بنشق روائح <choice><sic>المذاقات</sic><corr cert="medium">المذوقات</corr></choice> اللذيذة إلى
<lb n="13"/> الالتذاذ بتطعمها، بل أبعد من ذلك بعدا غير محدود. </p>
<p n="15">
<lb n="14"/>وأنت تعلم إذا تأملت عويصا يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين
<lb n="15"/> الظفرين، استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس؛ والأنفس العامية أيضا فإنها تترك
<lb n="16"/> الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح او خجل أو تغيير
<lb n="17"/> أو سوء قاله. وهذه كلها أحوال عقلية تؤثر هى وأضداد (ها) على المؤثرات الطبيعية
<lb n="18"/> ويصبر لها على المكروهات الطبيعية. فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على النفس
<lb n="19"/> من محقرات الأشياء. فكيف الأمور البهية العالية؟ إلا أن النفس الخسيسة تحس بما
<lb n="20"/> يلحق المحقرات من الخير والشر، ولا تحس بما يلحق الأمور البهية لما قيل من المعاذير.
<pb n="352"/>
</p>
<p n="16">
<lb n="1"/>وأما إذا انفصلنا عن البدن، وكانت النفس منا تنبهت فى البدن لكمالها
<lb n="2"/> الذى هو معشوقها ولم تخصله، وهى بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالفعل أنه موجود، إلا
<lb n="3"/> أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها كما ينسى المرض الحاجة إلى بدل
<lb n="4"/> ما يتحلل وكما ينسى المرض الاستلذاذ بالحلو واشتهاؤه، ويميل بالشهوة من المريض إلى
<lb n="5"/> المكروهات فى الحقيقة، عرض لها حينئذ من الألم لفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التى
<lb n="6"/> أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها. فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التى لا يعدلهما
<lb n="7"/> تفريق النار
<pb n="428" edRef="#source_3"/>للاتصال وتبديل الزمهرير للمزاج. فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذى
<lb n="8"/> أومأنا إليه فيما سلف، أى الذى قد عملت فيه نار أو زمهرير، فمنعت المادة الملابسة وجه
<lb n="9"/> الحس عن الشعور به فلم يتأذ؛ ثم عرض أن أزال العائق فشعر بالبلاء العظيم. </p>
<p n="17">
<lb n="10"/>وأما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به إذا
<lb n="11"/> فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذى لها أن تبلغه، كان مثلها مثل الخدر الذى
<lb n="12"/> أذيق المطعم الألذ وعرض للحالة الأشهى وكان لا يشعر به، فزال عنه الخدر وطالع اللذة
<lb n="13"/> العظيمة دفعة. وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه، بل لذة تشاكل
<lb n="14"/> الحال الطيبة التى هى للجواهر الحية المحضة، وهى أجل من كل لذة وأشرف. </p>
<p n="18">
<lb n="15"/>فهذه هى السعادة وتلك هى الشقاوة. وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد
<lb n="16"/> من الناقصين، بل للذين اكتسبوا للقوة العقلية التشوق إلى كمالها. وذلك عندما يبرهن لهم
<lb n="17"/> أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل. فإن
<lb n="18"/> ذلك ليس فيها بالطبع الأول، ولا أيضا فى سائر القوى، بل شعور أكثر القوى بكمالاتها إنما
<lb n="19"/> يحدث بعد أسباب. وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة، فكأنها هيولى موضوعة لم
<pb n="353"/>
<lb n="1"/> تكتسب البتة هذا الشوق، لأن هذا التشوق إنما يحدث حدوثا وينطبع فى جوهر النفس
<lb n="2"/> إذا برهن للقوة النفسانية أن ههنا أمورا يكتسب العلم بها الحدود الوسطى على ما علمت.
<lb n="3"/> وأما قبل ذلك فلا يكون، لأن هذا التشوق يتبع رأيا، غذ كل شوق يتبع رأيا، وليس هذا
<lb n="4"/> الرأى للنفس رأيا أوليا بل رأيا مكتسبا. فهؤلاء إذا اكتسبوا هذا الرأى، لزم النفس ضرورة
<lb n="5"/> هذا الشوق؛ وإذا فارقت ولم يحصل معها ما تبلغ به بعد الانفصال <choice>
<sic>التام</sic>
<corr>التمام<note>according to Bertolacci 2006, 552</note></corr>
</choice>
<pb n="429" edRef="#source_3"/> وقعت فى
<lb n="6"/> هذا النوع من الشقاء الأبدى؛ لأن أوائل الملكة العلمية إنما كانت تكتسب بالبدن لا غير
<lb n="7"/> وقد فات. وهؤلاء إما مقصرون عن السعى فى كسب الكمال الأسنى، وإما معاندون
<lb n="8"/> جاحدون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية. والجاحدون أسوأ حالا لما
<lb n="9"/> اكتسبوا من هيآت مضادة للكمال. </p>
<p n="19">
<lb n="10"/>وأما أنه ينبغى أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور المعقولات حتى
<lb n="11"/> يجاوز به الحد الذى فى مثله تقع هذه الشقاوة، وفى تعديه وجوازه ترجى هذه السعادة،
<lb n="12"/> فليس يمكننى أن أنص عليه نصا إلا بالتقريب. وأظن أن ذلك أن يتصور نفس الإنسان
<lb n="13"/> المبادئ المفارقة تصورا حقيقيا، وتصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عندها بالبرهان،
<lb n="14"/> وتعرف العلل الغائية للأمور الواقعة فى الحركات الكلية دون الجزئية التى لا تتناهى، وتتقرر
<lb n="15"/> عندها هيئة الكل ونسب أجزاء بعضها إلى بعض، والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى
<lb n="16"/> أقصى الموجودات الواقعة فى ترتيبه، وتتصور العناية وكيفيتها، وتتحقق أن الذات المتقدمة
<lb n="17"/> للكل أى وجود يخصها، وأية وحدة تخصها، وأنها تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير
<pb n="354"/>
<lb n="1"/> بوجه من الوجوه، وكيف ترتيب نسبة الموجودات إليها. ثم كلما ازداد الناظر استبصارا
<lb n="2"/> ازداد للسعادة استعدادًا، وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون
<lb n="3"/> أكد العلاقة مع ذلك العالم فصار له شوق إلى ما هناك وعشق لما هناك فصده عن الالتفات
<lb n="4"/> إلى ما خلفه جملة. </p>
<p n="20">
<lb n="5"/>ونقول أيضا: إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملى من
<lb n="6"/> النفس، ولنقدم لذلك مقدمة، وكأنا قد ذكرناها فيما سلف، فنقول: </p>
<p n="21">
<lb n="7"/>إن الخلق هو ملكة يصدر بها من النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية.
<lb n="8"/> وقد أمر فى كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين لا بأن نفعل أفعال
<lb n="9"/> التوسط دون أن تحصل ملكة التوسط،
<pb n="430" edRef="#source_3"/>بل أن تحصل التوسط. وملكة التوسط
<lb n="10"/> ملكة كأنها موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معا. أما القوى الحيوانية فبأن تحصل فيها
<lb n="11"/> هيئة الإذعان؛ وأما القوة الناطقة فبأن تحصل فيها هيئة الاستعلاء والانفعال، كما أن ملكة
<lb n="12"/> الإفراط والتفريط موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معًا، ولكن بعكس هذه النسبة.
<lb n="13"/> ومعلوم أن الإفراط والتفريط هما مقتضى القوى الحيوانية. وإذا قويت القوى الحيوانية
<lb n="14"/> وحصل لها ملكة استعلائية حدثت فى النفس الناطقة هيئة إذعانية وأثر انفعالى قد رسخ
<lb n="15"/> فى النفس الناطقة من شأنها أن يجعلها قوية العلاقة مع البدن شديدة الانصراف إليه. </p>
<p n="22">
<lb n="16"/>وأما ملكة التوسط فالمراد منها التنزيه عن الهيئات الانقيادية وتبقية النفس
<lb n="17"/> الناطقة على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه. وذلك غير مضاد لجوهرها ولا مائل
<lb n="18"/> بها إلى جهة البدن، بل عن جهته. فإن المتوسط يسلب عنه الطرفان دائما. ثم جوهر
<lb n="19"/> النفس إنما كان البدن هو الذى يغمره ويلهيه، ويغفله عن الشوق الذى يخصه، وعن طلب
<pb n="355"/>
<lb n="1"/> الكمال الذى له، وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل، والشعور بألم الكمال إن قصر
<lb n="2"/> عنه؛ لا بأن النفس منطبعة فى البدن أو منغمسة فيه، ولكن العلاقة التى كانت بينهما وهو
<lb n="3"/> الشوق الجبلى إلى تدبيره والاشتغال بآثاره وبما تورده عليه من عوارضه، وبما يتقرر فيه
<lb n="4"/> من ملكات مبدؤها البدن. فإذا فارق وفيه الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به كان قريب
<lb n="5"/>الشبه من حاله وهو فيه. فيما ينقص من ذلك، تزول غفلته عن حركة الشوق الذى له الى
<lb n="6"/> كماله، وبما يبقى منه معه يكون محجوبا عن الاتصال الصرف بمحل سعادته، ويحدت
<lb n="7"/> هناك من الحركات المشوشة ما يعظم
<pb n="431" edRef="#source_3"/> أذاه. </p>
<p n="23">
<lb n="8"/>ثم أن تلك البدنية مضادة لجوهرها مؤذية له. وإنما كان يلهيها عنها أيضا
<lb n="9"/> البدن وتمام انغماسها فيه. فإذا فارقت النفس البدن أحست بتلك المضادة العظيمة وتأذت
<lb n="10"/> بها أذى عظيما. لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر لازم، بل لأمر عارض غريب.
<lb n="11"/> والأمر العارض الغريب لا يدوم ولايبقى، ويزول ويبطل مع ترك الأفعال التى كانت تثبت
<lb n="12"/> تلك الهيئة بتكررها. فيلزم إذن أن تكون العقوبة التى بحسب ذلك غير خالدة، بل تزول
<lb n="13"/> وتنمحى قليلا قليلا حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التى تخصها. </p>
<p n="24">
<lb n="14"/>وأما النفوس البله التى لم تكتسب الشوق فإنها إذا فارقت البدن وكانت
<lb n="15"/> غير مكتسبة للهيئات <choice>
<sic>الردية</sic>
<corr type="MAR">الرديئة</corr>
</choice>, صارت إلى سعة من رحمة الله تعالى ونوع من الراحة. وإن
<lb n="16"/> كانت مكتسبة للهيئات البدنية <choice>
<sic>الردية</sic>
<corr type="MAR">الرديئة</corr>
</choice> وليس لها عندها هيئة غير ذلك معنى تضاده
<lb n="17"/> وتنافيه، فتكون لا محالة ممنوة بشوقها إلى مقتضاها، فتتعذب عذابا شديدا بفقد البدن
<lb n="18"/> ومقتضيات البدن من غير أن يحصل المشتاق إليه، لأن آلة ذلك قد بطلت وخلق التعلق
<lb n="19"/> بالبدن قد بقى.
<pb n="356"/>
</p>
<p n="25">
<lb n="1"/>ويشبه أيضا أن يكون ما قاله بعض العلماء حقا وهو أن هذه الأنفس إن كانت
<lb n="2"/> زكية وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد فى العاقبة التى تكون لامثالهم على
<lb n="3"/> مثل ما يمكن أن يخاطب به العامة وتصور ذلك فى أنفسهم من ذلك، فإنهم إذا فارقوا
<lb n="4"/> الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التى فوقهم، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة،
<lb n="5"/> ولا شوق كمال فيشقوا تلك الشقاوة، بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل
<lb n="6"/> منجذبة إلى الأجسام، ولا منع من المواد السماوية من أن تكون موضوعة بفعل نفس فيها،
<lb n="7"/> قالوا فإنها تتخيل
<pb n="432" edRef="#source_3"/> جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال الأخروية، وتكون الآلة
<lb n="8"/> التى يمكنها بها التخيل شيئا من الأجرام السماوية. فتشاهد جميع ما قيل لها فى الدنيا
<lb n="9"/> من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية، وتكون الأنفس <choice>
<sic>الردية</sic>
<corr type="MAR">الرديئة</corr>
</choice> أيضا تشاهد العقاب
<lb n="10"/> بحسب ذلك المصور لهم فى الدنيا وتقاسيه. فإن الصور الخيالية ليست تضعف عن
<lb n="11"/> الحسية بل تزداد عليها تأثيرا وصفاء كما يشاهد فى المنام. فربما كان المحلوم به أعظم شأنا
<lb n="12"/> فى بابه من المحسوس، على أن الأخروى أشد استقرارا من الموجود فى المنام بحسب
<lb n="13"/> قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل. وليست الصورة التى ترى فى المنام، بل ولا التى
<lb n="14"/> تحس فى اليقظة،كما علمت، إلا المرتسمة فى النفس. إلا أن أحدهما يبتدئ من باطن
<lb n="15"/> وينحدر إليه، والثانى يبتدئ من خارج ويرتفع إليه. فإذا ارتسم فى النفس تم هناك الإدراك
<lb n="16"/> المشاهد. وإنما يلذ ويؤذى بالحقيقة هذا المرتسم فى النفس لا الموجود من خارج. فكلما
<lb n="17"/> ارتسم فى النفس فعل فعله وأن لم يكن يسبب من خارج. فإن السبب الذاتى هو هذا
<lb n="18"/> المرتسم، والخارج هو السبب بالعرض أو سبب السبب.
<pb n="357"/>
</p>
<p n="26">
<lb n="1"/>فهذه هى السعادة والشقاوة الخسيستان اللتان بالقياس إلى الأنفس الخسيسة،
<lb n="2"/> وأما الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتصل بكمالاتها بالذات وتنغمس
<lb n="3"/> فى اللذة الحقيقية، وتتبرأ من النظر إلى ما خلفها، وإلى المملكة التى كانت لها، كل
<lb n="4"/> التبرئ. ولو كان بقى فيها من ذلك أثر اعتقادى أو خلقى تأذت به، وتخلفت لأجله عن
<lb n="5"/> درجة العليين إلى أن تنفسخ وتزول.
<pb n="358"/>
</p>
</div>
</div>
<div type="book">
<lb n="1"/>
<head>المقالة العاشرة
<lb n="2"/>وفيها خمسة فصول </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="3"/> [الفصل الأول]
<lb n="4"/>
<num>ا</num> فصل
<lb n="5"/> فى المبدأ والمعاد بقول مجمل، وفى الإلهامات والمنامات، والدعوات المستجابة،
<lb n="6"/> والعقوبات السماوية، وفى الأحوال النبوة، وفى حال أحكام النجوم </head>
<p n="1">
<lb n="7"/>
<pb n="435" edRef="#source_3"/>فالوجود إذا ابتدأ من عند الأول لم يزل كل تال منه أدون مرتبة من
<lb n="8"/> الأول، ولا يزال ينحط درجات؛ فأول ذلك درجة الملائكة الروحانية المجردة التى تسمى
<lb n="9"/> عقولًا، ثم مراتب الملائكة الروحانية التى تسمى نفوسًا، وهى الملائكة العملة، ثم مراتب
<lb n="10"/> الأجرام السماوية، وبعضها أشرف من بعض إلى أن يبلغ آخرها. </p>
<p n="2">
<lb n="11"/>ثم بعدها يبتدئ وجود المادة القابلة للصور الكائنة الفاسدة. فيلبس أول شىء
<lb n="12"/> صور العناصر ثم يتدرج يسيرا يسيرا فيكون أول الوجود فيها أخس وأدون مرتبة من الذى
<lb n="13"/> يتلوه، فيكون أخس ما فيه المادة ثم العناصر، ثم المركبات الجمادية، ثم [الناميات]،
<lb n="14"/> وأفضلها الإنسان، وبعده الحيوانات ثم النبات وأفضل الناس من استكملت نفسه عقلا
<pb n="359"/>
<lb n="1"/> بالفعل، ومحصلا للأخلاق التى تكون فضائل عملية، وأفضل هؤلاء هو المستعد لمرتبة
<lb n="2"/> النبوة وهو الذى فى قواه النفسانية خصائص ثلاثة ذكرناها: وهى أن يسمع كلام الله
<lb n="3"/> تعالى، ويرى ملائكته وقد تحولت له على صورة يراها. وقد بينا كيفية هذا، وبينا أن هذا
<lb n="4"/> هو الذى يوحى إليه تتشبح الملائكة له ويحدث له فى سمعة صوت يسمعه يكون من قبل الله
<lb n="5"/> والملائكة، فيسمعه من غير أن
<pb n="436" edRef="#source_3"/> يكون ذلك كلاما من الناس والحيوان الأرضى.
<lb n="6"/> وهذا هو الموحى إليه. </p>
<p n="3">
<lb n="7"/>وكما أن أول الكائنات من الابتداء إلى درجة العناصر كان عقلا ثم نفسا ثم
<lb n="8"/> جرمًا، فههنا يبتدئ الوجود من الأجرام، ثم تحدب المفوس، ثم عقول. وإنما تفيض هذه
<lb n="9"/> الصور لا محالة من عند تلك المبادئ، والأمور الحادثة فى هذا العالم تحدث من مصادمات
<lb n="10"/> القوة الفاعلة السماوية. والمنفعلة الأرضية تابعة لمصادمات القوى الفعالة السماوية. </p>
<p n="4">
<lb n="11"/>وأما القوى الأرضية فيتم حدوث ما يحدث فيها بسبب شيئيين: أحدهما القوى
<lb n="12"/> الفعالة فيها: إما الطبيعية وإما الارادية. والثانى القوى الانفعالية: إما الطبيعية أو النفسانية.
<lb n="13"/> وأما القوى السماوية فتحدث عنها آثارها فى هذه الأجرام التى تحتها على ثلاثة وجوه: </p>
<p n="5">
<lb n="14"/>أحدها من تلقائها بحيث لا تسبب فيها للأمور الأرضية بوحه من الوجوه؛
<lb n="15"/> وتلك إما عن طبائع أجسامها وقواها الجسمانية بحسب التشكيلات الواقعة منها مع القوى
<lb n="16"/> الأرضية والمناسبات بينها، وإما عن طبائعها النفسانية. </p>
<p n="6">
<lb n="17"/>والوجه [الثالث] فيه شركة ما مع الأحوال الأرضية وتسبب بوجه من
<lb n="18"/> الوجوه على الوجه الذى أقول: إنه قد اتضح لك، إن نفوس تلك الأجرام السماوية ضربا
<pb n="360"/>
<lb n="1"/> من التصرف فى المعانى الجزئية على سبيل إدراك غير عقلى محض وأن لمثلها أن يتوصل
<lb n="2"/> إلى إدراك الحادثات الجزئية. وذلك يمكن بسبب إدراك تفاريق أسبابها الفاعلة والقابلة
<lb n="3"/> الحاصلة من حيث هى أسباب وما يتأدى إليه، وإنها دائما تنتهى إلى الطبيعة أو إرادية
<lb n="4"/> موجبة ليس إرادية فاترة غير حاتمة ولا جازمة. ولا تنتهى إلى القسر، فإن القسرية إما
<lb n="5"/> قسر
<pb n="437" edRef="#source_3"/>عن طبيعة، وإما قسر عن إرادة، واليها ينتهى التحليل فى القسريات أجمع.
<lb n="6"/> ثم إن الإرادات كلها كائنة بعد لم تكن، فلها أسباب تتوافى فتوجبها. وليس توجد
<lb n="7"/> إرادة لإرادة وإلا لذهبت إلى غير النهاية، ولا عن طبيعة للمريد <choice>
<sic>وإلاللزمت</sic>
<corr>وإلا للزمت</corr>
</choice> الإرادة ما دامت
<lb n="8"/> الطبيعة، بل الإرادات تحدث بحدوث علل هى الموجبات. والدواعى تستند إلى أرضيات
<lb n="9"/> وسماويات، وتكون موجبة ضرورة لتلك الإرادة. وأما الطبيعة فإن كانت ثابتة فهى
<lb n="10"/> أصل، وأن كانت قد حدثت فلا محالة أنها تستند أيضا إلى أمور سماوية وأرضية. </p>
<p n="7">
<lb n="11"/>عرفت جميع هذا فيما قبل وأن لازدحام هذه العلل وتصادمها واستمرارها
<lb n="12"/> نظاما ينجز بحسب الحركة السماوية، فإذا علمت الأوائل بما هى أوائل وهيئة إنجرارها إلى
<lb n="13"/> الثوانى، علمت الثوانى ضرورة. فمن هذه الأشياء علمنا أن النفوس السماوية وما فوقها
<lb n="14"/> عالمة بالجزئيات، وأما ما فوقها فعلمها بالجزئيات على نحو كلى، وأما هى فعلى نحو جزئى
<lb n="15"/> كالمباشر أو المتأدى إلى المباشر أو المشاهد بالحواس. فلا محالة أنها تعلم ما يكون، لا
<lb n="16"/> محالة أنها تعلم فى كثير منها على الوجه الذى هو أصوب والذى هو أصلح وأقرب من
<lb n="17"/> الخير من الأمرين الممكنين. </p>
<p n="8">
<lb n="18"/>وقد بينا أن التصورات التى لتلك العلل مبادئ لوجود تلك الصور ههنا إذا كانت
<lb n="19"/> ممكنة ولم تكن هناك أسباب سماوية، تكون أقوى من تلك التصورات مما هو أقدم ومما هو
<pb n="361"/>
<lb n="1"/> فى أحد القسمين من الثلاثة، غير هذا الثالث. وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يحصل
<lb n="2"/> ذلك الأمر الممكن الوجود لا عن سبب أرضى ولا عن سبب طبيعى فى السماء، بل عن
<lb n="3"/> تأثير بوجه ما لهذه الأمور فى الأمور السماوية. وليس هذا بالحقيقة تأثير، بل التأثير لمبادئ
<lb n="4"/> وجود ذلك فى الأمور السماوية؛ فإنها إذا، عقلت الأوائل عقلت ذلك الأمر؛ وإذا عقلت
<lb n="5"/> ذلك الأمر، عقلت ما هو الأولى
<pb n="438" edRef="#source_3"/> بأن يكون. وإذا عقلت ذلك مكان لا مانع فيه إلا
<lb n="6"/> عدم علة طبيعة أرضية أو وجود علة طبيعية أرضية. </p>
<p n="9">
<lb n="7"/>أما عدم العلة الطبيعية الأرضية، مثلا أن يكون ذلك الشىء هو يوجد
<lb n="8"/> حرارة، فلا يكون قوة مسخنة طبيعية أرضية، فتلك السخونة تحدث للتصور السماوى
<lb n="9"/> بوجه كون الخير فيه، كما إنها تحدث هى فى أبدان الناس عن أسباب من تصورات الناس
<lb n="10"/> وعلى ما عرفته فيما سلف. وأما مثال الثانى فأن يكون ليس المانع عدم سبب التسخين
<lb n="11"/> فقط، بل وجود المبرد .فالتصور السماوى للخير فى وجود ضد ما يوجبه المبرد فى
<lb n="12"/> ذلك أيضا يقسر المبرد كما يقسر تصورنا المغضب السبب المبرد فينا فيكون الحر. فتكون
<lb n="13"/> أصناف هذا القسم إحالات لأمور طبيعية أو إلهامات تتصل بالمستدعى أو بغيره، أو
<lb n="14"/> اختلاط من ذلك يؤدى واحد منها أو جملة مجتمعة إلى الغاية النافعة. </p>
<p n="10">
<lb n="15"/>ونسبة التضرع إلى استدعاء هذه القوة نسبة التفكر إلى استدعاء البيان،
<lb n="16"/> وكل يفيض من فوق. وليس هذا يتبع التصورات السماوية، بل الأول الحق يعلم جميع ذلك
<lb n="17"/> على الوجه الذى قلنا إنه يليق به ومن عنده يبتدئ التصورات كون ما يكون، ولكن بالتوسط؛
<lb n="18"/> وعلى ذلك علمه. فبسبب هذه الأمور ما ينتفع بالدعوات والقرابين وخصوصا فى أمر
<lb n="19"/> الاستسقاء وفى أمور أخرى. ولهذا ما يجب أن يخاف المكافآت على الشر ويتوقع
<pb n="362"/>
<lb n="1"/> المكافآت على الخير؛ فإن غى ثبوت حقية مزجرة عن الشر. وثبوت حقية ذلك يكون
<lb n="2"/> بظهور آياته، وآياته هى وجود جزئياته، وهذه الحال معقولة عند المبادئ، فيجب أن يكون
<lb n="3"/> لها وجود. فإن لم يوجد فهناك <choice><sic>شر</sic><corr>سر<note>according to Bertolacci 2006, 555</note></corr></choice> وسبب <choice><sic>لاندركه</sic><corr>لا ندركه</corr></choice>، أو سبب آخر يعاوقه. وذلك أولى
<lb n="4"/> بالوجود من هذا، ووجود ذلك ووجود هذا معا من المحال. </p>
<p n="11">
<lb n="5"/>وإذا شئت أن تعلم أن الأمور التى عقلت
<pb n="439" edRef="#source_3"/>نافعة مؤدية إلى المصالح
<lb n="6"/> قد أوجدت فى الطبيعة على النحو من الإيجاد الذى علمته وتحققته، فتأمل حال منافع
<lb n="7"/> الأعضاء فى الحيوانات والنباتات، وان كل واحد كيف خلق. وليس هناك البتة سبب
<lb n="8"/> طبيعى، بل مبدوء لا محالة من العناية على الوجه الذى علمت للعناية. فكذلك يصدق
<lb n="9"/> بوجود هذه المعانى؛ فإنها متعلقة بالعناية على الوجه الذى علمت العناية تعلق تلك. </p>
<p n="12">
<lb n="10"/>واعلم أن أكثرها ما يقربه الجمهور ويفزع إليه، ويقول به، فهو حق. وإنما يدفعه
<lb n="11"/> هؤلاء المتشبهة بالفلاسفة جهلا منهم بعلله وأسبابه. وقد عملنا فى هذا الباب كتاب البر
<lb n="12"/> والإثم، فتأمل شرح هذه الأمور من هناك وصدق بما يحكى من العقوبات الإلهية النازلة على
<lb n="13"/> مدن فاسدة، وأشخاص ظالمة؛ وأنظر أن الحق كيف ينصر؛ واعلم أن السبب فى الدعاء
<lb n="14"/> منا أيضا وفى الصدقة وغير ذلك وكذلك حدوث الظلم والإثم إنما يكون من هناك. فإن
<lb n="15"/> مبادئ جميع هذه الأمور تنتهى إلى الطبيعة والإرادة والاتفاق. والطبيعة مبدؤها من هناك.
<lb n="16"/> والإرادات التى لنا كائنة بعد ما لم تكن، وكل كائن بعد ما لم يكن فله علة، وكل إرادة لنا فلها
<lb n="17"/> علة، وعلة تلك الإرادة ليست إرادة متسلسلة فى ذلك إلى غير النهاية، بل أمور تعرض من
<lb n="18"/> خارج، أرضية وسماوية. والأرضية تنتهى إلى السماوية، واجتماع ذلك كله يوجب وجود
<lb n="19"/> الإرادة. وأما الاتفاق فهو الحادث عن مصادمات هذه. فإذا حللت الأمور كلها استندت
<pb n="363"/>
<lb n="1"/> إلى مبادئ إيجابها، تنزل من عند الله تعالى. والقضاء من الله تعالى هو الوضع الأول
<lb n="2"/> البسيط.
<pb n="440" edRef="#source_3"/>والتقدير هو ما يتوجه إليه القضاء على التدريج كأنه موجب اجتماعات
<lb n="3"/> من الأمور البسيطة التى تسب من حيث هى بسيطة إلى القضاء والأمر الإلهى الأول. </p>
<p n="13">
<lb n="4"/>ولو أمكن إنسانا من الناس أن يعرف الحوادث التى فى الأرض والسماء
<lb n="5"/> جميعها وطبائعها، لفهم كيفية جميع ما يحدث فى المستقبل. وهذا المنجم القائل
<lb n="6"/> بالأحكام ــ مع أن أوضاعه الأولى ومقدماته ليست تستند إلى برهان، بل عسى أن
<lb n="7"/> يدعى فيها التجربة أو الوحى، وربما حاول قياسات شعرية أو خطابية فى إثباتها ــ فإنه
<lb n="8"/> إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات، وهى التى فى السماء. على أنه
<lb n="9"/> لا يضمن من عنده الإحاطة بجميع الأحوال التى فى السماء. ول ضم لنا ذلك ووفى
<lb n="10"/> به لم يمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود جميعها فى كل وقت، وإن كان
<lb n="11"/> جميعها من حيث فعله وطبعه معلوما عنده؛ وذلك مما لا يكفى أن يعلم أنه وجد أو لم
<lb n="12"/> يوجد. وذلك لأنه لا يكفيك أن تعلم أن النار حارة مسخنة وفاعلة كذا وكذا، فى أن
<lb n="13"/> تعلم أنها سخنت متا <choice><sic>مالم</sic><corr>ما لم</corr></choice> تعلم أنها حصلت. وأى طريق من الحساب يعطينا المعرفة بكل
<lb n="14"/> حدث وبدعة فى الفلك؟ </p>
<p n="14">
<lb n="15"/>ولو أمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود جميع ذلك، لم يتم
<lb n="16"/> لنا به الانتقال إلى المغيبات. فإن الأمور المغيبة التى فى طريق الحدوث إنما تتم بمخالطات
<lb n="17"/> بين الأمور السماوية التى لنا تسامح أنا حصلناها بكمال عددها، وبين الأمور الأرضية
<lb n="18"/> المتقدمة واللاحقة، فاعلها ومنفعلها، طبيعتها وإراديها. وليس تتم بالسماويات وحدها.
<pb n="364"/>
<lb n="1"/> فما لم يحط بجميع الحاضر من الأمرين، وموجب كل واحد منهما، خصوصا ما كان
<lb n="2"/> متعلقا بالمغيب، لم يتمكن من الانتقال إلى المغيب. فليس لنا إذن اعتماد على أقوالهم، وإن
<lb n="3"/> سلمنا متبرعين أن جميع ما يعطوننا من مقدماتهم الحكيمة صادقة.
<pb n="441" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="4"/> [الفصل الثانى]
<lb n="5"/>
<num>ب</num> فصل
<lb n="6"/> فى إثبات النبوة وكيفية دعوة النبى إلى الله تعالى، والمعاد إليه </head>
<p n="1">
<lb n="7"/>ونقول الآن: إنه من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لا يحسن
<lb n="8"/> معيشته لو أنفرد وحده شخصًا واحدًا يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على
<lb n="9"/> ضروريات حاجاته، وأنه لا بد من أن يكون الإنسان مكيفا بآخر من نوعه يكون ذلك
<lb n="10"/> الآخر أيضًا مكيفًا به ونظيره، فيكون مثلا هذا يبقل لذلك، وذاك يخبر لهذا، وهذا
<lb n="11"/> يخيط لآخر، والآخر يتحذ الإبرة لهذا، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا. ولهذا ما
<lb n="12"/> اضطروا إلى عقد المدن والاجتماعات. فمن كان منهم غير محتاط فى عقد مدينته على
<lb n="13"/> شرائط المدينة وقد وقع منه ومن شركائه الاقتصار على اجتماع فقط، فإنه يتحيل على
<lb n="14"/> جنس بعيد الشبه من الناس وعادم لكمالات الناس؛ ومع ذلك فلا بد لأمثاله من اجتماع
<lb n="15"/> ومن تشبه بالمدنيين. </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>فإذا كان هذا ظاهرا، فلا بد من وجود إنسان وبقاؤه من مشاركت. ولا تتم
<lb n="17"/> المشاركة إلا بمعاملته، كما لا بد من ذلك من سائر الأسباب التى تكون له. ولا بد فى
<lb n="18"/> المعاملة من سنة وعدل، ولا بد للسنة والعدل من سانًّ ومُعِّدل، ولا بد من أن يكون هذا
<pb n="365"/>
<lb n="1"/> بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة. ولا بد من أن يكون هذا إنسانًا، ولا يجوز
<lb n="2"/> أن يترك الناس وآراءهم فى ذلك فيختلفون ويرى كل واحد منهم ما له عدلًا، وما عليه ظلما. </p>
<p n="3">
<lb n="3"/>فالحاجة إلى هذا الإنسان فى أن يبقى نوع الإنسان ويتحصل وجوده أشد من
<lb n="4"/> الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين، وتقعير الأخمص من القدمين،
<lb n="5"/> وأشياء أخرى من المنافع التى لا ضرورة
<pb n="442" edRef="#source_3"/> فيها فى البقاء، بل أكثر ما لها أنها تنفع فى
<lb n="6"/> البقاء. ووجود الإنسان الصالح لان يسن ويعدل ممكن كما سلف منا ذكره. فلا يجوز أن
<lb n="7"/> تكون العناية الأولى تقتضى تلك المنافع ولا تقتضى هذه التى هى أسها، ولا أن يكون المبدأ
<lb n="8"/> الأول والملائكة بعده يعلم ذلك ولا يعلم هذا، ولا أن يكون ما يعلمه فى نظام الخير، الممكن
<lb n="9"/> وجوده، الضرورى حصوله لتمهيد نظام الخير، لا يوجد؛ بل كيف يجوز أن لا يوجد وما
<lb n="10"/> هو متعلق بوجود مبنى على وجوده موجود؟ فواجب إذن أن يوجد نبى، وواجب أن
<lb n="11"/> يكون إنسانًا، وواجب أن تكون له خصوصيته ليست لسائر الناس حتى يستشعر الناس فيه
<lb n="12"/> أمرًا لا يوجد لهم، فيتميز به منهم. فتكون له المعجزات التى أُخبرنا بها. </p>
<p n="4">
<lb n="13"/>وهذا الانسان إذا وجد يجب أن يسن للناس فى أمورهم سننًا بإذن الله تعالى
<lb n="14"/> وأمره ووحيه وإنزاله الروح المقدس عليه. ويكون الأصل الأول فيما يسنه تعريفه إياهم أن لهم
<lb n="15"/> صانعًا واحدًا قادرا، وأنه عالم بالسر والعلانية، وإن من حقه أن يطاع أمره. فإنه يجب أن
<lb n="16"/> يكون الأمر لمن له الخلق. وأنه قد أعد لمن أطاعه المعاد المسعد، ولمن عصاه المعاد المشقى،
<lb n="17"/> حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة بالسمع والطاعة. </p>
<p n="5">
<lb n="18"/>ولا ينبغى أن يشغلهم بشىء من معرفة الله تعالى فوق معرف أنه واحد حق
<lb n="19"/> لا شبيه له. فأما أن يعدى بهم إلى أن يكلفهم أن يصدقوا بوجوده وهو غير مشار إليه فى
<pb n="366"/>
<lb n="1"/> مكان، ولا منقسم بالقول، ولا خارج العالم ولا داخله، ولا شيئا من هذا الجنس، فقد
<lb n="2"/> عظم عليهم الشغل وشوش فيما بين أيديهم الدين، وأوقعهم فيما لا مخلص عنه، إلا لمن كان
<lb n="3"/> المعان الموفق الذى يشذ وجوده ويندر كونه. فإنه لا يمكنهم أن يتصورا هذه الأحوال على
<lb n="4"/> وجهها إلا بكَدٍّ، وإنما يمكن القليلَ منهم أن يتصوروا حقيقة هذا التوحيد والتنزيه، فلا
<lb n="5"/> يلبثون أن يكذبوا بمثل هذه الوجود، ويقعوا فى تنازع وينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات
<lb n="6"/> التى تصدهم عن أعمالهم المدنية. وربما أوقعهم
<pb n="443" edRef="#source_3"/> فى آراء مختلفة لصلاح المدنية،
<lb n="7"/> ومنافية لواجب الحق. وكثر فيهم الشكوك والشبه، وصعب الأمر على الإنسان فى
<lb n="8"/> ضبطهم. فما كل بميسر له فى الحكمة الإلهية. </p>
<p n="6">
<lb n="9"/>ولا إنسان يصلح له أن يظهر أن عنده حقيقة يكتمها عن العامة. بل يجب أن
<lb n="10"/> لا يرخص فى تعرض شىء من ذلك. بل يجب أن يعرفهم جلالة الله تعالى وعظمته برموز
<lb n="11"/> وأمثلة من الأشياء التى هى عندهم جليلة وعظيمة، ويلقى إليهم مع هذا، هذا القدر،
<lb n="12"/> أعنى أنه لا نظير له ولا شريك له. ولا شبيه له، وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد
<lb n="13"/> على وجه يتصورون كيفيته، وتسكن إليهم نفوسهم، ويضرب للسعادة والشقاوة أمثالا
<lb n="14"/> مما يفهمونه ويتصورونه. وأما الحق فى ذلك فلا يلوّح لهم منه إلا أمرًا مجملًا، وهو أن
<lb n="15"/> ذلك شىء لا عين رأته ولا أذن سمعته، وأن هناك من اللذة ما هو ملك عظيم ومن الألم
<lb n="16"/> ما هو عذاب مقيم. </p>
<p n="7">
<lb n="17"/>واعلم أن الله تعالى يعلم أن وجه الخير فى هذا. فيجب أن يوجد معلوم
<lb n="18"/> الله تعالى على وجهه على ما علمت. ولا بأس أن يشتمل خطابه به على رموز وإشارات
<lb n="19"/> تستدعى المستعدين بالجلبة للنظر إلى البحث الحكمى.
<pb n="367"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="1"/> [الفصل الثالث]
<lb n="2"/>
<num>ج</num>فصل
<lb n="3"/> فى العبادات ومنفعتها فى الدنيا والآخرة </head>
<p n="1">
<lb n="4"/>ثم أن هذا الشخص هو النبى ليس مما يتكرر وجوده مثله فى كل وقت؛
<lb n="5"/> فإن المادة التى تقبل كمال مثله تقع فى قليل من الأمزجة؛ فيجب لا محالة أن يكون النبى
<lb n="6"/> صلى الله عليه وسلم قد دبر لبقاء ما يسنه ويشرعه فى أمور المصالح الإنسانية تدبيرا
<lb n="7"/> عظيما.
<pb n="444" edRef="#source_3"/>ولا شك أن القاعدة فى ذلك هى استمرار الناس على معرفتهم بالصانع
<lb n="8"/> والمعاد، وحسم سبب وقوع النسيان فيه مع انقراض القرن الذى يلى النبى صلى الله
<lb n="9"/> عليه وسلم. فيجب أن يكون على الناس أفعال وأعمال يسن تكرارها عليهم فى مدد
<lb n="10"/> متقاربة حتى يكون الذى ميقاته بطل مصاقبا للمنقضى منه، فيعود به التذكر من رأس،
<lb n="11"/> وقبل أن ينفسخ يلحق عاقبه. </p>
<p n="2">
<lb n="12"/>ويجب أن تكون هذه الأفعال مقرونة بما يذكر الله والمعاد لا محالة؛ وإلا
<lb n="13"/> فلا فائدة فيها. والتذكير لا يكون بألفاظ تقال، أو نيات تنوى فى الخيال، وأن يقال لهم:
<lb n="14"/> إن هذه الأفعال تقرب إلى الله تعالى، ويستوجب بها الجزاء الكريم، وأنت كون تلك الأفعال
<lb n="15"/> بالحقيقة على هذه الصفة. وهذه الأفعال مثل العبادات المفروضة على الناس. وبالجملة
<lb n="16"/> يجب أن تكون منبهات. والمنبهات إما حركات وإما أعدام حركات تفضى إلى حركات؛
<lb n="17"/> فأما الحركات فمثل الصلاة، وأما أعدام الحركات فمثل الصوم، وإن كان معنى عدميا
<lb n="18"/> فإنه يحرك من الطبيعة تحريكا شديدا ينبه صاحبه أنه على جملة من الأمر ليس هزلًا،
<lb n="19"/> فيتذكر سبب ما ينويه من ذلك أنه القرب إلى الله تعالى.
<pb n="368"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="1"/>ويجب أن أمكن أن تخلط بهذه الأحوال مصالح أخرى فى تقوية السنة
<lb n="2"/> وبسطها. والمنافع الدنيوية للناس أيضا أن يفعل ذلك، وذلك مثل الجهاد والحج، على أن
<lb n="3"/> يعين مواضع من البلاد بأنها أصلح المواضع لعبادة الله تعالى، وأنها خاصة لله تعالى. وتعَّين
<lb n="4"/> أفعال لا بد منها للناس وأنها فى ذات الله تعالى مثل القرابين؛ فإنها مما يعين فى هذا الباب
<lb n="5"/> معونة شديدة. والموضع الذى منفعته فى هذا الباب هذه المنفعة إذا كان فيه مأوى الشارع
<lb n="6"/> ومسكنه فإنه يذكر به أيضا، وذكراه فى المنفعة المذكورة تالية لذكر الله تعالى والملائكة،
<lb n="7"/> والمأوى الواحد ليس يجوز أن يكون نصب عين الأمة كافة. فبالحرى
<pb n="445" edRef="#source_3"/> أن يفرض
<lb n="8"/> إليه مهاجرة وسفرة. </p>
<p n="4">
<lb n="9"/>ويجب أن يكون أشرف هذه العبادات من وجه هو ما يفرض متوليه أنه
<lb n="10"/> مخاطب للّه تعالى ومناج إياه وصائر إليه وماثل بين يديه، وهذا هو الصلاة. فيجب أن
<lb n="11"/> يسن للمصلى من الأحوال التى يستعد بها للصلاة ما جرت العادة بمؤاخذة الإنسان نفسه
<lb n="12"/> به عند لقاء الملك الإنسانى من الطهارة والتنظيف، وأن بسن فى الطهارة والتنظيف سننا
<lb n="13"/> بالغة، وان يسن عليها فيها ما جرت العادة بمؤاخذة نفسه به عند لقاء الملوك من الخشوع
<lb n="14"/> والسكون وغض البصر وقبض الأطراف وترك الالتفات والاضطراب. وكذلك يسن له فى
<lb n="15"/> كل وقت من أوقات العبادة آدابا ورسوما محمودة؛ فهذه الأفعال ينتفع بها العامة من رسوخ
<lb n="16"/> ذكر الله تعالى والمعاد أنفسهم، فيدوم لهم التثبت بالسنن والشرائع بسبب ذلك. فإن
<lb n="17"/> لم يكن لهم مثل هذه المذكرات تناسوا جميع ذلك مع انقراض قرن أو قرنين. وينفعهم أيضا
<lb n="18"/> فى المعاد منفعة عظيمة فيما تنزه به أنفسهم على ما عرفته. وأما الخاصة فأكثر منفعة هذه
<lb n="19"/> الأشياء إياهم فى المعاد.
<pb n="369"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>وقد قررنا حال المعاد الحقيقى وأثبتنا أن السعادة فى الآخرة مكتسبة بتنزيه
<lb n="2"/> النفس، وتنزيه النفس يبعدها عن اكتساب الهيئات المضادة لأسباب السعادة. وهذا
<lb n="3"/> التنزيه يحصل بأخلاق وملكات. والأخلاق والملكات تكتسب بأفعال من شأنها أن تصرف
<lb n="4"/> النفس عن البدن والحس وتديم تذكيرها للمعدن الذى لها؛ فإن كانت كثير الرجوع إلى
<lb n="5"/> ذاتها لم تنفعل من الأحوال البدنية. ومما يذكرها ذلك وبعينها عليه أفعال متعبة خارجة
<lb n="6"/> عن عادة الفطرة، بل هى إلى التكلف أقرب. فإنها تتعب البدن والقوى الحيوانية وتهزم
<lb n="7"/> إرادتها من الاستراحة والكسل ورفض العناء وإخماد الحرارة الغريزية واجتذاب الارتياض
<lb n="8"/> إلا فى اكتساب أغراض
<pb n="446" edRef="#source_3"/> من اللذات البهيمية. ويفرض على النفس المحاولة لتلك
<lb n="9"/> الحركات [ذكر] الله تعالى واللائكة وعالم السعادة شاءت أم أبت؛ فيتقرر لذلك فيها
<lb n="10"/> هيئة الانزعاج عن هذا البدن وتأثيراته، وملكة التسلط على البدن، فلا تنفعل عنه؛ فإذا
<lb n="11"/> جرت عليها أفعال بدنية لم تؤثر فيها هيئة وملكة تأثيرها لو كانت مخلدة إليها منقادة لها من
<lb n="12"/> كل وجه. ولذلك قال القائل الحق: «إن الحسنات يذهبن السيئات». فإن دام هذا الفعل من
<lb n="13"/> الإنسان استفاد ملكة التفاتٍ إلى جهة الحق وإعراض عن الباطل، وصار شديد الاستعداد
<lb n="14"/> للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية. </p>
<p n="6">
<lb n="15"/>وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد أنها فريضة من عند الله، وكان مع
<lb n="16"/> اعتقاده ذلك يلزم فى كل فعل أن يتذكر الله ويعرض عن غيره، لكان جديرا أن يفوز من
<lb n="17"/> هذا ذكاء بخط؛ فكيف إذا استعملها من يعلم أن النبى من عند الله تعالى وبإرسال الله
<lb n="18"/> تعالى، وواجب فى الحكمة الإلهية إرساله، وأن جميع ما يسنه هو مما وجب من
<lb n="19"/> عند الله أن يسنه، وأن جميع ما يسنه عن عند الله تعالى؟ فالنبى فرض عليه من عند الله
<pb n="370"/>
<lb n="1"/> أن يفرض عباداته. وتكون الفائدة فى العبادات للعابدين فيما يبقى به فيهم السنة والشريعة
<lb n="2"/> التى هى أسباب وجودهم، وفيما يقربهم عند المعاد من الله زلفى بذكائهم. </p>
<p n="7">
<lb n="3"/>ثم هذا الإنسان هو المليء بتدبير أحوال الناس على ما تنظم به أسباب
<lb n="4"/> معايشهم ومصالحهم معادهم، وهو إنسان متميز عن سائر الناس بتألهه.
<pb n="447" edRef="#source_3"/>
</p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="5"/> [الفصل الرابع]
<lb n="6"/>
<num>د</num>فصل
<lb n="7"/> فى عقد المدينة وعقد البيت، وهو نكاح والسنن الكلية فى ذلك </head>
<p n="1">
<lb n="8"/>فيجب أن يكون القصد الأول للسان فى وضع السنن وترتيب المدينة على
<lb n="9"/> أجزاء ثلاثة؛ المدبرون، والصناع، والحفظة؛ وأن يرتب كل جنس منهم رئيسا يترتب
<lb n="10"/> تحته رؤساء يلونه، يترتب رؤساء يلونه، إلى أن تنتهى إلى إفناء الناس. فلا يكون
<lb n="11"/> فى المدينة إنسان معطل ليس له مقام محدود, بل يكون لكل واحد منهم منفعة فى المدينة.
<lb n="12"/> وأن تحرم البطالة والتعطل، وأن لا يجعل لأحد سبيلا إلى أن يكون له من غيره الحظ الذى
<lb n="13"/> لا بد منه الإنسان، وتكون جنبته معافاة، ليس يلزمها كلفة؛ فإن هؤلاء يجب أن يردعهم كل
<lb n="14"/> الردع. فإن لم يرتدعوا نفاهم من الأرض. فإن كان السبب فى ذلك مرض أو آفة أفرد لهم
<lb n="15"/> موضعا يكون فيه أمثالهم، ويكون عليهم قيِّم. </p>
<p n="2">
<lb n="16"/>ويجب أن يكون فى المدينة وجه مال مشترك، بعضه من حقوق تفرض على
<lb n="17"/> الأرباح المكتسبة والطبيعية، كالثمرات والنتاج؛ وبعضه يفرض عقوبة، وبعضه يكون من
<lb n="18"/> أموال المعاندين للسنة، وهو الغنائم. ويكون ذلك عدة لمصالح مشتركة، وإزاحة لعلة
<pb n="371"/>
<lb n="1"/> الحفظة الذين لا يشغلون بصناعة، ونفقة على الذين حيل بينهم وبين الكسب بأمراض
<lb n="2"/> وزمانات. ومن الناس من رأى قتل الميئوس من صلاحه منهم. وذلك قبيح، فإن <choice>
<sic>مئونتهم</sic>
<corr>مؤونتهم</corr>
</choice>
<lb n="3"/> لا تجحف بالمدينة؛ فإن كان لأمثال هؤلاء من قرابته من يرجع إلى فضل استظهار من قوته
<lb n="4"/> فرض عليه كفايته.
<pb n="448" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="3">
<lb n="5"/>والغرامات كلها لا تسن على صاحب جناية ما، بل يجب أن يسن بعضها
<lb n="6"/> على أوليائه وذويه الذين لا يزجرونه ولا يحرسونه. ويكون ما يسن من ذلك عليهم
<lb n="7"/> مخففا فىه بالمهلة للمطالبة. ويكون ذلك فى الجنايات تقع خطأ، فلا يجوز إهمال أمرها
<lb n="8"/> مع وقوعها خطأ. </p>
<p n="4">
<lb n="9"/>وكما أنه يجب أن تحرم البطالة كذلك يجب أن تحرم الصناعات التى يقع فيها
<lb n="10"/> انتقالات الأملاك أو المنافع من غير مصالح تكون بإزائها؛ وذلك مثل القمار. فإن المقامر
<lb n="11"/> يأخذ من غير أن يعطى منفعة البتة، بل يجب أن يكون الآخذ آخذا من صناعة يعطى
<lb n="12"/> بها فائدة تكون عوضا، إما عوض عن جوهر، أو عوضا هو منفعة، أو عوضا هو ذكر
<lb n="13"/> جميل، أو غير ذلك مما هى معدودة فى الخيرات والبشرية. وكذلك يجب أن تحرم الصناعات
<lb n="14"/> التى تدعو إلى أضداد المصالح أو المنافع، مثل تعلم السرقة واللصوصية والقيادة وغير
<lb n="15"/> ذلك. وتحرم أيضا الحرف التى تغنى الناس عن تعلم الصناعات الداخلة فى الشركة، مثل
<lb n="16"/> المراباة؛ فإنها طلب زيادة الكسب من غير حرفة تحصله، وإن كانت بإزاء منفعة. وتحرم
<lb n="17"/> أيضا الأفعال التى إن وقع فيها ترخيص أدى إلى ضد ما عليه بناء أمر المدينة، ممثل الزنا
<lb n="18"/> واللواط، الذى يدعو إلى استغناء عن أفضل أركان المدينة وهو التزوج.
<pb n="372"/>
</p>
<p n="5">
<lb n="1"/>ثم أول ما يجب أن يشرع فيه هو أمر التزوج المؤدى إلى التناسل وأن يدعو إليه
<lb n="2"/> ويحرض عليه. فإن به بقاء الأنواع التى بقاؤها دليل وجود الله تعالى، وان يدبر فى أن
<lb n="3"/> يقع ذلك وقوعا ظاهرا لئلا يقع ريبة فى النسب فيقع بسبب ذلك خلل فى انتقال المواريث
<lb n="4"/> التى
<pb n="449" edRef="#source_3"/> هى أصول الأموال، لأن المال لا بد منه من المعيشة، والمال منه اصل، ومنه
<lb n="5"/> فرع؛ والأصل موروث، أو ملقوط أو موهوب. وأصح الأصول من هذه الثلاثة الموروث،
<lb n="6"/> فإنه ليس عن بخت واتفاق، بل على مذهب كالطبيعى. وقد يقع ذى ذلك ــ أعنى
<lb n="7"/> خفاء المناكحات ــ أيضا خلل فى وجوه أخرى مثل وجه وجوب نفقة بعض على بعض،
<lb n="8"/> ومعاونة بعض لبعض، وغير ذلك مما إذا تأمله العاقل عرفه. </p>
<p n="6">
<lb n="9"/>ويجب أن يؤكد الأمر أيضا فى ثبوت هذه الوصلة، حتى لا يقع فى كل نزق
<lb n="10"/> فرقة؛ فيؤدى ذلك إلى شتت الشمل الجامع للأولاد ووالديهم، وإلى تجدد احتياج كل
<lb n="11"/> إنسان إلى المزاوجة. وفى أنواع من الضرر كثيرة، ولأن أكثر أسباب المصلحة هى المحبة.
<lb n="12"/> والمحبة لا تنعقد إلا بالألفة، والألفة لا تحصل إلا بالعادة، والعادة لا تحصل إلا بطول
<lb n="13"/> المخالطة. وهذا التأكد يحصل من جهة المرأة بأن لا يكون فى يديها إيقاع هذه الفرقة؛ فإنها
<lb n="14"/> الحقيقة واهية العقل، مبادرة إلى طاعة الهوى والغضب. ويجب أن يكون إلى الفرقة سبيل
<lb n="15"/> ما، وأن لا يسد ذلك من كل وجه، لأن حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضى
<lb n="16"/> وجوها من الضرر والخلل؛ منها أن من الطبائع ما لا يؤالف بعض الطباع، فكلما اجتهد فى
<lb n="17"/> الجمع بينهما زاد الشر والنبو ونغصت المعايش. ومنها أن من الناس من يمنى بزوج غير كفؤ،
<lb n="18"/> ولا حسن المذاهب فى العشرة، أو بغيض <choice>
<sic>تعافة</sic>
<corr cert="medium">تعافه</corr>
</choice> الطبيعة، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة
<lb n="19"/> فى غيره، إذ الشهوة طبيعية؛ وربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد، وربما كان المتزاوجان
<pb n="373"/>
<lb n="1"/> لا يتعاونان على النسل؛ فإذا بدلا زوجين آخرين تعاونا؛ فيجب أن أيضا أن يكون إلى <choice><sic>المفرفة</sic><corr>المفارقة</corr></choice>
<lb n="2"/> سبيل، ولكن يجب أن يكون مشددا فيه.
<pb n="450" edRef="#source_3"/>
</p>
<p n="7">
<lb n="3"/>فاما أنقص الشخصين عقلًا، وأكثرهما اختلافا واختلاطا وتلونًا، فلا يجعل
<lb n="4"/> فى يديه من ذلك شىء، بل يجعل إلى الحكام، حتى إذا عرفوا سوء صحبة تلحقها من
<lb n="5"/> الزوج الآخر فرقوا. وأما من جهة الرجل فإنه يلزمه فى ذلك غرامة لا يقدم عليه إلا بعد
<lb n="6"/> التثبت واستصابة ذلك لنفسه من كل وجه. </p>
<p n="8">
<lb n="7"/>ومع ذلك فالأحسن أن يترك للصلح وجه من غير أن يمعن فى توجيهه، فيصير
<lb n="8"/> سببا إلى طاعة الطيش، بل يغلظ الأمر فى المعاودة أشد من التغليظ فى الابتداء. فنعم ما
<lb n="9"/> أمر به أفضل الشارعين أنها لا تحل له بعد الثالثة إلا بعد أن يوطن نفسه على تجرع مضض
<lb n="10"/> لا مضض فوقه، وهو تمكين رجل آخر من حليلته أن يتزوجها بنكاح صحيح، ويطأها
<lb n="11"/> بوطئ صريح؛ فإنه إذا كان بين عينيه مثل هذا الخطب لم يقدم على الفرقة بالجزاف إلا أن
<lb n="12"/> يصمم على الفرقة التامة، أو يكون هناك [ركاكة] فلا يرى بأسا بفضيحة تصحبها لذة.
<lb n="13"/> وأمثال هؤلاء خارجون عن استحقاق طلب المصلحة لهم. </p>
<p n="9">
<lb n="14"/>ولما كان من حق المرأة أن تصان، لأنها مشتركة فى شهوتها، وداعية جدا
<lb n="15"/> إلى نفسها، زهى مع ذلك أشد انخداعًا، وأقل للعقل طاعة، والاشتراك فيها يوقع أنفة
<lb n="16"/> وعارا عظيمًا، وهى من المضار المشهورة، والاشتراك فى الرجل لا يوقع عارا بل حسدًا،
<lb n="17"/> والحسد غير ملتفت إليه، فإنه طاعة للشيطان، فبالحرى أن يسن عليها فى بابها التستر
<lb n="18"/> والتخدر. فلذلك ينبغى أن لا تكون المرأة من أهل الكسب كالرجل. فلذلك يجب أن
<lb n="19"/> يسن لها أن تكفى من جهة الرجل، فيلزم الرجل نفقتها؛ لكن الرجل يجب أن يعوض من
<pb n="374"/>
<lb n="1"/> ذلك عوضًا، وهو أن يملكها وهى لا تملكه،
<pb n="451" edRef="#source_3"/> فلا يكون لها أن تنكح غيره. وأما
<lb n="2"/> الرجل فلا يحجر عليه فى هذا الباب، وإن حرم عليه تجاوز عدد لا يفى بإرضاء ما وراءه
<lb n="3"/> ويعوله. فيكون البضع المملوك من المرأة بازاء ذلك. ولست أعنى بالبضع المملوك الجماع،
<lb n="4"/> فإن الانتفاع بالجماع مشترك بينهما، وحظها أكثر من حظه، والاغتباط والاستمتاع بالولد
<lb n="5"/> كذلك، بل أن لا يكون إلى استعمالها لغيره سبيل. </p>
<p n="10">
<lb n="6"/>ويسن فى الولد أن يتولاه كل واحد من الولدين بالتربية، أما الوالدة
<lb n="7"/> فيما يخصها، وأما الوالد فالنفقة. وكذلك الولد أيضا يسن عليه خدمتها وطاعتها
<lb n="8"/> وإكبارهما وإجلالهما، فهما سبب وجود، ومع ذلك فقد احتملا مئونته التى لا حاجة
<lb n="9"/> إلى شرحها لظهورها. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="10"/> [الفصل الخامس]
<lb n="11"/>
<num>ه</num>فصل
<lb n="12"/> فى الخليفة والإمام ووجوب طاعتهما، والإشارة إلى السياسات والمعاملات والأخلاق </head>
<p n="1">
<lb n="13"/>ثم يجب أن يفرض النسانُّ طاعة من يخلفه، وان لا يكون الاستخلاف إلا من
<lb n="14"/> جهته، أو بإجماع من أهل السابقة على من يصححون علانية عند الجمهور أنه مستقل
<lb n="15"/> بالسياسة، وأنه أصيل العقل، حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة والعفة وحسن
<lb n="16"/> التدبير، وأنه عارف بالشريعة حتى لا أعرف منه، تصحيحا يظهر ويستعلن ويتفق عليه
<lb n="17"/> الجمهور عند الجميع. ويسن عليهم أنهم إذا افترقوا أو تنازعوا للهوى والليل، أو أجمعوا
<lb n="18"/> على
<pb n="452" edRef="#source_3"/> غير من وجد الفضل فيه والاستحقاق له، فقد كفروا بالله. والاستخلاف
<lb n="19"/> بالنص أصوب فإن ذلك لا يؤدى إلى التشعب والتشاغب والاختلاف.
<pb n="375"/>
</p>
<p n="2">
<lb n="1"/>ثم يجب أن يحكم فى سنته أن من خرج فادعى خلافته بفضل قوة أو مال،
<lb n="2"/> فعلى الكافة من أهل المدينة قتاله وقتله؛ فإن قدروا ولم يفعلوا فقد عصوا الله وكفروا به،
<lb n="3"/> ويحل دم من قعد عن ذلك وهو متمكن بعد أن يصحح على رأس الملأ ذلك منه. ويجب
<lb n="4"/> أن يسن أنه <choice>
<sic>لاقربة</sic>
<corr>لا قربة</corr>
</choice> عند الله تعالى بعد الإيمان بالنبى أعظم من إتلاف هذا المتغلب. </p>
<p n="3">
<lb n="5"/>فإن صحح الخارجى أن المتولى للخلافة غير أهل لها، وأنه ممنوّ بنقص، وأن
<lb n="6"/> ذلك النقص غير موجود فى الخارجى، فالأولى أن يطابقه أهل المدينة. والمعول عليه
<lb n="7"/> الأعظم العقل، وحسن الإيالة. فمن كان متوسطا فى الباقى ومتقدما فى هذين بعد أن
<lb n="8"/> لا يكون غريبا فى البواقى وصائرا إلى أضدادها، فهو أولى ممن يكون متقدما فى البواقى
<lb n="9"/> ولا يكون بمنزلته فى هذين. فيلزم أعلمهما أن يشارك أعقلهما، ويعاضده، ويلزم أعقلهما أن
<lb n="10"/> يعتضد به ويرجع إليه؛ مثل ما فعل عمرو وعلى </p>
<p n="4">
<lb n="11"/>ثم يجب أن يفرض فى العبادات أمور <choice><sic>لاتتم</sic><corr>لا تتم</corr></choice> إلا بالخليفة تنويها به وجذبا إلى
<lb n="12"/> تعظيمه؛ وتلك الأمور هى الأمور الجامعة، مثل الأعياد. فإنه يجب أن يفرض اجتماعات
<lb n="13"/> مثل هذه، فإن فيها دعاء للناس إلى التمسك بالجماعة، وإلى استعمال عدد الشجاعة،
<lb n="14"/> وإلى المنافسة. وبالمنافسة تدرك الفضائل، وفى الاجتماعات استجابة الدعوات، ونزول
<lb n="15"/> البركات على الأحوال التى عرفت من أقاويلنا. </p>
<p n="5">
<lb n="16"/>وكذلك يجب أن يكون فى المعاملات معاملات يشترك فيها الإمام، وهى
<lb n="17"/> المعاملات التى تؤدى إلى ابتناء أركان المدينة، مثل المناكحات والمشاركات الكلية. ثم
<lb n="18"/> يجب أن يفرض أيضا فى المعاملات المؤدية إلى الأخذ والإعطاء سننا تمنع وقوع الغدر
<pb n="376"/>
<lb n="1"/> والحيف. وأن يحرم المعاملات التى فيها غرر، والتى تتغير فيها الأعواض قبل الفراغ من
<lb n="2"/> الإيفاء والاستيفاء؛ كالصرف،
<pb n="453" edRef="#source_3"/>والنسيئة، وغير ذلك. </p>
<p n="6">
<lb n="3"/>وأن يسن على الناس معاونة الناس والذب عنهم ووقاية أموالهم وأنفسهم، من
<lb n="4"/> غير أن يغرم متبرع فيما يلحق بتبرعه. </p>
<p n="7">
<lb n="5"/>وأما الأعداء المخالفون للسنة فيحب أن يسن مقاتلهم وإفنائهم بعد أن
<lb n="6"/> يدعوا إلى الحق، وان تباح أموالهم وفروجهم. فإن تلك الموال والفروج إن لم تكن مدبرة
<lb n="7"/> بتدبير المدينة الفاضلة لم تكن عائدة بالمصلحة التى يطلب المل والفروج لها، بل معينة على
<lb n="8"/> الفساد والشر. وإذ لا بد من ناس يخدمون الناس فيجب أن يكون أمثال هؤلاء يجبرون
<lb n="9"/> على خدمة أهل المدينة العادلة. وكذلك من كان من الناس بعيدا عن تلقى الفضيلة فهم
<lb n="10"/> عبيد بالطبع، مثل الترك والزنج؛ وبالجملة الذى نشأوا من غير الأقاليم الشريفة التى أكثر
<lb n="11"/> أحوالها أن ينشأ فيها أمم حسنة الأمزجة صحيحة القرائح والعقول. </p>
<p n="8">
<lb n="12"/>وإذا كانت غير مدينة ولها سنة حميدة لم يتعرض لها إلا أن يكون الوقت يوجب
<lb n="13"/> التصريح بأن لا سنة غير السنة النازلة. فإن الأمم والمدن إذا ضلت فسنت عليها سنة، فإنه
<lb n="14"/> يجب أن يؤكد إلزامها. وإذا أوجب إلزامها، فربما أوجب توكيدها أن يحمل عليها العالم
<lb n="15"/> بأسره. وإذا كان أهل المدينة الحسنة السيرة تجد هذه السنة أيضا حسنة محمودة، ويرى
<lb n="16"/> فى تجددها إعادة أحوال مدن فاسدة إلى الصلاح، ثم صرحت بأن هذه السنة ليس من
<lb n="17"/> حقها أن تقبل، وكذبت السانَّ فى دعواه أنها نازلة على المدن كلها، كان فى ذلك وهن
<lb n="18"/> عظيم يستولى على السنة، ويكون للمخالفين أن يحتجوا فى ردها بامتناع أهل تلك المدينة
<lb n="19"/> عنها. <choice>
<sic>فحيئذ</sic>
<corr>فحينئذ</corr>
</choice> يجب أن يؤدب هؤلاء أيضا ويجاهدوا، ولكن مجاهدة دون مجاهدة أهل
<pb n="377"/>
<lb n="1"/> الضلال الصرف، أو يلزموها غرامة على ما يؤثرونه، ويصحح عليهم أنهم مبطلون. وكيف لا
<lb n="2"/> يكونون مبطلين، وقد امتنعوا عن طاعة الشريعة التى أنزلها الله تعالى؟ فإن أهلكوا فهم لها
<lb n="3"/> أهل. فإن فى هلاكهم فسادا لأشخاصهم، وصلاحا باقيًا، وخصوصا إذا كانت السنة
<lb n="4"/> الجديدة أتم وأفضل.
<pb n="454" edRef="#source_3"/>ويسن فى بابها أيضا فى أنهم إن أريدت مسامحتهم على فداء
<lb n="5"/> أو جزية فعل. وبالجملة يجب ألا يجريهم وهؤلاء الآخرين مجرى واحدا. </p>
<p n="9">
<lb n="6"/>ويجب أن يفرض عقوبات وحدودا ومزاجر ليمنع بذلك عن معصية الشريعة،
<lb n="7"/> فليس كل إنسان ينزجر لما يخشاه فى الآخرة. ويجب أن يكون أكثر ذلك فى الأفعال المخالفة
<lb n="8"/> للسنة الداعية إلى فساد نظام المدينة، مثل الزنا، والسرقة، وموطأة أعداء المدينة وغير
<lb n="9"/> ذلك. فأما ما يكون من ذلك مما يضر الشخص فى نفسه فيجب أن يكون فيه تأديب لا
<lb n="10"/> يبلغ به المفروضات، ويجب أن تكون السنة فى العبادات والمزوجات والمزاجر معتدلة لا
<lb n="11"/> تشدد فيها ولا تساهل، ويجب أن يفوض كثير من الأحوال خصوصا فى المعاملات إلى
<lb n="12"/> الاجتهاد. فإن الأوقات أحكاما لا يمكن أن تنضبط. وإما ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة
<lb n="13"/> ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج وإعداد اهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك
<lb n="14"/> فينبغى أن يكون ذلك إلى السايس من حيث هو خليفة. ولا يفرض فيها أحكام جزئية.
<lb n="15"/> فإن فى فرضها فسادا؛ لأنها تتغير مع تغير الأوقات. وفرض الكليات فيها مع تمام الاحتراز
<lb n="16"/> غير ممكن. <choice>
<sic>فيحب</sic>
<corr cert="medium">فيجب</corr>
</choice> أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة. </p>
<p n="10">
<lb n="17"/>ويجب أن يكون السان يسن أيضا فى الأخلاق والعادات سننا تدعو إلى
<lb n="18"/> العدالة التى هى الوساطة. والوساطة تطلب فى الأخلاق والعادات بجهتين: فأما ما فيها من
<lb n="19"/> كسر غلبة القوى، فلأجل زكاء النفس خاصة، واستفادتها الهيئة الاستعلائية، وان يكون
<pb n="378"/>
<lb n="1"/> تخلصها من البدن تخلصا نقيا
<pb n="455" edRef="#source_3"/>وأما ما فيها من استعمال هذه القوى فلمصالح
<lb n="2"/> دنيوية. وأما استعمال اللذات فلبقاء البدن والنسل، وأما الشجاعة فلبقاء المدينة. والرذائل
<lb n="3"/> الإفراطية تجتنب لضررها فى المصالح الإنسانية، والتفريطية لضررها فى المدينة. والحكمة
<lb n="4"/> الفضيلية التى هى ثالثة العفة والشجاعة، فليس يعنى بها الحكمة النظرية. فإنها لا يكلف
<lb n="5"/> فيها التوسط البتة؛ بل الحكة العلمية التى فى الأفعال الدنيوية والتصرفات الدنيوية. فإن
<lb n="6"/> الإمعان فى تعريفها والحرص على التفنن فى توجيه الفوائد من كل جهة منها، واجتناب
<lb n="7"/> أسباب المضار من كل وجه، حتى يتبع ذلك وصول أضداد ما يطلبه لنفسه إلى شركائه، أو
<lb n="8"/> يشغله عن اكتساب الفضائل الأخرى، فهو الجزيرة. وجعل اليد مغلولة إلى العنق هو إضاعة
<lb n="9"/> من الإنسان نفسه وعمره وآلة صلاحه وبقائه إلى وقت استكماله. </p>
<p n="11">
<lb n="10"/>ولأن الدواعى شهوانية، وغضبية، وتدبيرية. فالفضائل ثلاثة: هيئة التوسط
<lb n="11"/> فى الشهوانية مثل لذة المنكوح والمطعوم والملبوس والراحة وغير ذلك من الذات الحسية
<lb n="12"/> والوهمية، وهيئة التوسط فى الغضبيات كلها مثل الخوف والغضب والغم والأنفة والحقد
<lb n="13"/> والحسد وغير ذلك، وهيئة التوسط فى التدبيرية. ورؤوس هذه الفضائل عفة وحكمة
<lb n="14"/> وشجاعة، ومجموعها العدالة، وهى خارجة عن الفضيلة النظرية. ومن اجتمعت له معها
<lb n="15"/> الحكمة النظرية فقد سعد، ومن فاز مع ذلك بالخواص النبوية كاد أن يصير ربا إنسانيا وكاد
<lb n="16"/> أن تحل عبادته بعد الله تعالى، وهو سلطان العالم الأرضى وخليفة الله فيه. </p>
</div>
</div>
</body>
</text>
</TEI>