<?xml version='1.0' encoding='UTF-8' standalone='yes'?>
<TEI xmlns="http://www.tei-c.org/ns/1.0" xmlns:xsi="http://www.w3.org/2001/XMLSchema-instance" xsi:schemaLocation="http://www.tei-c.org/ns/1.0 http://arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de/schema/alc-tei.xsd">
  <teiHeader>
    <fileDesc>
      <titleStmt>
        <title type="short">On Generation and Corruption</title>
	<title xml:lang="la">De generatione et corruptione</title>
	<title xml:lang="la">Tertius naturalium</title>
        <title xml:lang="ar-Latn">al-Šifāʾ: al-Ṭabīʿiyyāt: al-Kawn wa-l-fasād</title>
        <title xml:lang="en">On Generation and Corruption (of The Cure)</title>
        <author ref="http://d-nb.info/gnd/118505254">
          <name xml:lang="ar-Latn">Ibn Sīnā</name>
          <name xml:lang="la">Avicenna</name>
        </author>
        <respStmt>
          <resp>transcribed by</resp>
          <name>Kaddour Alkassem</name>
        </respStmt>
        <respStmt>
          <resp>,</resp>
          <name>Samer Alsaj</name>
        </respStmt>
        <respStmt>
          <resp>and</resp>
          <name>Azzam Hasan</name>
        </respStmt>
      </titleStmt><editionStmt><edition>0.4.0</edition></editionStmt>
      <publicationStmt>
            <publisher>Institute of Philosophy, University of Würzburg</publisher>
            <address>
               <addrLine>Residenz, Südflügel</addrLine>
               <addrLine>97070 Würzburg</addrLine>
               <addrLine>Germany</addrLine>
            </address>
            <availability status="free">
               <licence target="https://creativecommons.org/licenses/by-sa/4.0/">Creative Commons
                  Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0)</licence>
            </availability>
         </publicationStmt>
         <seriesStmt>
            <title ref="http://arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de">
               Arabic and Latin Corpus
            </title>
            <respStmt>
               <resp>edited by</resp>
               <name ref="https://d-nb.info/gnd/11800638X">Dag Nikolaus Hasse</name>
            </respStmt>
            <respStmt>
               <resp>together with</resp>
               <name ref="http://d-nb.info/gnd/112492051X">Jon Bornholdt</name>
               <name ref="http://d-nb.info/gnd/1139662686">Andreas Büttner</name>
               <name ref="http://d-nb.info/gnd/1162927666">Irina Galynina</name>
            </respStmt>
         </seriesStmt>
         <sourceDesc>
        <bibl>Ibn Sīnā (Avicenna), <hi rend="italic">al-Kawn wa-l-fasād</hi>, in: Id., <hi rend="italic">al-Šifāʾ: al-Ṭabīʿiyyāt 2–4</hi>, ed. Mahmoud Qāsim (Cairo, 1969, repr. Cairo, 1983), pp. 77–200.</bibl>
      </sourceDesc>
    </fileDesc>
    <profileDesc>
      <langUsage>
        <language ident="ar">Arabic</language>
      </langUsage>
    </profileDesc>
  </teiHeader>
  <text>
<body>
<div type="book">
<pb n="77"/>
<head>
<lb n="1"/>الفن الثالث من الطبيعيّات
<lb n="2"/>فى الكون والفساد
<lb n="3"/>وهو مقالة واحدة فى خمسة عشر فصلًا </head>
<div type="chapter">
<head>
<lb n="4"/>الفصل الأول
<lb n="5"/>فصل فى
<lb n="6"/>اختلاف آراء الأقدمين فى الكون والاستحالة وعناصرهما </head>
<p>
<lb n="7"/>قد فرغنا من تحديد الأمور العامة للطبيعيات وتعريفها، وفرغنا من تحديد الأجسام
<lb n="8"/> التى هى أجزاء أولية للعالم، ومنها ينتظم هذا الكل الذى هو واحد، والأجزاء الأولية للعالم
<lb n="9"/> بسايط لا محالة؛ وبينا أن بعض هذه البسايط لا يقبل الكون والفساد، وهى البسايط التى
<lb n="10"/> فى جواهرها مبادئ حركات مستدىرة. ولم يتضح لنا من حال الأجسام المستقيمة الحركة
<lb n="11"/> أنها قابلة للكون والفساد أو غير قابلة. نعم قد أوضحنا أن الأجسام التى فى طباعها أن تقبل
<pb n="78"/>
<lb n="1"/>الكون والفساد فى طباعها أن تتحرك على الاستقامة. فيجب من ذلك لمن حسن
<lb n="2"/> النظر أن بعض الأجسام المتحركة على الاستقامة يقبل الكون والفساد فيكون بعض
<lb n="3"/> الأجسام البسيطة قابلة للكون والفساد. </p><p>
<lb n="4"/> وأما أن ذلك كيف يجب فلأن الأجسام المستقيمة الحركة لا مبدأ للحركة
<lb n="5"/> المستديرة فيها، وهى فى أمكنتها الطبيعية ساكنة فى الأين والوضع، جميعا،
<lb n="6"/> واختصاص الجزء المفروض بجهة مفروضة يكون إما لأمر عارض قاسر وإما للطبع.
<lb n="7"/> والأمر العارض القاسر إما أن يكون قد اتفق ابتداء الحدوث هناك، أو بالقرب منه،
<lb n="8"/> فاختص به؛ أو اتفق أن نقله ناقل إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك الأمر بالطبع، فقد
<lb n="9"/> عرفته.ولا يجوز أن يكون ذلك كله لنقل ناقل، حتى لو لم يكن ناقل لما كان لجزء منه
<lb n="10"/> اختصاص البتة</p><p>
<lb n="11"/> وبالجملة فأن القسرى يعرض على طبيعى .فلو كانت الأرض أو غيرها من
<lb n="12"/> الاسطقات أزلية لم يجب أن يكون مصروفة الأجزاء كلها دائمًا تحت نقل قاسر،
<lb n="13"/> ووجب أن يكون لها وضع يقتضيه أمر غير القاسر الناقل؛ بل يجوز أن يكون ذلك
<lb n="14"/> فى بعض الأجزاء، فبقى أن يكون العمدة فيه أن الجزء إن كان، فى ابتداء تكونه،
<lb n="15"/> حاصلا فى حيز يخصص حدوثه فيه عن بعض العلل لوجود ما يكون عنه به فلما كان
<lb n="16"/> أول حدوثه فى ذلك الحيز، أو فى حيز يؤديه التحريك الطبيعى منه إلى ذلك الموضع
<lb n="17"/> من موضع كليته، صار ذلك الموضع مختصًا به ما علمته سالفا. </p><p>
<pb n="79"/>
<lb n="1"/>وأما المركبة فلا شك أنها من حيث هى مركبة فقد تكونت بعد ما لم تكن، فيجب أن
<lb n="2"/> يكون فى طباعها، لا محالة، أن تفسد؛ إذ قد بىنا لك أن كل كائن جسمانى فاسد. </p><p>
<lb n="3"/> فقد اتضح من هذا أن الكون والفساد موجود. وقد كان اتضح لك قبل ذلك
<lb n="4"/> الفرق بىن الكون وبين الاستحالة، وبين النمو والذبول فى ماهياتها. وإنما بقى لك
<lb n="5"/> الآن تعرف وجود كل واحد منها. </p><p>
<lb n="6"/> فمن الناس من منع وجود جميع ذلك؛ بل منع وجود الحركة.
<lb n="7"/> أما من أبطل الحركة المكانية والوضعية فلا كثير فائدة لنا فى الاشتغال بمناقضته،
<lb n="8"/> وإن كانت العادة قد جرت بها. فإن لنا، <choice><sic>بمناقضيه</sic><corr>بمناقضته</corr></choice> آراء قيلت فى أمور ليس الحكم
<lb n="9"/> فيها يبين، شغلا شاغلا عن تكلف ما بيان وجوده يغنى عن إبانته. وأما هذه الباقية
<lb n="10"/> فإن الشغل فى إبانة وجودها مما ينبغى أن ىعتد به. </p><p>
<lb n="11"/> فقد منع قوم الكون، وزعموا أن البسائط، مثل الأرض والنار والهواء والماء،
<lb n="12"/> فإن جواهرها لا تفسد، بل لاشىء منها يوجد صرفا فى طبيعته، بل هو مركب من
<lb n="13"/> الطبيعة التى ينسب إليها ومن <choice>
<sic>طبايع</sic>
<corr type="MAR">طبائع</corr>
</choice> أخرى. لكنه إنما يسمى بالغالب .فلا أرض صرفًا
<lb n="14"/> ولا نار صرفا، ولا ماء صرفا ولا هواء صرفا؛ بل كل واحد منها مختلط من الجميع،
<lb n="15"/> ويعرض له فى وقت ملاقاة غيره إياه مما الغالب فيه غير الغالب فيه، أن يبرز ويظهر
<lb n="16"/> فيه ما هو مغلوب لملاقاة الذى من جنس المغلوب فيه غالب، وظهوره بأن يتحرك إلى
<lb n="17"/> مقاومة ما غلبه وعلاه، فيستعلى عليه. وإذا تحرك إلى ذلك عرض للنظام الذى كان
<lb n="18"/> يحصل باجتماع الغوالب والمغلوبات أن يحيل ويستحيل. </p><p>
<pb n="80"/>
<lb n="1"/>والحس إنما يشاهد من جملة ذلك غالب الأجزاء التى تبرز وتظهر فيحسب أن
<lb n="2"/> جميعه استحال إلى الغالب، بأن صارت مثلا، الخشبة أو غيرها نارًا. ولا يشاهد
<lb n="3"/> الأجراء التى تتفرق من الجوهر الآخر كالدخان مثلا، نعم إنما يشاهد بقية بقيت من
<lb n="4"/> الأول بحالها، أو يشاهد ما يتبقى من الأول ــ وقد تفرق وتشتت، أو بطلت تلك
<lb n="5"/> الصورة التى كانت له ــ بقاء الرماد. </p><p>
<lb n="6"/> وأما جوهر الماء فلن يصير نارا البتة، ولا جوهر النار يصير ماءً البتة، بل يتفرق،
<lb n="7"/> ويغيب عن الحس فيرى ما يظهر ويبرز للحس، فيظن أنه بجملته استحال. </p><p>
<lb n="8"/> فهؤلاء الطبقة يرون أن النار لا تكون من شىء بل الكائن منها يبرز ويستعلى
<lb n="9"/> للحس ليس على أنه حدث، بل على أنه ظهر، ويرون أنه لا استحالة ألبيه، وأن الماء
<lb n="10"/> ليس يسخن بالحقيقة من النار، بل تخالطه أجزاء نارية فإذا لقيتها إليه فى أول
<lb n="11"/> ما يظنها يستحيل لقاء أجزاء محرقة وأجزاء مبردة لقاء لا يميز الحس بين أفرادها،
<lb n="12"/> فيتخيل هناك أمرا بين الحر الشديد والبرد الشديد، وهو الفتور .فإِن كثرت
<lb n="13"/> الأجزاء النارية بلغ الأمر إلى أن يحرق. </p><p>
<lb n="14"/> قالوا: وليست الشعرة الواحدة تسود بعينها وتبيض، بل مرة تجرى فيها، ومن
<lb n="15"/> غذائها، أجزاء يغلب عليها فى ظاهرها سواد يخالطها ويعلوها فيبيضها. وإن الدكنة
<lb n="16"/> ليست لونا متوسطا بين السواد والبياض، بل مختلطا فيها، بل تكون أجزاء تسود </p><p>
<pb n="81"/>
<lb n="1"/>وأجزاء بيضا فيختلطان ويبرزان، فلا يميز الحس بينهما، وإذا لم يميز الحس تخيل
<lb n="2"/> المجتمع لونا واحدًا. </p><p>
<lb n="3"/>ومن هؤلاء من يرى أن الجزء الحار مثلا ليس فيه حامل ومحمول، حتى يكون
<lb n="4"/> هناك جوهر وحرارة محمولة فيه؛ بل يجعل الحرارة جزءا بنفسها. </p><p>
<lb n="5"/> ومنهم من يرى أن هناك حاملا ومحمولا، لكنه ليس من شأن الحامل أن يفارقه
<lb n="6"/> المحمول البتة. </p><p>
<lb n="7"/> ويشبه أن يكون بإزاء هؤلاء قوم يرون ما يسمى كونا، ولا يرون للاستحالة
<lb n="8"/> وجودًا البتة، حتى يمنعوا أن يكون الماء يسخن، وهو ماء، البتة؛ بل إذا سخن فقد
<lb n="9"/> استحال ذاته، وأنه مادام ماء، ويرى أنه سخن، فهو مختلط. </p><p>
<lb n="10"/> وقد ألجأ بعض المطالبات واحدا من المتفلسفة، على مذهب نصارى بغداد،
<lb n="11"/> إلى أن قال بذلك. </p><p>
<lb n="12"/> وهنا قوم يرون الاستحالة، ولا يرون كونا البتة، وأكثر هؤلاء هم الذين يقولون
<lb n="13"/> بعنصر واحد، إما نار. وإما ماء، وإما هواء، وإما شىء متوسط بين هواء
<lb n="14"/> ونار وماء. </p><p>
<lb n="15"/> فإن رأوا أن العنصر نار مثلا كونوا عنه الأشياء بالتكاثف فقط؛ حتى أنه إذا
<lb n="16"/> تكثف حدًا من التكاثف صار هواء. فإن تعداه إلى حد آخر صار ماء. وإن تعداه
<lb n="17"/> إلى آخر حدود التكاثف صار أرضًا، ولا يجوزون، مع ذلك، أن تكون جوهرية
<pb n="82"/>
<lb n="1"/>النارية الذاتية تبطل؛ بل عندهم أن الأرض نار محفوظة فى جوهرها مسلوب عنها عارض
<lb n="2"/> التخلخل المفرط. </p><p>
<lb n="3"/> وإن رأوا أن العنصر أرض أقاموا التخلخل بدل التكاثف، وعملوا بالعكس.
<lb n="4"/> وإن رأوه شىئًا آخر عملوا فىه الضدين من التكاثف والتخلخل، فجعلوه بحيث، إذا
<lb n="5"/> تكاثف، عنصرًا أكثف منه، وإذا تخلخل صار عنصرا ألطف منه وأخف،
<lb n="6"/> من غير بطلان جوهريته. </p><p>
<lb n="7"/> وههنا أيضًا قوم ينكرون وجود الكون ويثبتون الاستحالة، مع فرضهم
<lb n="8"/> عناصر فوق واحد. فمنهم من يفرض العنصر الأرض والنار؛ ومنهم من يفرضه الأرض
<lb n="9"/> والماء؛ ومنهم من يفرضه الأرض والهواء والنار، ويلغى الماء، فإن الماء عنده ليس
<lb n="10"/> إلا هواء قد تكاثف. </p><p>
<lb n="11"/> ومنهم من يقول بالأربع ومع ذلك فيقول بالاستحالة: ولا يرى العناصر تقبل
<lb n="12"/> كونا البتة. </p><p>
<lb n="13"/> لكن القائلين بهذا القول قد ينقضون قول أنفسهم؛ إذ يبدو لهم أن يجعلوا القوة
<lb n="14"/> المسماة عندهم محبة وألفة قوة من شأنها أن تتسلط مرة على العناصر الأربعة فتوحدها
<lb n="15"/> جسما متشابه الجوهر يسمونه الكرة. ثم إذا عاد سلطان القوة المضادة لها، وهى التى
<lb n="16"/> يسمونها تارة عداوة وتارة غلبه، وتارة بغضه، فرقها طبايع أربع، فتكون العناصر
<lb n="17"/> الأربعة إذا حصلت فى سلطان المحبة قد فسدت صورها التى بها هذه الأربع،
<lb n="18"/> وقد منع من ذلك. </p><p>
<pb n="83"/>
<lb n="1"/>وبالجملة فإن طبيعة قوة الانسلاخ وهذا اللبس موجودة فى العناصر، وموقوفة،
<lb n="2"/> فى الخروج إلى العقل، على غلبة من محبة موجودة، أو غلبة مفرقة. وهذا شأن القابل
<lb n="3"/> للكون والفساد. </p><p>
<lb n="4"/> وأكثر من قال بالعناصر الكثيرة يلزمه أن ينكر الاستحالة فى الكيفيات
<lb n="5"/> الفاعلة والمنفعلة، لأن منهم من لا يرى لها وجودًا، ومنهم من يراها نفس العناصر
<lb n="6"/> أو لازمة للعناصر لا تفارقها، فكيف تستحيل فيها، وهو لا يرى أن شيئا من
<lb n="7"/> العناصر يستحيل؟ </p><p>
<lb n="8"/> وههنا قوم يريدون أن يميزوا بين الكون والاستحالة بوجه لا يتميز؛ وذلك لأنهم
<lb n="9"/> يضعون مبادئ الأجسام كلها أجرامًا، وغير متجزئة، أو سطوحا. </p><p>
<lb n="10"/> فأما جاعلوها أجراما غير متجزئة فيقولون إنها غير متخالفة إلا بالشكل، وإن
<lb n="11"/> جوهرها جوهر واحد بالطبع، وإنها لاتنقسم، لا لأنها لا تقبل القسمة الإضافية؛ بل لا تقبل
<lb n="12"/> قسمة الانفصال لصلابتها التى هى عدم تخلل الخلاء عندهم؛ إذ الانفصال بين الملاء والملاء
<lb n="13"/> إنما هو عندهم بالخلاء. </p><p>
<lb n="14"/> قالوا، وإن هذه إنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل أشكال مختلفة. لكن ليس من
<lb n="15"/> شأن شىءٍ منها أن ينسلخ عن شكله. ولا يتحاشون أن يجعلوها مختلفة بالصغر والكبر.
<lb n="16"/> ثم منهم من يرى الأشكال متناهية، ومنهم من يراها غير متناهية، ويفتنون فى أن
<lb n="17"/> الأجزاء غير متناهية، وأنها تتحرك حركات كيف اتفق. </p><p>
<pb n="84"/>
<lb n="1"/>فمنهم من يرى حركاتها حادثة عن حركات قبلها بلا نهاية، كل حركة عن صدمة عن
<lb n="2"/> حركة عن صدمة، وأنها ربما ارتبكت واجتمعت فتحابست عن الحركة. </p><p>
<lb n="3"/> ومنهم من يرى لبعض أشكالها خفة، ولبعضها ثقلا. وكلهم لا يرون لطبائع هذه
<lb n="4"/> الأجرام كونا ولا فسادًا. ولكنهم يرون أن للمركبات منها كونًا وفسادًا، وأن كونها
<lb n="5"/> عنها وفسادها إليها، وأن الكون هو باجتماعها، وأن فسادها بافتراقها، وأن
<lb n="6"/> استحالتها باختلاف الوضع والترتيب لتلك الأجزاء فى المجتمع منها. </p><p>
<lb n="7"/> أما الترتيب فمثاله أن هذه الأجزاء لو كانت حروفًا مثلا، فوقع منها ترتيب
<lb n="8"/> فى الجهات على مثال هجاء مليك، ثم حال التركيب، فصار على هجاء كليم. فحينئذ </p><p>
<lb n="9"/> لم يكن عندهم قد فسد؛ إذ لم يتفرق. ولكن يكون عندهم قد استحال.
<lb n="10"/> وأما الوضع فأن يكون مثلا كلاهما مليكا، لكن أحدهما قد كتب فيه الحروف
<lb n="11"/> على الترتيب المكتوب وجهات رءوس الحروف تلك الجهات لها، والآخر إن حرفت
<lb n="12"/> أوضاع الحروف عن ذلك، فكتب مثلا هكذا م يك، حتى صارت اللام جهتها
<lb n="13"/> إلى غير جهة الكاف. </p><p>
<lb n="14"/> وهؤلاء قد تعدوا هذا إلى أن جعلوا الاستحالة أمرا بالقياس إلى الإدراك
<lb n="15"/> والإحساس، لا على أنها موجودة فى طبائع الأمور .وقالوا، وذلك كاللون المحسوس
<lb n="16"/> فى طوق الحمامة. فأنه إذا كان على وضع ما من الناظر إليه رؤى اسود، وإذا صار له
<lb n="17"/> منه وضع آخر رؤى أرجوانيا، وأنه ليس فى نفسه سوادًا ولا أرجوانية؛ بل ذلك له
<lb n="18"/> بالقياس إلى الناظر. </p><p>
<pb n="85"/>
<lb n="1"/>فهؤلاء أصحاب الأجرام غير المتجزئة .وأما أصحاب السطوح فأنهم يرون الكون
<lb n="2"/> باجتماعها والاستحالة لشىء قريب مما يقوله هؤلاء. ويجعلون مبادئ السطوح
<lb n="3"/> سطوحًا مثلثة. </p><p>
<lb n="4"/> فهؤلاء بالجملة يرون أنهم اثبتوا كونا، ولم يثبتوه. وذلك لأن الطبائع إذا كانت
<lb n="5"/> محفوظة فى البسائط متشاكلة فى الجواهر، فلا يفعل الاجتماع والافتراق أمرًا غير زيادة
<lb n="6"/> حجم وعظم ومخالفة هيئة شكل .وذلك إما تغير فى الكم أو فى الكيف. </p><p>
<lb n="7"/> وأما النمو فلم يبلغنا فيه مذهب نذكره خارج عن مذهب الفرقة المنكرة للحركة
<lb n="8"/> أصلا، وإن كان النمو من حقه أن تنبعث فيه شكوك. </p><p>
<lb n="9"/> ويكفينا فى عرضنا هذا من تعديد هذه المذاهب ما عددناه. فبالحرى أن نشتغل
<lb n="10"/> الآن بتعديد القياسات الفاسدة التى دعت هؤلاء الى اعتقاد هذه المذاهب، ثم نقبل
<lb n="11"/> على فسخها وفسخ نتائجها من أنفسها. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="86"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الثاني
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>فى اقتصاص حجة كل فريق</head>
<p>
<lb n="4"/> أما أصحاب الكمون فقد دعاهم إلى ذلك أنه من المستحيل أن يتكون شىء من
<lb n="5"/> لا شىء، إذ اللاشىء لا يكون موضوعا للشىء. فإذا كان كذلك فالمتكون، إن كان
<lb n="6"/> موجودا، فتكونه عن شىء. فقد كان الشىء قبل تكونه. والمتكون هو ما لم يكن
<lb n="7"/> قبل تكونه. فالمتكون غير متكون، هذا خلف. </p><p>
<lb n="8"/> وإذ قد صح بالعيان أنه قد يكون شىء عن شىء فليس التكون ما يذهب إليه؛
<lb n="9"/> بل هو البروز عن الكمون. وحسب بعضهم أن الاستعداد لأكوان بلا نهاية يحوج
<lb n="10"/> إلى أن يكون العنصر المستعد له بغير نهاية، فجعل الأجزاء المتشابهة عنده لما يكون عنه
<lb n="11"/> أجزاء بلا نهاية، كيلا يضطر تناهى المادة إلى انقطاع الكون. </p><p>
<lb n="12"/> وأما أصحاب الأسطقس الواحد فإن جميعهم اشتركوا، أول شىء، فى حجة
<lb n="13"/> واحدة. فقالوا: لما رأيناه الأشياء الطبيعية يتغير بعضها إلى بعض، وكل متغير فإن له
<lb n="14"/> سببا ثابتا فى التغير هو الذى يتغير من حال إلى حال، فيجب من ذلك أن يكون لجميع
<lb n="15"/> الأجسام الطبيعية شىء مشترك محفوظ، وهو عنصرها. </p><p>
<pb n="87"/>
<lb n="1"/>ثم مال كل واحد منهم إلى اختيار عنصر واحد. فيشبه أن يكون أقدمهم من رأى
<lb n="2"/> أن العنصر الواحد هو الماء. ودعاه إلى ذلك ظنه أن العنصر ينبغى أن يكون مطاوعا
<lb n="3"/> للتشكل والتخليق حتى يكون منه ما هو عنصر له. فكل ما هو اشد مطاوعة لذلك
<lb n="4"/> فهو أولى بالعنصرية. ثم وجد هذه المطاوعة كأنها فصل خاص بالرطوبة؛ والناس كلهم
<lb n="5"/> يعتقدون أن الرطوبة ماء، أو شىء الغالب عليه الماء فجعل الماء البسيط هو العنصر. </p><p>
<lb n="6"/> قال ولهذا ما نرى الحيوانات لا تتخلق إلا من الرطب، وهو المنى. </p><p>
<lb n="7"/> والذين رأوا أن الاسطقس هو الأرض، وهم قليل وغريب، فقد دعاهم إلى ذلك
<lb n="8"/> وجود جلّ الكائنات الطبيعية مستقرة على الأرض متحركة إلى مكان الأرض بالطبع،
<lb n="9"/> فحكموا من ذلك أن الأرضية هى جوهر الكائنات كلها. </p><p>
<lb n="10"/> ووأما الذين رأوا أن الاسقطس نار فقد دعاهم إلى ذلك ما ظنوه من كبر جوهره،
<lb n="11"/> كأنهم استحقروا حجم الأرض والماء والهواء فى جنبته؛ إذ السموات المشعّة
<lb n="12"/> والكواكب المضيئة كلها عندهم نارية. وحكموا بأن الجرم الأكبر مقدارا هو الأولى
<lb n="13"/> أن يكون عنصرا، وخصوصا ولا جسم أصرف فى طبيعته من النار، وأن الحرارة
<lb n="14"/> هى المدرة فى الكائنات كلها، وما هو الهواء إلا نار مفترة ببرد البخار، وما البخار إلا ماء
<lb n="15"/> متحلل. وما الماء إلا نار مكثفة، وهواء مكثفا ماء. ولو كان للبرد عنصر يتصور به،
<lb n="16"/> ولم يكن البرد أمرا عرضيا يعرض لذلك العنصر الواحد، لكان فى العناصر بارد، برده
<lb n="17"/> فى وزن شدة حر النار. </p><p>
<pb n="88"/>
<lb n="1"/>وأما القائلون بالهواء فقد دعاهم إلى ذلك مثل ما دعا القائلين بالماء إلى القول به.
<lb n="2"/> وقالوا إن معنى الرطوبة أثبت فى الهواء منه فى الماء، وذلك لأن مطاوعته للمعنى المذكور
<lb n="3"/> أشد. وما الماء إلا هواء متكاثف، والمتكاثف أقرب إلى اليبس منه إلى التخلخل.
<lb n="4"/> وأما الأرض فهى ما عرض له التكاثف الشديد، كما نراه من انعقاد كثير من المياه
<lb n="5"/> السائلة حجارة. وأما النار فليست إلا هواء اشتدت به الحرارة، فرام سموا. </p><p>
<lb n="6"/>وأما القائلون بالبخار فدعاهم إلى ذلك أنهم رأوا جرما نسبته إلى العناصر نسبة
<lb n="7"/> الوسط، وأنه تفضى به درجة من التخلخل إلى الهوائية، ودرجة أخرى إلى النارية،
<lb n="8"/> ثم تفضى به درجة من التكاثف إلى المائية، ودرجة أخرى إلى الأرضية، وأنه ليست
<lb n="9"/> هذه الخاصية لغيره، وأن الذى تتساوى نسبته إلى غيره لا غير.
<lb n="10"/> وهؤلاء كلهم فقد اشتركوا فى حجة واحدة هى التى ذكرناها. </p><p>
<lb n="11"/> وأما القائلون بالأرض والنار فدعاهم إلى ذلك أن سائر الأسطقسات تستحيل آخر
<lb n="12"/> الأمر إلى هذين الطرفين، والطرفان لا يستحيلان إلى اسطقسات أخرى خارجة عنهما.
<lb n="13"/> فهما اللذان ينحل سائرهما إليهما، ولا ينحلان إلى شىء آخر. فهما الأسطقسان. ولذلك
<lb n="14"/> هما البالغان فى طبيعة الخفة والثقل، والآخران يقصران عنهما. وإذا لا حركة أسطقسية
<lb n="15"/> إلا اثنتان فالأغلب فى الاثنين هو الأسطقس. والنار والأرض بالقياس إلى غيرهما
<lb n="16"/> أغلبان، ولا شىء أغلب معها. ثم الهواء نار خامدة مفترة مثقلة بالماء المتبخر، والماء
<lb n="17"/> أرض متحللة سيالة خالطتها نارية، فهى أخف من الأرض. </p><p>
<pb n="89"/>
<lb n="1"/>وأما القائلون بالأرض والماء فقد دعاهم إلى ذلك تساوى حاجة المركبات إلى الرطب
<lb n="2"/> واليابس .فكلما أنها تحتاج إلى الرطب لتقبل التخليق، كذلك تحتاج إلى اليابس
<lb n="3"/> ليحفظ التخليق .فإن الرطب كلما أنه سهل القبول لذلك فهو أيضًا سهل الخلع له.
<lb n="4"/> واليابس كما أنه صعب القبول لذلك فهو أيضًا صعب الخلع له. وإذا تخمر اليابس بالرطب
<lb n="5"/> استفاد المركب من الرطب حسن مطاوعته للتخليق، ومن اليابس شدة استحفاظه له.
<lb n="6"/> واليابس والرطب فى المشاهدة هما الأرض والماء لا غير. وإما الهواء فبخارى مائى.
<lb n="7"/> وأما النار فهواء أسخنته الحركة. </p><p>
<lb n="8"/> وأما القائل بالأربعة مع الغلبة والمحبة فقد دعاه إلى القول بالأربعة أنه <choice><sic>لاشىء</sic><corr>لا شىء</corr></choice> منها أولى
<lb n="9"/> بأن يجعل عنصرا لصاحبه من صاحبه أن يجعل عنصرًا له، وأن القوى الأولى هى الأربع،
<lb n="10"/> والمزاوجات الصحيحة منها هى أربع، على ما سنحقق القول فيه بعد. </p><p>
<lb n="11"/> ثم هذه الأربعة لا تتكون منها الكائنات ولا تفسد إليها إلا باجتماع من أجزائها
<lb n="12"/> إلى المركب، وافتراق من المركب إليها. ولن يجتمع منها المركب إلا بافتراق يقع فيها؛
<lb n="13"/> وأنه لا سبيل إلى الظن بأن شيئًا ينفعل بنفسه إلى اجتماع أو افتراق؛ إذ كل منفعل
<lb n="14"/> فإنما يخرجه من القوة إلى الفعل فاعل؛ وأنه من المستحيل أن تكون طبيعة واحدة
<lb n="15"/> بسيطة يصدر عنها فى موضوعات بأعيانها جمع وتفريق معا، وإن كانت الطبيعة المركبة
<lb n="16"/> لا يبعد أن يصدر ذلك عنها. ولكن إنما يصدر حينئذ كل واحد منهما عن جزء من
<lb n="17"/> المركب خاص، فيكون الجمع يصدر عنه عن جزء، والتفريق عن آخر. ويكون
<lb n="18"/> المصدران الأوليان لذينك الفعلين هما الجزءان اللذان يجب أن يكونا مختلفين فى الطباع،
<pb n="90"/>
<lb n="1"/>لأن فعليهما مختلفان فى الطباع، ويكون كل واحد إما قوة مجردة، وإما قوة فى جسم.
<lb n="2"/> وأحرى ما تسمى به القوة الجماعة هى الألفة والمحبة، وأولى ما تسمى به القوة المفرقة
<lb n="3"/> المشتته الموجبة تباعدا بين المتشاكلات هو الغلبة والبغضة والعداوة. </p><p>
<lb n="4"/> قالوا فيجب ضرورة أن يكون ههنا اسطقسات أربعة تتصرف فيها الغلبة والمحبة،
<lb n="5"/> وإذ التصرف إنما هو بالجمع والتفريق، وذلك لا يوجب تغيرا فى الجوهر، فلا يسبب لإيقاع
<lb n="6"/> تغير فى جوهر العناصر. فلذلك <choice><sic>مالا</sic><corr>ما لا</corr></choice> يرى هذا القائل أن العناصر يستحيل بعضها
<lb n="7"/> إلى بعض البتة، ولا يراها تقبل كونا وفسادًا. وليس يقتصر من فصولها على الكيفيات
<lb n="8"/> الأربع فقط؛ بل يرى لها فى ذواتها الفصول من جميع الكيفيات الأخرى. لكنه
<lb n="9"/> يراها أربعا لا غير. فهى عنده متناهية العدد والمقدار. </p><p>
<lb n="10"/> وأما أصحاب السطوح فيشبه أن يكون داعيهم إلى ذلك هو ما اعتقدوه من أن
<lb n="11"/> تكون الأشياء عن العناصر إنما هو بنوع التركيب، وذلك التركيب إنما هو نتيجة
<lb n="12"/> الفعل والانفعال، وأن ذلك الفعل والانفعال باللقاء والتماس؛ وأن التماس الأول للأجسام
<lb n="13"/> إنما هو بالسطوح. فيكون أول فعل وانفعال عند التركيب إنما هو للسطوح. وما كان
<lb n="14"/> أول ذينك فيه فهو العنصر. فالسطوح هى العناصر. ولأن العناصر ينبغى أن تكون
<lb n="15"/> بحيث تتركب منها الكائنات تركيبا لا يؤدى الى المحال، والسطوح التى تحيط بها غير
<lb n="16"/> الخطوط المستقيمة يؤدى تأليفها لا محالة إلى فرج تبقى بينها، فينبغى أن يكون السطوح
<lb n="17"/> الأولى مستقيمة الضلوع. وليس فى المستقيم الأضلاع شىء أقدم من المثلث. ويمكن أن
<pb n="91"/>
<lb n="1"/>يؤلف من المثلث سائر الأشكال المستقيمة الخطوط، كما يمكن أن يحل إليها، فتكون
<lb n="2"/> السطوح العنصرية هى السطوح المثلثة، ثم يؤلف منها تأليف يكون منه شكل مائى،
<lb n="3"/> وشكل هوائى، وشكل نارى، وشكل أرضى. </p><p>
<lb n="4"/> فأما النارى فهو الذى يحيط به أربع قواعد ومثلثات، فتكون صنوبرية نفاذة
<lb n="5"/> قطاعة مستعدة للحركة. </p><p>
<lb n="6"/> وأما الهوائى فالذى يحيط به عشرون قاعدة مثلثات، فكون شديد
<lb n="7"/> الانبساط للإحاطة. </p><p>
<lb n="8"/> وأما المائى فالذى يحيط به ثمانى قواعد مثلثات. </p><p>
<lb n="9"/> وأما الأرضى فهو مكعب، والمكعب أضلاعه مربعات تأتلف بالقوة من مثلثات،
<lb n="10"/> وهو لتكعيبه غير نافذ، ولا ثاقب. فلذلك هو غير مسخن. </p><p>
<lb n="11"/> فإن جعلوا تأليفه بالفعل أيضًا من مثلثات وجب أن يوجدوا للنار جزءا من
<lb n="12"/> الأرض. وكذلك إن جعلوا هذه السطوح منقسمة، وجب أن يمكنوا من إيجاد كل
<lb n="13"/> عنصر فى العنصر الآخر. </p><p>
<lb n="14"/> قالوا: وأما السماوى فيحيط به اثنتا عشر قاعدة مخمسات، كل مخمس مؤلف من
<lb n="15"/> خمسة مثلثات. </p><p>
<lb n="16"/> ويشبه أن يكون داعيهم إلى ذلك شدة حرصهم على العلوم الرياضية وإيضاح
<lb n="17"/> المذاهب فيها لهم، وانغلاق الطبيعة عليهم؛ إذ كان نظرهم فى الطبيعيات، والزمان
<pb n="92"/>
<lb n="1"/>ذلك الزمان والفلسفة فى الابتداء نظر <choice><sic>المبتدى</sic><corr type="MAR">المبتدئ</corr></choice> والشادى. والذى لم يتمرن ويتدرب فهو
<lb n="2"/> بعد فى الأمانى، فراموا أن يتأولوا المشكل من الواضح. </p><p>
<lb n="3"/> وهذه المخمسات الخمسة ستقف عليها فى إحدى الجمل الرياضية فى هذا الكتاب.
<lb n="4"/> ويشبه أن يكون فى تكثير العناصر وتوحيدها مذاهب كثيرة غير ما ذكرناها
<lb n="5"/> لم تحضرنا فى الحال. </p><p>
<lb n="6"/> وأما أصحاب الأجرام الغير المتجزئة فأن الفيلسوف الذى هذب مبادئ هذه
<lb n="7"/> الصنائع فقد أسهب يثنى عليهم، ويقرظهم، على تخطئته إياهم، ويقدمهم على سائر
<lb n="8"/> الطوائف، وخصوصًا على أصحاب السطوح، قائلا إنهم أخذوا مبادئ محسومة مقرا
<lb n="9"/> بها ونسقوا عليها القول نوعا من النسق، ثم حافظوا على أصولهم، ولم يزيغوا عنها فى أكثر
<lb n="10"/> الأمر. وذلك لأنهم اعترفوا بوجود الحركة، ثم صاروا إلى إثبات الخلاء، لا كالذين
<lb n="11"/> أخذوا أخذًا مسلما أن لا خلاء، وأوجبوا منه أن لا حركة .وذلك أن هؤلاء ساعدوا
<lb n="12"/> أولئك على ما وضعوه مسلما من أن الحركة والقسمة متعلقة بالخلاء. ثم كان وجود الحركة
<lb n="13"/> أظهر وأعرف من عدم الخلاء؛ لأن هذا لا شك فيه صحيح الرأى، وفى ذلك موضع شك
<lb n="14"/> كثير. فتشبث هؤلاء إنما هو بجنبته أوضح من جنبة تشبث أولئك .فقد فاقوا أولئك
<lb n="15"/> فى هذا الاختبار. </p><p>
<lb n="16"/> ومن هنا قالوا: إن <choice><sic>مالا</sic><corr>ما لا</corr></choice> خلاء فيه فلا يتكثر، ولا ينقسم. فكل جزء لا ينقسم،
<lb n="17"/> وفاقوا أصحاب السطوح بأن أصحاب السطوح قد تذبذبوا، وانبتوا فى الوسط: وذلك
<pb n="93"/>
<lb n="1"/>لأن نسبة الأجرام إلى السطوح هى كنسبة السطوح إلى الخطوط، وكنسبة الخطوط
<lb n="2"/> إلى النقط، وإنه إن صح تركيب الأجسام من السطوح فلا مانع من تركيب السطوح من
<lb n="3"/> الخطوط والخطوط من النقط. فإما أن يبطل تركيب المتصل من الغير المتجزئات،
<lb n="4"/> وإما أن يقال بالتركيب من النقط. فإن بطل التركيب من النقط، فقد بطل التركيب من
<lb n="5"/> سائر <choice><sic>مالا</sic><corr>ما لا</corr></choice> يتجزأ، من النحو الذى تركب عليه. وبقى أن الجسم يتناهى فى القسمة إلى
<lb n="6"/> أجسام لا تتجزأ، وإن صح ذلك النحو من التركيب فالنقط هى الأوايل لا السطوح.
<lb n="7"/> ولأن تؤلف الأجسام من أجسام لا تتجزأ صلابة، لا فقدان اتصال ومساحة، أقرب إلى
<lb n="8"/> الصواب من أن تؤلف عما لا اتصال له فى جهة التأليف. </p><p>
<lb n="9"/> وهؤلاء أيضًا فقد بذوا عنده سائر الآخرين فى أن كان لهم سبيل إلى التفرقة بين
<lb n="10"/> الكون والفساد والاستحالة، ولم يكن لأولئك المذكورين. </p><p>
<lb n="11"/> فأما حجة هؤلاء فقد ذكرناها فيما سلف، وأومأنا إلى سبب الغلط فيها. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="94"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الثالث
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/> نقض حجج المخطئين منهم</head>
<p>
<lb n="4"/> قد بقى الآن أن نشير إلى سبب الغلط فى حجةٍ حجةٍ من الحجج المقتضية.
<lb n="5"/> أما القائلون بالكون والتداخل، وأن الكون ظهور الكامن، فالسبب فى غلطهم
<lb n="6"/> هو ظنهم أنه إذا كان مسلما أن الشىء لا يكون عن لاشىء فقد صح أن كل شىء يكون عن
<lb n="7"/> مشابهة فى الطبع، وأنه إذا كان مسلما أن لاشىء لا يكون موضوعًا لشىء استحال أن
<lb n="8"/> يكون الشىء عن لاشىء. </p><p>
<lb n="9"/> أما الأول فلنضعه مسلما، فيجوز أن يكون الشىء لم يتكون عن لاشىء، ولكن
<lb n="10"/> تكون عن الشىء، لكن عن شىء ليس مثله فى النوع ولا مشابهة فى الطبع، ويكون مع
<lb n="11"/> ذلك لم يتكون عن لاشىء. </p><p>
<lb n="12"/> وما قوله فى اليد والرجل وفى البيت وفى الكرسى؟ هل هذه الأشياء متكونة
<lb n="13"/> عن لاشىء؟ فإن كانت عن لاشىء فقد بطلت المقدمة. وإن كانت عن شىء. فهل ذلك
<lb n="14"/> الشىء مثل أم ليس بمثل؟ وليس يمكن أن يقال إن الوجه متكون عن الوجه، والكرسى عن
<lb n="15"/> الكرسى، تكونا بالحقيقة إلا بالعرض، وعلى أن الشىء عن الشىء يقال كما يقال إن الكرسى
<pb n="95"/>
<lb n="1"/> عن الخشب، وهو غير شبيه. وكيف يكون الموضوع شبيهًا بالمركب منه ومن الصورة،
<lb n="2"/> وقد تكوّن كما تكوّن عن شىء قبله بطلت صورته لقبول صورة هذا، كما يتخذ من الباب
<lb n="3"/> كرسى، فيكون ليس أيضًا عن الشبيه. </p><p>
<lb n="4"/> وأما المقدمة الأخرى، وهى أن لاشىء موضوعًا للشىء فإنما يصح هذا إذا
<lb n="5"/> قيل إنه كان عنه، وهو موجود فيه. وأما إذا كان الوضع أن الشىء كان من لاشىء،
<lb n="6"/> أى بعد لاشىء لم يصر لا شىء موضوعًا للشىء، والأولى أن يقال حينئذ لا عن شىء،
<lb n="7"/> حتى لا تقع هذه الشبهة. على أنه ليس نقيض قولنا إن الشىء كان عن الشىء هو أن الشىء
<lb n="8"/> كان لا عن شىء، أو كان لا عن شىء؛ بل إن الشىء لم يكن. وهذا إذا
<lb n="9"/> كان الشىء مرادا به أمرًا بعينه. وأما إن كان مهملا فلا نقيض حقيقيًا له، وإن كان بمعنى
<lb n="10"/> العموم، حتى يكون كأنه قال كل شىء يكون عن شىء، فليس نقيضه أن الشىء لا يكون
<lb n="11"/> عن شىء. وذلك لأن معنى هذا أن كل شىء لا يكون عن شىء. وهذه المقدمة ضد
<lb n="12"/> الأولى، لا نقيضها. </p><p>
<lb n="13"/> وأما الحجة التى يشترك فيها مثبتوا اسطقس واحد، وهى أن هذه المسماة
<lb n="14"/> بالأسطقسات يتغير بعضها إلى بعض، فلا بد من شىء ثابت، فإنما أثبتت لهم أن شيئا
<lb n="15"/> مشتركا، ولم تثبت أنه جسم طبيعى ذو صورة مقيمة إياه بالفعل، حتى يطلب بعد ذلك
<lb n="16"/> أنه أى الأجسام، وترجم فيه الظنون؛ بل يجوز أن يكون ذلك الشىء جوهرًا قابلا
<lb n="17"/> لصورة واحدٍ من العناصر يصير جسما طبيعيا بتلك الصورة، وإذا سلخها اكتسب
<lb n="18"/> أخرى. </p><p>
<pb n="96"/>
<lb n="1"/> ثم مرجح الماء من بينهم، لما فيه من قبول الشكل، يفسد اختياره الماء لما فيه من
<lb n="2"/> التخلية عن الشكل. فإن جعل تكاثفه حافظًا للشكل فقد جعل تكاثفه مزيلا عنه
<lb n="3"/> الصفة التى لها صلحت للأسطقسية، ومرجح الهواء مخاطب بمثل ذلك. ومرجح الأرض
<lb n="4"/> يفسد مقدمته لما فى الأرض من امتناع الاجتماع بعد الافتراق والامتناع عن قبول
<lb n="5"/> الشكل، وأنه ليس كل متكون فإنما الأرضية غالبة عليه. </p><p>
<lb n="6"/> فههنا متكونات هوائية ومتكونات مائية. وكثير من المتكونات لا يرسب
<lb n="7"/> فى الماء، ولو كانت الأرضية غالبه لرسب جميعها. ومع ذلك فليس إذا رسب كل متكون
<lb n="8"/> دل على ذلك اكثر من أن الأرضية غالبة فيه؛ ولم يدل على أن لا خليط للأرض
<lb n="9"/> فيه. فإن الغالب غير المنفرد فربما كان امتزاج من عدة، وواحد منها غالب
<lb n="10"/> بالقوة أو بالكمية. </p><p>
<lb n="11"/> وأما القائلون بترجيح النار فقد اعتمدوا فيه الكبر، وظنوا أنهم صححوا الكبر
<lb n="12"/> بكبر السموات وعظمها. فما يدرينا أن السموات كلها نارية حتى عسى أن يصح ما يقولونه؟
<lb n="13"/> وما الذى يوجب اختصاص النار بالعنصرية لحاجة الكائنات إلى الحرارة. كأنها
<lb n="14"/> لا نحتاج إلى الرطوبة، وكأنها لا تحتاج إلى اعتدال من الحرارة بمزاج البرودة؟
<lb n="15"/> وأما فى أن النار قد تمخض نارًا من أنها هى العنصر، فإنه إن كان الماء نارًا مستحيلة،
<lb n="16"/> أو كانت الأرض نارًا غير محضة، فيكون من النار <choice><sic>ماليس</sic><corr>ما ليس</corr></choice> بمحض. وأما إذا أخذت
<lb n="17"/> النار التى هى مجاورة للفلك فالذى يدل على محوضتها يدل أيضًا على محوضة الأرض
<lb n="18"/> المجاورة للمركز. ومع هذا كله، فما المانع من أن يكون كل واحد من هذه أسطقسا،
<pb n="97"/>
<lb n="1"/> لكن الواقع فى جوار الفلك لا يرتفع إليه من البواقى ما يشوبه، وأما التى عند المركز
<lb n="2"/> فإن الشعاعات الفلكية والتأثيرات السماوية تمزج بعضها ببعض بما يفيض من المياه،
<lb n="3"/> وما يصعد من الأبخرة والأدخنة الدائمة الحدوث، فلا تبقى صرفه. وهذا لا يستبين
<lb n="4"/> من أمره أنه ممتنع محال. </p><p>
<lb n="5"/> وأما القائلون بالبخار لأنه متوسط بين العناصر ونسبته إلى الأطراف البعيدة نسبة
<lb n="6"/> واحدة، وإن كانت مختلفة، بالتخلخل والتكاثف، فمن سلم لهم أن الشىء، إذا كانت
<lb n="7"/> نسبته إلى أشياء أخرى هذه النسبة كان أولى أن يكون عنصرًا. ولو كان هذا حقًا
<lb n="8"/> لكان كل واحد من العناصر بهذه الصفة؛ وذلك لأن الهواء أيضًا إذا يبس كان نارًا،
<lb n="9"/> وإذا يبس أشد أرضًا، وإذا برد كان بخارًا، وإذا برد أشد كان ماء. ولا فرق إلا أن
<lb n="10"/> الانتقال هناك بمتقابلتين، وهما التكاثف والتخلخل، والانتقال ههنا بغير متقابلين.
<lb n="11"/> إلا أنه ليس بينًا بنفسه أنه يجب أن يكون المتوسط الذى ينتقل إلى الأطراف بمتقابلين
<lb n="12"/> هو الأسطقس الأول، لا غير. </p><p>
<lb n="13"/> على أن البخار ليس شيئًا إلا ماء قد تفرق وانبسط، كما أنه ليس الغبار والدخان
<lb n="14"/> إلا أرضًا تفرق وانبسط. وليس هو عنصرًا خامسًا، أو بعنصر خامس؛ بل هو فتات بعض
<lb n="15"/> العناصر وبثاثته، مع بقاء نوعه. وإنه لو انسلخ نوعه فى ذلك الطريق لا نسلخ إلى
<lb n="16"/> الهوائية لا غير، ولم ينسلخ إلى البخارية. </p><p>
<lb n="17"/> ولا يُلتفت إلى ما يقوله من يظن أن الأسطقس لا يستحيل إلى آخر إلا بتوسط،
<pb n="98"/>
<lb n="1"/> فلا بد من بخار. فأن المسألة مع البخارية قائمة. ويلزم أن يكون بين كل اسطقسين وسط
<lb n="2"/> آخر، وليس كذلك؛ بل الكون أمر يكون دفعه بلا توسط؛ بل البخار مثل الغبار
<lb n="3"/> إلا أن البخار والدخان إنما تفرقا عن سبب حار، والغبار عن سبب ساهك. فإذا جعل
<lb n="4"/> البخار متوسطا فبالحرى أن يجعل الدخان متوسطا، إن لم يجعل البخار متوسطا من
<lb n="5"/> العناصر، لأنه ظاهر من حاله أنه متفرق فقط، وتصير حينئذ الأجسام المعتبر فيها
<lb n="6"/> هذه المناسبات ستة .فلا يكون البخار وسطا بين العناصر؛ بل ليس البخار من حيث
<lb n="7"/> هو بخار وسطا بين الماء والهواء، وإلا لكان مكانه الطبيعى فوق مكان الماء دون مكان
<lb n="8"/> الهواء، فلا يكون خارقا بحركته للهواء والهواء نفسه لا يتحرك فى الهواء؛ بل يقف
<lb n="9"/> بالطبع، ولو فى أقرب حيزه من <choice>
<sic>الهواء</sic>
<corr>الماء</corr>
</choice>. </p><p>
<lb n="10"/> فإن قيل: فلأن لا يخرق الهواء، وهو ماء أولى. </p><p>
<lb n="11"/> فنقول: إن الماء يعرض له أن يقسره الحرّ بالتحريك إلى فوق، وربما قسر أجراما
<lb n="12"/> ثقل من الماء، كقطع خشب راسبة إذا اشتغلت أصعدتها النار القوية فى الجو. </p><p>
<lb n="13"/> وليس هذا حكم البخار فإنه ليس يكون البخار، على قولهم، شيئا عرض له عارض
<lb n="14"/> حرارة مصعدة؛ بل جوهر البخار هذا الجوهر، ومعنى اسمه هذا المعنى، حتى إذا بطل
<lb n="15"/> عنه هذا المعنى لم يكن إلا ماء قد كان قسر على التصعد. فإن لم يكن ذلك له بالقسر كان
<lb n="16"/> بالطبع. فكان يجب أن لا يكون مكانه الطبيعى إلا فوق الماء دون الهواء؛ فما كانت
<lb n="17"/> حركته الطبيعية تجاوز ذلك الحد، وتخرق الهواء، فإن كان هذا التصعد والسخونة
<lb n="18"/> عارضين للبخار، بحيث لو زالا بقى البخار، فالقول ما قلناه من أن البخار ماء مبثوث.
<pb n="99"/>
<lb n="1"/> وأما القائل بالمحبة والغلبة فلأنه لا يرى كونا، ولا فسادا للعناصر، ثم ينسى ذلك،
<lb n="2"/> فيجعل العناصر قد تستحيل عند غلبة المحبة وتأحيدها إياها، وجمعها لها كرة هى مخالفة
<lb n="3"/> فى الطباع للعناصر. وكذلك تستحيل الكرة، فتتفرق إلى العناصر. فيكون الاجتماع
<lb n="4"/> عنده يردها إلى المادة المشتركة لا محالة، ويفسخ عنها صورة العناصر، ويكسوها صورة
<lb n="5"/> الكرة؛ والافتراق يخلع صورة الكرة عنها إلى صورة العناصر. ويلزم من وجه أن
<lb n="6"/> يجعل المحبة محركة حركة خارجة عن الطبع، وهى طبيعة التحريك عنده. </p><p>
<lb n="7"/> أما أنه كيف تصير علة لذلك فلأن الطبيعى من حركات العناصر عند الجميع،
<lb n="8"/> وعند قائل هذا القول، يوجب تباعد بعضها عن بعض، ومفارقتها⸣ بأن تنزل الأرض،
<lb n="9"/> وتصعد النار؛ وإذا تحركت الى الاتحاد فقد أخرجت عن طبيعتها. والمحبة أيضا،
<lb n="10"/> تصير عنده مفرقه، ويتحاشى من ذلك. </p><p>
<lb n="11"/> أما كيف يلزم أن تكون مفرقة فلأنها تفرق بين المادة وصور العناصر، فتكون قد
<lb n="12"/> فرقت بين أشد مجاورة من الأجسام المتلاقية أو المتصلة بعضها ببعض.
<lb n="13"/> وأيضا <choice>
<sic>فلإنها</sic>
<corr>فلانها</corr>
</choice> لا تجتمع إلا فرقت أى جمع نسب إليها. </p><p>
<lb n="14"/> وأما القائلون بالأرض والنار فقد أضلهم ظنهم أنه لا استحالة إلا على طريق
<lb n="15"/> الاستقامة. وهم، مع ذلك، يسلمون أن الماء له استحالة إلى جهة الأرض، وأخرى
<lb n="16"/> إلى جهة الهواء والنار. فلو كان اعتبار الاستحالة مقصورًا على استقامة من جهة إلى جهة،
<lb n="17"/> من غير انعكاس، لكانت المائية إنما تتجه فى استحالتها مثلا إلى الهوائية والى النارية،
<lb n="18"/> ولا تنعكس، حتى تكون الهوائية تتجه إلى المائية، والمائية إلى الأرضية. </p><p>
<pb n="100"/>
<lb n="1"/> فإذا كان كذلك فلا واجب أن تكون النار تأخذ فى استحالتها، لو كانت مستحيلة
<lb n="2"/> إلى عنصر آخر أخذا مستمرا فى استقامة استحالة الهوائية إليها؛ بل يجوز أن يكون
<lb n="3"/> بعكس ذلك، وهو الذى يتصل باستمرار استقامة استحالة الهوائية إلى المائية، حتى
<lb n="4"/> تكون النار منعكسة باستحالتها إلى الهوائية. </p><p>
<lb n="5"/>* * * </p><p>
<lb n="6"/> وأما المقتصرون على الأرض والماء فقد جعلوا العنصر هو البرد. ومعلوم أنه
<lb n="7"/> لا متكون عن مجرد ماء وأرض إلا الطين، وأن أصناف الطين لن يستغنى فى تميز
<lb n="8"/> بعضها عن بعض عن مخالطة الحار الطابخ. وليس إذا كان للمركب شىء به يقبل
<lb n="9"/> الصورة، وشىء به يحفظ فقد كفى ذلك؛ فإن أقل ما يحتاج إليه المركب هو الشكل
<lb n="10"/> والتخطيط، بل قد يحتاج إلى قوى وأحوال أخرى، خصوصا فى النبات والحيوان. </p><p>
<lb n="11"/> ولاشىء كالحار الغريزى فى إعانة القوى على حفظ النوع والشخص.
<lb n="12"/> فأما أصحاب السطوح فقد غلطوا؛ إذ ظنوا أن الانفعال أولا هو فيما يلى الشىء أولا؛
<lb n="13"/> بل الانفعال فيما من شأنه أن ينفعل. ولو كان كذلك لكان السطح يتحرك من محرك
<lb n="14"/> الجسم بالملاقاة قبل الجسم، وكان البياض أيضا يسخن قبل الجسم، ولكان يجوز أن
<lb n="15"/> تكون نفس المماسة منفعلة بالسخونة؛ إذ هى مؤدية إلى ذلك، وبها تنفعل. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="101"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الرابع
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>إبطال قول أصحاب الكمون ومن يقرب منهم
<lb n="4"/>ويشاركهم فى نفى الاستحالة</head>
<p>
<lb n="5"/> وإذ ليس نقض القياس المنتج لمطلوب ما كافيا فى نقض المطلوب نفسه.وكيف
<lb n="6"/> وربما أنتج صادق عن مواد كواذب، وربما أنتج صادق لا من قياس صحيح فى
<lb n="7"/> صورته؟ فبالحرى أن نشتغل بنقص مذهب مذهب نفسه لنتوصل من ذلك إلى تحقيق
<lb n="8"/> التفرقة بين الكون والفساد وبين سائر الحركات، ونستعد لتحقيق القول فى عدد
<lb n="9"/> العناصر وطبائعها، وفى الفعل والانفعال، والامتزاج. </p><p>
<lb n="10"/> ولنبدأ بمذهب أصحاب الكمون: </p><p>
<lb n="11"/> أما الطبقة القائلة منهم إن فى كل جسم مزجا من أجزاء كامنة لا تتناهى، فيكذبهم
<lb n="12"/> ما علم قبل من امتناع وجود جرم متناه مؤلف من أجزاء فيه بلا نهاية، كانت أجراما
<lb n="13"/> أو غير أجرام، كانت متساوية الكبر، إن كانت أجراما، أو مختلفة. </p><p>
<lb n="14"/> وأما القائلة منهم بتناهى ذلك، مجوزة أن يكون عن ماء نار أو أرض أو غير
<lb n="15"/> ذلك، على سبيل الانتقاض، فيفسد مذهبها أحاطتنا بأن الماء إذا انتفضت عنه الأجزاء
<pb n="102"/>
<lb n="1"/> النارية المتناهية بقى هناك ماء، إن استحال نارًا لم يكن كون كل نار عن ماء إنما هو
<lb n="2"/> بسبيل الانتفاض والتميز، بل على سبيل سلخ الصورة؛ وإن امتنع عن الاستحالة لم يكن
<lb n="3"/> كل ماء من شأنه أن يكون عنه نار أو هواء. <choice>
<sic>وأن</sic>
<corr>وإن</corr>
</choice> اضطر إلى أن يقول إن هذا الاختلاط
<lb n="4"/> بحيث لا يتأتى كمال التميز فيه، لم يخل إما أن يكون جميع الأجزاء النارية التى فى الماء
<lb n="5"/> والهواء سواء فى شدة الملازمة للأجزاء المائية، أو بعضها ألزم، وبعضها اسلس طاعة
<lb n="6"/> للتميز. فإن كان الجميع سواء فى ذلك، وجازت المفاصلة على جزء جازت أيضا على كل
<lb n="7"/> جزء .وإن كان بعض الأجزاء ليس من شأنه أن يفاصل فإن كان ذلك لطبيعة النارية
<lb n="8"/> فالآخر مثله؛ وإن كان لطبيعة مضافة إليها فهو غلط آخر، والكلام عليه، وفى مخالطته
<lb n="9"/> ومفاصلته ثابت. ومع ذلك، فيبقى الذى لا يفاصل فى طائفة من الماء تصير به تلك
<lb n="10"/> الطائفة ماء لا يتكون عنه نار. </p><p>
<lb n="11"/> وأما إن قيل أن الماء يتكون عنه نار أو هواء إلى أن تتميز الأجزاء المائية، ويبقى
<lb n="12"/> ماء صرفا لا يتكون عنه نار بعد ذلك ــ وهو قول غير قول المخاطبين فى هذا الوقت ــ
<lb n="13"/> فلا يلزم هؤلاء شىء مما قلنا البتة، وكانت مخاطبتهم من وجه آخر، وبالكلام المشترك
<lb n="14"/> المخاطبة جميع من رأى أن الأشياء التى نسميها نحن الاستحالة، إنما هى بروز من الكوامن،
<lb n="15"/> أو مداخلة مبتدأه. وذلك لأن الماء إذا سخن لمجاورة النار ففيه ظن من يرى أن ناريات
<lb n="16"/> فيه قد برزت، وظن من يرى أن ناريات قد نفذت فيه، وداخلته من النار المجاورة. </p><p>
<lb n="17"/> والشركة بين المذهبين إنما هى فى شىء واحد، وهو أن الماء لم يستحل حارًا،
<pb n="103"/>
<lb n="1"/>ولكن الحار نار يخالطه والفرق بينهما أن أحدهما يرى أن النار قد كانت فى الماء، لكنها
<lb n="2"/> كانت كامنة، والثانى أن النار لم تكن فيه، ولكن الآن قد خالطته. فيجب أن نوضح
<lb n="3"/> فساد كل واحد من المذهبين. </p><p>
<lb n="4"/> فأما المذهب الأول فما يوضح فساده تأمل حال هذا الكون وما معناه. فإن جوزوا
<lb n="5"/> فيه تداخل الأجسام فقد ارتكبوا المحال الذى بان فساده من كل وجه. وإن لم يجوزوا
<lb n="6"/> ذلك، ولكن أو مأوا إلى مجاورة، ومخالطة تكون، ويكون الكامن هو المستبطن
<lb n="7"/> من الأجزاء، وهذا الاستبطان لا يعقل منه إلا انحصارها فى باطن الجسم وبعدها عن
<lb n="8"/> بسيطة وظاهره، فيجب أن يكون باطن الماء مكانا للكامن من النيران، وتكون
<lb n="9"/> كيفية ذلك المكان مثل <sic>كيفيه</sic> [sic]  الماء المسخن الذى لا يفعل تسخينه أمرًا غير إبراز
<lb n="10"/> الكامن فيه إلى ظاهره؛ بل يجب أن يكون أسخن من ذلك بكثير، وذلك لأن
<lb n="11"/> الانحصار فى الباطن أجمع من الانتشار فى الظاهر. والمعول على تصديق هذه القضية وتكذيبها
<lb n="12"/> هو على الحس. فإن ظاهر الماء وباطنه، وأى حد وجزء أخذت منه، هو من طبيعة
<lb n="13"/> واحدة متشابهة. </p><p>
<lb n="14"/> وكذلك حال الأجسام السود والبيض، والحلوة والمرة وغير ذلك؛ فإنها يوجد
<lb n="15"/> منها ما يقبل الاستحالة إلى الضد، مع دلالة الحس على تشابه أجزائه، وأنه إذا استحال
<lb n="16"/> أيضًا إلى الضد لا يكون ذلك بأن يبرز شىء إلى الظاهر، ويكمن ضده فى الباطن، بل
<lb n="17"/> يكون إذا سخن أيضا ظاهر البارد فإن باطنه أيضًا سخين. فإن كان الكامن كافيًا
<pb n="104"/>
<lb n="1"/> بالمداخلة التى هى محالة، فيجب أنها إذا انفكت حتى يخلص البارد من الحار، والحار
<lb n="2"/> من البارد، أن تأخذ فى كل حال مكانا أعظم وليس كذلك. فإن الانفكاك الذى
<lb n="3"/> يخلص الحار ظاهرا من البارد قد يتبعه ويلزمه العظم. وأما الانفكاك الذى يميز
<lb n="4"/> البرد فإنه ينقص الحجم نقصانا بينا للحس: فإن كان ظهور البرد يوجب فرط مداخلة،
<lb n="5"/> والمداخلة توجب زيادة خفاء، فيكون الاستعلان استخفاء. </p><p>
<lb n="6"/> على أن المداخلة تقضى على المتداخلين بحكم واحد. فإن حكم كل واحد منهما
<lb n="7"/> من الآخر حكم الآخر منه. </p><p>
<lb n="8"/> وإن كان الكامن كامنا بالمجاورة فلا محالة للكامن حيزا يختص به، وأن
<lb n="9"/> الكامن باطنه ضد ظاهره، أعنى باطنه الجرمى وليس هذا بموجود فى الحس، وليس هذا
<lb n="10"/> الوجود إلا وجودا حسيا. فليس هذا بموجود أصلا. ثم ما بال الماء مثلا إذا أراد
<lb n="11"/> أن يبرز الكامن منه من الهواء احتاج ذلك الهواء إلى مكان أعظم من المكان الذى
<lb n="12"/> احتاج إليه وهو فى الماء؟ ومعلوم أنه إذا كان على حجمه وقدره المتقدم لم يحتج إلا إلى
<lb n="13"/> مثل مكانه. فلا يجوز ما أن تزداد تلك الأجرام حجما، أو يحدث هواء جديد، </p><p>
<lb n="14"/> أو يقع خلاء.
<lb n="15"/> لكنها إن ازدادت حجما فقد يعرض للأجزاء المذكورة أن تفعل بغير التميز،
<lb n="16"/> وهذا خلاف أصل المذهب. ولا محالة أن ازدياد حجمها تابع لانفعال يعرض لها،
<lb n="17"/> أو مقارن يقارنها. وظاهر أن العلة لذلك هو التسخين، وهذا إثبات للاستحالة. وليس
<lb n="18"/> للاستحالة عندهم وجه إثبات. </p><p>
<lb n="19"/> وإن صار الهواء أكبر هواء مضاف إليه حدث فقد حدث هواء جديد؛ ولزم
<pb n="105"/>
<lb n="1"/> القول بالكون مع القول بالاستحالة. وكذلك الاعتبار العكسى إذا حدث من الحار
<lb n="2"/> بارد، وطلب حجما أصغر. </p><p>
<lb n="3"/> وأما الخلاء ووقوعه فلا هو حق، ولاهم يقولون به. ونحن نشاهد مشاهدة لا يمكن
<lb n="4"/> دفعها من استحالة الماء اللطيف حجرا صلدا وهو أرض أو أرضى .فإن كانت هذه
<lb n="5"/> الأجزاء الصلبة موجودة فى الماء كامنة فكان يجب أن تفعل فى الماء من
<lb n="6"/> الخثورة ما يفعله سحقنا هذا الحجر وتهييئنا إياه وفرجنا إياه بقدر من الماء المقطر المصعد
<lb n="7"/> الصافى قدره أضعاف ذلك. وكلما أمعن هذا المزج وزادت الأجزاء تصغرًا ازداد الماء
<lb n="8"/> خثورة. فكان يجب أن يكون فى شىء من الماء الأول، ظاهره أو باطنه، خثورة ما
<lb n="9"/> لا أقل من الخثورة التى نجدها عند مزجنا إياها به. </p><p>
<lb n="10"/> وكذلك قد يمكن أن تتخذ مياه حارة <choice>
<sic>محل</sic>
<corr cert="medium">بحلّ</corr>
</choice> الحجارة مياها سيالة فى الحال.
<lb n="11"/> ولم لا والمادة مشتركة قابلة لكلا الأمرين؟ فأين هذه الأجزاء السيالة من الحجر فى باطنه
<lb n="12"/> أو ظاهره؟ وهل أكبر ما يُظن بالكامن أنه مغلوب، فكيف صار غالبًا ولم تحدث
<lb n="13"/> له زيادة باستحالة أو كون. فإن كانت الأجزاء الرطبة مغلوبة المقدار فى الحجم، فكيف
<lb n="14"/> صار مقدارها غالبا عند الانحلال ولم يحدث شىء؟ </p><p>
<lb n="15"/> وإن كانت مساوية معادلة، وكانت مغلوبة فى الظاهر فلم ليست غالبة فى الباطن.
<lb n="16"/> وإن كانت النار الباطنة هى الجسم الذى لا يحرق ولا يسخن، ثم إذا جاوزه فغلب
<lb n="17"/> فأبرزه صار محرقًا مسخنا، والماء الباطن على صفة أخرى فقد ثبتت الاستحالة له؛
<pb n="106"/>
<lb n="1"/> إذ صار <choice><sic>مالا</sic><corr>ما لا</corr></choice> يحرق بكيفيته محرقا بكيفيته، اللهم إلا أن يلتجئوا إلى أن الحركة تحرق
<lb n="2"/> بالشكل النافذ، فيتركوا قولهم. </p><p>
<lb n="3"/> وأيضًا فإن كل واحد من الأجزاء البسيطة فى الخليط لا يخلو إما أن يكون
<lb n="4"/> مما لا يتجزأ أصلا كالنقطة، فيلزم أن لا ينتظم منه ومن غيره متصل، وقد فرغ من
<lb n="5"/> هذا. وإن كان جسما فيلزمه لا محالة شكل؛ فإن لكل جسم طبيعى شكلا طبيعيًا.
<lb n="6"/> ويلزمه أن يكون شكله مستديرًا؛ لأنه بسيط ضرورة، ولأنه لا ينفعل، فلا يغلب على
<lb n="7"/> شكله البتة. وإذا كانت أشكالها مستديرة لزم أن يقع هناك فرج خالية. وهذا مخالف </p><p>
<lb n="8"/> للحق، ولمذهبهم جميعًا.
<lb n="9"/> ومما يجب أن يؤاخذوا به حال الكامن، وأنه ما الذى يوجب بروزه،
<lb n="10"/> أقوة طبيعية له، فيجب أن لا يتأخر إلى وقت، أو سبب من خارج؟ وذلك
<lb n="11"/> السبب من خارج إن كان حركة فلا يخلو إما أن يؤثر فيه أثر أو يحدث فيه قوة حركة
<lb n="12"/> وانبعاث يتبع ذلك الأثر وتلك القوة حركة منه، فيكون قد انفعل عندهم الشىء
<lb n="13"/> انفعالا فى الأثر، واستحال فيه، وصحت الاستحالة، أو يكون تحرك بلا أثر ينفذ من
<lb n="14"/> المحرك إلى المتحرك، بل إنما يحرك بجذب أو دفع، أو غير ذلك. فإن كان الجذب
<lb n="15"/> أو الدفع بحماسة وجب أن يكون المحرك إلى خارج قد نفذ أولا إلى غور الجسم فلاقى
<lb n="16"/> كل جزء من الكامن الذى يبرز. فيجب أن يكون كل مستحيل عندما يستحيل
<lb n="17"/> يعظم حجمه لنفوذ الجاذب أو الدافع فيه، وإن كان لا يحتاج إلى مماسة؛ بل إلى حد ما
<lb n="18"/> من المجاورة. </p><p>
<pb n="107"/>
<lb n="1"/> ونحن نشاهد أن مجاورة الحار تسخن، ومجاورة البارد تبرد. ونعلم أن الكامن
<lb n="2"/> مكمنه، قوة كثيرة، وإنما تقل فى الظاهر. فإن كان المبرز هو مجاورة الشبيه، كيف
<lb n="3"/> كانت، فلم لا تحرك الأجزاء الكامنة المتجانسة المتجاورة بعضها بعضا إلى البروز، إن
<lb n="4"/> كان سبب البروز والظهور مجاورة الشبيه؟ وإن كان المجانس ليس سببا للبروز لأنه
<lb n="5"/> مجانس فقط؛ بل لأنه مجانس بارز فهو محرك نحو جهته ويميل نحو مقاربة، فلأن ينجذب
<lb n="6"/> الكامن إلى مجاورة الأقرب إليه الكامن، أولى من أن ينجذب إلى مجاور تحول بينه
<lb n="7"/> وبينه بالضد الآخر، اللهم إلا إن قيل إن السبب فى ذلك أمران: </p><p>
<lb n="8"/>
<hi>أحدهما</hi>: هرب الضد الظاهر إلى خلاف جهة الضد. </p><p>
<lb n="9"/>
<hi>والثاني</hi>: انتقال الضد الآخر الباطن إلى شبيهه الذى هو ضد الهارب. </p><p>
<lb n="10"/> فيجب أيضا أن يكون الظاهر البارز يهرب من الكامن اللهم، إلا أن يجعل الأغلب
<lb n="11"/> أجذب. ومعلوم أن الذى يلى جسما من جهة واحدة يتحرك إليها بالاستقامة هو ما يساويه.
<lb n="12"/> ثم إن فصل شىء فهو مباين لذلك خارج عنه لا ينفع أن يقال باشتداد القوى عند ازدياد
<lb n="13"/> المجاورات وهو استحالة ثم إن لم يكن الضد عند الاستحالة. يكمن، ولكنه يكون مخالطا
<lb n="14"/> لضده مخالطة غالبة، فإذا أراد أن يستحيل المستحيل تحلل هو، وفارق ظاهر المستحيل.
<lb n="15"/> أو ظاهره وباطنه، فيبقى الضد الآخر صرفا ــ لم يخل إما أن يكون مع تحلله يسد ضده
<lb n="16"/> مسده أو لا يسد مسده. فإن لم يسد مسده وجب أن يكون كل مستحيل ينقص حجمه
<lb n="17"/> أو يكون كل مستحيل يتخلخل وينتفش. وإن كان قد يسد ضده مسده على سبيل
<pb n="108"/>
<lb n="1"/> الورود من الخارج، لا على سبيل البروز، فلم صار الشىء الذى يبرد بعد الحرارة ينقص
<lb n="2"/> حجمه، اللهم إلا أن يكون الذى يتحلل حاره، ويظهر بارده لا يسد ضده مسده،
<lb n="3"/> ويكون الذى يتحلل بارده، بالضد وهذا تحكم. ومع هذا كله، فإن ذلك البارد يسخن
<lb n="4"/> مرة أخرى، والحار يبرد مرة أخرى، كل ليس دون الأول، ويجب أن يكون دونه؛ لأن
<lb n="5"/> التحلل صرفه ومحضه، أو ترك فيه من الضد شيئا يسيرا. </p><p>
<lb n="6"/> وأما المذهب الذى يخالف الكون، ومع ذلك يشابهه فى أحكام، وهو أن الحار مثلا
<lb n="7"/> لن يبرد بالاستكشاف عن بارد كمين، ولكن يرد عليه من خارج ما يخالطه،
<lb n="8"/> وهو بارد، فيغلب عليه البارد؛ والبارد لن يسخن بالانكشاف عن حار كمين،
<lb n="9"/> لكن يرد عليه من خارج ما يخالطه وهو حار؛ وأنه ربما كان بعض الأجسام قوى
<lb n="10"/> القوة فى كيفيته، فيكون القليل منه فى المقدار يظهر قوة كثيرة، كمن يورد عفرانا قليلا
<lb n="11"/> على لبن كثير فيصبغه. فربما لم يكن للوارد كبير أثر فى زيادة الحجم، وكان له كبير
<lb n="12"/> أثر فى زيادة الأثر. </p><p>
<lb n="13"/> وقد يجوز أن يكون الضد الوارد طاردا لضده، وربما احتاج إلى أن يطرد
<lb n="14"/> ما يساويه فى المقدار. وربما احتاج أن يطرد ما هو أكثر منه. وربما بقى أن يطرد
<lb n="15"/> ما هو أقل منه، حتى يظهر أثره. وربما لم يحتج أن يطرد شيئا البتة؛ بل جاء بزيادة.
<lb n="16"/> وهذا المذهب ليس بمذهب ضعيف. </p><p>
<lb n="17"/> فما يدل على فساد هذا المذهب أن جيلا من كبريت تمسه نار صغيرة قدر شعلة
<pb n="109"/>
<lb n="1"/> مصباح ثم تنحى عنه بعجلة مبعدة، فيشتعل كله نارا. فإن كانت الاستحالة إنما هى ورود
<lb n="2"/> المخالط من المجاور، فيجب أن يكون الوارد عليه لا أكثر من جميع تلك الشعلة؛
<lb n="3"/> بل نعلم أن المماسة لن تقع غلا فى زمان غير ذى قدر. والمنفعل عن الشعلة المداخل
<lb n="4"/> للكبريت لن يكون، إن كان، إلا جزءا لا قدر له. فهذا الآخر كله إما أن يكون
<lb n="5"/> حادثا عن الاستحالة، أو يكون على سبيل الكمون المذكور. وقد بطل الكمون
<lb n="6"/> فبقيت الاستحالة. </p><p>
<lb n="7"/> وإن كانت الناراليسيرة القد تفعل تسخينا وإحراقا شديدًا لشدة قوتها فعود
<lb n="8"/>الشىء إلى البرد لا يخلو إما أن يكون بمفارقة تلك النار اليسيرة، فيجب أن لا يكون
<lb n="9"/> نقصان الحجم الكائن عند البرد أمرًا محسوسا؛ بل بقدر ما انفصل. وإن كان بورود
<lb n="10"/> البارد، ويحتاج ضرورة إلى بارد كثير حتى يغلب تلك النار اليسيرة أو يخرجها، فيجب
<lb n="11"/>أن يكون المقدار محفوظا، إن لم يكن زايدا، اللهم إلا أن تجعل النارية إذا انفصلت
<lb n="12"/> استصحبت شيئا كثيرًا من الجسم. فما بالها، إذا سخنت مرة أخرى وجاءت يسيرة
<lb n="13"/> صرفة، وليس معها الرقيق المستصحب أعادت ذلك الحجم بحاله؟ وإن كان الجمد
<lb n="14"/> إذا وضع عليه شىء فبرد ذلك الشىء تتحلل أجزاء منه ومخالطته إياه، وكان المداخل
<lb n="15"/> يطرد مثل نفسه وجب أن تحفظ الحجم أو يطرد أكثر من نفسه وجب أ، يكون المعيد
<lb n="16"/> إلى الحالة الأولى بالمخالطة حارا أكثر من البارد الداخل؛ فكان الحار أضعف،
<lb n="17"/> فى القوة، من البارد. </p><p>
<pb n="110"/>
<lb n="1"/> وهذا لا يستمر على هذا الأصل. فإنهم يحوجون إلى أن يجعلوا قليل النارية
<lb n="2"/> كثير القوة. ومع ذلك، فما السبب فى انفصال أجزاء الحار عن الحار فى جهة ما يجاوره،
<lb n="3"/>وانفصال أجزاء البارد عن البارد فى مثلها؟ فإن كان السبب فيه حركة طبيعية، فيجب
<lb n="4"/> أن يكون فى جهة واحدة لا غير. وإن كان السبب فيه أمرا من خارج يسلب تلك
<lb n="5"/> الأجزاء عن مقرها فلأن يسلبها عن غير الجنس أولى. فلم لا ينسلب عن المجاور؛
<lb n="6"/> بل يتمكن فيه وينسلب عن الأصل؟ وكيف يتسخن الهواء بالحركة الصرفة، أو الماء
<lb n="7"/> بالخضخضة ويزداد حجمه، حتى <choice>
<sic>إن</sic>
<corr>ان</corr>
</choice> المخضخض ينشق، وليس هناك وارد البتة
؟ وكيف
<lb n="8"/> يرد هناك وارد، والجسم يشاهد أنه متحرك عن مركزه، <choice>
<sic>منسبطا</sic>
<corr>منبسطا</corr>
</choice> بحيث يرى متدافعا
<lb n="9"/> من كل جهة، لا من جهة واحدة، بحيث يقوى على أن يدفع شيئا إذا أراد أن ينفذ فيه؟
<lb n="10"/> وكيف ينفذ جسم فى جسم وهو مملوء دافع عن نفسه، إلا بقوة شديدة أقوى من قوته
<lb n="11"/> فى مستقره، فيقدر على تفريق اتصاله ونفوذه فيه، وليس يحيط بالجسم المحرَّك الممخوض
<lb n="12"/> أو المخضخض شىء حاله هذه الحالة؟ </p><p>
<lb n="13"/> وجملة النار المسخن بها ما يسخن أيضا ضعفية المقاومة تدفع بأدنى قوة. فكيف
<lb n="14"/> يكون لها، لو كان التسخين بها لا بالمخض، أن تقدر أجزاؤها على خرق الجسم المجتمع
<lb n="15"/> فى الإناء الصلب وتحريكه والنفود فيه، حتى تختلط به، ثم تبلغ أن توجب تمّوجه
<lb n="16"/> بالمداخلة تمويجا انبساطيا يقاوم كل الصلب؟ ثم كيف يدخل منه فى الإناء الصلب إلا قدر
<lb n="17"/> ما يسع، إما فى خلاء أو فى مكان أخلاه عن غيره لنفسه؟ فإذا امتلأ لم يكن يدخل،
<lb n="18"/> فلم يجب انشقاق؛ لأنه الانشقاق هو بسبب أن المحشو فى الإناء ليس يسع الإناء
<pb n="111"/>
<lb n="1"/> وما لم يدخل فى حشوه، بعد ذلك، شىء فمن المحال أن يكون باطنه لا يسع غيره، بحيث
<lb n="2"/> ينشق عنه؛ بل إنما يكون لا يسعه، بحيث لا يدخل فيه. فإن دافع فإنما يدافع المداخل.
<lb n="3"/> فيجب إما أن يقل الإناء، وإما أن يشقه حيث المدخل. وربما كان الإقلال أيسر مؤونة
<lb n="4"/> من شق آنية من حديد أو نحاس. فلم لا يقل، بل يشق فى موضع غير مدخله؟ </p><p>
<lb n="5"/> وأنت إذا تأملت تولّد نفاخات الغليان المحشوة جرما مندفعا إلى فوق ينشق عنه
<lb n="6"/> الغالى، ويتفشى هو فى الجو، تولدا بعد تولد، بحيث لو جمع حجم الجميع لبلغ أمرًا
<lb n="7"/> عظيما، صدقت بأن ذلك ليس لنار تداخله، وصدقت بصحة القول بالاستحالة فى
<lb n="8"/> الكيف، والاستحالة فى الكم، ورايت الشىء يصير أضعافا مضاعفة بنفسه من غير
<lb n="9"/> زيادة جرم عليه. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="112"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الخامس
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>مناقضة أصحاب المحبة والغلبة، والقائلين إن الكون والفساد
<lb n="4"/>بأجزاء غير الأجزاء الغير المتجزئة من السطح
<lb n="5"/>واجتماعها وافتراقها</head>
<p>
<lb n="6"/> وأما مذهب صاحب القول بالمحبة والغلبة فالحق ينقصه بما يشاهد من استحالة
<lb n="7"/> العناصر بعضها إلى بعض، وهو نفسه ينقص قوله؛ إذ يرى أن للمحبة سلطانا عليها
<lb n="8"/> يجمعها إلى طبيعة واحدة؛ فلا تكون نارًا ولا هواء ولا ماء، ولا أرضًا. ثم إذا عادت
<lb n="9"/> الغلبة متسلطة فرقت، فأحدثت العناصر فتكون صور هذه العناصر من شأنها أن
<lb n="10"/> تنسلح عنها باستيلاء المحبة. </p><p>
<lb n="11"/> ثم يجب أن تكون، على مذهب، الألوان لا أكثر من أربعة؛ لأنها تكون بعدد
<lb n="12"/> العناصر. وكذلك الطعوم، وكذلك سائر القوى النباتية والحيوانية. </p><p>
<lb n="13"/>وأما مذهب من يرى أن عنصرًا واحدًا، يوجب الاستحالة بالفعل والانفعال،
<lb n="14"/> ولا يوجب كونا، فقد يبطل بما نتحققه من أن اليابس وحده لا يتكون منه الكائنات
<pb n="113"/>
<lb n="1"/>إن لم يخالطه رطب، ولا الرطب وحده، إن لم يخالطه يابس؛ ولا الرطب واليابس
<lb n="2"/> ولا حرّ هناك، ولا برد؛ وأنه لا كون للمتولدات لا عن بارد صرف، ولا عن حار
<lb n="3"/> صرف. فإن الكائنات لو كانت إحدى هذه لم يكن إلا نارًا، أو أرضًا، أو هواء،
<lb n="4"/> أو ماء فى طبيعته. وليس الأمر كذلك. </p><p>
<lb n="5"/> فإذا كانت هذه العناصر والأصول نسبتها إلى الكائنات النسبة وأما نسبة بعضها
<lb n="6"/> إلى بعض، كما يعترفون به، كافتهم، أو يلزمهم، وإن لم يعترفوا به ــ أن كل واحد منها إذا
<lb n="7"/> فرض الاسطقس الأول كان راجعًا إلى الآخر بالاستحالة، ومرجوعا إليه ــ فلا يكون
<lb n="8"/> كونه أصلا أولى من كونه فرعًا. </p><p>
<lb n="9"/> فإن كانت نسبة بعضها إلى بعض، فى كون بعضها عن بعض، وبطلان كيفية
<lb n="10"/> الكائن عنه عند وجود كيفية الكائن الآخر، نسبة واحدة، ونسبتها إلى الكائنات
<lb n="11"/> نسبة واحدة ــ فليس بعضها أقدم فيما بينها من بعض، ولا بالقياس إلى الكائن. </p><p>
<lb n="12"/> فكفى بهذا المذهب خطأ أن يجعل النار عارضة للماء، وهو ماء، أو المائية
<lb n="13"/> عارضة للنار، وهى نار. </p><p>
<lb n="14"/> فلننقض الآن مذهب القائلين بالأجرام الغير المتجزئة. </p><p>
<lb n="15"/> أما مذهب السطوح فهو أرك وأضعف. وقد سلف من أقاويلنا ما هو كفاية
<lb n="16"/> فى إبطاله. </p><p>
<lb n="17"/> وإما ما قيل فى مناقضتهم إن السطح، لو كان له ثقل، لكان يجب له أن يكون
<pb n="114"/>
<lb n="1"/> للخط. ثم للنقطة ثقل. ثم اشتغل بأن النقطة لا ثقل لها، بأنها لا تنقسم وبغير ذلك
<lb n="2"/> مما لا يوضح عدمها للثقل ــ فليس ذلك بيانا برهانيا بل نوعًا، بل نوعًا من التمثيل والأحرى
<lb n="3"/> والأولى. فلا حاجة بنا إلى سلوك ذلك المسلك. </p><p>
<lb n="4"/> وأما مذهب القائلين بالأجرام الغير المتجزئة وأشكالها فنقض مذهبهم
<lb n="5"/> من وجوه: </p><p>
<lb n="6"/> من ذلك أنهم إذا جعلوا هذه الأجرام متشابهة الطبع وفى غاية الصلابة، حتى
<lb n="7"/> لا تنقسم، فلا يخلو، بعد وضعهم ذلك، أن أشكال هذه الأجرام ومقاديرها
<lb n="8"/> أمور لا تقتضيها طبيعتها؛ بل تعرض لها من خارج. فإن كانت تقتضيها طبيعتها،
<lb n="9"/> وطبيعتهما واحدة، فيجب أن تكون أشكالها ومقاديرها واحدة غير مختلفة. وإن كان
<lb n="10"/> ذلك قد عرض لها من خارج فطباعها مستعدة لأن تقبل التقطيع والتشكيل من خارج،
<lb n="11"/> فطباعها بحيث تقبل القسمة والاتصال، فيجب أن يكون كل جزء منها بحيث يجوز
<lb n="12"/> عليه الفصل فى نفسه والوصل بغيره. </p><p>
<lb n="13"/>وأيضًا إذ كانت هذه الأجزاء مختلفة بالصغر والكبر فغير مستحيل أن تنقسم
<lb n="14"/> سطوحها المحيطة بمماسات سطوح أخرى؛ فتكون حينئذ سطوح من جسم واحد غير
<lb n="15"/> سطوح أحدهما لا محالة، ويكون المحاط بسطوح أحدهما، لا محالة، غير المحاط بسطوح
<lb n="16"/> التى هى غير لها. وتكون متصلة مع الغيرية بأن لها حدًا مشتركا. وطبيعة كل جسم
<lb n="17"/> طبيعة جرم منها خارج عنها. فتكون الجائرات عليها واحدة، فيكون من طبيعة ذلك
<pb n="115"/>
<lb n="1"/> الخارج جواز الاتصال بما اتصل به منها من طبيعته. فإن لم يتصل به فلعائق
<lb n="2"/> قسرى غريب. </p><p>
<lb n="3"/> وقد قالوا أيضًا: إن هذه الأجرام يتألف منها أولا الهواء والماء والأرض والنار.
<lb n="4"/> ثم بعد ذلك تتألف منها سائر المركبات بتأليف ثان، وإن الهواء والماء والأرض
<lb n="5"/> والنار تتكون بعضها من بعض على سبيل الافتراق والاجتماع، وإن كان قوم منهم قالوا
<lb n="6"/> إن النار لا يتكون منها شىء آخر. </p><p>
<lb n="7"/> وقالوا: إن هذه الأربعة العناصر قد تتقوم من أجرام متشاكلة الشكل، مختلفة
<lb n="8"/> فى العظم والصغر. فالمثلثات المقومة للهواء مخالفة فى العظم للمثلثات المقومة للماء، وأنه
<lb n="9"/> ليس الأرض كلها من مكعبات؛ بل قد يكون فيها مثلثات، لكنها كبيرة،
<lb n="10"/> ولا الهواء كله فى مثلثات؛ بل قد يكون فيها مكعبات، لكنها صغيرة. وبعضهم
<lb n="11"/> جعل للنار أجزاء كريه، وبعضهم جعلها من مثلثات صنوبرية تحفظ شكلها. وبعضهم
<lb n="12"/> لم يجعل لها شكلا محفوظا منها؛ بل جعلها متبدلة الأشكال بما فيها من لطافة
<lb n="13"/> تنبسط بها وتلتحم. </p><p>
<lb n="14"/> ومن جعل النار كرية، لتتمكن من سرعة الحركة. ولم يعلم أن الكرية
<lb n="15"/> تعين فى التدحرج، وإن الزاوية الحادة أعون منها فى <choice>
<sic>النفود</sic>
<corr cert="medium">النفوذ</corr>
</choice> سويا، وأن النار لا تسمو
<lb n="16"/> متدحرجة. </p><p>
<lb n="17"/> ومن جعلها صنوبرية جعل طرفها الذى يلى فوق حاد التقطع. </p><p>
<lb n="18"/> وجعلوا الأرض مكعبة لتكون باردة وغير نافذة. ولم يعلموا أن الأرض أيضًا
<pb n="116"/>
<lb n="1"/> سريعة الحركة إذ فارقت مكانها أسوة النار، وأن النار تسكن أيضًا. ولم يعلموا أيضًا
<lb n="2"/> أن الإحراق، وإن كان بتفريق الزاوية للاتصال، والتكعب بعدم ذلك، فيجب
<lb n="3"/> فى الأرض أن لا تحرق فقط، لا أن توجب ضده، وهو أن يبرد. ولم يعلموا أنه إن
<lb n="4"/> كان الإحراق بالزاوية فالتبريد يجب أن يكون بضد شكل الزاوية. ولا شكل يضاد
<lb n="5"/> شكلا. ولم يعلموا أن الصنوبرى يلاقى بتسطيحه أكثر مما يلاقى بزاويته. </p><p>
<lb n="6"/> وكان يجب أن يكون أكثر أحوال النار أن لا يخرق، وذلك بأن يلاقى بالبسيط. </p><p>
<lb n="7"/> وإذ قد حكينا صورة مذهبهم فلنرجع إلى الوضع الذى فارقناه من إلزامهم بغير هذه
<lb n="8"/> الأجرام، فنقول: </p><p>
<lb n="9"/>إنهم إذا كونوا من الهواء ماء لزمهم، ضرورة، أن يصغروا المثلثات وينقصوها،
<lb n="10"/> والنقصان عندهم لا يكون إلا بأخذ شىء وهضمه من المنقوص، فيجب أن ينقسم
<lb n="11"/> بالانفصال. </p><p>
<lb n="12"/> وكيف جوزوا أن يكون من الأرض ماء، والأرض من مكعبات والماء من مثلثات.
<lb n="13"/> وكأنهم جوّزوا أن يتثلث المكعب. فقد وجب، كما قلناه بديا. </p><p>
<lb n="14"/> وأيضًا، فإن ذا العشرين قاعدة، وهو الهواء إذا استحال ماء يتركب ثمانية ثمانية من
<lb n="15"/> أجزائه، وفضلت أربعة لا تستحيل ماء. وليس شىء من أجزائه أولى بأن ينبعث
<lb n="16"/> إلى تركيب الهوائية منه من الآخر، حتى يفضل أربعة بأعيانها يلزم أن يتركب منها
<lb n="17"/> لا محالة نار أو جسم آخر، إن أمكن أو يتعطل تركيبه ولا يكون شيئا البتة. وعندهم
<pb n="117"/>
<lb n="1"/> أن لا تركيب إلا هو أحد هذه العناصر أو المركبات منها. والماء إذا صار هواء صار
<lb n="2"/> أعظم حجما، وصارت المثلثات أكبر. فكيف يكون ذلك إلا أن يكون قد تخللها جسم
<lb n="3"/> غريب، فلا يكون ذلك هواء بسيطا، أو يكون قد تخللها خلاء تباعدت به تباعدا يحصل
<lb n="4"/> به الحجم الهوائى؟ فيلزم من ذلك أن يكون نوع من الجمع والتفريق يوجب أن يكون
<lb n="5"/> بين الأجرام بعد فلانى محدود، ونوع آخر يوجد خلافه، حتى يكون الجمع والنضد
<lb n="6"/> والتأليف نفسه مما يوجب فى طباع تلك الأجرام أن يهرب بعضها من بعض هربا إلى بعد
<lb n="7"/> غير محدود؛ فيحدث لها حركات عن طبايعها، لا عن قاسر هى حركات متضادة
<lb n="8"/> متخالفة بها ينبسط إلى حد محدود، وهذا كله محال. </p><p>
<lb n="9"/> فإن كان الماء إنما كان ماء من قبل أن صار هواء بأشياء تخلفت الآن عند
<lb n="10"/> استحالته هواء ولم يستحل هواء، وتلك الأشياء المتخلفة كانت هى الجامعة المفرقة ما بين
<lb n="11"/> الأجزاء التى تباعدت عند استحالتها هواء، فلَم يستحيل الهواء مرة أخرى من غير أن
<lb n="12"/> يكون فيه تلك المتخلفات، ومن غير أن يأتيها شىء من خارج؟ </p><p>
<lb n="13"/> ثم إن كانت التراكيب من هذه الأجرام من غير أحوال وشروط أخرى وحدود
<lb n="14"/> توجب الطبيعة تقديرها على حدود محدودة من القرب والبعد توجب مغايرة فى <choice>
<sic>الطبايع</sic>
<corr type="MAR">الطبائع</corr>
</choice>
<lb n="15"/> فواجب، ضرورة، أن يكون التغاير فى الطباع غير متناه ضرورة؛ لأنه وإن كان
<lb n="16"/> لنا أن نجعل لكل طبيعة حدا فى اللطافة والتخلخل، وفى وقوع الخلاء فى خلله فلذلك
<lb n="17"/> الحد عرض إذا تعداه صار فى تخوم غيره. فيكون كل واحد من ذلك متناهيا، لا سيما
<lb n="18"/> إن كانت العناصر هى الأربعة على ما سلموها، وكان لكل منها فى ذلك منها حد لا يعدوه، </p><p>
<lb n="19"/> فكانت الحدود، ولا محالة، محدودة بين أطراف.
<pb n="118"/>
<lb n="1"/> فإذا أخدنا بين الأجرام بعدًا أكثر من البعد الذى بين أجزاء النار مثلا وجب
<lb n="2"/> أن يحدث نوع آخر من التأليف خارجا عن تأليف الأربعة. وليس لازدياد حدود
<lb n="3"/> الأبعاد حد ونهاية، اللهم إلا أن يجعلوا لبعض الأربعة حدا فى التخلخل. غير متناه،
<lb n="4"/> حتى إذا كانت أجزاء أربعة يكون منها الصنوبرية النارية، وواحد منها بالحجاز
<lb n="5"/> والآخر بالعراق والباقيان على مثل ذلك من بعد، ما كان من الجملة نار واحدة. </p><p>
<lb n="6"/> والعجب العجيب تجويزهم أن يكون جسم واحد من أجزاء متباعدة متفرقة
<lb n="7"/> فى الخلاء ولو ببعد قريب. فإن الافتراق إذا حصل لم تحصل منه نار واحدة ولا أرض
<lb n="8"/> واحدة إلا فى غلط الحس. وإذا لم تكن نار واحدة موجودة لم تكن نيران كثيرة
<lb n="9"/> بالفعل. فما معنى تأليف النار والهواء من تلك الأجزاء، والصورة هذه الصورة؟ </p><p>
<lb n="10"/> ثم لو اضطر أجزاء المؤلف من أربع قواعد <choice>
<sic>مثلثاث</sic>
<corr>مثلثات</corr>
</choice>، حتى اجتمعت وتلاقت،
<lb n="11"/> لم يخل إما أن تبقى النارية، فتكون النارية ليس التخلخل بالخلاء شرطا فى وجودها،
<lb n="12"/> أو تبطل، فيكون تأليف موجود، وليس عنصر أولى به من عنصر. وقد منعوه وبئس
<lb n="13"/> ما عملوا؛ إذ كانت هذه الأجرام بأفرادها لا كيفية لها عندهم، وتحدث كيفيتها بالاجتماع.
<lb n="14"/> وكان يجب أن يكون تأكيد الاجتماع أعمل فى تظاهرها على حدوث الكيفية منها. </p><p>
<lb n="15"/> ثم من العجائب أن يكون الأجرام لا كيفية لواحد واحد منها فى مجموعها حرارة
<lb n="16"/> أو برودة. وليس ذلك البتة فى فرد فرد من ذلك المجموع، حتى لو مست الجملة،
<pb n="119"/>
<lb n="1"/> ولم يشك أن كل واحد من اجزائها إنما يلاقى حينئذ ما يساويه، فإن كان ذلك الواحد
<lb n="2"/> لا يؤثر فيما يلاقيه، وكذلك كل واحد آخر، فيكون ليس عن آحاد المتماسات فعل
<lb n="3"/> وانفعال؛ بل سلامة، والجملة غير سالمة ولا مسلمة. وإن كان الاجتماع يوجب أن تحدث
<lb n="4"/> الحرارة سارية فى الجميع، حتى تكون فى كل فرد أيضا لمجاورة قرينه ما لو انفرد عنه
<lb n="5"/> لم يكن. فيكون من شأنها أن يستحيل فى الكيف. وقد امتنعوا من ذلك، وهو
<lb n="6"/> يضاد متوخاهم فى مذهبهم. </p><p>
<lb n="7"/> ثم لا يشك فى أن للأجرام حركات طبيعية. فإن كانت الحركات الطبيعية تصدر
<lb n="8"/> عن جواهرها وجب أن تكون حركاتها متفقه، وأن لا يكون فى العالم حركتان
<lb n="9"/> طبيعيتان متضادتان. وإن كانت تصدر عنها لأشكالها، وأشكالها غير متناهية عند
<lb n="10"/> بعضهم، فالحركات الطبيعية كثيرة جدا، وليس كذلك على ما علمت، وأيضا فإن
<lb n="11"/> الحركات الطبيعية غير متناهية. وقد أوضحنا أنها لا تكون إلا متناهية. وهى متناهية
<lb n="12"/> عند آخرين منهم، ولكن كثيرة جدا، فوجب أن تكون أصناف الحركات الطبيعية
<lb n="13"/> المتضادة موجودة. وقد عرف من حالها أنها إنما تصدر عن قوى متضادة، فيجب أن
<lb n="14"/> يكون فى الأشكال أشكال متضادة. وقد منع ذلك. </p><p>
<lb n="15"/> وأما ما ظنوه من أن عديم الزاوية ضد لذى الزاوية فيجب أن يكون للمستدير ضد،
<lb n="16"/> وليس كذلك؛ فإنه إن كان للمستدير ضد ففرضنا المستدير نوعا واحدا، أو فرضنا
<lb n="17"/> من المستدير نوعا واحدا وجب أن يكون إصدار المستدير أنواعا من الأشكال بغير نهاية،
<lb n="18"/> وأمرا جنسيا أعم من كل شكل مضلع منوع، وضد الواحد فى النوع واحد فى النوع.
<pb n="120"/>
<lb n="1"/> وأما كون هذه الأجزاء غير متناهية، وخصوصا على قول من يقول أن صورها
<lb n="2"/> متناهية، فإن ذلك بيّن البطلان مما قيل فى أمر غير المتناهى. </p><p>
<lb n="3"/> فأما الذى يعترضون على هؤلاء، ويقولون أن الاجتماع والافتراق لا يغير <choice>
<sic>الطبايع</sic>
<corr type="MAR">الطبائع</corr>
</choice>
<lb n="4"/> والصور، كما أن الذهب إذا سحل ثم جمع فإن هذا ليس باعتراض صحيح. فإنهم يقولون
<lb n="5"/> إن السحل لا يرد الذهب إلى أول التأليف الذى يكون به ذهبا؛ بل هذا الذهب المحسوس
<lb n="6"/> عندهم ذهب كثير وهذا الماء المحسوس عندهم مياه كثيرة متجاورة، وإن أول
<lb n="7"/> اجتماع ذهبى <choice>
<sic>ودمائى</sic>
<corr>مائى</corr>
</choice> غير محسوس، فكيف يحس بالتفريق إذا وقع فيه. وتركيب
<lb n="8"/> الترياق من أدوية مختلفة يحدث فيها صورة الترياقية بالاجتماع، ثم لا يقدر بعد امتزاجها
<lb n="9"/> على أن يقسمها الحس، البتة، قسمه بحيث تخرج الأقسام عن الترياقية؟ وليس فى ذلك
<lb n="10"/> أن الترياقية لم يحدث عن اجتماع وامتزاج. </p><p>
<lb n="11"/> وكذلك الذى يقال لهؤلاء إن الهواء لا شكل له والماء لا شكل له، وإنه يقبل
<lb n="12"/> كل شكل. أما أولا فهو كاذب. فإن الماء إذا لم يعرض له عارض باللقاء تشكل كريا.
<lb n="13"/> وكذلك الهواء وجميع البسائط. </p><p>
<lb n="14"/> وأما ثانيا فإن هؤلاء إنما يوجبون الشكل المذكور للماء الواحد بالتأليف الأول،
<lb n="15"/> وما بعد ذلك فلا يمنعون البتة أن تتألف الجملة الكثيرة منه على أشكال يتفق لها،
<lb n="17"/> ولا يوجبون لمجموع المياه شكلا يوجبونه لأول تأليف المياه. </p><p>
<lb n="18"/> وكذلك ما قيل من أن الجسم <choice><sic>السايل</sic><corr type="MAR">السائل</corr></choice> ينعقد حجرا، والمتحجر يستحيل ماء من غير
<pb n="121"/>
<lb n="1"/> اجتماع، ولا افتراق، ولا انقلاب من هيئة ووضع. فإنه إن زيد فى هذه المقدرة شرط
<lb n="2"/> الإدراك بالحس، حتى يصدق ويسلم، لم يلزم شىء؛ لأنه ليس يجب، إذا لم يكن
<lb n="3"/> افتراق واجتماع محسوس، أن لا يكون البتة. وإن لم يشترط بل ادعى أنه لم يحدث
<lb n="4"/> فيها اجتماع وافتراق واختلاف ترتيب ووضع، ولا ما لا يدركه الحس، لم يسلم.
<lb n="5"/> فهذه الاعتراضات عليهم أشبه بالتكلف والتعتت، فلنرجع الآن إلى التفرقة
<lb n="6"/> بين الكون والاستحالة. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="122"/>
<head>
<lb n="1"/> الفصل السادس
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>الفرق بين الكون والاستحالة</head>
<p>
<lb n="4"/> قد علم أن غرضنا فى مناقصة هؤلاء إنما كان بسبب تفصيل أمر الكون
<lb n="5"/> والاستحالة، ثم أحوجنا، لذلك، إلى أن تكلمنا فى أمر العناصر، وناقضنا مذاهب
<lb n="6"/> فى العناصر بعين مناقضتنا إياها على غرض لنا آخر، وهو معرفة العناصر. والأولى بنا أن
<lb n="7"/> نقدم أول شىء، أمر الكون والاستحالة فنقول: </p><p>
<lb n="8"/> إن المشاهدة تؤدى بنا إلى أن نحكم بأن ماء سيالا يتحجر. وقد دلت التجربة على
<lb n="9"/> أن قوما يسيلون الحجارة ماء، ويعقدون المياه حجارة، وأن الهواء الصافى من غير
<lb n="10"/> انجذاب بخارات إليه ينعقد سحابا، فيسيل ماء وثلجا. وهذا شىء يشاهد فى قمم الجبال
<lb n="11"/> الباردة، وقد شاهدنا الهواء الصافى أصفى ما يكون. وبالجملة، على ما يكون فى الشتاء
<lb n="12"/> من الصفاء، ينعقد دفعة من غير بخار يتصعد إليه، أو ضباب ينساق نحوه؛ فيصير
<lb n="13"/> سحابا أسحم، ويلقى الأرض ويرتكم عليه ثلجا بكليته، ومقدار ذلك مقدار رمية
<lb n="14"/> فى رمية، فيعود الهواء صافيًا لحظة، ثم ينعقد. ويدوم هذا الدور حتى إنه ينتضد،
<lb n="15"/> من هذا الوجه، على تلك البقعة ثلج عظيم، لو سال لغمر واديا كبيرا، وليس إلا هواء
<lb n="16"/> استحال ثلجا وماء. </p><p>
<pb n="123"/>
<lb n="1"/> وقد يوضع القدح فى الجمد مهندما فيه، ويترك فلا يزال يجتمع على صفحته الباطنة
<lb n="2"/> من القطر، اجتماعا بعد اجتماع، حتى يمتلئ ماء.وليس ذلك على سبيل الرشح. فإن الرشح
<lb n="3"/> من الماء الحار أولى. وأيضًا فإن هذا القدح، أو آلة أخرى تجرى مجراه، إذا لم يهندم كله
<lb n="4"/> فى الجمد؛ بل بقى منه طرف مجاوز، لا على الجمد، اجتمع أيضا على طرفه القطر؛
<lb n="5"/> لأن البرد ينتهى إليه. فيكون ذلك على سبيل إحالة الهواء ماء على سبيل الرشح؛
<lb n="6"/> إذ الرشح تكون حيث يلاقى الإناء الراشح فقط. وربما كان ذلك الجمد لم يتحلل منه شىء
<lb n="7"/> ولم يعدم؛ بل كلما كان الجمد أبعد من التحلل كان هذا المعنى اغزر، وبعكس هذا
<lb n="8"/> يستحيل الماء هواء بالتسخين. </p><p>
<lb n="9"/> وأما استحالة الأجرام نارًا فمثل الكير إذا ألح عليه بالنفخ وخنق الهواء، فلم يترك
<lb n="10"/> أن يخرج ويدخل؛ فأنه، عن قريب، يستحيل ما فيه نارا محرقة. </p><p>
<lb n="11"/> وقد علمت كيف يستحيل دهن البلسان فى دفعة واحدة نارا. وليس ذلك
<lb n="12"/> إلا باستحالة ما فيه من العناصر. والحطب إذا كان رطبا عصى النار، فاجتمع منه دخان
<lb n="13"/> كثير هو الأجزاء العاصية منه. وإذا كان <choice><sic>يابسالم</sic><corr>يابسا لم</corr></choice> يجتمع منه شىء، إو كان قليل الاجتماع
<lb n="14"/> بالنسبة إلى ما يجتمع من الرطب. وليس يمكن أن ينسب هذا إلى أن الأجزاء الأرضية
<lb n="15"/> فى الرطب أكثر، فالثقيل الذى يصعد بالقصر فيه أغزر، فإنه ربما كان اليابس أثقل،
<lb n="16"/> ويكون ما يندخن منه وما يترمد جميعًا أقل؛ بل المائية عسرة الاستحالة إلى النار لشدة
<lb n="17"/> المضادة، ومانعة لما يقارنها من الاستحالة، والأرضية اليابسة أشد استحالة إلى النارية
<pb n="124"/>
<lb n="1"/> ولو كانا لا يستحيلان معًا؛ بل يتصعدان فقط لكان الدخان عنهما واحد إذا جمع.
<lb n="2"/>
<choice>
<sic>فأذنْ</sic>
<corr>فإذنْ</corr>
</choice> الدخان فى أحدهما أقل، مع أنه ليس فى الترمد أكثر. فقد استحال ما فيه من
<lb n="3"/> الأرضية إلى غير الأرضية، ولا غالب هناك إلا النار، فقد استحال إلى النارية. </p><p>
<lb n="4"/> وظاهر بيّن من هذا وما أشبهه بأن هذا، إذا لم يكن على سبيل الكمون، ولا على
<lb n="5"/> سبيل الاجتماع والافتراق، لم يكن إلا على سبيل الاستحالة فى الجوهر. فالعناصر
<lb n="6"/> يستحيل بعضها إلى بعض. والمركبات قد تستحيل ما كان من هذا النوع إلى نوع آخر.
<lb n="7"/> كالحنطة تستحيل دما، والدم يستحيل عظما ودماغا وغير ذلك. </p><p>
<lb n="8"/> فما كان من هذه الجملة يبقى نوع الجوهر من حيث هذا المشار إليه ثابتا، كالماء
<lb n="9"/> يسخن وهو ثابت بشخصه فهو استحالة. وما كان لا يبقى نوعه عند تغيره، كما ضربناه
<lb n="10"/> من المثل، فهو فساد. </p><p>
<lb n="11"/> فالكون المطلق هو الكون الجوهرى، والكون <choice><sic>المفيد</sic><corr>المقيد</corr></choice> كقولهم كان أبيض
<lb n="12"/> أو كان أسود فهو استحالة؛ أو شىء آخر من التغييرات التى ليست فى الجوهر
<lb n="13"/> وهذا شىء بحسب المواضعة. </p><p>
<lb n="14"/> وقد كان بعضهم يرى كون اشرف الاسطقسين وأكثرهما وجودية عن أحسنهما
<lb n="15"/> كونا مطلقا وعكسه كونا مقيدا. وقد رأوا أيضًا آراء أخرى لا حاجه بنا إلى
<lb n="16"/> اقتصاصها ونقضها فإن إضاعة…… من التبذير. </p><p>
<lb n="17"/> ثم <choice><sic>لايجوز</sic><corr>لا يجوز</corr></choice> أن يكون كون الجرم واقعا عن لاجرم. فأنك تعلم أن ما يكون عنه
<lb n="18"/> الجسم لا يكون إلا الجوهر المادى والجوهر المادى لا ينفرد مجردا. </p><p>
<pb n="125"/>
<lb n="1"/> وكل جرم يقبل كله أو بعضه الكون والفساد فليس بأزلى أما إن قبل بكليته
<lb n="2"/> فلا شك فيه. وإن قبل جزء منه، وهو مشارك له فى نوعه، فطبيعة نوعه قابلة للكون
<lb n="3"/> والفساد. </p><p>
<lb n="4"/> وقد بينا من قبل إن ما كان كذلك فليس غير كائن؛ وما ليس غير كائن مما هو
<lb n="5"/> موجود فليس بأزلى .فعناصر الكون والفساد غير أزلية، بل وجودها عن كون بعضها
<lb n="6"/> من بعض. </p><p>
<lb n="7"/> فحرى بنا الآن أن نتعرف الفعل والانفعال كيف يجرى بين هذه. </p><p>
<lb n="8"/> والفعل فى هذا الموضع يعنى به تحريكا فى الكيف ويعنى بالانفعال تحركا فيه،
<lb n="9"/> على نحو ما علمت من صورة ذلك فى مواضع أخرى. فنقول أن ذلك يكون بمماسة. فأنه
<lb n="10"/> لو لم يكن بسبب مماسة لم يخل أما أن يكون بنسبة أخرى وضعية، أو يكون كيف اتفق.
<lb n="11"/> ولا يجوز أن يقال إن ذلك كيف اتفق، وإلا لكان الجرم يسخن قبلنا مما يسخنه قبلنا
<lb n="12"/> بالمضادة، كيف كان وضعه منه. فكان الجسم يسخن لأن نارًا مثلا موجودة تبعد
<lb n="13"/> عشرين فرسخًا عنه. </p><p>
<lb n="14"/> فأما إن كان على نسبة وضع آخر غير المماسة يقتضى نوعًا من المحاذاة والقرب فإن
<lb n="15"/> المتوسط، إذا كان لا يسخن ولا يبرد لم يسخن المنفعل إلا بعد أيضًا، ولم يبرد.
<lb n="16"/> وإن سخن المتوسط فهو المؤثر القريب ويؤثر بمماسة لا محالة. </p><p>
<lb n="17"/> فالفعل والانفعال إنما يجرى بين الأجسام التى عندنا الفاعل بعضها فى بعض،
<pb n="126"/>
<lb n="1"/> إذا كانت بينهما مماسة، ولأجل ذلك جرت العادة بأن يخص هذا المعنى فى هذا الوضع بالمماسة،
<lb n="2"/> حتى إذا التقى جسمان، ولم يؤثر أحدهما فى الآخر، لم يسم فى هذا الوضع، مماسة. وإن
<lb n="3"/> كان أحدهما لا يؤثر ولا يتأثر قيل إنه يماس المتأثر عنه، ولا يماسه المتأثر. فكأن
<lb n="4"/> المماسة فى هذا الوضع ملاقاة مؤثر. ولا بد من أن يكون له وضع. ويلزمه أن يكون ذا
<lb n="5"/> ثقل وخفة؛ إذ قد تبين أن الأجسام القابلة للتركيب والمزج. لهذه الصفة .وقد يطولون
<lb n="6"/> فى هذا المعنى بما لا فائدة فيه. </p><p>
<lb n="7"/> فالفاعل من هذه الأجسام يفعل بالمماسة. </p><p>
<lb n="8"/> وقال قوم من الأقدمين إن الفاعل ما لم ينفذ فى ثقب خالية من المنفعل لم يفعل فيه.
<lb n="9"/> ولم يدروا أن غاية ما تفيده هذه الثقب هى التمكن من زيادة اللقاء فإن حصل اللقاء من
<lb n="10"/> غير ثقب حصل الفعل فى المنفعل، وكان المغيّر بالذات هو اللقاء والمماسة. لكن الفاعل
<lb n="11"/> كلما كان اكثر مخالطة. كان الانفعال أفشى، والأجسام العنصرية إذا تلاقت فعل بعضها
<lb n="12"/> فى بعض فكان كل واحد منها يفعل بصورته، وينفعل بمادته، كالسيف يقطع بحدته
<lb n="13"/> ويفل وينثلم بحديده. <choice>
<sic>ويغفل</sic>
<corr>يفعل</corr>
</choice> كل واحد منهما فى ضده فى النوع الشبيه له فى الجنس
<lb n="14"/> المشارك فى قوة مادته. وهذا الانفعال لا يزال يستمر إلى أحد أمرين: </p><p>
<lb n="15"/> إما أن يغلب بعضها بعضًا، فيحيله إلى جوهره، فيكون كونًا فى نوع الغالب
<lb n="16"/> وفسادًا للمغلوب. </p><p>
<lb n="17"/> وإما أن لا يبلغ الأمر بأحدهما. أن يغلب على الآخر حتى يحيل جوهره؛ بل يحيل
<lb n="18"/> كيفيته إلى حد ليستقر الفعل والانفعال عليه، ويحدث كيفية متشابهة فيها تسمى
<pb n="127"/>
<lb n="1"/> المزاج، وهذا الاجتماع يسمى الامتزاج. فإن وقع اجتماع كما بين دقيق الحنطة والشعير، ولم
<lb n="2"/> يجر فيما بينهما فعل أو انفعال فلم يسم ذلك امتزاجًا، بل تركيبًا واختلاطًا .ومن الناس
<lb n="3"/> من يستعمل فى هذا الموضع لفظة الاختلاط مكان لفظة الامتزاج. </p><p>
<lb n="4"/> ثم قد أجمع المشاءون عن آخرهم أن الامتزاج لا يقع إذا كان البسيطان محفوظين،
<lb n="5"/> ولو كانت البسائط تحفظ عن حالها لما كان يوجب اجتماعهما لحمية أو عظمية؛ بل لكان
<lb n="6"/> المركب إنما تخفى بسائطه حسًا، وهى موجودة فيه، حتى لو كان الحس البصرى فى غاية القوة
<lb n="7"/> على الإدراك، لكان ذلك الإنسان يرى فى اللحم ماء وأرضًا ونارًا وهواء متميزات.
<lb n="8"/> فلا يكون حينئذ اللحم بالحقيقة لحمًا؛ بل بحسب رؤية إنسان دون إنسان. قالوا: ولا إذا
<lb n="9"/> فسد أحدهما، ولا إذا فسد كلاهما؛ فإن الفاسدين لا يصلح أن يقال لهما ممتزجين،
<lb n="10"/> ولا الفاسد والباقى. </p><p>
<lb n="11"/> ثم قال المعلم الأول، بعد ذلك، فالممتزجات ثابتة بالقوة. وقال ولكن الممتزجات
<lb n="12"/> قوتها ثابتة، وعنى بالقوة الفعلية التى هى الصورة ولم يعن أنها تكون موجودة بالقوة
<lb n="13"/> التى تعتبر فى الانفعالات التى تكون للمادة فى ذاتها. فإن الرجل إنما أراد أن يدل
<lb n="14"/> على أمر يكون لها، مع أنها لا تفسد. وإنما يكون ذلك إذا بقيت لها قوتها التى هى
<lb n="15"/> صورتها الذاتية. وأما القوة التى بمعنى الاستعداد فى المادة فإنها تكون مع الفساد
<lb n="16"/> والرجوع إلى المادة، أو قد تكون مع الفساد. فإنها لو فسدة أيضا لكانت ثابتة
<lb n="17"/> بتلك القوة. فإن الفاسد هو، بالقوة، بشىء الذى كان أولا، ويرجع إليه. </p><p>
<lb n="18"/> ولكن المفسرون يتبلبلون فى ذلك بسبب اضطرارهم بالتفرقة بين الصور
<pb n="128"/>
<lb n="1"/> والأعراض الدالة على التفرقة بين الصور الطبيعية لهذه الأجرام وبين كيفياتها. ولظنهم
<lb n="2"/> أن هذه الكيفيات كلها أو بعضها صور لهذه الأجرام، مع أنها تقبل الاشتداد
<lb n="3"/> والضعف، فيقول أمثلهم طريقه: إن كيفياتها تكون محفوظة ومكسورة السورات،
<lb n="4"/> فتكون الأجسام بالقوة خوالص. </p><p>
<lb n="5"/> فلننظر فى قولها هذا، فنقول: لا يخلو إما يعنوا بها، وهى مثلا ماء وأرض ثابتة
<lb n="6"/> بالقوة، ماء وأرضًا، او على حكم كمالات الماء والأرض. </p><p>
<lb n="7"/> فإن جعلوها بالقوة ماء وأرضًا فقد فسدت. لسكنهم يقولون إنها لا تفسد؛ بل سوراتها
<lb n="8"/> تنكسر وحمياتها تضعف .ومع ذلك فإن بعضهم يرى أن النار العنصرية غير ذات
<lb n="9"/> سورة. ولا محالة أن سوراتها تنكسر بتغير. وذلك التغير إما أن يكون لسلخ الماء،
<lb n="10"/> مثلا، الصورة المائية، حتى يصير لا ماء، أو مع بقاء الصورة المائية حتى يكون الماء ماء
<lb n="11"/> والأرض أرضًا. فإن صارت بهذا التغير غير ماء وغير أرض فهذا فساد. وإن كان
<lb n="12"/> الماء ماء والأرض أرضًا، ولم تبطل عن كل واحد منهما صورته التى إذا بطلت لم تكن
<lb n="13"/> ذلك ماء، وهذا أرضًا، لم تكن الاستحالة فى طبيعة النوع، وخصوصًا وقد سلموا أن
<lb n="14"/> الصور الجوهرية لا تقبل الأشد والأضعف. </p><p>
<lb n="15"/> وإن كانت الأرض قد انتفضت أرضيتها حتى صارت أرضًا ناقصة، وكانت
<lb n="16"/> الأرضية تقبل الأشد والأضعف، فإنما تنتقص أرضيتها لا محالة، بدخول طبيعة أخرى،
<lb n="17"/> لولا دخولها كانت تلك الطبيعة خالصة. والآن إنما دخل شطر منها، فتكون مع أنها
<lb n="18"/> أرض ناقصة، شيئًا آخر كنار أو ماء مثلا ناقصًا، فيكون شىء واحد نارًا أو أرضًا معًا
<pb n="129"/>
<lb n="1"/> ناقصتين. ويكون بالقياس إلى النار الصرفة أرضًا، وبالقياس إلى الأرض الصرفة نارًا،
<lb n="2"/> وهذا محال. فإن النار فى عرض ناريتها ليست أرضًا البتة، والأرض فى عرض أرضيتها
<lb n="3"/> أرض ليست نارًا البتة. </p><p>
<lb n="4"/> على أنهم يعترفون أن هذا الانكسار ليس إلا فى الحر والبرد والرطوبة واليبوسة.
<lb n="5"/> وأنت تعلم أن الماء لا تزول مائيته بأن يسخن شديدًا، ويغلى فضلا عن أن يفتر، فيكون
<lb n="6"/> التغير الذى يعرض، إنما هو فى الكمال الثانى للماء، لا الكمال الأول الذى هو به ماء.
<lb n="7"/> فإذا كانت هذه الاستحالة لا تبطل طبيعة النوع فليست هذه هى الاستحالة التى
<lb n="8"/> فى الجوهر. فهى لا محالة فى كيف جوهر غير محفوظ فى أنه مكيف. </p><p>
<lb n="9"/> وأما المعلم الأول فقال إن قواها لا تبطل، وعنى بها صورها وطبائعها التى هى مبادئ
<lb n="10"/> لهذه الكمالات الثانية التى، إذا زال العائق، صدرت عنها الأفعال التى لها. </p><p>
<lb n="11"/> فحسب هؤلاء أنه يعنى القوى الاستعدادية، ولو أن الهيولى الأول كان يجوز
<lb n="12"/> أن تبقى مجردة لكانت قوى الاسطقسات الاستعدادية، التى بها يقال للشىء إنه بالقوة نار
<lb n="13"/> أو أرض أو غير ذلك، لا تبطل، فضلا عن المزاج الذى يصرح أنه ليس فيه فساد.
<lb n="14"/> فما تكون الفائدة فى هذا الكلام؟. </p><p>
<lb n="15"/> فينبغى لنا أن نصرح، عن الذى يحومون [حوله]، ولا يدركونه، أن كل واحد من
<lb n="16"/> الاسطقسات له صورة جوهرية بها هو ما هو، ويتبع هذه الصورة الجوهرية كمالات
<lb n="17"/> من باب الكيف ومن باب الكم، ومن باب الأين، فيتخصص كل جسم منها ببرد أو حر
<lb n="18"/> من جهة تلك الصورة، ويبس ورطوبة من جهة المادة المقترنة بالصورة، وبقدر من الكم
<pb n="130"/>
<lb n="1"/> طبيعى، وبحركة طبيعية وسكون طبيعى، فتكون تلك الصورة يفيض عنها فى ذات ذلك
<lb n="2"/> الجسم قوى، بعضها مما لها بالقياس إلى المنفعل، كالحرارة والبرودة الطبيعيتين؛ وبعضها
<lb n="3"/> بالقياس إلى الفاعل للشكل كاليبوسة والرطوبة الطبيعيتين؛ وبعضها بالقياس إلى الأجسام
<lb n="4"/> المكتنفة له، كالحركة والسكون الطبيعيين. </p><p>
<lb n="5"/> وإن الماء إنما يفيض، فى جوهره عنه البرد إذا كان على طبيعته، ولم يعق عائق
<lb n="6"/> كماء ينحدر إذا كان على طبيعته ولم يعق، وإنه قد تفوته هذه الكيفية بقاسر فيسخن،
<lb n="7"/> كما تفوته تلك الحركة وميلها بقاسر راج إلى فوق محدث فيه ميلا غريبًا. </p><p>
<lb n="8"/> وكما أن الماء إذا سخن فتصعد بالسخونة، أو سخنت الأجزاء الأرضية أيضًا
<lb n="9"/> فتصعدت بالسخونة، وكانت السخونة محدثة للميل إلى فوق، لذلك إذا انبعثت السخونة
<lb n="10"/> عن الطباع أحدثت ذلك الميل عن الطباع. هذا إن سلم أن صعود الماء وصعود أجزاء
<lb n="11"/> الأرض إنما هو لتسخنها، لا بمخالطة النارية المصعدة إياها .وسنوضح ذلك فى فن آخر.
<lb n="12"/> وإنما أوردنا ما أوردناه من ذلك تمثيلا لا وضعًا. </p><p>
<lb n="13"/> لو كانت البرودة المحسوسة صورة المائية لكانت المائية تفقد صورتها وهى مغلاة،
<lb n="14"/> وليس كذلك؛ بل هى عند الغليان ماء بعد. ولو كانت الرطوبة المحسوسة أيضًا صورة الماء
<lb n="15"/> لكان الجامد قد خرج عن طبيعة الماء وصورته، وصار إما أسطقسا آخر، وإما مركبًا.
<lb n="16"/> وليس أحدهما. </p><p>
<lb n="17"/> ولو كان الميل الذى بالفعل صورة الماء لكان الماء المرجوج إلى فوق، وقد صحّ أنه
<pb n="131"/>
<lb n="1"/> ينفذ، بعد مفارقة الراج، بميل يحدث فيه، إما فاقد الصورة المائية، وإما مجتمعًا فيه بالفعل
<lb n="2"/> ميلان: ميل مصعد وميل مهبط، كل منهما بالفعل. </p><p>
<lb n="3"/> وقد بان، مما سلف، أن الطبيعة غير هذا الميل؛ بل هى مبدأ لهذا الميل. وكذلك
<lb n="4"/> فاعلم أن الطبيعة غير الكيف المذكور؛ بل هى مبدأه. وقد علمت أن الطبيعة، ليست
<lb n="5"/> مبدأ للحركة المكانية والسكون فيها فقط؛ بل هى مبدأ لجميع الحركات التى بالطبع،
<lb n="6"/> والسكونات التى بالطبع .وكذلك فاعلم أن طبيعة الماء هى التى تغير الماء إلى هذا
<lb n="7"/> الكيف وتحفظه عليه؛ وإن تلك الطبيعة، إذ لا اسم لها، فيستعار لها من الفعل الصادر
<lb n="8"/> عنها اسم، فتارة تسمى ثقلا، وتارة تسمى برودة ورطوبة. فإنها إذا اعتبر ما صدر
<lb n="9"/> عنها من الميل المهبط سميت ثقلا، وإنما هى مبدأ للثقل. وإذا اعتبر ما يصدر عنها من
<lb n="10"/> الكيفية سميت بردًا، وإنما هى مبدأ البرد. وهذا كما يسمى قوة فى الإنسان نطقًا
<lb n="11"/> أو ضحكًا، وإنما هى مبدأ النطق والضحك. </p><p>
<lb n="12"/> وإذا قدمنا هذه المقدمات فنقول: إن الطبيعة المائية محفوظة فى الممتزج .وأما
<lb n="13"/> الكيفيات فهى منتقصة، لا باطلة بطلانًا تامًا. فهذا القدر هو القدر من الاستحالة التى
<lb n="14"/> يوجبها المزاج، فتكون الكمالات التى تكون لكل نوع من العناصر معدومة بالفعل
<lb n="15"/> موجودة بالقوة القريبة، كقول النار على الضوء، لا قوة الماء على الضوء. فلا تكون
<lb n="16"/> العناصر موجودة بحالها مطلقًا، محفوظة على ما هى عليه، ولا فاسدة كلها، ولا فاسدة
<lb n="17"/> بعضها. فيكون كل اسطقس من جهة نوعه، أنه ماء مثلا جسمًا طبيعيًا بصفة؛ ومن جهة
<pb n="132"/>
<lb n="1"/> كماله الثانى، أنه مثلا بارد بالفعل، ركنا من أركان العالم كاملا؛ ومن جهة أنه انكسر
<lb n="2"/> بالمزاج اسطقسا فى المركب. وكلما كانت الأجزاء أشد تصغرا كان أقرب إلى المزاج؛
<lb n="3"/> لأن كل واحد يكون أذعن للانفعال عما يكيفه، ويكون كل واحد أوصل فى التأثير
<lb n="4"/> إلى كل واحد. فلذلك ما كانت الرطوبة أسهل امتزاجا إذا لم تكن لزجة. فإن اللزجة
<lb n="5"/> أعسر انفصالا وانقساما. وأما الكبير مع الكبير فمما يعسر وقوع الانفعال بينهما
<lb n="6"/> لضد ما قلناه فى الصغير. والكبير مع الصغير يفسد الصغير، ولا يختلط به. وربما
<lb n="7"/> كان الصغير يؤثر فى الكبير من غير أن يكون له قدر محسوس، حتى يقال إنه قد
<lb n="8"/> اختلط به، كما يفعله أصحاب دعوى الأكسير. فإنهم يبيضون نحاسا كثيرا برصاص
<lb n="9"/> مكلس يسير، وبزرنيخ مصعد يسير، فيكون كأنه يفعل فيه بلا زمان ويختلط به. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="133"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل السابع
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>إبطال مذهب محدث فى المزاج</head>
<p>
<lb n="4"/> ولكن قوما قد اخترعوا، فى قرب زماننا، مذهبا غريبا عجيبا، وقالوا إن
<lb n="5"/> البسائط إذا امتزجت وانفعل بعضها ببعض، تأدى ذلك بها إلى أن تخلع صورها،
<lb n="6"/> فلا يكون لواحد منها صورته الخاصة، وتلبس حينئذ صورة واحدة، فيصير لها هيولى
<lb n="7"/> واحدة وصورة واحدة. </p><p>
<lb n="8"/> فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسطا بين صورها ذات الحمية، ويرى أن
<lb n="9"/> الممتزج يستعد بذلك لقبول الصورة النوعية التى للمركبات. </p><p>
<lb n="10"/> ومنهم من جعل تلك الصورة صورة أخرى هى صورة النوعيات، وجعل المزاج
<lb n="11"/> أمرا عارضا لا صورة. </p><p>
<lb n="12"/> ولو كان هذا الرأى حقا، لكان المركب، إذا تسلطت عليه النار فعلت فيه فعلا
<lb n="13"/> متشابها، فلم يكن القرع والإنبيق يميزه إلى شىء قاطر متبخر لا يثبت على النار البتة،
<lb n="14"/> وإلى شىء أرضى لا يقطر البتة. فأنه، إن كان كل جزء منه كالآخر، تساوى
<pb n="134"/>
<lb n="1"/> الاستعداد فى جمعيه؛ أو إن اختلف فعسى أن يكون اختلافه بالأشد والأضعف، حتى
<lb n="2"/> كان بعض الأجزاء أسرع استعدادا، وبعضها أبطأ استعدادا. ومع ذلك، فما كان
<lb n="3"/> يكون ذلك فيها، وهى متلبسة صورة واحدة لا تمايز بينها؛ بل لا بد من تمايز. وذلك
<lb n="4"/> التمايز لا يخلو إما أن يكون بأمور عرضية، أو صور جوهرية. </p><p>
<lb n="5"/> فإن كانت أمورا عرضية فأما أن تكون من الأعراض التى تلزم طبيعة الشىء،
<lb n="6"/> أو من الأعراض الواردة من خارج. </p><p>
<lb n="7"/> فإن كانت من الأعراض التى تلزم طبيعة الشىء <choice>
<sic>فالطبايع</sic>
<corr type="MAR">فالطبائع</corr>
</choice> التى تلزمها أعراض
<lb n="8"/> مختلفة هى مختلفة. </p><p>
<lb n="9"/> وإن كانت من أعراض وردت عليها من خارج فإما أن تكون الأجزاء الأرضية،
<lb n="10"/> مثلا، تقتضى، فى كل مثل ذلك التركيب، أن تكون، إذا امتزجت، يعرض لها
<lb n="11"/> من خارج دائما مثل ذلك العارض، أو لا يقتضى. فإن كانت تقتضى وجب من ذلك
<lb n="12"/> أن يكون لها، عند الامتزاج، خاصية استعداد لقبول ذلك، أو خاصية استعداد لحفظ
<lb n="13"/> ذلك، ليس ذلك لغيرها. </p><p>
<lb n="14"/> وذلك الاستعداد إما أن يكون أمرًا جوهريًا، فيتمايز الجوهر،فتكون <choice>
<sic>البسايط</sic>
<corr type="MAR">البسائط</corr>
</choice>
<lb n="15"/> متميزة فى المركب بجواهرها، أو أمرا عرضيا، فيعود الكلام من رأس. </p><p>
<lb n="16"/> وإما أن لا تكون الأجزاء الأرضية، مثلا، تقتضى، فى كل مركب، مثل ذلك
<lb n="17"/> التركيب، أن تكون إذا امتزجت يلزمها من خارج؛ بل ذلك قد يتفق فى بعضها
<pb n="135"/>
<lb n="1"/> اتفاقا. ولو كان كذلك لكان ذلك الأقل، ولم يكن كل مثل ذلك التركيب موجبا
<lb n="2"/> لاختلاف ذلك التميز، وكان يمكن أن يوجد من اللحوم لحم من نوعه يقطر كله،
<lb n="3"/> أو يرسب كله، ولا يقطر. وكذلك كان يجب أن لا يكون التحليل <choice>
<sic>معينا</sic>
<corr>مفنيا<note>according to Van Riet 1987, 72 fn.</note></corr>
</choice> للحيوانات
<lb n="4"/> والنبات بإفناء مادة وإبقاء مادة، أغنى فناء المتحلل الرطب، وإبقاء اليابس. </p><p>
<lb n="5"/> ثم لننظر أن العناصر، إذا اجتمعت، فما الذى يبطل صورها الجوهرية.
<lb n="6"/> فلا يخلو إما أن يظن أن النار، مثلا، تبطل صورة الأرض منها أو شىء خارج عنها،
<lb n="7"/> يكون ذلك الشىء من شأنه أن يبطل صورتها إذا اجتمعت. فإن كانت النار تبطل
<lb n="8"/> صورة الأرض، فإما أن تكون مبطلة لصورة الأرض وناريتها موجودة، أو مبطلة
<lb n="9"/> وناريتها معدومة. </p><p>
<lb n="10"/> فإن أبطلت، والنار معدومة، فيكون إبطالها الصورة الأرضية بعد عدم النارية
<lb n="11"/> أو مع عدم النارية. وعدم ناريتها فى هذا الموضع إنما هو أيضا بسبب الأرض. والكلام
<lb n="12"/> فى ذلك هو الكلام بعينه. فيكون حاصل ما ذكرناه أنه لما عدمت النارية والأرضية
<lb n="13"/> أبطلت إحداهما صورة الأخرى، وهذا محال. </p><p>
<lb n="14"/> وإمّا أن يكون شىء آخر خارج هو الذى يبطل صورة كل واحد منها إذا اجتمعت. </p><p>
<lb n="15"/> فإن كان يحتاج فى أبطال الصورة النارية، مثلا، وإعطاء الصورة الأخرى، إلى
<lb n="16"/> الأرض، والأرض موجودة، أو الأرض معدومة، فقد دخلت الأرض فى هذه المعونة،
<lb n="17"/> وعاد الكلام من رأس. </p><p>
<lb n="18"/> وإن كان لا يحتاج فلا حاجة إلى المزاج فى سلب الصورة النارية وإعطاء الصورة
<lb n="19"/> الأخرى، بل البسيط يجوز أن تتكون عنه الكائنات بلا مزاج. </p><p>
<pb n="136"/>
<lb n="1"/> وأما الاستحالة فلا يلزم فيها مثل هذا القول. فإن النار، مثلا، إذا كانت علة
<lb n="2"/> لتسخين مادة الأرض كانت علة، وهى نار بالفعل؛ وتسخن بسخونة موجودة فيها، وإن
<lb n="3"/> انتقصت؛ لأنها أيضا تقبل البرد بمادتها عن الأرض بالفعل. فتكون فاعلة بهيئة
<lb n="4"/> ومنفعلة بمادة. وتكون الهيئة، عندما تفعل فى المادة، موجودة، والمادة عندما تنفعل </p><p>
<lb n="5"/> موجودة، فلا يعرض فيها هذا الشك.
<lb n="6"/> لكن من الأمور المشكلة التى بالحرى أن تورد شكا يؤيد القول الذى يختاره
<lb n="7"/> ويورده أصحاب هذا المذهب المحدث هو أنه إن كان الممتزج لا تتغير جواهر بسائطه،
<lb n="8"/> وإنما تتغير كمالاتها، فتكون النار فيه موجودة ولكنها مفترة قليلا، والماء موجودًا،
<lb n="9"/> ولكنه مسخن قليلا، ثم يستفيد بالمزاج صورًا زائدة على صور البسائط، وتكون تلك
<lb n="10"/> الصور ليست من الصور، التى لا تسرى فى الكل، من الصور الاجتماعية، مثل صورة
<lb n="11"/> التأليف كالأشكال والأعداد. فإن المغناطيسية واللحمية مثلا ليست من الصور التى
<lb n="12"/> تكون من هيئات اجتماع آحاد عدد أو آحاد مقادير، حتى تكون للجملة، أولا لواحد
<lb n="13"/> من آحاد الجملة. وإذا كان كذلك كانت هذه الصور سارية فى كل جزء، وكان الجزء
<lb n="14"/> الموجود من الأسطقسات فى المركب، وهو نار مستحيلة ولم تفسد، قد اكتسب صورة
<lb n="15"/> اللحمية، فيكون من شأن النار فى نفسها، إذا عرض لها نوع من الأستحالة، أن تصير
<lb n="16"/> لحما. وكذلك كل واحد من البسائط، فيكون نوع من الكيف المحسوس، وحد من
<pb n="137"/>
<lb n="1"/> حدود التوسط فيه بين الرطب واليابس، والحار والبارد يعدّ الأجسام العنصرية لقبول
<lb n="2"/> اللحمية، ولا تمنعها عن ذلك صورها، كما لا يمنع صورة الأرض فى الجزء المتدخن أن
<lb n="3"/> تقبل حرارة <choice><sic>مصعدّة</sic><corr>مصعدة</corr></choice>. فيكون حينئذ من شأن البسائط أن تقبل صورة هذه الأنواع
<lb n="4"/> وإن لم تتركب؛ بل إذا استحالت فقط. فلا يكون إلى التركيب والمزاج حاجة البتة، فنقول: </p><p>
<lb n="5"/> أما أولا فليس اعتراض هذه الشبهة على أحد المذهبين أولى من اعتراضها على
<lb n="6"/> الآخر. فإن صاحب هذا المذهب المخترع أيضًا يرى أن اجتماع العناصر شرط فى حصول
<lb n="7"/> الصورة للتركيب بسبب ما يقع بينها من الفعل والانفعال، وأنها أول ا يعرض لها الفعل
<lb n="8"/> والانفعال فى كيفياتها، ثم يعرض لها أن تخلع صورة، وتلبس صورة، ولولا ذلك
<lb n="9"/> لما كان لتركيبها فائدة. وإذا تركبت فإنما يقع بينها تغير فى كيفياتها بالزيادة والنقصان،
<lb n="10"/> حتى تستقر على الأمر الذى هو المزاج. ثم تحدث صورة أخرى يعد لها المزاج؛ إذ
<lb n="11"/> لا يكون ما يظن أنه وارد بعد المزاج إلا المفرد. وكيف ما كان فذلك لاستحالتها فى
<lb n="12"/> كيفيتها، فيجب أيضًا من ذلك أن تلك الاستحالة إذا عرضت للمفرد منها قبل المفرد
<lb n="13"/> وحده تلك الصورة، أو إن كان لا يقبلها؛لأن تلك الاستحالة يستحيل فيها إلا أن تتصغر
<lb n="14"/> أجزاؤها، إلا أن تتجاوز فاعلة ومنفعلة على أوضاع مخصوصة، وأن تكون تلك
<lb n="15"/> الصورة مستحيلة أن تستحفظ إلا بتلك المجاورة، وأن الصورة لا تحل مادة لا تستحفظها،
<lb n="16"/> أو غير هذا من العلل والمعاذير ــ فهو جواب مشترك للطائفتين معًا. </p><p>
<lb n="17"/> على أنه يشبه أن تكون الحدود المحتاج إليها من المزاج فى تهيئة المادة لقبول الصورة
<pb n="138"/>
<lb n="1"/> التركيبية لا تحصل ولا تبقى إلا بالمزاج. فهذا هو الذى يجب أن يعقل من أمر وجود البسائط
<lb n="2"/> فى المركبات؛ والذى يقع من الاضطراب فى إعراب القدماء عنه هو <choice><sic>مالا</sic><corr>ما لا</corr></choice> يتميز لبعضهم
<lb n="3"/> الصور التى بها النار نار والماء ماء عن هذه الكمالات التابعة. </p><p>
<lb n="4"/> على أن هؤلاء إذا سئلوا فقيل لهم: ما تعنون بقولكم إن الماء بارد ورطب إذا حد؟
<lb n="5"/> ثم الماء هل هو برد بالفعل أم برد بالقوة؟ </p><p>
<lb n="6"/> فيقولون إنا نعنى بذلك بردًا بالقوة، ولسنا نعنى به البرد بالفعل. فيكون أخذهم البرد
<lb n="7"/> فى حد الماء مصروفًا إلى وجود معنى فى المائية يقوى الماء على أن يبرد؛ ومحال أن يبرد،
<lb n="8"/> ولا يتبرد. فيكون المأخوذ فى حد الماء هو القوة التى يصدر عنها التبريد بالفعل للماء ولما
<lb n="9"/> يجاوره. وليس هذه القوة على البرد بالفعل كقوة النار على البرد بالفعل. وذلك لأن
<lb n="10"/> النار تحتاج إلى أن تنسلخ صورتها عن مادة وتلبس صورة أخرى حتى تكون لها
<lb n="11"/> هذه القوة. </p><p>
<lb n="12"/> وأما الماء فهذه القوة فيه قريبة جدًا من الفعل لا تحتاج، فى صدور الفعل منها إلا
<lb n="13"/> إلى زوال المانع. فهذه القوة ليست قوة الهيولى؛ بل هى صورة زايدة على الهيولى،
<lb n="14"/> فاعلة للبرد فى الماء. وفيما ينفعل عنه بتوسطه. </p><p>
<lb n="15"/> وهم إذا قالوا إن العناصر بالامتزاج تنكسر حمياتها، وتصير بالقوة هى ما هى إنما
<lb n="16"/> يعنون هذه القوة القريبة. فهذه القوة القريبة هى فصل حد كل واحد منهما. وإذا بقى
<lb n="17"/> للشىء فصل حده لم تفسد صورته لا محالة. </p><p>
<pb n="139"/>
<lb n="1"/> فهم، من وجه، قد يشيرون إلى هذا، وإن لم يتفق لهم التصريح به. </p><p>
<lb n="2"/> ثم هذا المزاج على وجوه: </p><p>
<lb n="3"/> إما أن يكون الحار من البسايط يسخن البارد مقدار ما يبرد الحار، حتى
<lb n="4"/> يحصل أمر متوسط بين حميتى البرد والحر، وكذلك بين الرطوبة واليبوسة،
<lb n="5"/> فيسمى هذا الامتزاج معتدلا مطلقًا. </p><p>
<lb n="6"/> فإن كان اعتدال بين الحر والبرد، ولم يكن بين الرطوبة واليبوسة؛ بل غلبت
<lb n="7"/> الرطوبة، قيل مزاج رطب، أو غلبت اليبوسة، قيل مزاج يابس. </p><p>
<lb n="8"/> وإن كان الأمر بالعكس، فكان اعتدال بين الرطوبة واليبوسة، ولم يكن بين
<lb n="9"/> الحرارة والبرودة؛ بل غلب الحر أو البرد قيل مزاج حار، أو مزاج بارد. </p><p>
<lb n="10"/> فتكون هذه أمزجة خارجة عن الاعتدال خروجًا بسيطًا، وذلك إذا استقر الفعل
<lb n="11"/> والانفعال على غلبة من أحد طرفى مضاد وعلى اعتدال بين الطرفين الآخرين. وبازائها
<lb n="12"/> أربعة أخرى مركبة، وذلك عندما لا يقع بين طرفى مضادة من المضادين اعتدال؛
<lb n="13"/> بل يكون الاستقرار على غلبتين، فيكون حار يابس، وبارد يابس، وحار رطب، وبارد
<lb n="14"/> رطب؛ فتكون جميع الأمزجة تسعة، معتدلة، وأربعة بسائط، وأربعة مركبات. </p><p>
<lb n="15"/> فإذا قد قلنا فى الكون والاستحالة وما يتصل بهما، وفرغنا من جميع ذلك
<lb n="16"/> فبالحرى أن نتكلم فى النمو. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="140"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الثامن
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>الكلام فى النمو</head>
<p>
<lb n="4"/> فإنه لا يكون إلا بزيادة ما، ولا كل زيادة. فإن المتكاثف، كالماء، إذا
<lb n="5"/> استحال هواء، فزاد حجمه، فقد فسد وحدث شىء آخر مع حجمه، ولم يكن موصوفًا
<lb n="6"/> بحركة الازدياد التى عرضت؛ ولا أيضًا إذا كان الموصوف باقيًا ولم ينضف إليه زيادة
<lb n="7"/> من خارج مثل الماء إذا تخلخل عند استحالته إلى السخونة، وهو ماء بعد؛ ولا كل
<lb n="8"/> زيادة منضمة فإنه إذا التصق بالجسم، أو زيد على ماء ماء، وكل واحد من المزيد
<lb n="9"/> عليها ساكن، لم يستحل شيئًا؛ وإنما انضاف إليه زيادة، فلا يكون ذلك حركة النمو؛ بل
<lb n="10"/> يجب أن يكون الشىء الباقى بالنوع تحرك بكليته إلى الازدياد بما يدخل عليه، ولا كل
<lb n="11"/> ما كان أيضًا كذلك؛ فإن الشيخ بعد وقوف النمو قد يسمن،كما أن النامى فى سن
<lb n="12"/> النمو قد يهزل. وليس زيادة السمن من النمو، كما ليس نقصان الهزل من الذبول؛ بل
<lb n="13"/> يجب أن يكون ذلك الازدياد مستمرًا على تناسب مؤد إلى كمال النشوء، ويكون الوارد
<lb n="14"/> قد فسد واستحال إلى مشاكله المورود عليه، والمورود عليه قد نما ممتدًا فى الأقطار
<lb n="15"/> متجهًا إلى كمال النشوء. </p><p>
<lb n="16"/> فيجب أن يكون هذا الوارد يداخل المورود عليه، نافذًا فى خلل تحدثه فى جسمه
<pb n="141"/>
<lb n="1"/> يندفع له المورد عليه إلى أقطاره على نسبة واحدة فى نوعه، والنوع باق فى شخصه.
<lb n="2"/> ولو كان نفوذه فى الخلاء لما كان يحتاج الجسم، فى أن يزداد، إلى امتلاء ما فيه من
<lb n="3"/> الأبعاد الخالية؛ بل كان حجمه واحدًا، كانت الأبعاد خالية أو لم تكن. </p><p>
<lb n="4"/> وهذه الحركة مما تنسب إلى المتحرك بها من النبات والحيوان من جهة الحر. فإن
<lb n="5"/> الحيوان، والنبات أيضًا، قوامه من نفس وبدن. وهذا إنما يعرض العروض الأول
<lb n="6"/> للبدن، ويعرض لبدنه من جهة مقداره. فههنا هيولى النامى الحامل لصورة جسيمة،
<lb n="7"/> وهاهنا المقدار الذى لتلك الهيولى، وههنا الصورة الشكلية الخلقية المحيطة بذلك المقدار.
<lb n="8"/> والهيولى دائمة التبدل، فيشكل من أمرها. ولا يبعد أن يظن أنها عساها أن تأبى
<lb n="9"/> التحلل على كل قديم منها، ويحصل للشخص فى وقت من الأوقات جملة مادة غير الجملة
<lb n="10"/> الأولى. فلا تكون مادته هى الباقية الثابتة، حتى يكون النمو والزيادة منسوبا إليها </p><p>
<lb n="11"/> نسبة أولية.
<lb n="12"/> فمن هذا لا يبعد أن لا ينسب النمو إلى مادة واحدة بعينها. وأيضًا، فإن المادة
<lb n="13"/> لا تنمو، لأن مادة واحدة بعينها، وإن بقيت بقاء الدهر، فإنها لا تصير بسبب النمو
<lb n="14"/> أعظم؛ بل الأعظم هو المجتمع منها ومن الزيادة. وهى مع الزيادة على القدر الذى كانت
<lb n="15"/> عليه قبل الزيادة. وإنما الأزيد هو شىء آخر، وهو هذا المجموع؛ وهذا المجموع من حيث
<lb n="16"/> هو مجموع إنما حدث الآن بانضمام الزيادة إلى الأصل. فلا المادة نامية ولا الزيادة. </p><p>
<lb n="17"/> وأيضًا فإن المقدار المحمول فى المادة حكمه، فى الأمرين جميعًا، هذا الحكم.
<pb n="142"/>
<lb n="1"/> والصورة أيضًا يقبح ما يظن فيها من أنها تحفظ تبديل المادة، حتى يكون البناء المركب
<lb n="2"/> من الآجر إذا انتزع منه آجرة آجرة، حتى يبدل الآجر كله يكون هو بعينه البناء الأول
<lb n="3"/> بالعدد، ويكون الشكل والصورة، تنتقل، وهى واحدة بعينها بالعدد من مادة إلى
<lb n="4"/> أخرى. وهذا من المحال؛ بل إنما يتم ذلك بأن تبطل الصورة الأولى من البناء مع
<lb n="5"/> انتفاض حاملها، وتحدث صورة أخرى شبيهة بالأولى. وهذا شىء قد سلف منا بيانه. </p><p>
<lb n="6"/> وأيضًا إن تبدل بعض المادة، فيجب أن يعلم أن الصورة ليست واحدة بعينها.
<lb n="7"/> ولا يلتفت إلى ما يقولون. وذلك أن الباقى من الصورة فى بعض الباقى من المادة هو
<lb n="8"/> جزء الصورة. ولعمرى إنه لم يحدث إلا من جهة ليس كلامنا فى مثلها. وإما البعض
<lb n="9"/> الآخر من الصورة، وهى التى فى المادة المتجددة، فليس هو الأول بعينه، كما علمت فى
<lb n="10"/> متبدل المادة بأسرها، وإنما هو مثل الأول. وإذا كان صورة الكل فى هذا الموضع
<lb n="11"/> هى جملة الباقية والحادثة، وليست هى الجملة الباقية، والصورة الباقية بجملتها هى جملة باقية،
<lb n="12"/> فليست الصورة باقية عند النمو. فينبغى لنا أن نطلب المخلص من هذه الشبهة، فنقول: </p><p>
<lb n="13"/> يجب أن نعلم أن أنواع النبات والحيوان لا يستبدل البتة منها جميع المادة، ولا
<lb n="14"/> يتحلل عنها جميع المادة؛ بل يتحلل، فى أول الأمر، اللطيف المتحلل منه، ويستمد
<lb n="15"/> بدله. وإن تحلل الكثيف منه فإنما يتحلل آخر الأمر. ويتحلل القليل منه، ويبقى
<lb n="16"/> فى الجملة على استمرار ما يستحفظ القوى والصور الواجبة. والنفس إن كانت محتاجة
<lb n="17"/> فى قوامها إلى المادة، أو كانت محتاجة، فى أفعالها الأول، إلى المادة، فإن انضم إليها
<pb n="143"/>
<lb n="1"/> شىء استحال إليها، وزاد فيها وفى كمالات القوة المستحفظة بالأولى التى هى قائمة بالمادة.
<lb n="2"/> فيكون كأن فى كمالات تلك القوة شيئًا قديمًا وشيئا منضافا إليه، أو تكون الصورة
<lb n="3"/> والقوة هى تلك القديمة، وإنما انضاف اليها كمالاتها، وتكون الجملة ليست هى القديمة
<lb n="4"/> بل حادثة من القوى، ويكون الأول لم يبطل؛ وإنما انضاف إليه ما صار به أكمل. </p><p>
<lb n="5"/> ولو كانت المادة تتبدل لكانت الأنداب والشامات قد تبدلت. فالباقى فى الشخص
<lb n="6"/> من مادته هو ما تستحفظ به الصورة الأولى الأصلية. ومن الصور القائمة فى المادة التى
<lb n="7"/> لا تتبدل بتمامها صورة النوع. وأما القوى التى هى الكمالات الثانية لصورة النوع فقد
<lb n="8"/> ينضاف إليها الزيادة والمقادير. فقد تكون الأولى منها المحفوظة بالمادة المحفوظة باقية،
<lb n="9"/> وتنضاف إليها زيادة تتميز عن الأول فى القوام والاستحكام لتأخره. فيكون هو أيضا
<lb n="10"/> معرضا للتحلل قبل المادة الأولى. </p><p>
<lb n="11"/> وأما الشكل والخلقة فمن جملة أمور عارضة لازمة للصورة النوعية، أو عارضة
<lb n="12"/> غير لازمة. </p><p>
<lb n="13"/> فالباقى فى هذه الحركة التى هى النمو، هو الصورة النوعية، والزايد هو المقدار
<lb n="14"/> فى أول الأمر، ثم الصورة الشكلية والخلقية لأجل المقدار. فإنها تصير أزيد لأن الصورة
<lb n="15"/> الواحدة الشكلية بعينها تصير أصغر وأكبر. فإنها تكون فى المقدار الذى هو أنقص
<lb n="16"/> أصغر، وفى الأزيد أكبر. والمقدار أيضا كذلك قد لا يكون أولا ناقضا، ثم إذا
<lb n="17"/> أضيف إليه الغذاء المنمى صار أعظم؛ لأنه مجموع مقدارين، لا أن المضاف إليه نفسه
<lb n="18"/> صار أعظم؛ بل هو كما كان. إنما الأعظم هو االمجموع. وأما الشىء الذى له هذه المادة،
<pb n="144"/>
<lb n="1"/> حين له هذا الشكل، فهو نوع الشىء، وهو باق واحدا بعينه بلا اختلاف، وهو الذى
<lb n="2"/> تصير مادته مادة مضافا إليها زيادة ولا ينمو. فإن النمو والازدياد فى الحجم ليس
<lb n="3"/> مما يعرض لمثلها من الصور الطبيعية التى ليست مقدارا ولا عرضا من الأعراض
<lb n="4"/> الذاتية للمقدار. </p><p>
<lb n="5"/> ولا المقدار نفسه ينمو. فإنه كما كان فى نفسه، والزيادة لم تجعله أعظم؛ بل أحدثت
<lb n="6"/> مجموعا منه، ومعها عظيما. </p><p>
<lb n="7"/> وأما الصورة الشكلية فهى التى تنمى، أى أن كل جزء من الصورة يصير أعظم
<lb n="8"/> مما كان، ولا كذلك المادة ولا المقدار. </p><p>
<lb n="9"/> فالمتحرك أولا هو النوع، وحركته هى فى صورة الشكل والخلقة بوساطة المادة
<lb n="10"/> ثم المقدار النامى. فالنوع هو النامى، أى هو الزائد فى مقدار خلقته بسبب مادته ومقدارها. </p><p>
<lb n="11"/> فهكذا ينبغى أن يعقل أمر النمو. والمنمى هو الغذاء. وهو غذاء ومنم. وهو غذاء
<lb n="12"/> من جهة ما هو شبيه بالشىء بالقوة يقوم بدل ما يتحلل منه. وهو منم من جهة ماله
<lb n="13"/> مقدار يزيد فى مقدار النامى. والغذاء هو الذى يقوم بدل ما يتحلل بالاستحالة إلى نوعه.
<lb n="14"/> فقد يقال له غذاء، وهو بعد بالقوة مثل الحنطة. وقد يقال له غذاء إذا لم يحتج إلى غير
<lb n="15"/> الالتصاق والانعقاد فقط، وقد حصل له التشبه فى الكيف. وقد يقال له غذاء، وقد
<lb n="16"/> غدا وصار لحما. والغذاء تتم منفعته فى كونه غذاء بأن يتشبه ويلتصق، فأنمى بدل
<lb n="17"/> ما يتحلل. فإن لم يتشبه كمادة البرص، كان غذاء، لا فى كمال أحواله. وإن تشبه
<pb n="145"/>
<lb n="1"/> ولم يلتصق كمادة الاستسقاء الزقى لم يكن غذاء بالفعل نافعا فى كمال أحواله؛ بل يجب أن
<lb n="2"/> يتشبه ويلتصق معا، حتى يغذو غذاء طبيعيا. </p><p>
<lb n="3"/> والغذاء الأول، أعنى التشبه بالقوة هو جوهر لا محالة. فإنه يستحيل أن يكون
<lb n="4"/> غير الجوهر جوهرا بالقوة. ويجب أن يكون جوهرا غير ممتنع عن إن يكون له مقدار
<lb n="5"/> طبيعى، وإلا لم يتكون عنه جسم طبيعى. فلا يخلو إما أن يكون ذلك له بالفعل عند
<lb n="6"/> ما هو شبيه بالقوة، أو يكون بالقوة. فإن كان بالقوة فهو هيولى مجردة، ويستحيل
<lb n="7"/> قوامها إلا مقارنا لصورة جسمانية .فهى، إذن، تكون مقارنة لصورة جسمانية، وتلك
<lb n="8"/> الصورة الجسمية تزول عند قبولها هذه الصورة. </p><p>
<lb n="9"/> ولا نطول الكلام فى بيان أن تلك الصورة تكون صورة جسمية له، لا لغيره،
<lb n="10"/> وإلا كان مع هذه الهيولى هيولى أخرى فى صورة واحدة، وصار جسمان فى جسم،
<lb n="11"/> وغير ذلك. </p><p>
<lb n="12"/> فليس إلى ذلك للمحصلين حاجة؛ بل يكفينا أن نعلم أن تلك الهيولى، لمّا قارنها
<lb n="13"/> صورة جسمية، قبل هذه، فقد كانت الجسمية موجودة لها قبل، وكان الشبيه بالقوة
<lb n="14"/> جسما بالفعل، ولا يجوز أن يكون الجسم الكلى العام؛ فإن ذلك لا وجود له إلا فى الوهم؛
<lb n="15"/> بل هو جسم ما شخصى. فغذاء كل جسم شخصى، ومبدأ إحالة الغذاء موجود فى المغتذى؛
<lb n="16"/> لأن القوة المشبهة موجودة فيه؛ ومبدأ النمو، وهو الذى يلصق بالنامى ما هو يزيد فى كميته،
<lb n="17"/> هو أيضا فى النامى. لكن كمية الغذاء شىء يصير أيضا كمية المغتذى أكبر. فهو أيضا
<lb n="18"/> مبدأ للنمو، وهو فى الغذاء. </p><p>
<pb n="146"/>
<lb n="1"/> وقد يتفق أن يكون الذى به يقع النمو محيلا. وذلك إذا لم تقدر القوة المشبهة أن
<lb n="2"/> تكمل تشبيهه فى جوهره وكيفه، أو يكون أول ما يرد يؤثر فى البدن، ثم يكر عليه
<lb n="3"/> البدن فيؤثر فيه، ويحيله إذا كان قد استرخت قوته فى موافقة من المغتذى، مثل
<lb n="4"/> الثوم؛ فإنه يغذو النامى ويسخنه معا. والمربى بالفعل شبيه بالفعل، والمربى الذى هو
<lb n="5"/> بعد غذاء لم يستحل شبيه بالقوة. وربما كان ضدًا أو متوسطًا، وربما لم يكن ضدًا؛
<lb n="6"/> فإن الحنطة ليست ضدًا للدم، وإنما هى غذاء من طريق ما هى حنطة، لا من طريق
<lb n="7"/> ما هى حار وبارد فقط. </p><p>
<lb n="8"/> فليكن هذا كافيًا فيما يجب أن نقول فى أمر المربى والمنمى وهو الغذاء من حيث له
<lb n="9"/> مقدار يزيد فيما يغذوه. فحرى بنا الآن أن ننتقل إلى إيضاح القول فى الأسطقسات وعددها. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="147"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل التاسع
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>إبانة عدد الأسطقسات</head>
<p>
<lb n="4"/> وقد سبق منا القول إنه لا يصح أن يكون الأسطقس واحدًا، وكيف يكون ذلك.
<lb n="5"/> وقد علمت أنه لا يصح أن يكون ما هو فى جوهره نار ماء، أو ماء نارا، أو أرض هواء،
<lb n="6"/> أو هواء أرضا. وكيف يكون ذلك، وههنا فعل وانفعال بقوى متضادة لا تنبعث عن
<lb n="7"/> صورة متفقة؛ بل إنما تنبعث عن صورة مختلفة. والصورة المختلفة تستحق تنويعات
<lb n="8"/> مختلفة، ولا فضل لصورة على أخرى، حتى يجعل تركيبها مع العنصر اسطقسا بالتخصيص
<lb n="9"/> دون غيره. </p><p>
<lb n="10"/> وإذ هذا من المتضح الذى لا شك فيه فمتضح، لاشك فيه، أن الأسطقس ليس بواحد.
<lb n="11"/> فهو إذن كثير. ومعلوم أنه ليس بكثير غير متناه. فبقى أن تكون الأسطقسات
<lb n="12"/> كثيرة متناهية. </p><p>
<lb n="13"/> وينبغى أن تكون ذات صور يصدر عنها، فيما بينها، فعل وانفعال، حتى تكون
<lb n="14"/> أسطقسات تتكون منها المركبات بالامتزاج، وإن تكون الكيفيات الصادرة عن صورها
<lb n="15"/> أقدم الكيفيات المتفاعلة، ولأنها أسطقسات لهذه الأجسام المحسوسة ليست أسطقسات
<pb n="148"/>
<lb n="1"/> للأجسام الموهومة، فيجب أن تكون الكيفيات التى تخصها كيفيات محسوسة.
<lb n="2"/> ومن شأن الحاس أن يشعر بفعلها فيه. </p><p>
<lb n="3"/> والكيفيات المحسوسة متصنفة بحسب تصنيف الحواس، لكن الكيفيات التى
<lb n="4"/> تخص حس البصر كالألوان، أو حس السمع كالأصوات، أو حس الشم كالروايح،
<lb n="5"/> أو حس الذوق كالطعوم، ليست من الكيفيات الأولى فى هذه الأجسام العنصرية،
<lb n="6"/> ولا من المشترك فيها. فإن المركبات أنفسها قد توجد خالية عن أطرافها <choice><sic>ووسايطها</sic><corr type="MAR">ووسائطها</corr></choice>.
<lb n="7"/> وإنما تحدث فى المركبات، بعد تفاعل يقع منها فى كيفيات قبلها. وهذا يدل عليه
<lb n="8"/> الاستقراء الصناعى. </p><p>
<lb n="9"/> وأما الكيفيات الملموسة فلا يخلو عنها وعن <choice>
<sic>وسايطها</sic>
<corr type="MAR">وسائطها</corr>
</choice> جسم من الأجسام المستقيمة
<lb n="10"/> الحركة. ولا جسم منها إلا وطرف من أطراف مضادتها موجود فيه، أو ضده، أو هو
<lb n="11"/> قابل له لضده. فينبغى أن تكون الفصول الأولى للأجسام الأولى منها محصلة بهذه
<lb n="12"/> الكيفيات، دون الطعوم والروائح والألوان. </p><p>
<lb n="13"/> وأما الكيفيات الأخرى المتقدمة <choice>
<sic>لساير</sic>
<corr type="MAR">لسائر</corr>
</choice> الكيفيات مما لا يحس إحساسًا أوليًا باللمس
<lb n="14"/> مثل الشكل، ومثل الخفة والثقل، وأشياء سنعدها، فإنها لا تفيد الفصول التى نحن
<lb n="15"/> فى طلبها. </p><p>
<lb n="16"/> أما الشكل فلأن الطبيعى فيه متشابه <choice>
<sic>البسايط</sic>
<corr type="MAR">البسائط</corr>
</choice>، فلا ينفصل به؛ ولو كان مختلفًا أيضًا
<lb n="17"/> لما صلح أن يقع به فعل أو انفعال. والقسرى أبعد من ذلك. </p><p>
<lb n="18"/> وأما الخفة والثقل فبالحرى أن تفيد الفصول للأجسام الأسطقسية. لكنه لا يفيد
<pb n="149"/>
<lb n="1"/> ولا واحد منهما الفصل الذى هو به أسطقس .فإن الفصل الذى به الأسطقس أسطقس
<lb n="2"/> هو الذى به يفعل وينفعل الفعل والانفعال الذى به يتم المزاج، وذانك فى الكيف،
<lb n="3"/> لأن الأسطقس إنما هو أسطقس للممتزج، ولا فعل ولا انفعال، فى باب الكيف،
<lb n="4"/> يصدر عن الخفة والثقل. وإنما توجب الخفة والثقل بالذات انفعالا فى الحركة المكانية. </p><p>
<lb n="5"/> ويجب ههنا أن نتذكر ماسلف من قولنا إن الماء مثلا، ليس كونه ماء هو كونه
<lb n="6"/> أسطقسا، وليس كونه أسطقسا هو كونه جزءا من العالم، وله قياس إلى تقويمه العالم
<lb n="7"/> وله قياس إلى تقويمه المركب. ومن حيث هو ماء يجب أن يكون فى طباعه أن يرجحن، وأن
<lb n="8"/> يكون باردا رطبا إذا لم يعق، ومن حيث هو جزء من العالم فالأنفع له الثقل المحصل له فى حيزه
<lb n="9"/> الطبيعى، وهو الأعون له على استكمال معنى كونه جزءا من العالم. ومن حيث هو جزء من المركب
<lb n="10"/> وأسطقس فلا يعين فيه الثقل الذى له، ولا الخفة التى له، اللذان بهما تصير، إلى موضعه،
<lb n="11"/> كل المعونة؛ بل كأنهما يناقضان مناقضة ما للمنفعة المطلوبة فى الأسطقس من حيث هو
<lb n="12"/> أسطقس عند كونه أسطقسا إنما يكون الأولى به مفارقته لمكانه الطبيعى، ومصيره إلى
<lb n="13"/> مشابكة أضداده؛ بل إنما يكون الأنفع له والأعوان إن كان ماء، أن يكون باردا رطبا يفعل
<lb n="14"/> بهما وينفعل، حتى يستفيد المزاج. وإن كان نارا فضد ذلك، وهو أن يكون حارا يابسا.
<lb n="15"/> وأما ثقل ذاك وخفة هذا فقليلا النفع أو مضادا النفع فيما يحتاج إليه فى المزاج؛ لأنهما يدعوان
<lb n="16"/> إلى التباين والتأنى، لا إلى الاجتماع والتلازم، ولا لهما فى الاجتماع تأثير فى المجتمع سار فيه.
<pb n="150"/>
<lb n="1"/> وكذلك إن كانت من الكيفيات كيفيات، مثل الثقل والخفة، لا تقع فى الفعل
<lb n="2"/> والانفعال، فلا تكون داخلة فى الفصول التى بها تصير الأجسام البسيطة أسطقسات
<lb n="3"/> من حيث تصير أسطقسات. </p><p>
<lb n="4"/> ثم إن الكيفيات المنسوبة الى اللمس مختلفة المراتب. فليس كلها فى درجة واحدة؛
<lb n="5"/> بل بعضها أقدم من بعض. ويشتمل على جملتها هذا التعديد؛ وذلك أن الكيفيات
<lb n="6"/> الملموسة هى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، واللطافة والغلظ، واللزوجة والهشاشة
<lb n="7"/> والجفاف والبلة، والصلابة واللين، والخشونة والملاسة. </p><p>
<lb n="8"/> واللطف يقع على معنيين: أحدهما رقة القوام، والآخر قبول القسمة إلى أجزاء صغيرة
<lb n="9"/> جدا. والغلط يقابلهما ويشبه أن يكون التخلخل مشابها للّطيف بالمعنى الأول، إلا أن
<lb n="10"/> التخلخل يستدعى معنى زائدًا على الرقة، وإن كان تابعًا لها، حتى تكون الرقة تدل عليه
<lb n="11"/> دلالة الملزوم. </p><p>
<lb n="12"/> والتخلخل يدل عليه دلالة المتضمن. وذلك لأن التخلخل هو اسم واقع على معنيين.
<lb n="13"/> أحدهما: أن تكون المادة انبسطت فى الكم مترققة .فيتضمن هذا المعنى مع الرقة
<lb n="14"/> إزدياد حجم، وتكون فيه إضافة إلى شىء آخر، أو غير يكون أصغر حجما.
<lb n="15"/> وأما الآخر فكالماء للهواء. أما الغير فكالماء الواحد لنفسه، إذا كان أشد
<lb n="16"/> تكاثفا فصار أشد تخلخلا، ولو لم تكن هذه الإضافة لكان الأولى بالمعنى اسم
<lb n="17"/> اللطافة والرقة. </p><p>
<lb n="18"/> ويقال نخلخل لتباعد أجزاء الجسم بعضها عن بعض على فرج يشغلها ما هو ألطف
<lb n="19"/> من الجسم، وتكون جملة الاتصال بينها لم تفقد؛ بل بين أجزائها تعلق ثابت،
<pb n="151"/>
<lb n="1"/> فلا يتبرأ بعضها من بعض تبرؤا تاما. وهذا غير مشتغل به فى هذا الغرض.
<lb n="2"/> لكن اللطيف، والمتخلخل على أول الوجهين، وفيه الكلام،غير نافع فى الفعل
<lb n="3"/> والانفعال إلا بالعرض، وهما جاريان مجرى الخفة والثقل؛ ويكادان يلازمانهما، حتى أن
<lb n="4"/> كل ما هو أثقل فهو أغلظ وأشد تكاثفا. </p><p>
<lb n="5"/> وأما اللزوجة فإنها كيفية مزاجية لا بسيطة. وذلك أن اللزج هو ما يسهل تشكله،
<lb n="6"/> بأى شكل <sic>أزيد</sic> [sic] ، ويعسر تفريقه، بل يمتد متصلا. فهو مؤلف من رطب ويابس شديدى
<lb n="7"/> الالتحام والامتزاج. فإذ عانه من الرطب، واستمساكه من اليابس، وإنك إن
<lb n="8"/> أخذت ترابا وماء، وجهدت فى جمعها بالدق والتخمير، حتى اشتد امتزاجهما، حدث
<lb n="9"/> لك جسم لزج. </p><p>
<lb n="10"/> والهش، الذى يخالفه، هو الذى يصعب تشكله. ويسهل تفريقه. وذلك لغلبة
<lb n="11"/> اليابس فيه، وقلة الرطب، مع ضعف المزاج. </p><p>
<lb n="12"/> وأما البلة فمعلوم أن سببها رطوبة جسم رطب يمازج غيره. فإن ههنا رطب الجوهر
<lb n="13"/> ومبتلا ومنتقعا. </p><p>
<lb n="14"/> فرطب الجوهر هو الجسم الذى كيفية الرطوبة تقارن مادته، ويكون كونها له كونا
<lb n="15"/> أوليا، مثل الماء. </p><p>
<lb n="16"/> وأما المبتل فهو الذى إنما يرطب برطوبة جسم غيره. وتلك الرطوبة لذلك الجسم
<lb n="17"/> أولية. لكن ذلك الجسم قد قارنه، فقيل إنه مبتل، فيصلح أن يخص باسم المبتل
<pb n="152"/>
<lb n="1"/> ما كان هذا الاسم على جاريا ظاهره ويصلح أن يقال على التعميم، حتى يكون المبتل
<lb n="2"/> هو كل جسم مترطب رطوبة غريبة. </p><p>
<lb n="3"/> لكن المنتفع لا يكون منتقعا إلا بأن يكون الرطب الغريب جرى فيه، ونفذ إلى باطنه.
<lb n="4"/> فالمنتقع من الوجه الأول كالنوع من المبتل، ومن الوجه الثانى هو مباين له، غير
<lb n="5"/> داخل فيه. </p><p>
<lb n="6"/> وقد يكون الجسم اليابس رطبا أو منتقعا، ولا سواء رطوبة الغصن النضير،
<lb n="7"/> ورطوبة الذاوى اليابس النقيع. فان جوهر هذا يابس، وقد نفذ فيه رطب غريب،
<lb n="8"/> وذلك جوهره رطب من نفسه، فالجاف بازاء المبتل، كما أن اليابس بإزاء الرطب. </p><p>
<lb n="9"/> والصلابة واللين أيضاًَ من الكيفيات المزاجية. وذلك أن اللين هو الذى يقبل
<lb n="10"/> الغمز إلى باطنه، ويكون له قوام غير سيال ينتقل عن وضعه، ولا يقبل امتداد اللزج
<lb n="11"/> ولا يكون له سرعة تفرقه وتشكله. فيكون قبوله الغمز من الرطوبة، وتماسكه
<lb n="12"/> من اليبوسة. </p><p>
<lb n="13"/> وأما الملاسة فمنها ما هو طبيعى؛ ومنها ماهو مكتسب. والطبيعى لازم لكل جسم
<lb n="14"/> بسيط، لوجوب إحاطة سطح واحد به تمييز مختلفة الأجزاء فى النتوء، والانخفاض،
<lb n="15"/> وبالجملة غير مختلفة الوضع، فلا تختلف به الأجسام البسيطة. </p><p>
<lb n="16"/> لكن الملاسة قد تعتبر فى طبيعة الأجسام من جهة أخرى. وذلك أن من الأجسام
<lb n="17"/> ما يسهل تفريقه على الملاسة حتى يكون تمليسه سهلا على أى تفريق كان. فتكون
<lb n="18"/> الفصول التى تقع فيه إما أملس وإما سهل الحركة إلى الملاسة، وهذا يتبع رطوبة
<lb n="19"/> جوهر الشىء. </p><p>
<pb n="153"/>
<lb n="1"/> والخشونة، فى الجملة، تقابل ذلك. فالملاسة والخشونة بالجملة، لا يدخلان
<lb n="2"/> فى الفعل والانفعال. </p><p>
<lb n="3"/> وبعد ذلك، فالطبيعى لا تختلف به الأجسام، <choice><sic>والمواتى</sic><corr type="MAR">والمؤاتى</corr></choice> والعاصى يتبع الرطوبة واليبوسة
<lb n="4"/> التى فيه. فيرجع أكثر هذه الأشياء إلى الرطوبة واليبوسة، لكن الرطوبة قد تقال
<lb n="5"/> للبلّة، وقد تقال للكيفية، وكلامنا فى رطوبة الكيفية. </p><p>
<lb n="6"/> ويتبع بعض الأجسام الرطبة الجوهر أمر، وهو الملاصقة والملازمة لما يمسه من جنسه
<lb n="7"/> كما للماء، حتى أن الجمهور يظنون أن الرطوبة حقيقتها هذا. لكنهم يشاهدون أن الجسم
<lb n="8"/> كلما كان أَرق كان أقل التصاقا واستمساكا بما يلامسه، وكلما كان أغلظ كان أشد
<lb n="9"/> وأكثر ملازمة. </p><p>
<lb n="10"/> والماء اللطيف الجيد إذا غمر فيه الإصبع كان مايلزم <choice><sic>الأصبع</sic><corr>الإصبع</corr></choice> منه أقل مما يلزم من الماء
<lb n="11"/> الغليظ أو الدهن أو العسل. فإذن هذه الخاصية لا تلزم الجسم من جهة ما هو رطب
<lb n="12"/> مطلقا، وإلا لكان ما هو أرطب وأرق من الرطوبات أشد لزوما والتصاقًا؛ بل هو لازم
<lb n="13"/> للكثافة والغلظ إذا اقترن بالرطوبة؛ بل تبقى للرطوبة سهولة التحدد بغيرها والتشكل
<lb n="14"/> بغيرها، مع سهولة الترك وضعف الإمساك، كما أن اليابس يلزمه الثبات على ما يؤتاه من
<lb n="15"/> الشكل، مع معاوقة فى قبوله. </p><p>
<lb n="16"/> فيجب أن يتحقق أن الرطوبة هى الكيفية التى بها يكون الجسم قابلا النحو الأول
<lb n="17"/> من القبول، واليبوسة هى التى بها يكون الجسم قابلا النحو الثانى من القبول. </p><p>
<lb n="18"/> فلا يستبعد أن يكون الهواء رطبا، وإن كان لا يلتصق؛ إذ الالتصاق ليس لنفس
<pb n="154"/>
<lb n="1"/> كون الشىء رطبا؛ بل للغلظ. والهواء إذا غلظ، فصار ماء، صار أيضًا على صفة الملازمة
<lb n="2"/> والالتصاق. </p><p>
<lb n="3"/> فالكيفيات الملموسة الأولى هى هذه الأربعة: </p><p>
<lb n="4"/> اثنتان منها فاعلتان، وهما الحرارة والبرودة، ولكونهما فاعلتين ماتحدان
<lb n="5"/> بالفعل، بأن يقال إن الحرارة هى التى تفرق بين المختلفات، وتجمع بين المتشكلات،
<lb n="6"/> كما تفعله النار. والبرودة هى التى تجمع بين المتشاكلات وغير المتشاكلات كما يفعل الماء.
<lb n="7"/> واثنتان منفعلتان وهما الرطوبة واليبوسة. ولكونهما منفعلتين ماتحدان بالانفعال
<lb n="8"/> فقط. فيقال إن الرطوبة هى الكيفية التى بها يكون الجسم سهل الانحصار والتشكل
<lb n="9"/> بشكل الحاوى الغريب، وسهل الترك له. واليبوسة هى الكيفية التى بها يعسر انحصار
<lb n="10"/> الجسم وتشكله من غيره، وبها يعسر تركه لذلك. ولذلك فإن الجسمين الرطبين يسهل
<lb n="11"/> اتصالهما مع التماس، ويصعب، أو لا يمكن، تفريقهما عن التماس المحفوظ إلى أن
<lb n="12"/> يتفرقا بل عن الاتصال بسهولة جدا. واليابس بالخلاف من ذلك. </p><p>
<lb n="13"/> فلهذا ما تسمى تانك فاعلتين وهاتان منفعلتين، وإن كان الحار والبارد كل واحد
<lb n="14"/> منهما يفعل فى الآخر. كما ينفعل منه. وكذلك كل واحد من الرطب واليابس يفعل
<lb n="15"/> فى الآخر، وينفعل منه. لكنه إذا قيس الحار والبارد إلى الرطب واليابس وجد
<lb n="16"/> الرطب واليابس لا يؤثران فيهما، ووجدا يؤثران فى الرطب واليابس، مما نعلمه بعد
<lb n="17"/> من حال الحل والعقد وغير ذلك. </p><p>
<pb n="155"/>
<lb n="1"/> فهذه الأربعة هى الأوايل. ويتركب منها أربع مزاوجات صحيحة. فيكون من الأجرام
<lb n="2"/> البسيطة جرم تتبع طبيعة كيفية الحر واليبوسة، وآخر تتبع طبيعة الحر والرطوبة؛
<lb n="3"/> وآخر تتبع طبيعة كيفية البرد والرطوبة؛ وآخر تتبع طبيعة البرد واليبوسة. فتكون
<lb n="4"/> هذه الأسطقسات. </p><p>
<lb n="5"/> والأرض هى الجسم الظاهر من أمره أنه بسيط يابس. وبمخالطته يكون كل جسم
<lb n="6"/> يابسا. والماء ظاهر من أمره أنه بارد رطب، وبمخالطته، يكون غيره باردا رطبا. </p><p>
<lb n="7"/> والهواء ظاهر من أمره أنه بسيط رطب. </p><p>
<lb n="8"/> والنار ظاهر من أمرها أنها بسيطة حارة. </p><p>
<lb n="9"/> لكن الأرض فى طبيعتها البرد أيضًا، وذلك أنها إذا تركت وطباعها، وأزيل عنها
<lb n="10"/> تسخين الشمس، أو سبب آخر، وجدت باردة اللمس. وإنما تسخين بسبب غريب.
<lb n="11"/> وكيف لا، والثقل لا يوافق الحرارة؟ وجميع الأجسام الغالب فيها الأرضية تبرد
<lb n="12"/> الأبدان. </p><p>
<lb n="13"/> والهواء إذا ترك وطباعه، ولم يبرد بسبب مخالفة أبخرة تزول عنها الحرارة المصعدة،
<lb n="14"/> وتعود إلى طبيعية الماء، كان حارا. وكيف لا يكون كذلك والماء إذا أريد أن يحال هواء
<lb n="15"/> سخن فضل تسخين؟ فإذا استحكم فيه التسخين كان هواء. </p><p>
<lb n="16"/> وأما النار فإنها ليست سهلة القبول للأشكال؛ بل هى منحصرة بذاتها. فهى
<lb n="17"/> يابسة. لكن إثبات حرّ الهواء ويبس النار، وخصوصًا يبس النار، وإيضاح القول فيه
<lb n="18"/> يصعب. وسنأتى فيه بالممكن. </p><p>
<pb n="156"/>
<lb n="1"/> وقد قيل إن اللهيب والغليان لما كان كل واحد منها إفراط حرارة، وكان الجمود
<lb n="2"/> إفراط برد، وكان الجمود خاصة البارد والرطب؛ فكذلك اللهيب والغليان خاصة الحار
<lb n="3"/> اليابس. وهذا قول لست أفهمه حق الفهم، وعسى أن يكون غيرى يحققه ويفهمه.
<lb n="4"/> وذلك لأن الغليان فليس إفراط حر؛ بل إن كان ولا بد فهو حركة تعرض للرطب عن
<lb n="5"/> الحر المفرط. ولا اللهيب إفراط الحر؛ بل إضاءة تعرض عن إفراط الحر فى الدخان فإن
<lb n="6"/> سمى اشتداد الحر لهيبًا فيه. والجمود ليس إفراط برد؛ بل أثر يعرض من
<lb n="7"/> إفراط البرد لا فى كل جسم؛ بل فى الرطب. ولا الجمود ضد الغليان لأن الغليان حركة
<lb n="8"/> إلى فوق. وتضادها الحركة إلى أسفل إذا كانت تضعه. فأما الجمود فليس هو حركة.
<lb n="9"/> فلعل الواجب أن يجعل الجمود اجتماع المادة الى حجم صغير مع عصيان على الحاصر
<lb n="10"/> المشكل، والغليان انبساطها إلى حجم كبير مع ترقق وطاعة المشكل. فإن كان
<lb n="11"/> كذلك كان الخلاف بينهما ما بين التكاثف والتخلخل. </p><p>
<lb n="12"/> ولم يستمر ما يقولونه. ثم ليس مما يجب ضرورة أن يكون الضد يعرض للضد؛
<lb n="13"/> فإن الأضداد قد تشترك فى أمور منها الموضوع. </p><p>
<lb n="14"/> وقد علمت فى كتب المنطق أن مثل هذا الكلام كلام مقنع لا محقق، وجدلى
<lb n="15"/> لا برهانى. ويشبه أن يكون لما تشككت به على هذا القول جواب، لكنى لم أحصله
<lb n="16"/> بعد، ولم أفهمه. فالأولى أن نشتغل بتبيين يبس النار، ونجعل الطريق إليه إبانة أنها
<lb n="17"/> لا تقبل الحصر والتحديد. ويكون بيانا أنها لا تقبل الحصر والتحديد، لا من جهة
<lb n="18"/> المحسوس؛ وذلك لأن النار المحسوسة غير صرفة. ومع ذلك، فإنه يعرض للأجسام فى
<pb n="157"/>
<lb n="1"/> غير مواضعها الطبيعية أن تحفظ أشكالها <choice>
<sic>المواتية</sic>
<corr type="MAR">المؤاتية</corr>
</choice> للحركة، كالماءِ المصبوب فى انصبابه؛
<lb n="2"/> بل نجعل بياننا ذلك بضرب من القياس، وهو أن النار لا يشك فى أنها حارة. فلا يخلو
<lb n="3"/> إما أن تكون حارة رطبة أو حارة يابسة لا تسهل طاعة طباعها للحصر من غيرها. </p><p>
<lb n="4"/> فإن كانت حارة رطبة فهى من جوهر الهواء، وإذا كانت من جوهر الهواء لزم
<lb n="5"/> أن يكون مكانها مكان الهواء، فيلزم أن لا تكون النار هاربة عن حيز الهواء إلى حيز
<lb n="6"/> آخر، فهى إذن حارة يابسة. </p><p>
<lb n="7"/> وقد يقول على هذا قائل إن الهواء نفسه، إذا سخن، ارتفع عن حيّز هذا الهواء
<lb n="8"/> المعتدل الحر، والبخار أيضًا يرتفع، ويطلب مكانا فوق مكان الهواء، وهو بعد أشبه
<lb n="9"/> بالماء من الهواء بالماء، وإنما يصعده الحر المفرط، فالحر المفرط هو سبب أن تكون
<lb n="10"/> النار هاربة عن حيّز هذا الهواء، الذى ليس حرّه بمفرط، وإن كان من طبيعته
<lb n="11"/> كالماء، الذى هو دونه فى المكان، إذا سخن فإنه يهرب عن موضع الماء والهواء جميعا
<lb n="12"/> هربا إلى فوق، كالهواء نفسه إذا سخن، فما كان من الهواء اسخن من سائر الهواء
<lb n="13"/> فهو هارب عن حيزه المعتدل بسخونته. </p><p>
<lb n="14"/> فنقول مجيبين: إن الحيز المطلوب إن كان من طبيعة الحيز المهروب عنه لا يخالفه
<lb n="15"/> فطلب ذلك والهرب عن هذا محال. </p><p>
<lb n="16"/> وإن كان ليس من طبيعته، فهو، لا محالة، حيز لغير الهواء. وليس يمكن
<lb n="17"/> أن يكون حيزا إلا لمفرط الحرارة إذا كان هذا المتصعد إنما يتصعد لأنه مفرط الحرارة.
<lb n="18"/> فيكون حيز ما هو مفرط الحرارة حيزا غير حيز الهواء. ولاشك أن ذلك هو حيز
<pb n="158"/>
<lb n="1"/> النار، فتكون النار غير الهواء فى الطبع، والهواء المتسخن هو يطلب غير حيز الهواء،
<lb n="2"/> كما أن الماء المتسخن يطلب غير حيز الماء. ولكن ذلك الحيز حيز لجرم آخر لا محالة،
<lb n="3"/> بالغ فيه الكيفية المصعدة للهواء وللماء عن حيزهما، وليس يطلب شىء منها
<lb n="4"/> حيز نفسه. وفى طلبهما حيزًا آخر إثبات حيز آخر لجسم آخر، وهو النار. ولا يجوز
<lb n="5"/> أن يكون الحيز واحدا إلا أن الأسخن يطلب منه ما هو أرفع؛ وذلك لأن الأرفع إما أن
<lb n="6"/> يتحدد بحد جسم شامل، أو حد جسم مشمول؛ إذ لا وجه لإثبات الخلاء،
<lb n="7"/> ولا لاثبات الأبعاد. </p><p>
<lb n="8"/> فإن كان ذلك الأرفع والأدون يتحدد بتحديد جسم شامل متعين، أو مشمول
<lb n="9"/> متعين ليس هو حد جسم شامل للأدنى، أو مشمول فى الأدنى، فالأرفع والأدنى
<lb n="10"/> مكانان مختلفان، فلهما جسمان، بالطبع، مختلفان. وإن كان يتحدد بشامل واحد
<lb n="11"/> فى الطباع فلا مكان أرفع رأدون؛ بل المكان ذلك أو أجزاؤه إن أخذت على وجه
<lb n="12"/> التوسع، وأجزاؤه متفقة فى القرب والبعد، والعلو السفل. </p><p>
<lb n="13"/> فبين من هذا أن النار حارة يابسة. لكن سلطان النار الحرارة وسلطان الهواء
<lb n="14"/> الرطوبة، وسلطان الماء البرودة، وسلطان الأرض اليبوسة. وبالحرى أن يكون الماء
<lb n="15"/> والأرض بالقياس إلى الهواء يابسين .فإن <choice>
<sic>اليرد</sic>
<corr>البرد</corr>
</choice> يقتضى الجمود والتكاثف ولولا الحرارة
<lb n="16"/> الخارجة لكن الماء جامدا". لكنه بالقياس إلى الأرض رطب. فإنه إما سيال بذاته،
<lb n="17"/> وإما شديد الاستعداد للسيلان، من أدنى سبب خارج، والبرد الذى يجمد به الماء
<pb n="159"/>
<lb n="1"/> إن أردت الحق وترك العادات فليس إلا بردًا مستفادًا فى الهواء من الماء والأرض.
<lb n="2"/> فإذا صار الهواء بحيث لا يسيل الماء استولت طبيعية الماء والأرض على الماء،
<lb n="3"/> وعاونهما الهواء، إما بالتبريد وإما بإزالة التسخين، فجمد من الماء ظاهره أولا لاحتقان
<lb n="4"/> الحار فى باطنه، ثم لا يزال يجمد حتى يستولى الجمود على جميعه لطبيعة البرد الذى أولى
<lb n="5"/> العناصر به الماء، وأولى الآثار به الإجماد. </p><p>
<lb n="6"/> وطبيعة الماء والأرض هما اللذان يحدثان بردًا فى الهواء، يعود ذلك البرد معينا
<lb n="7"/> لطبيعة الماء على إحداث كيفية البرد فى نفس الماء على قدرٍ يتأدى إلى الإجماد. </p><p>
<lb n="8"/> والنار والهواء، بالقياس إلى الجامدات، متخلخلان رطبان، لكن النار،
<lb n="9"/> بالقياس إلى الهواء، يابسة؛ لأنها ابعد عن قبول التشكيل والاتصال مع المماسة من الهواء.
<lb n="10"/> فهذا هو الحق الذى يجب أن يعتقد. </p><p>
<lb n="11"/> وقد يمتعض لسماع هذا الفصل الأخير قوم لا نشغل قلوبنا بهم. ويزيدهم امتعاضًا
<lb n="12"/> ما نريد أن نذكره من تحقيق ذلك فيما يستقبلنا من الكلام. ثم ههنا شكوك. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="160"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل العاشر
<lb n="2"/>فصل قى
<lb n="3"/>فى ذكر شكوك تلزم ما قيل</head>
<p>
<lb n="4"/> بالحرى أن تبع هذا الفصل بذكر شكوك لم نتعرض لها، ثم نعقبها بالكلام <choice>
<sic>الفصل</sic>
<corr>للفصل<note>according to Van Riet 1987, 104 fn.</note></corr>
</choice>.
<lb n="5"/> من ذلك أمر حدود الكيفيات الأربع ورسومها. </p><p>
<lb n="6"/> فإن الحرارة ليست إنما تفرق المختلفات؛ بل قد تفرق المتشاكلة، كما تفعل بالماء.
<lb n="7"/> فإنها تفرقه تصعيدًا. وأيضًا فإن النار قد تجمع المختلفة. فإنها تزيد بياض البيض وصفرتها
<lb n="8"/> تلازمًا، ثم بالحقيقية. ولا أحد الفعلين لها فعل أول وذلك لأن فعلها الأول تسييل الجامد
<lb n="9"/> من الرطوبات بالبرد وتحليله، ثم تصعيده وتبخيره. </p><p>
<lb n="10"/> فإن كانت المجتمعات مختلفة فى قبول التحليل والتبخر، بأن كان بعضها أسرع فيه،
<lb n="11"/> وبعضها أبطأ، أو كان بعضها قابلا، وبعضها غير قابل، عرض عن ذلك أن بادر
<lb n="12"/> الأسرع دون الأبطأ، والقابل دون غير القابل إلى التصعد والتبخر، فيعرض
<lb n="13"/> منه الافتراق. </p><p>
<lb n="14"/> ولو كانت هذه الأشياء متشاكلة فى الاستعداد لهذا المعنى لم يمكن النار أن تفرق
<pb n="161"/>
<lb n="1"/> بينها. وأيضًا فإن الحار يفعل فى البارد والبارد فى الحار، ولا يفعل الحار فى الحار
<lb n="2"/> ولا البارد فى البارد. وكذلك الرطب فى اليابس، واليابس فى الرطب،ولا يفعل
<lb n="3"/> الرطب فى الرطب، ولا اليابس فى اليابس. وإذا كان الحار والبارد يفعل كل منهما
<lb n="4"/> فى الآخر، وكل واحد منهما أيضا ينفعل عن الآخر، وكذلك الرطب واليابس، فليس
<lb n="5"/> إحدى الطبيعتين أولى بأن تخص بالفعل من الأخرى، ولا أولى بأن تخص بالانفعال
<lb n="6"/> من الأخرى. </p><p>
<lb n="7"/> ومن ذلك الشك فى أمر النار ويبسها، والهواء وحره، والأرض وبردها.
<lb n="8"/> فإن <choice><sic>لقايل</sic><corr type="MAR">لقائل</corr></choice> أن يقول: إنه ليس يجب أن يكون جميع ما توجبه القسمة، ولا ينكره العقل
<lb n="9"/> فى أول النظر، حاضرًا موجودًا. فعسى أن لا يمكن أن يكون شىء هو حار رطب، أو شىء
<lb n="10"/> هو بارد يابس؛ ليس لأن العقل وحده يمنع عن اجتماع الحرارة والرطوبة، والبرودة
<lb n="11"/> واليبوسة، منعه عن اجتماع الحار والبارد، والرطب واليابس، ولكن الأمر ليس يعقل
<lb n="12"/> بديهة. فإن ههنا أمور لا تمنع الازدواجات عن وجودها، ولا بديهة العقل، ويمنع الحق
<lb n="13"/> وجودها. فإنه ليس يمتنع، فى أول العقل، أن يكون حار، بالطبع، فى غاية الثقل،
<lb n="14"/> وليس هذا بموجود البتة. </p><p>
<lb n="15"/> ولو كانت القسمة تعتبر ويلتفت إليها لكان يجوز أن نقول: إن من العناصر ما هو
<lb n="16"/> حار يابس خفيف، ومنها ما هو حار يابس ثقيل، ومنها ما هو حار رطب خفيف، ومنها
<lb n="17"/> حار رطب ثقيل،وكنا نحكم أن كل ما لا تمنع القسمة الجمع بينه، كما بين الحرارة والثقل
<lb n="18"/> فى أول العقل، فإن المستحصل منه بالقسمة موجود فى الأعيان. فكما أن الثقل لا يخالط
<pb n="162"/>
<lb n="1"/> الحرارة مع كونه غير مضاد للحرارة، ولا مقابل، ولا محكوم عليه ببديهة العقل أنه
<lb n="2"/> مناف؛ فكذلك يجوز أن تكون الرطوبة واليبوسة لا تخالط الحرارة، ولا تخالط
<lb n="3"/> البرودة، فيكون، حينئذ، للوجود أنقص من المقسوم. </p><p>
<lb n="4"/> ومع هذا،فلم يستوف أصحاب هذه القسمة قسمتهم؛ بل بخسوا القسمة حقها، وذلك
<lb n="5"/> لأنه لا يخلو إما أن تكون الحرارة والبرودة واليبوسة الأسطقسية لا تكون
<lb n="6"/> إلا خالصة صرفة، أوقد تكون منكسرة. </p><p>
<lb n="7"/> فإن كانت لا تكون إلا خالصة صرفة وجب أن تكون حرارة أسطقس أقل من
<lb n="8"/> حرارة أسطقس آخر. فإن الذى هو أقل حرارة ليست حرارته خالصة بالقياس إلى حرارة
<lb n="9"/> ما هو أشد حرارة؛ بل الأقل حرارة يكون، بالقياس إلى الخالص الحرارة، فاترًا أو باردًا،
<lb n="10"/> وإن كان قد تكون فى الكيفيات الأول كيفية غير خالصة، ويكون منها ما هو دون النهاية. </p><p>
<lb n="11"/> وقد حصل ههنا قسم قد ضيّع، وذلك أن أصول <choice>
<sic>اللمزاوجات</sic>
<corr>المزاوجات</corr>
</choice> حينئذ لا تكون أربعة؛
<lb n="12"/> بل تكون أكثر من ذلك. فيكون حار وبارد ومتوسط أو منكسر، ورطب ويابس
<lb n="13"/> ومتوسط أو منكسر. فينبغى أن تتحدد المزاوجات من هناك. فتكون حينئذ الازدواجات
<lb n="14"/> أكثر من العدد المذكور. ثم يكون الهواء، مثلا، رطبا معتدلا فى الحر والبرد؛ والنار
<lb n="15"/> حارة معتدلة فى الرطوبة واليبوسة، والأرض يابسة معتدلة فى الحر والبرد. وعلى
<lb n="16"/> أن يكون ههنا عناصر أخرى منها ما هو بارد ومعتدل فى الرطوبة واليبوسة، ويكون
<lb n="17"/> حار رطب غير الهواء، وكأنه البخار أو شىء آخر؛ ويابس غير الأرض، وكأنه الجمد
<lb n="18"/> أو شىء آخر؛ وحار شديد اليبوسة، وكأنه الدخان أو شىء آخر. </p><p>
<pb n="163"/>
<lb n="1"/> ثم من الواجب أن ننظر فى أمر النار التى يدعى أنها تحت الفلك، وأنها فى هيئة
<lb n="2"/> الجو، ولكنها شديدة الحر، حتى أنها تحرق ما يصل إليها، هل تلك الحرارة لها من
<lb n="3"/> جوهرها، أم تعرض لها بسبب تحريك الفلك؟ </p><p>
<lb n="4"/> فإن كانت بسبب تحريك الفلك، فما جوهر ذلك الجسم فى نفسه الذى عرض
<lb n="5"/> له ما عرض؟ فإن كان جوهره هواء لكنه سخن، فيشبه أن تكون نسبة النار إلى
<lb n="6"/> الهواء هى بعينها نسبة الجمد إلى الماء، فلا يكون مفارقا له بالفصل؛ بل تكون مفارقته
<lb n="7"/> له بعرض من الأعراض. </p><p>
<lb n="8"/> وإن كان الحق ما يدعى قوم من أنها فاترة لا تحرق، فبماذا تفارق الجو؟ وأما النار التى
<lb n="9"/> عندنا فهى بالاتفاق غير تلك النار. </p><p>
<lb n="10"/> فإن كانت هذه التى عندنا تلك، وقد عرض لها اشتداد فى الحر للحركة،
<lb n="11"/> وإضاءة للاشتعال فى الدخان، فبماذا تخالف الهواء، حتى تنسل عنه، وتطفو عليه حارة
<lb n="12"/> فى الحركة المسخنة، فيسخن لذلك؟ </p><p>
<lb n="13"/> وإن كان معنى النار فى هذه غير معنى النار هناك فهذا إما أسطقس وإما مركب.
<lb n="14"/> فإن كان أسطقسا فقد زاد عدد الأسطقسات. وإن كان مركبا فلم صار المركب فى كيفيته
<lb n="15"/> أقوى من البسيط؟ ولم صار الحر يصعّد ما مكانه الطبيعى هو السفل، كما يصعد الماء
<lb n="16"/> والدخان وفيها طبيعة مهبطة، لكنها تغلب بهذه الكيفية؟ </p><p>
<lb n="17"/> ثم البرد لا يفعل ضد ذلك فى إهباط النار. </p><p>
<pb n="164"/>
<lb n="1"/> وهل يجوز من هذا أن يقال: ليست النار إلا هواء سخن جدا، فهو يرتفع عما
<lb n="2"/> هو أبرد منه كالبخار؛ فإنه ماء سخن جدا، فهو يرتفع عما أبرد منه، وليس العنصر
<lb n="3"/> إلا الهواء والماء والأرض؟ فالمسخن من الهواء نار، والمسخن من الماء بخار، والمسخن
<lb n="4"/> من الأرض دخان. وكل مسخن فإنه يصعد إلى فوق، لكن مسخن الماء شىء هو
<lb n="5"/> فى طبيعته قوى البرد، سريع إليه التبرد، فيقصر عن مسخن الأرض الذى هو أقل تبردا،
<lb n="6"/> فى الطبع، وإبطاء. وكلاهما يقصر عن مسخن الهواء، الذى هو إما معتدل وإما إلى الحر.
<lb n="7"/> فمسخن الهواء يسبق ذنيك إلى الحيز الذى ليس فيه إلا الهواء المسخن جدا بالحركة، </p><p>
<lb n="8"/> حتى هو نار.
<lb n="9"/> هذا، وأيضًا لم لا نقول إن الأجسام التى تحت الفلك كلها جسم واحد من مادة وصورة
<lb n="10"/> توجب الكون تحت الفلك، ثم تعرض لها بعد ذلك هذه الكيفيات؟ فما يلى الفلك،
<lb n="11"/> ويكون حيث الحركة، يلطف ويسخن بسبب من خارج، لا من جوهره، وما يبعد،
<lb n="12"/> ويكون حيث السكون يبرد، ويثقل بضد ذلك السبب. فيعرض من ذلك أن يختلف
<lb n="13"/> ذلك الواحد اختلافا بكيفيات تعرض له من خارج، لا من طبيعته وصورته .فإن طبيعته
<lb n="14"/> وصورته هى التى صار بها جسما طبيعيا متحيزًا فى ضمن الفلك؛ لأنه لا يقتضى طبعا غير
<lb n="15"/> ذلك الوضع. </p><p>
<lb n="16"/> ومما يحق أن نورد شكا، على ما قيل فى إثبات هذه الأربع، أن الخلوص إلى إثبات
<lb n="17"/> الكيفيات الأربع المذكورة، حتى ظن بسببها أن <choice>
<sic>المزواجات</sic>
<corr>المزاوجات</corr>
</choice> أربع، وأن العناصر لذلك
<lb n="18"/> أربعة ــ إنما كان بسبب الرجوع إلى الحس وتقديم اللمس على غيره، ورجوع الكيفيات
<pb n="165"/>
<lb n="1"/> الملموسة الى هذه الأربع. فيجب أن يكون المعنى الذى نسميه رطوبة هو المعنى الملموس،
<lb n="2"/> لا معنى آخر يشاركه فى هذا الاسم. ثم المعنى الذى يشترك فيه الماء والهواء، الذى يسمى
<lb n="3"/> رطوبة، ليس هو الرطوبة الملموسة. وذلك لأن هذا المعنى، الذى يسمونه الرطوبة،
<lb n="4"/> ليس وجوده فى الهواء وجود الحرارة والبرودة المحسوستين، فى أن هاتين قد يجوز أن
<lb n="5"/> يستحيل الهواء من كل واحدة منهما إلى أخرى، ويكون الهواء هواء. فإن الهواء،
<lb n="6"/> إذا سخن، أو برد، لم يجب بذلك أن يكون قد استحال بجوهره وأما الهواء، إذا بلغ
<lb n="7"/> من تكاثفه إلى أن ييبس، أو من تخلخله حتى يصير نارا عندكم، لم يكن حينئذ هواء.
<lb n="8"/> فالهواء الحاصر، الذى نسميه هواء، لا يباينه المعنى الذى نسميه رطوبة الذى يشارك فيه
<lb n="9"/> الماء عندكم. </p><p>
<lb n="10"/> فإذا كانت الحال كذلك وجب أن يكون الهواء دائما بحيث تلمس رطوبته،
<lb n="11"/> وإن كان لا يجب دائما أن تلمس حرارته أو برودته؛ أإذ تانك تزايلانه، وهذا يلازمه.
<lb n="12"/> ولو كانت هذه الرطوبة ملموسة لكان يجب، إذا كان هواء معتدل، لا حار ولا بارد،
<lb n="13"/> وكان ساكنا لا حركة فيه، أن يكون اللامس تلمس رطوبته؛ إذ الرطوبة لا تفارقه،
<lb n="14"/> كما يلمس ما تسميه العامة رطوبة من الماء. </p><p>
<lb n="15"/> ولو كان الهواء دائما بحيث تلمس رطوبته لكان الهواء دائما محسوسا، ولو كان
<lb n="16"/> الهواء دائما محسوسا لكان الجمهور لا يشكون فى وجوده، ولا يظنون هذا الفضاء الذى
<lb n="17"/> بين الأرض والسماء، خاليا إذا لم يوجد فيه ريح أو غيم، وما ينسب إليه حر وبرد. كما إذا
<lb n="18"/> برد أو سخن أحسوا به على أنه مؤثر فى البدن بردًا أو حرًا، أو أن هناك بردًا أو حرا. </p><p>
<pb n="166"/>
<lb n="1"/> فبين أن سبيل هذه الرطوبة، فى أنها ملموسة، خلاف سبيل الحرارة والبرودة
<lb n="2"/> فى أنها ملموسة .فإذا كان كذلك لم يكن البناء على أمر صحيح. </p><p>
<lb n="3"/> ثم ما معنى قول القائل إن الرطوبة سريعة كذا، أو عسرة كذا وكذا، وإن
<lb n="4"/> اليبوسة بالضد فى الأمرين؟ فإن السريع والعسير وما يقابلهما إنما هو بالقياس إلى غيره،
<lb n="5"/> وليس له حد محدود. فيجب أيضًا أن لا يكون الشىء مطلقا رطبا أو يابسا؛ بل بالقياس إلى
<lb n="6"/> غيره. على أن صناعة المنطق منعت أن توجد فى حدود الأمور غير المضافة معان
<lb n="7"/> مضافة على أنها أجزاء لحدها. </p><p>
<lb n="8"/> فهذه، وما أشبهها، شبه من حقها أن تحل، أو يشعر بها، حتى يكون القضاء على
<lb n="9"/> الأمر بحسب مراعاة جانبها. </p><p>
<lb n="10"/>
<choice>
<sic>فلنتشغل</sic>
<corr cert="medium">فلنشتغل</corr>
</choice> الآن بما يجب أن نعتمده. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="167"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الحادى عشر
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>حل شطر من هذه الشكوى</head>
<p>
<lb n="4"/> نقول إن تحديدنا الأمور التى هى محسوسة بالحقيقة تحديد بحدود ناقصة. وأعنى
<lb n="5"/> بالمحسوس بالحقيقة ما ليس إحساسه بواسطة محسوس، أو بالعرض. فإن تكلفنا لها
<lb n="6"/> حدودًا، أو شروح أسماء، فربما حددناها أو رسمناها بإضافات أو اعتبارات لا يدل شىء منها،
<lb n="7"/> بالحقيقة، على ما هياتها؛ بل على أمور تلزمها. </p><p>
<lb n="8"/> ولذلك من البعيد أن يقدر على أن تُحدّ الصفرة والحمرة والخضرة، بل السواد
<lb n="9"/> والبياض. لكنه إذا كان السواد والبياض طرفين رسما بسهولة لتأثيرهما فى الإبصار على
<lb n="10"/> الاطلاق الذى يحتاج أن يقدر مثله من الأوساط، فيعسر. وذلك التأثير بالحقيقة أمر ليس
<lb n="11"/> هو مقوما لماهية السواد والبياض؛ ولا مَن فهم ذلك فهم أن الشىء سواد وبياض،
<lb n="12"/> اللهم إلا أن يكون قد أحس السواد وتخيله، ثم أحس هذا الفعل منه فجعله علامة له. </p><p>
<lb n="13"/> ولذلك يجب أن يعرف حال البرودة والحرارة بالحقيقة، وأن الحدود التى قيلت
<lb n="14"/> حدود غير محققة، ولا محكمة؛ بل إنما تقال بقياسها إلى أفعال لهما فى أمور من المركبات
<lb n="15"/> عندنا أو فى البسائط، وإلا فلا اقتدار على تحديدهما تحديدًا حقيقيًا. </p><p>
<pb n="168"/>
<lb n="1"/> وبالحرى أن تكون الحرارة، كما تجمع بعض المتجانسات، فقد تفرق بعض
<lb n="2"/> المتجانسات، كما ترمد الحطب، وتفرقه. لكن يجب أن يفهم ما قالوه على ما أقوله: </p><p>
<lb n="3"/> إن الحرارة تفعل فى الأجسام البسيطة وتفعل فى الأجسام المركبة؛ والجسم الواحد
<lb n="4"/> البسيط يجتمع، فيستحيل أن يقال إن النار تجمعه؛ لأن قولنا كذا يجمع كذا معناه أنه
<lb n="5"/> يجمع ما ليس بمجتمع. والبسيط المذكور مجتمع الأجزاء متشاكلها. وأما أمر التفريق
<lb n="6"/> فلا مدخل له فى اعتبار البسيط؛ وذلك لأن التفريق إنما قيل بالقياس إلى الأشياء المختلفة
<lb n="7"/> فهذا الفصل المنسوب إلى الحار من جمع وتفريق إنما يقال بالقياس إلى جسم فيه
<lb n="8"/> متشاكلات متفرقة، ومختلفات مجتمعة.
<lb n="9"/> والجسم الذى جُعل فعل الحار بالقياس غليه هو المركب القابل لفعل النار. وهذا </p><p>
<lb n="10"/> المركب لا يجوز أن تكون أجزاؤه متشابهة الانفعال التحريكى عن الحار. فإن الجسم
<lb n="11"/> المتشابه الانفعال عن تحريك قوة واحدة محركة، كالحار، هو بسيط من حيث الاستعداد
<lb n="12"/> لذلك الانفعال. وكيف لا يكون بسيطا، ولو كان مركبا كانت أجزاؤه مختلفة فى استحقاق
<lb n="13"/> الأماكن الطبيعية الخاصة بها. والحار إذا فرّق فإنما يفرّق بتحريك يحدث فى الأجزاء
<lb n="14"/> المختلفة؛ ولا سواء قبول الخفيف والثقيل للتحريك إلى الجهات. فإذن يجب أن يكون
<lb n="15"/> هذا المركب مختلف الاستعداد .فيكون أول ما يستحيل أجزاؤه؛ ويستحيل بالسخونة.
<lb n="16"/> وكل جزء أسرع فيه التسخن كان أسرع إلى التصعد. فيعرض أن ينفصل بعض الأجزاء
<lb n="17"/> إلى حيز العلو أسرع، وبعضها أبطأ، أو لا يقبل بعضها ما يتصعد به. فليس كل الأجسام
<pb n="169"/>
<lb n="1"/> يقبل التصعيد والتبخير بالذات. نعم قد يتفق أن يكون <choice>
<sic>مالا</sic>
<corr>ما لا</corr>
</choice> يقبل التصعيد مخالطا لما
<lb n="2"/> يتصعد مخالطة شديدة، فيسبق تصعيد الحار بما يخالطه تفريقه بينهما؛ ويكون المتصعد
<lb n="3"/> أغلب، فيصعد ذلك الآخر تبعا له. وإذا فعلت الحرارة هذا الفعل عرض أن تفاصلت
<lb n="4"/> المختلطات ضرورة، وصار كل حيز واحد يليق به، فيجتمع فيه. فإن كانت رطبة
<lb n="5"/> الجواهر قابلة للاتصال بسهولة كان اجتماعها اتصالا؛ وإن كانت يابسة لا تتصل بسرعة
<lb n="6"/> كان اجتماعها حصولها فى حيز واحد، وإن لم يكن اتصالا. </p><p>
<lb n="7"/> على أن النار فى قوتها أن تسيل أكثر الأجسام حتى الرماد والطلق والنورة والملح
<lb n="8"/> والحديد تسييل إذابة، وخصوصًا إذا أعينت بما يزيدها اشتعالا كالكبريت والزرنيخ
<lb n="9"/> والأملاح الحادة. </p><p>
<lb n="10"/> وأما ماظُن من أن النار تفرق الماء فليس كذلك. فإن النار لا تفرق الماء ماء؛
<lb n="11"/> بل إذا أحالت جزءا منه هواء فرقت بينه وبين الماء الذى ليس من طبعه. ثم يلزم من
<lb n="12"/> ذلك أن تختلط بذلك الهواء أجزاء مائية، فتصعد مع الهواء، ويكون مجموع ذلك بخارا.
<lb n="13"/> على أَن من الناس من ظن أن البخار هو طبيعة أخرى غير الماء والهواء وغير
<lb n="14"/> المختلط منهما. وأما ما يتعلق به من عقد البيض فليس عقدة جمعه؛ بل هو إحالة له فى </p><p>
<lb n="15"/> قوامه. ثم إن النار ستفرق ذلك عن قريب، يعرف ذلك أصحاب حل التقطير.
<lb n="16"/> وأما الذهب فإنه ليس لا يفرقه النار إذا أذابته، لأنه متشابه الجوهر، ولا لأنه
<lb n="17"/> متشابه الانفعال، ولا لأن النار من شأنها أن لا تفرق المركبات، ولكن لأن الامتزاج
<pb n="170"/>
<lb n="1"/> فى جوهر الذهب والتلازم بين بسائطه شديدان جدا، فكلما مال شىء منه إلى التصعد
<lb n="2"/> حبسه المائل إلى التحدر، فيحدث من ذلك حركة دوران وغليان، فتكون النار قد
<lb n="3"/> أوجبت تأثيرًا مختلفًا. لكن هناك عائق آخر، والأمور التى تنسب إلى القوى
<lb n="4"/> والكيفيات الطبيعية، وخصوصًا العنصرية، تنسب إليها بشرط ألا يكون عائق. فإن الخفة
<lb n="5"/> إنما يقال لها إنها تصعد بشرط ألاَّ يكون عائق، والثقل كذلك إنما يقال له ينرل بشرط
<lb n="6"/> أن لا يكون عائق ومانع. فكذلك المأخوذ فى حد النار من تفريق كذا، وجمع كذا. </p><p>
<lb n="7"/> وأما ما قيل فى حديث الفعل والانفعال فلعمرى إن الاعتبار إذا توجه نحو الأضداد
<lb n="8"/> كانت متفاعلة، وكانت نسبة الحر إلى البرد فى الفعل والانفعال قريبة من نسبة الرطب إلى
<lb n="9"/> اليابس فى الفعل والانفعال، وإن كان لقائل أن يقول: ليس يجب أن تكون
<lb n="10"/> الأضداد كلها متفاعلة؛ بل من الأضداد ما يتبع أضدادًا أخرى، مثل الأبيض والأسود.
<lb n="11"/> فإن اللون الأبيض لا يحيل الأسود إلى البياض، ولا بالعكس؛ بل بالمخالطة، فتكون
<lb n="12"/> استحالتهما تابعة لاستحالة الحال فى أضداد قبلها. </p><p>
<lb n="13"/> ولا يبعد أن يكون له أن يقول: يشبه أن يكون الرطب واليابس من ذلك القبيل.
<lb n="14"/> فإنا لم نشاهد رطبًا رطّب اليابس، أو يابسًا يبس الرطب بالإحالة دون المخالطة؛ أما الرطب
<lb n="15"/> فبلاّ، وأما اليابس فنشفا، وأما الحار والبارد فيفعل أحدهما فى الآخر بالإحالة، من غير
<lb n="16"/> أن يتغير الجوهر فى نوعه أصلا، كما قد صححنا من إحالة الحار للبارد أنه ليس كله على
<lb n="17"/> سبيل نفوذ ومخالطة. فيشبه أن يكون، على قول هذا القائل، أن تكون استحالة الأجسام
<pb n="171"/>
<lb n="1"/> البسيطة فى الرطوبة واليبوسة تابعة لاستحالة أخرى، أو لكون وفساد. ولا يكون للرطب
<lb n="2"/> أن يحيل إلى اليبوسة من غير فساد الجوهر، أو من غير استحالة تتقدمها، ولا لليابس
<lb n="3"/> أن يحيل إلى الرطوبة من غير فساد أو استحالة، كما للحار أن يحيل البارد، وللبارد أن
<lb n="4"/> يحيل الحار، وغير ذلك. فإن الماء إذا صار أرضًا لم يكن ذلك لاستحالة أولية فى رطوبة
<lb n="5"/> أو يبوسة؛ بل لاستحالة الصورة الجوهرية التى تتبعها الكيفيات على ما بيناه. فيكون
<lb n="6"/> لما استحالت الصورة الجوهرية استحال ما يتبعها، بأن فاض عن الصورة الجوهرية الحادثة
<lb n="7"/> ضد كل ما كان فاض عن الصورة الجوهرية الفاسدة، كما أن الهواء إذا استحال ماء، فترل،
<lb n="8"/> لم تكن الحركة المتسفلة حادثة عن ضد الحركة المتصعدة الأولى؛ بل عن الصورة المعاندة
<lb n="9"/> للصورة الموجبة للتصعد. </p><p>
<lb n="10"/> وأما الماء إذا جمد، ويبس، فليس ذلك له عن يبوسة فعلت فى رطوبة؛ بل عن
<lb n="11"/> البرد. فيكون البرد هو الذى أوجب اليبس. ويكون الحر بإزائه هو الذى يوجب
<lb n="12"/> الترطيب والتسييل. فتكون هاتان الكيفيتان منفعلتين عن الحر والبرد، ولا تنفعل
<lb n="13"/> إحداهما عن الأخرى انفعالا أوليًا، والحر والبرد ينفعل أحدهما عن الآخر انفعالا أوليًا.
<lb n="14"/> فهذا قول، إن أراد مريد أن يدفع الشك به، عسرت مقاومته. </p><p>
<lb n="15"/> لكنا نسلم أن الرطب من شأنه أن يرطب اليابس، واليابس من شأنه أن ييبس
<lb n="16"/> الرطب. ونقول بعد ذلك أولا، إلى أن نورد جوابًا آخر، إن هذا النحو من الفعل
<lb n="17"/> والانفعال لا يصلح أن يلتفت إليه فى التحديدات، وإنما تحد القوى بانفعال وانفعالات
<pb n="172"/>
<lb n="1"/> على غير هذا النمط، وذلك لأنا إذا أردنا أن نحد الرطب استحال أن نأخذه فى حد نفسه،
<lb n="2"/> واستحال أيضًا أن نأخذ ضده فى حده؛ وذلك لأن ضده ليس بأعرف منه، فكيف
<lb n="3"/> نفسه؟ وإنما يجب أن يؤخذ فى الحدود والرسوم ما هو أعرف من الشىء. وأيضًا إذا
<lb n="4"/> أخذنا ضده فى حده، وكان ضده أيضًا إذا حدّ على نحو حدَّه، حدَّ به، وأخذ هو فى حده ــ
<lb n="5"/> نكون قد أدرنا التعريف، وعاد الأمر إلى تعريف الشىء بنفسه .مثاله إذا أردنا أن
<lb n="6"/> نحد الحرارة، فقلنا هو الذى يسخن البارد، ونكون قد أخذنا التسخين وهو التحرير
<lb n="7"/> الذى هو إثارة الحرارة، فى حد الحرارة، فنكون قد أخذنا الحرارة فى حد الحرارة،
<lb n="8"/> وأخذنا أيضًا البارد فى حد الحرارة. وكذلك الحال فى جانب البارد، والبارد ليس بأعرف
<lb n="9"/> من الحر، ولا الحر من البرد. </p><p>
<lb n="10"/> وإذا كان قانون الحد ما ذكرناه، وكنا نجد الحرارة من حيث فعلها، أو نعرفها من
<lb n="11"/> حيث فعلها ذلك الفعل الذى فى ضدها، فقلنا إن الحار ما يسخن البارد، واحتجنا أن
<lb n="12"/> نقول: والبارد ما يبرد الحار، فنكون قد أخذنا الحار فى حد البارد المأخوذ فى حد
<lb n="13"/> الحار. وهذا أمر مردود. </p><p>
<lb n="14"/> فبين أن نحو هذه الأفعال لا تؤخذ فى حدّ هذه القوى، ولا فى تعريفاتها التى تناسب
<lb n="15"/> الحدود؛ بل إنما تنسب القوى فى حدودها إلى أفعال وانفعالات تصدر عنها يكون تفهمها
<lb n="16"/> ليس دائرًا على تفهم الحدود. فإن الحار والبارد تصدر عنهما أفعال ليست نفس
<lb n="17"/> التسخين والتبريد، ولا دائرًا عليهما. وتلك الأفعال مشهورة.
<pb n="173"/>
<lb n="1"/> والرطب واليابس ليسا كذلك البتة، ولا يتصور الرطب إلا من جهة سهولة
<lb n="2"/> قبول الشكل، وسهولة الاتصال، وسهولة تركهما. واليابس من جهة عسر قبول الأمرين
<lb n="3"/> وعسر الترك لهما. وهذه الأحوال منسوبة إلى الانفعال. فإن أريد أن يعرّف الفعل
<lb n="4"/> الذى لكل واحد منهما، على حسب التضاد، أو الانفعال الذى على حسب ذلك
<lb n="5"/> إن سلَّم ذلك، لم يكن تعريفًا حقيقيًا به. </p><p>
<lb n="6"/> وأما الحار والبارد فإن عرّفا بالانفعال المذكور، الذى يجرى بينهما، لم يكن تعريفًا
<lb n="7"/> حقيقيًا؛ <choice>
<sic>يل</sic>
<corr>بل</corr>
</choice> يجب أن يكون تعريفهما على النحو الذى قيل فى الحار والبارد؛ يقال لهما
<lb n="8"/> كيفيتان فاعلتان ليس بالقياس إلى كل شىء؛ ولكن بالقياس إلى هذه الأجسام المركبة
<lb n="9"/> المشاهدة. فإنها تفعل فيها أفعالا ظاهرة مما قيل، ولا تنفعل انفعالا إلا عن الضد. وإذا
<lb n="10"/> قيل للرطب واليابس انفعاليان فليس بالقياس إلى كل شىء؛ بل القياس إلى هذه الأجسام
<lb n="11"/> المشاهدة. فإنها لا تفعل فيها إلا ما ينسب إلى الفعل والانفعال التضادى، ولا تفعل فيها
<lb n="12"/> شيئًا آخر؛ بل تنفعل منها بسهولة أو عسر. </p><p>
<lb n="13"/> وبعد هذا، فالذى يجب أن يعتمد فى هذا شىء آخر، وهو أن قولنا كيفية انفعالية
<lb n="14"/> يعنى بذلك الكيفية التى بها يكون الجوهر مستعدًا لانفعال ما، إما على سهولة أو على
<lb n="15"/> صعوبة. ونعنى بقولنا كيفية غير انفعالية ما ليس بها يكون هذا الاستعداد. ونعنى بالفعلية
<lb n="16"/> الكيفية التى بها يفعل فى المستعد فعلا ما. </p><p>
<lb n="17"/> وأما بالجملة فإن الكيفية نفسها لا تنفعل البتة، ووحدها لا تفعل؛ إذ لا توجد وحدها.
<pb n="174"/>
<lb n="1"/> وإنما تفعل بأن تماس أو تحاذى، أو يكون لها النسبة [فى النصبة] التى بها يصح الفعل. </p><p>
<lb n="2"/> ثم الحرارة والبرودة ليستا من الكيفيات التى بها يستعد الجوهر لانفعال ما، خصوصًا
<lb n="3"/> ما أورد فى الشك. وذلك لأن الحر ليس استعداد للبرد لأنه حار، كيف والبرد يبطل
<lb n="4"/> الحر؟ وما دام هو حارا فيمتنع أن يصير باردًا. فالحر يمنع وجود البرد، لا أن يعدّ له المادة؛
<lb n="5"/> بل المادة مستعدة بنفسها لقبول البرد المعدوم فيها. لكنه يتفق أن يقارن تلك الحالة
<lb n="6"/> وجود الحر الذى يضاد البرد، ويمانعه، ويستحيل وجوده معه. </p><p>
<lb n="7"/> وكذلك حال الرطوبة عند اليبس. وليست الرطوبة انفعالية؛ لأن الرطب قد ينفعل
<lb n="8"/> إلى اليبس، وهو رطب؛ بل بأن تزول رطوبته. وهذا النمط لا يجعل الكيفية انفعالية؛
<lb n="9"/> بل نحو النمط الذى للرطوبة فى قبول جسمها التشكيل والتوصيل بسهولة. فإن الجوهر
<lb n="10"/> يقبل بالرطوبة هذا التأثير، وهو رطب، ويبقى له ذلك ما بقيت الرطوبة. </p><p>
<lb n="11"/> ومع ذلك، فإن اليابس والرطب موضوعان للحر والبرد، ويفعل كل واحد منهما
<lb n="12"/> فيه فعلا تابعًا للتسخين والتبريد. والرطب واليابس لا يفعلان فى الحار والبارد شيئًا
<lb n="13"/> إلا بالعرض، مثل الخنق المنسوب إلى الرطوبة. والخنق هو إما على وجه يضطر الحار
<lb n="14"/> إلى هيئة من الاجتماع والتشكل مضادة لمقتضى طبيعته، إذا كانت يابسة، فلا يجيب
<pb n="175"/>
<lb n="1"/> إلا إذا بطلت، وإما على سبيل أن لا ينفعل الرطب لكثرته إذا قوبلت بالقوة
<lb n="2"/> المحيلة، فلا يستحيل إلى مادة تحفظ الحار، فلا يتولد حار بعد. وإذا انفصل الحاصل
<lb n="3"/> من الحار، صاعدًا، لم يكن مدد يحفظ اتصاله، كما يعرض عند كثرة دهن السراج.
<lb n="4"/> وهذا فى المركبات .وإذا شئت أن تتحقق فعلية الحار والبارد، ولا فعلية الرطب
<lb n="5"/> واليابس، فانظر ما يعتريك من ملامسة الطبيعتين. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="176"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الثانى عشر
<lb n="2"/> فصل فى
<lb n="3"/> حل قطعة أخرى من هذه الشكوك</head>
<p>
<lb n="4"/> وأما الشك، الذى أورد بعد هذا، فالجواب عنه أن إيجابنا وجود عناصر أربعة
<lb n="5"/> ليس المعول فيه كله على القسمة؛ بل على قسمة يتبعها وجود. فإن الشىء إذا أورده العقل
<lb n="6"/> فى القسمة، ثم دل عليه الوجود، لم يكن أظهر منه. </p><p>
<lb n="7"/> وقد وجدنا الحر والبرد يلائمان الكيفيتين المنفعلتين، ليس إنما يلائم الواحد
<lb n="8"/> منهما الرطوبة دون اليبوسة، أو اليبوسة دون الرطوبة.فقد رأينا اليابس يسخن،
<lb n="9"/> ورأيناه يبرد. وكذلك رأينا الجسم الرطب يسخن، ورأيناه يبرد. فلم يكن اجتماع البرد
<lb n="10"/> مع الرطوبة واليبوسة، أو اجتماع الحر مع الرطوبة واليبوسة، مستنكرًا، فى العقل المفطور،
<lb n="11"/> وفى الوجود المحسوس، إذا كانت المادة تحتمل ذلك، وكانت ازدواجات ممكنة فى الوجود. </p><p>
<lb n="12"/> وأما حديث التكثير بازدواجات تقع من مفرط ومعتدل، فنقول فى جوابه إن
<lb n="13"/> المادة البسيطة، إذا كانت قوة مسخنة، وكان من شأنها أن تقبل السخونة،
<lb n="14"/> فمن المحال أن لا تسخن السخونة التى فى طباعها أن تقبلها إلا لعائق. وذلك لأن
<lb n="15"/> من شأن المسخن، إذا بقى ما ليس فيه سخونة، وهو يقبلها، أن تحدث فيه سخونة.
<lb n="16"/> والسخونة مسخنة؛ إذ من شأن السخونة، إذا لاقت مادة، أن تحدث فيها سخونة
<pb n="177"/>
<lb n="1"/> أخرى. فكيف إذا كانت فى نفس المادة واحتملت سخونة أخرى؟ فهذه القوة
<lb n="2"/> المسخنة، إذا أحدثت حدًا من السخونة، فبعد ذلك إذا لم تفد سخونة، والسخونة
<lb n="3"/> الموجودة أيضًا فى المادة إذا لم تفد سخونة بعد التى أفادت، فإما لأصل أن طباعها ليس
<lb n="4"/> تفيد السخونة فى القابل إلا وقتًا ما، ويحال ما، وقد فرضنا القوة مسخنة بطباعها، وكذلك
<lb n="5"/> السخونة الحاصلة منها التى تحدث عنها سخونة فيما يلاقيها؛ وإما لأن المادة لا تقبل، وقد
<lb n="6"/> فرضنا أنها تقبل أكثر من الحد الموجود فى الفاتر والمعتدل؛ بل نحسها كذلك. وإذا
<lb n="7"/> كانت حارة كان إمعانها فى التسخين، عند وجود ما بوجوده تكون السخونة، أولى منها
<lb n="8"/> إذا كانت باردة؛ وأما لعائق. ونحن لا نمنع ذلك. إنما نتكلم على مقتضى الطباع. فإن
<lb n="9"/> القوة المبردة فى الماء يجوز أن تعاق فى التبريد أصلا، فضلا عن أن يبالغ فى التبريد؛ فربما
<lb n="10"/> كان العائق داخلا، وربما كان خارجًا. فإذ لا عائق، ولا امتناع قبول فى المادة عن أن
<lb n="11"/> تسخن زيادة سخونة عن تلك القوة بعينها، وعن السخونة الحادثة فيها إلى الغاية التى
<lb n="12"/> من شأنها أن تبلغها حادئًا فيها السخونة عن السخونة التى لا حائل بينها وبينها، التى هى
<lb n="13"/> أولى أن تحدث فيها سخونة من سخونة خارجة قائمة فاعلة فى جسم ملاق إحداث الميل
<lb n="14"/> الطبيعى للميل بعد الميل، على سبيل الحتمية، كما قد عرفته ــ فواجب أن يكون الأمر
<lb n="15"/> فيها بالغًا الغاية. وليس هذا، كما يعلم، من حال القوة المصعدة للنار الصغيرة فإنها
<lb n="16"/> لا تبلغ الغاية الممكنة فى الإسراع. فإن ذلك لعائق من خارج، وهو ما فيه الحركة؛ فإنه
<lb n="17"/> يمتنع عن الانحراق له، ويقاومه، فلا يقدر مثل تلك القوة أن تحرق فوق ذلك.
<pb n="178"/>
<lb n="1"/> فيغرض فى فعله من العائق قصور لا يعرض لما هو أكثر وأقل قبولا للمقاومة. ولو لم
<lb n="2"/> تكن مقاومته من جهة المتوسط لكانت الحركات كلها متشابهة، كما مر لك فى مواضع
<lb n="3"/> أخرى. </p><p>
<lb n="4"/> وكذلك لو لم تكن فى الماء مقاومة للتسخن لكان يسخن بلا فتور غاية السخونة
<lb n="5"/> عند لقاء المسخن. </p><p>
<lb n="6"/> فيجب من هذا أنه إذا لم يكن مانع كانت المواد المتسخنة عن القوة المسخنة الموجودة
<lb n="7"/> فيها تتسخن على السوية. فإذا كان بعض الأسطقسات لا يبلغ فى التسخن الطبيعى
<lb n="8"/> عن طبيعته، وليس عائق من خارج، فهناك عائق من أمر فيه عن طبعه. وليس يجوز
<lb n="9"/> أن تكون الطبيعة وحدهما عائقة، وموجبة أن يكون بوساطة أمر آخر يفيض
<lb n="10"/> عنها. فتكون القوة، إذا كان من شأنها أن تسخن وترطب معًا عاقت الرطوبة المادة
<lb n="11"/> عن أن تقبل السخونة عن تلك القوة ألى غاية الحد؛ بل قعدت بها وكانت المادة لا تبقى
<lb n="12"/> رطبة إذا أفرط فيها الحر، فتكون الرطوبة التى تفيض عن القوة تجعل للمادة حدًا
<lb n="13"/> محدودًا فى استعداد قبول الحرارة. </p><p>
<lb n="14"/> ولقائل أن يقول إن المادة، وإن كانت مستعدة، فإنها لا تخرج إلى الفعل إلا عن
<lb n="15"/> قوى تقوى على إخراجها إلى الفعل. فإن المتوسط مستعد أيضًا للانحراق الأشد. والماء
<lb n="16"/> مستعد للتسخن الأشد، ولا كيفية ذلك ما لم يكن قوة تقوى عليه، لأنه مستعد لأمر
<pb n="179"/>
<lb n="1"/> عن علة فاعلة ذات قوة محدودة. فإذا كانت القوة ليس لها أن تسخن أكثر من حد،
<lb n="2"/> أو يحرق أكثر من حد، لم يكف استعداد المادة. </p><p>
<lb n="3"/> فنقول: إن تصور ما قلناه، على الحقيقة، يغنى عن إيراد هذا الشك؛ وذلك لأن
<lb n="4"/> القوة إذا كان من شأنها أن تسخن، ووجد القابل المستعد بلا معاوقة، استحال
<lb n="5"/> أن لا يسخن، وأن لا يقوى على أن لا يسخن. فهذه القوة، بعد أن وجدت منها السخونة،
<lb n="6"/> لم يبطل عنها أنها توجد السخونة فى القابل للتسخن عنها كل وقت. ووجود ما وجد من
<lb n="7"/> السخونة المقدرة عنها لا يمنع القابل عن أن يكون قابلا للسخونة. وكذلك السخونة
<lb n="8"/> الموجودة فيها من شأنها أن توجد السخونة فى أى مادة لاقتها قابلة للسخونة
<lb n="9"/> ولا مانع لها. </p><p>
<lb n="10"/> فإذا كانت المادة الخارجة تسخن عن تلك السخونة فالمادة الملاقية أولى لا محالة.
<lb n="11"/> فيجب أن يحدث عن القوة فى المادة، بعدما حدث من السخونة، سخونة زايدة، فى
<lb n="12"/> طباعها أن تقبلها، وفى طباع القوة والسخونة أن تحدثها، لا من حيث هى زيادة أولية،
<lb n="13"/> بل من حيث هى سخونة. فإن تلك الزيادة سخونة، لا شىء آخر، كما أن لو سخنا
<lb n="14"/> آخر انضاف إليه لكان يفيد سخونة. </p><p>
<lb n="15"/> والقوة والسخونة من شأنها أن توجد السخونة كل وقت لذاتها، لا لسبب إن كان
<lb n="16"/> عنها سخونة أو لم يكن. والسخونة التى وجدت عنها لا تمنع أن تفيض عنها أيضًا
<lb n="17"/> السخونة فى طبعها. ذلك والتأخر إلى وقت ثان، على سبيل الوقوف، لا معنى له. فإن
<pb n="180"/>
<lb n="1"/> فى الزمان الذى بينهما لم يكن عائق زال، فيجب أن يحدث ذلك بلا تأخير
<lb n="2"/> يفعله وقوف. </p><p>
<lb n="3"/> وليس حال الحرق كذلك. فإن الحرق وجوده أن يكون شيئًا بعد شىء؛ إذ لا قرار
<lb n="4"/> للحركة، ولا لما يجرى مجرى الحركة. ثم <choice>
<sic>النحرق</sic>
<corr>المنحرق</corr>
</choice>، وإن كان قابلا بمادته فهو مقاوم بصورته
<lb n="5"/> مقاومة شديدة أو غير شديدة .ولهذا لا ينحرق الماء والهواء عن الشوط إذا رام إسراع
<lb n="6"/> الحرق وترك طريق الرفق، لأنه يقبل قليلا قليلا لما فيه من المقاومة وتسخين الماء إنما
<lb n="7"/> يكون شيئًا بعد شىء؛ لأن فى أول الملاقاة يكون الماء باردًا، والبرد يمنع استعداد المادة
<lb n="8"/> للضد مادام ثابتًا، فيحدث أولا فى زمان تفرضه أولا حرارةٌ ما بقدر الاستعداد المعوق.
<lb n="9"/> ثم يكون الفاعل، بعد ذلك، حرارة من خارج وحرارة فى الماء يتعاونان على الإحالة.
<lb n="10"/> ويكون البرد المعاوق أقل، فيكون فى الزمان الثانى يستحيل أسرع وأشد؛ وذلك لأن
<lb n="11"/> حال الفاعل والقابل معًا فى الزمانين مختلفان. </p><p>
<lb n="12"/> وليس هكذا الحال فى مسألتنا نحن. على أننا لا نناقش فى أن يستمر ازدياد
<lb n="13"/> التسخن فى مادة الهواء عن القوة وعن السخونة الحاصلة فى زمان على الاتصال. ولكن
<lb n="14"/> ذلك أيضًا غير موجود. </p><p>
<lb n="15"/> وقول القائل إن السخونة تسخن إلى حد ما لا يقوى على أكثر من ذلك، وأن
<lb n="16"/> كان ممكنًا فى الوجود وفى طباع المادة، قول لا يلتفت إليه. فإن ذلك إنما يكون إذا
<lb n="17"/> قيس إلى مقاوم. وأما إذا لم يكن مقاوم فهذا القول محال؛ لأنه إذا حدثت فيه سخونة
<pb n="181"/>
<lb n="1"/> لم تكن عائقة عن أن حدث عنه أخرى إلى أن يستوفى الحد الذى فى قوة المادة قبوله،
<lb n="2"/> إذا لم يكن مانع، وهو الحد الذى للنار مثلا، فلا يكون هناك تحدّد دون النهاية البالغة. </p><p>
<lb n="3"/> وإذا قد بيّنا هذا فبالحرى أن نعود إلى مسألتنا فنقول: </p><p>
<lb n="4"/> قد بان أن بعض الأجسام البسيطة، إذا كانت فيه قوة تسخن وترطب بالطبع،
<lb n="5"/> وكان فى جسم آخر أيضًا مثلها، لم يجز أن يكون أحد الجسمين حارًا رطبًا على حد،
<lb n="6"/> والآخر أقل فى أحدهما أو كليهما، أو أكثر؛ بل يجب أن لا يتشابها فى ذلك إلا لعائق
<lb n="7"/> فإن لم يتشابها، ولا عائق من خارج، فإنما يجوز أن لا يتشابها فى كيفية واحدة حين
<lb n="8"/> لا يكون هناك عائق من خارج إلا لعوق من الكيفية الثانية، فيكون العائق وجود
<lb n="9"/> الكيفية الثانية التى تفيض عن تلك القوة بعينها. فإنها تمنع المادة منعًا ما، وتعاوقها
<lb n="10"/> عن الاستكمال، وتنقص الاستعداد النقص المنسوب إلى المعاوقة، فتصير لها المادة
<lb n="11"/> غير قابلة إلا بشدة وعسر، وإن كانت الطبيعة فاعلة. </p><p>
<lb n="12"/> لكن لقائل أن يقول: إن العوق أيضًا يجب أن يبلغ الغاية، [أولا يكون
<lb n="13"/> أصلا، فإن نسبة العوق إلى القوة والمادة نسبة التسخين إليهما، وكما أن التسخين يبلغ الغاية
<lb n="14"/> إذا لم يكن عوق، كذلك العوق يجب أن يبلغ الغاية]: </p><p>
<lb n="15"/> فنقول: نعم إذا لم يكن للعوق عائق. وإما القوة المسخنة فمعاوقة للعوق، فلا تبلغ
<lb n="16"/> الحد الأقصى. </p><p>
<lb n="17"/> وإذا كان كذلك انحل الشك المذكور. </p><p>
<pb n="182"/>
<lb n="1"/> ولقائل أن يقول: إنه كيف يمكن أن ينبعث عن مبدأ واحد قوتان تعاوق إحداهما
<lb n="2"/> الأخرى، وتتقابلان وتتنازعان، والمادة واحدة غير مختلفة؟ </p><p>
<lb n="3"/> فنقول: إن ذلك ليس على سبيل المقابلة؛ بل على سبيل تقدير استعداد المادة،
<lb n="4"/> ومعنى العوق هو هذا المعنى، وهو أن وجوده يجعل المادة محدودة الاستعداد. وذلك
<lb n="5"/> لأن الحرارة، إذا أخذت مرة صرفة، ومرة متوسطة، فلأن إحداهما تكون مع يبوسة،
<lb n="6"/> والأخرى مع الرطوبة. وكذلك البرودة. فحينئذ تعود الأقسام إلى الأربع. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="183"/>
<head type="subhead">
<lb n="1"/>الفصل الثالث عشر
<lb n="2"/> فصل فى
<lb n="3"/> حل باقى الشكوك</head>
<p>
<lb n="4"/> وأما الشك المذكور فى التماس البيان لإثبات كون النار مفارقة للهواء، لا بأنها أشد
<lb n="5"/> منه سخونة، وهى من طبعه؛ بل بالفصل الذاتى، فقد ُفرِِغ من ذلك. </p><p>
<lb n="6"/> وبين أن هناك مكانًا لجسم طبيعى غير الهواء وإنه حار. </p><p>
<lb n="7"/> وأما ما أخذ فى التشكك كالمتسلم من فتور النار البسيطة فأمر لا يقول به إلا المقصّر
<lb n="8"/> فى الصناعة .فلذلك لا يلزم إلا من قال إن المركب أقوى من البسيط فى الكيفية. </p><p>
<lb n="9"/> على أن يقال أن يقول متأولا: إن المركب قد يعرض له أن يكون أقوى من
<lb n="10"/> البسيط فى الكيفية، إذا كانت هناك أسباب أخرى. توجب الازدياد فى الكيفية غير
<lb n="11"/> الذى فى الطبع، فيتظاهر الطبع والوارد والمرفد إياه على تقوية الكيفية، وإن كان هذا
<lb n="12"/> القول ربما لم يلتفت إليه. </p><p>
<lb n="13"/> وأما ما سئل عن أمر النار التى هناك، أعنى عند الفلك، وهل السخونة أمر
<lb n="14"/> يعرض لها من حركة الفلك، وهى فى نفسها غير حارة، أم هى فى نفسها حارة
<lb n="15"/> فى طبيعتها؟ فقول: </p><p>
<pb n="184"/>
<lb n="1"/> إنه لا يمتنع أن يكون التحريك يسخن ما ليس بسخين فى طبيعته وتكون مع ذلك،
<lb n="2"/> طبيعته الذاتية محفوظة، ويكون ما تغير المتسخن إلا فى السخونة. ولا يمتنع أن يكون
<lb n="3"/> التحريك يحيل طبيعة المتحرك إلى الصورة النارية ابتداء، لو وجد خاليًا عنها، أو يكون
<lb n="4"/> التحريك سبب دوامها مدة وجودها، مثل الحك المشعل. فإنه لشدة التسخين يعدّ المادة
<lb n="5"/> لقبول الصورة النارية، ويعاوق الاستعداد المقابل له فيكون الحك سببًا، بوجه ما،
<lb n="6"/> للصورة النارية، لا لتسخن أول شىء له طبيعة قائمة غير موجبة للسخونة. وإنما يسخن
<lb n="7"/> من خارج فقط بل لإفادة الطبيعة التى هى مبدأ السخونة بنفسها، حتى لو تُوهِم
<lb n="8"/> الحك زائلا، والتحريك باطلا، بقى الجسم على الصورة النارية، إلا أن يرد شىء مفسد
<lb n="9"/> للصورة النارية مقاوم لها. ولو كانت هذه النسبة من المحاكة والتحريك دائمة لكان
<lb n="10"/> وجوب لبس الصورة النارية دائما. </p><p>
<lb n="11"/> فالمادة التى هناك ملبسة صورة النارية بمعاضدة من حركة الفلك، ولا مضادة
<lb n="12"/> فى طباعها لذلك. ولو كان فى طبيعة ذلك الجسم شىء مضاد لذلك لكان التحريك
<lb n="13"/> الذى هناك يبطل تلك الطبيعة المضادة بفرط التسخن الذى هناك. هذا إن كان التحريك
<lb n="14"/> مسخنا، وإن لم يكن مسخنا فالشبهة زائلة من كل وجه؛ إذ كانت الشبهة فى أن ذلك
<lb n="15"/> الجوهر الذى هناك، إذ قد عرض له التسخن من خارج، فليس ذلك له طبيعيا.
<lb n="16"/> وذلك لأنه عرض له الحك فسخنه. والحك عرضى فالسخونة عرضية. </p><p>
<lb n="17"/> فالمجيب عن ذلك يقول: </p><p>
<lb n="18"/> إن السبب الخارج العارض قد يكون سببا لصورة طبيعية يتنوع بها المادة.
<pb n="185"/>
<lb n="1"/> ويتضح هذا فضل إيضاح فى الصناعة الحكمية الإلهية. ونعم ما أوجبت العناية
<lb n="2"/> الإلهية إسكان النار فى حيز الحركة، وإلا لكان كل ما نتوهمه أنه يحصل هناك،
<lb n="3"/> مما ليس بنار من الأجسام العنصرية ينقلب نارًا فيتحرك إلى حيز النار الأخرى،
<lb n="4"/> إن لم يكن حيزه تلك المجاورة، ويعقبه غيره. فلا تزال النارية تتضاعف حتى
<lb n="5"/> تفسد ما ليس بنار. </p><p>
<lb n="6"/> وأما التشكك المبنى على أن الحار ما باله يصعد قبل استحالة صورته الطبيعية،
<lb n="7"/> كما يصعد البخار والدخان. والبارد لا يفعل ذلك، فقد يمكن أن يجاب عنه بوجوه
<lb n="8"/> من الأجوبة: </p><p>
<lb n="9"/> من ذلك أن الحار، فى الجملة، أقوى من البارد. ولذلك <choice><sic>مالا</sic><corr>ما لا</corr></choice> يطاق النار.
<lb n="10"/> والماء والجمد لا يبلغ واحد منهما من برده الطبيعى أن لا يطاق، وقد يبلغ ذلك من
<lb n="11"/> حره العرضى، فكيف الشىء الذى فى طبيعته حار! فيشبه أن يكون الحار لقوته
<lb n="12"/> يغلب مقتضى جوهر الشىء وطبيعته، ولا يقدر عليه البارد؛ أو يشبه أن يكون
<lb n="13"/> البرد يهبط أيضًا ما يعرض له، وإن لم يحل المعروض له عن جوهره، ولم يغيره،
<lb n="14"/> كما إذا استحال الهواء ضبابا عن برد فانحدر، وهو بعد ضباب. فلا يبعد أن يقال
<lb n="15"/> إن الضباب هواء قد برد، ومال إلى أسفل، ولم تبطل صورته الذاتية، كما لم تبطل
<lb n="16"/> صورة الماء فى الجمد، أو يكون الشىء البارد الذى يتصعد بالتسخين هو أرض وماء
<lb n="17"/> قد يقبلان حرا أشد من حر الهواء، ولا يكونان قد فسدا فسادًا تاما. فيظهر صعودهما
<lb n="18"/> فى الهواء، ومجاورتهما إياه. </p><p>
<pb n="186"/>
<lb n="1"/> ولعل الهواء والنار ليسا يقبلان من البرد ما يصيران به أبرد من الماء، حتى يريا
<lb n="2"/> نافذين فى الماء هبوطا. ولعل ما يبرد من النار يعرض له أن ينحدر من حيزه إلى حيز
<lb n="3"/> الهواء .لكنه إذا انحدر لم يكن ذلك محسوسًا؛ لأن النار البسيطة غير محسوسة. </p><p>
<lb n="4"/> ولعل الضباب هواء متبرد متكاثف، لكنه ليس مستحيلا بعد إلى المائية. </p><p>
<lb n="5"/> وأيضا فلقائل أن يقول إن البخار والدخان يصعدان على سبيل مرافقة النارية
<lb n="6"/> وبالقسر على ما قلنا قبل. </p><p>
<lb n="7"/> وبالجملة إن صعدا بالمرافقة لم يلزم السؤال، وإن صعدا، لا بالمرافقة؛ بل للاستحالة
<lb n="8"/> فى الكيفية فقط، فالفرق ما قيل. </p><p>
<lb n="9"/> *** </p><p>
<lb n="10"/> وأما الشك المبنى على استحالة أن يكون ما تحت الفلك طبيعة واحدة، وإنما يختلف
<lb n="11"/> بالأعراض، فيبطله وجود الحركات الطبيعية متضادة لوجود المركز والمحيط. والجسم
<lb n="12"/> المتشاكل الطبيعية النوعية لا تختلف حركاته الطبيعية؛ إذا لا تختلف قواه الأصلية. </p><p>
<lb n="13"/> وأما ما تظن أن الكون يبرد الحركة؛ إذ الحركة تسخن فذلك باطل. فإنا قد بينا
<lb n="14"/> أن السكون عدم الحركة، وعدم العلة علة لعدم المعلول، لا لضد مقابل له، فإن الحركة
<lb n="15"/> إذا كانت توجب حرارة، كان لا يكون حركة هو أن لا توجد حرارة. </p><p>
<lb n="16"/> وأما أن توجد برودة، فيحتاج إلى علة، فيشبه أن يكون الجسم الساكن البعيد
<pb n="187"/>
<lb n="1"/> من الحركة قوى الاستعداد لقبول القوة <choice>
<sic>المبرزة</sic>
<corr>المبردة</corr>
</choice> من الأشياء الكاسية للمواد صورها،
<lb n="2"/> ويكون ضعيف الاستعداد لقبول الطبيعة المسخنة، بل يحتاج إلى معاون من حرارة مماسة
<lb n="3"/> أو حركة، حتى يستعد، فينال من واهب الصور ما يستعد له. وسنطنب فى هذا حين
<lb n="4"/> نتكلم فى الفلسفة الأولى. </p><p>
<lb n="5"/> *** </p><p>
<lb n="6"/> وأما الشبهة المبينة على حال اللمس فيجب أن نقدم لحلها مقدمة، ونقول: إن قولنا
<lb n="7"/> إن الرطوبة سهلة القبول والترك هو على سبيل <sic>التجور</sic> [sic] . فإن السهل والصعب يكاد أن
<lb n="8"/> يكون من المضاف. وليست الرطوبة من المضاف. </p><p>
<lb n="9"/> ولكن يجب أن نعلم أن الرطب هو لا مانع له، فى طباعه، البتة عن قبول الشكل
<lb n="10"/> والانحصار والاتصال؛ وعن رفضه، مع زوال القاسر راجعا إلى الجهة التى له أن يتحرك
<lb n="11"/> إليها، والشكل الذى له أن يتشكل بالطبع به. </p><p>
<lb n="12"/> واليابس هو الذى فى طباعه ممانع، إلا أن فى طباعه إمكان قبول ذلك عند تكلف
<lb n="13"/> بجشمه القاسر إياه، فتكون نسبة الرطوبة، من هذا الوجه، ومن حيث هى هكذا،
<lb n="14"/> إلى اليبوسة قريبا من نسبة الأمر العدمى إلى الأمر الوجودى. فيكون الإحساس
<lb n="15"/> بالرطوبة ليس إلا أن لا يُرى مانع ومقاوم.وباليبوسة أن يُرى مانع ومقاوم. </p><p>
<lb n="16"/> فالرطوبة وحدها لا تثبت عند الحس من جهة اللمس وحده جسما، واليبوسة
<lb n="17"/> تثبت ذلك. </p><p>
<pb n="188"/>
<lb n="1"/> وإذا نسبنا أحد الطرفين إلى الحس بالذات كفانا أمر مقابله العدمى فى أمر المزاوجة
<lb n="2"/> بل لو وجدنا بالحس اللمسى كيفيتين لتمت المزاوجة الرباعية من مضادتين وبين
<lb n="3"/> قنية وعدم. </p><p>
<lb n="4"/> فليكن هذا مبلغ ما نقوله فى حل الشكوك المذكورة على الاختصار. </p>
</div>
<div type="chapter">
<pb n="189"/>
<head>
<lb n="1"/>الفصل الرابع عشر
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/>انفعالات العناصر بعضها من بعض، واستحالاتها فى حال البساطة وفى حال
<lb n="4"/>التركيب، وكيفية تصرفها تحت تأثير الأجسام العالية</head>
<p>
<lb n="5"/> فقد تبين مما سلف أن العناصر للكائنات الفاسدات أربعة لا غير. وإذا
<lb n="6"/> اعتبر المعتبر صادف النبات والحيوانات المتكونة فى حيز الأرض مستمدة من
<lb n="7"/> الأرض ومن الماء ومن الهواء، ووجودها يتم <choice>
<sic>باتحاد</sic>
<corr>بالحارّ</corr>
</choice> المنضج. فالأرض تفيد الكائن
<lb n="8"/> تماسكا وحفظا لما يفاد من التشكيل والتخليق؛ والماء يفيد الكائن سهولة قبول للتخليق
<lb n="9"/> والتشكيل، ويستمسك جوهر الماء بعد سيلانه بمخالطة الأرض، ويستمسك جوهر الأرض
<lb n="10"/> عن تشتته لمخالطة الماء، والهواء والنار يكسران عنصرية هذين ويفيدانهما اعتدال
<lb n="11"/> الامتزاج. والهواء يخلخل ويفيد وجود المنافذ والمسام، والنار تنضج وتطبخ وتجمع. </p><p>
<lb n="12"/> وهذه الأربعة قد ظهر أنها يتكون بعضها من بعض، وأن لها عنصرا مشتركا،
<lb n="13"/> وإن ذلك بالحقيقة هو العنصر الأول. ومع ذلك فإن تكون بعض منها من بعض أسهل،
<lb n="14"/> وتكوّن بعض منها من بعض أعسر، وتكون لبعض منها من بعض وسط. </p><p>
<pb n="190"/>
<lb n="1"/> فأما السهل فاستحالة عنصر إلى مشاركة فى إحدى الكيفيتين وهو فيها ضعيف،
<lb n="2"/> مثل استحالة الهواء إلى الماء. فإن الهواء يشارك الماء فى كيفية الحرارة، وكيفية الحرارة
<lb n="3"/> فيه ضعيفة،والبرد فى الماء قوى. فإذا قوى عليه الماء، وحاول أن يحيله باردا فى طعمه،
<lb n="4"/> انفعل سهلا، وبقيت رطوبته، وكان ماء، ليس لأن استحالته فى الكيفية هى كونه
<lb n="5"/> ماء؛ بل يستحيل، مع ذلك، فى صورته التى شرحنا أمرها.وصورته أشد إذعانا للزوال
<lb n="6"/> عن مادته إلى الصورة المائية من صورة النار. </p><p>
<lb n="7"/> وأما العسر فأن يحتاج المتكون إلى استحالة الكيفيتين جميعا فى طبعه. وأما الوسط
<lb n="8"/> فيحتاج إلى استحالة كيفية واحدة فقط، لكنها قوية مثل ما تحتاج إليه الأرض
<lb n="9"/> فى استحالتها إلى النارية، والماء فى استحالته إلى الهوائية. </p><p>
<lb n="10"/> ولكل واحد من هذه العناصر عرض فى قبوله الزيادة والنقصان فى كيفيته.
<lb n="11"/> فإنه قد يزيد فى كيفيته الطبيعية أو العرضية وينقص، وهو حافظ بعد لصورته ونوعه.
<lb n="12"/> لكن للزيادة والنقصان فى ذلك طرفان محدودان، إذ جاوزهما بطل عن المادة التهيؤ التام
<lb n="13"/> لصورته، واستعدت استعدادًا تاما لصورة أخرى. ومن شأن المادة إذا استعدت
<lb n="14"/> استعدادًا تاما لصورة أن تفاض تلك الصورة عليها من عند واهب الصور للمواد
<lb n="15"/> فتقبلها. وبسبب ذلك ما يتخصص المواد المتشابهة فى أنها ماد لصور مختلفة، وذلك
<lb n="16"/> من عند واهب الصور. </p><p>
<pb n="191"/>
<lb n="1"/> ويجب أن نعلم أن القوة شىء، وأن الاستعداد التام شىء آخر. والمادة فيها جميع
<lb n="2"/> الأضداد بالقوة، لكنها تختص بواحد من الأضداد، من جملة الأمور المختلفة بما يحدث
<lb n="3"/> فيها من استعداد تام يخصصه بها أمر. فإن المحكوك والمحرك معد لقبول الحرارة إِعدادًا
<lb n="4"/> خاصًا، وإن كان أيضا فى طبعه قابلا للبرودة. </p><p>
<lb n="5"/> وليس هذا للعناصر وحدها؛ بل للمتكونات أيضًا، ولكل واحد منها مزاج.
<lb n="6"/> ومزاجه يقبل الزيادة والنقصان إلى حد ما محصور العرض بين طرفين. وإذا جاوز ذلك
<lb n="7"/> بطل استعداده لملابسته لصورته. </p><p>
<lb n="8"/> وهذه المركبات تختلف أمزجتها لاختلافها فى مقادير العناصر فيها: </p><p>
<lb n="9"/> فمن الكائنات ما الأرضية فيه غالبة، وهى جميع ما ترسب فى الهواء والماء من المعدنيات
<lb n="10"/> والنبات والحيوان. وقد يجوز ألا يرسب بعض ما الأرضية فيه <choice>
<sic>غالية</sic>
<corr>غالبة</corr>
</choice>. فإنه يجوز أن
<lb n="11"/> تكون الأرضية غالبة لمفرد أسطقس وليس غالبا لمجموع أسطقسين خفيفين. </p><p>
<lb n="12"/> ومنها ما المائية فيه غالبة. ومنها ما الهوائية. ويعسر امتحان ذلك من جهة الطفو
<lb n="13"/> والرسوب. وذلك لأن الجسم، وإن كانت المائية فيه غالية، وفيه هواء ونار قليل
<lb n="15"/> فهو، لا محالة، لا يكون بسبب مائيته أثقل من الماء، حتى يرسب فيه، إلا أن تكون </p><p>
<lb n="16"/> أرضيته كثيرة تزيد ثقلا على مائيته:
<lb n="17"/> ومنه ما النارية فيه غالبة. وهذا جميع ما يعلو فى الجو. وقد يجوز أن يكون فيه
<lb n="18"/> ما لا يعلو لنظير ما قلناه فى الغالب فيه الأرضية. وهذه الغلبة قد تكون بالفعل،
<pb n="192"/>
<lb n="1"/> وقد تكون بالقوة. والذى بالقوة فهو الذى، إذا فعل فيه الحار الغريزى من أبدان
<lb n="2"/> الحيوان؛ استحال إلى غلبة بعض الأسطقسات. </p><p>
<lb n="3"/> ولهذه الأسطقسات غلبة فى المركب من وجهين: أحدهما بالكم والآخر بالكيف
<lb n="4"/> والقوة. وربما كان أسطقس مغلوبا فى الكمية، لكنه قوى فى الكيفية، وربما كان
<lb n="5"/> بالعكس. ويشبه أن يكون الغالب فى الكم يغلب فى الميل لا محالة، وإن كان
<lb n="6"/> قد لا يغلب فى الكيف الفعلى والانفعالى. فإن الميل، عندما يلزم من الصورة،
<lb n="7"/> يكون شديد اللزوم للصورة أشد من لزوم الكيف الفعلى والانفعالى. وإن لم يكن دائم
<lb n="8"/> اللزوم للصورة فإنه قد يبطل إذا عرض عائق قوى. </p><p>
<lb n="9"/> والممتزج فكثيرًا ما يعرض له من الأسباب الخارجة أن يغلب من أسطقساته ما ليس
<lb n="10"/> بغالب. فإنها <choice>
<sic>ذا عادنت</sic>
<corr>إذا عاونت</corr>
</choice> كيفية غير الغالب، حتى قوى، غلب، وأحال الآخر إلى
<lb n="11"/> مشابهته، فظهر سلطانه. </p><p>
<lb n="12"/> فنقول الآن: إن الكون والفساد والاستحالة أمور <choice>
<sic>مبتدأة</sic>
<corr>مبتدئة</corr>
</choice>، ولكل <choice>
<sic>مبتدأة</sic>
<corr>مبتدئة</corr>
</choice> سبب
<lb n="13"/> ولا بد، على ما أوضحناه فى الفنون الماضية، من حركة مكانية.فالحركة المكانية هى مقربة
<lb n="14"/> الأسباب ومبعدتها، ومقوية الكيفيات ومضعفها. <choice>
<sic>ومبادىء</sic>
<corr type="MAR">ومبادئ</corr>
</choice> الحركات كلها، كما وضح،
<lb n="15"/> من المستديرة. </p><p>
<lb n="16"/> فالحركات المستديرة السماوية المقربة لقوى الأجرام العالية <sic>والمبعدتها</sic> [sic]  هى أسباب
<lb n="17"/> أولى إلى الكون والفساد. وعوداتها، لا محالة، أسباب لعود أدوار الكون والفساد.
<lb n="18"/> والحركة الحافظة لنظام الأدوار والعودات، الواصلة بينها، والمسرعة بما لو ترك لأبطأ
<pb n="193"/>
<lb n="1"/> ولم يعدل تأثيره، هى الحركة الأولى. ونشرح هذا المعنى فنقول: </p><p>
<lb n="2"/> إنه لو لم يكن للكواكب حركة فى الميل لكان التأثير يختص ببقعة واحدة على جهة
<lb n="3"/> واحدة،فيخلو ما يبعد عنها، ويتشابه فيها ما يقرب منها. فيكون السلطان هناك لكيفية
<lb n="4"/> واحدة يوجبها ذلك الكوكب؛ فإن كانت حارة أفنت مواد الرطوبات، وأحالت الأجسام
<lb n="5"/> التى تحاذيها الكواكب إلى النارية فقط، ولم يكن مِزاج به تتكون الكائنات الهوائية،
<lb n="6"/> ولم يثبت شىء من النباتية ثباتا يُعتدُّ به؛ بل صار حظ ما يحاذيه الكوكب فى الغالب
<lb n="7"/> كيفية، وحظ ما لا يحاذيه فى الغالب كيفية مضادة لها، وحظ المتوسط فى الغالب كيفية
<lb n="8"/> متوسطة. فيكون فى موضع ميل صيف شديد دائم، وفى آخر ميل شتاء شديد دائم، وفى آخر
<lb n="9"/> ربيع دائم أو خريف دائم. وفى ميل الربيع والخريف لا يتم النضج، وفى الشتاء تكون
<lb n="10"/><choice>
<sic>النهوة</sic>
<corr type="MAR">النهوءة</corr>
</choice>، وفى دوام الصيف الاحتراق. </p><p>
<lb n="11"/> وعلى هذا، فيجب أن تعتبر حال الكيفيات الأخرى، والقوى الأخرى: </p><p>
<lb n="12"/> ولو لم تكن عودات متتالية، وكان الكوكب يتحرك حركته البطيئة بميل،
<lb n="13"/> أو بغير ميل، لكان الميل قليل الغناء والتأثير، شديد الإفراط لا يتدارك بالضد
<lb n="14"/> المخالط، وكان التأثير مقيما فى بقعة صغيرة مدة طويلة لا يدور فى البقاع كلها، إلا فى مدد
<lb n="15"/> متراخية، وكان يعرض أيضا قريب مما يعرض، لو لم يكن مثل ما ذكرناه. </p><p>
<lb n="16"/> وكذلك لو كانت الكواكب تتحرك بنفسها الحركة السريعة من غير ميل عرض ما قيل؛
<lb n="17"/> وإن كانت السرعة مع ميل عرض ذلك أيضًا، وكان مدار الميل وما يقرب منه وما يبعد
<lb n="18"/> بالصفات المذكورة. فوجب أن يكون ميل تحفظه حركة غريبة مدة ما، ثم تزيله إلى جهة
<pb n="194"/>
<lb n="1"/> أخرى بقدر الحاجة فى كل جهة. فوجب أن يبطىء المائل فى جهة ميله، حتى يبقى،
<lb n="2"/> فى كل برهة، ليتم بذلك تأثيره، وأن يتكرر على المدار، مع ذلك، ليتشابه فعله
<lb n="3"/> فى جميع الجهة التى هو مائل إليها، ولا يفرط تأثيره فى بقعة يقيم عليها. وبالجملة ليكون
<lb n="4"/> جميع الجهة ينال منه التأثير نيلا معتدلا غير مفسد، ولا يزال كذلك إلى تمام الحاجة. </p><p>
<lb n="5"/> وذلك إنما يتم بحركة أخرى سريعة ضرورة. فجعل لذى الميل حركة بطيئة، وجعلت
<lb n="6"/> له حركة أخرى تابعة لحركة سريعة، حتى يوجد الغرضان. </p><p>
<lb n="7"/> واعتبر هذا من الشمس. فإن الشمس تميل بحركتها إلى الشمال، فتبقى مدة فى تلك
<lb n="8"/> الجهة، لا دائمة على سمت واحد، بل متكررة اتباعا للحركة الأولى .فإنها إن بقيت
<lb n="9"/> دائما أفسدت، كما لو دام هجيرها، ولقصر أيضا فعلها وتأثيرها عن جميع الأقاليم
<lb n="10"/> الأخرى. فلما جعل لها ذلك التكرر صار للشمس أن تحرك المواد إلى غذو النبات
<lb n="11"/> والحيوانات، حتى إذا فعلت فعلها فى الشمال، وجذبت المواد الكامنة فى الأرض زالت
<lb n="12"/> إلى الجنوب، قبل أن تفسد بالإحراق والتجفيف، ففعلت هناك فعلها ههنا، وبرد، وجه
<lb n="13"/> الأرض ههنا، فاحتقنت الرطوبات، واجتمعت فى باطن الأرض، كأنها تخزن وتعد لعود
<lb n="14"/> الشمس مرة أخرى لتنفق على النبات والحيوانات نفقة بالقسط. وبين الأمرين تدريج
<lb n="15"/> ربيع وخريف، لئلا ينتقل من إفراط إلى إفراط دفعة، وليكون الفعل مدرجا فيه.
<lb n="16"/> فسبحان الخالق المدير بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية. </p><p>
<lb n="17"/> وبالحرى أن يلحق بهذا القول فى الأدوار والآجال. </p>
</div>
<div type="chapter">
<head>
<pb n="195"/>
<lb n="1"/>الفصل الخامس عشر
<lb n="2"/>فصل فى
<lb n="3"/> أدوار الكون والفساد </head>
<p>
<lb n="4"/>من الكائنات ما يكفى فى تكونه جزء دورة واحدة. وربما كانت مدته متمة تلك
<lb n="5"/> الدورة فما دونهما، كضرب من الحيوانات القرقسية والنبات الزغبى، فيكون فى يوم
<lb n="6"/> واحد، وفسد فيه. </p><p>
<lb n="7"/> ومن الكائنات ما يحتاج، فى تكونه، إلى أدوار من الفلك، ومنها ما يحتاج
<lb n="8"/> إلى عودات جملة جملة من أدوار، حتى يتم تكونها، وكل كائن، كما ظهر، فاسد،
<lb n="9"/> وله مدة <choice>
<sic>ينشو</sic>
<corr type="MAR">ينشؤ</corr>
</choice> فيها، ومدة يقف فيها، ومدة يضمحل وينتهى إلى أجله. </p><p>
<lb n="10"/> ولا يمكننا أن نقول قولا كليا فى نسب هذه المدد بعضها إلى بعض .فهى مختلفة
<lb n="11"/> لا تضبط. ومن رام حصر ذلك صعب عليه. والذى سمعنا فيه لم يقنعنا، فلعلنا لم نفهمه
<lb n="12"/> حق الفهم؛ وعسى أن يكون غيرنا يفهمه على وجهه. </p><p>
<lb n="13"/> ولكل كائن أصل يستحقه بقوته المدبرة لبدنه. فإنها قوة جسمية متناهية بتناهى
<lb n="14"/> فعلها ضرورة. ولو كانت غير متناهية لكانت المادة لا تحفظ الرطوبة، إلا إلى أجل
<lb n="15"/> لأسباب محللة للرطوبة خارجة وباطنة، وأسباب عائقة عن الاعتياض مما يتحلل. ولكل
<pb n="196"/>
<lb n="1"/> قوة من قوى البدن، ولكل مادة، حد يقتضيه كل واحد منهما، ولا يحتمل مجاوزته، </p><p>
<lb n="2"/> وذلك إن جرت أسبابها على ما ينبغى، هو الأجل الطبيعى.
<lb n="3"/> وقد تعرض أسباب أخرى من حصول المفسد أو فقدان النافع المعين، فيعرض لتلك
<lb n="4"/> القوة أن تقصر فى فعلها عن الأمد. فمن الآجال طبيعة، ومنها اخترامية، وكل بقدر. </p><p>
<lb n="5"/> وجميع الأحوال الأرضية منوطة بالحركات السماوية، وحتى الاختيارات والإرادات
<lb n="6"/> فإنها، لا محالة أمور تحدث بعد ما لم تكن. ولكل حادث بعدما لم يكن علة وسبب
<lb n="7"/> حادث. وينتهى ذلك إلى الحركة؛ ومن الحركات إلى الحركة المستديرة. </p><p>
<lb n="8"/> فقد فرغ من إيضاح هذا. فاختياراتنا أيضًا تابعة للحركات السماوية. والحركات
<lb n="9"/> والسكونات الأرضية المتوافية على اطراد متسق، تكون دواعى إلى القصد وبواعث
<lb n="10"/> عليه، وهذا هو القدر الذى أوجبه القضاء. </p><p>
<lb n="11"/> والقضاء هو الفعل الأولى الإلهى الواحد المستعلى على الكل الذى منه ينشعب
<lb n="12"/> المقدرات. وإذا كان كذلك، فالحرى لأن يشكل على الناظرين أمر العود، وأنه هل
<lb n="13"/> يجب، إذا عاد إلى فلك شكل بعينه كما كان، أن تعود الأمور الأرضية إلى مثل ما كان
<lb n="14"/> أما عود ما بطل بعينه بالشخص فذلك مما لا يكون، ولا الشكل بعينه يعود بالعدد،
<lb n="15"/> ولا الأمور الأرضية تعود بأعيانها بالعدد؛ فإن الغائب لا يعود بعينه. والذى يخالف
<lb n="16"/> فى هذا فسبيله أن يستحى من نفسه، إلى أن تكشف فضيحته فى الفلسفة الأولى.
<lb n="17"/> فمن الناس من أوجب هذا العود المماثل. </p><p>
<pb n="197"/>
<lb n="1"/> ومن الناس من لم يجوز هذا العود، واحتج بأن الأمور العالمية مختلطة من طبيعية واختيارية
<lb n="2"/> مثل كثير من النسل والحرث. وعود الشكل السماوى، إن أوجب إعادة، فإنما يوجب إعادة
<lb n="3"/> الأمر الطبيعى لا الاختيارى، ولا المركب من الطبيعى والاختيارى .وإذا لم يجب عود
<lb n="4"/> واحد من الأسباب المبنى عليها مجرى الكل اختل العود كله فلم يجب أن يكون كما كان. </p><p>
<lb n="5"/> وذهب عليه الاختيار أيضا مما يجب عوده، إن كانت العودة تصح.
<lb n="6"/> فإن الاختيار مستند أيضًا إلى الأسباب الأول. </p><p>
<lb n="7"/> والذى عندى فى هذا أنه إن كان يتفق أن يعود تشكل واحد بعينه، كما هو، فستعود
<lb n="8"/> الأمور إلى مثل حالها. لكن السبيل إلى إثبات عود الشكل الواحد مما لا يمكن بوجه من
<lb n="9"/> الوجوه. وذلك أنه إنما يمكن أن تقع للأمور المختلفة عودات جامعة، إذا كانت نسبة العودات
<lb n="10"/> الخاصة بعضها إلى بعض نسبة عدد إلى عدد فكانت مشتركة فى واحد يعدها، فيوجد حينئذ
<lb n="11"/> لجميعها عدد يعدها؛ مثلا أن تكون إحدى العودات عددها خمسة والآخر سبعة والثالث
<lb n="12"/> عشرة تشترك فى الوحدة، فيكون عدد السبعين عودا مشتركا يعده هذه الأعداد .فيكون
<lb n="13"/> إذا عاد صاحب الخمسة أربع عشرة عودة، أو صاحب السبعة عشرة، وصاحب العشرة
<lb n="14"/> سبعًا، اجتمع الجميع معا. ثم جعل يعود فى المدد المتساوية أشكال متشابهة، لما سلف،
<lb n="15"/> وإن تكن نسبة مدد العودات نسبة عدد إلى عدد ــ وذلك جائز لأن المدد متصلة،
<lb n="16"/> لا منفصلة .ولا يستحيل أن يكون المتصل مباينا للمتصل، كان مستقيما أو مستديرا ــ
<lb n="17"/> فلا تكون نسبته إليه نسبة عدد إلى عدد. فقد صح وجودها هذا فى المقادير، فيصح
<lb n="18"/> فى الحركات والأزمنة لا محالة. واستحال وجود شىء جامع تشترك فيه؛ إذ قد ثبت
<pb n="198"/>
<lb n="1"/> فى صناعة الهندسة أن المقادير التى تشارك مقدارا فهى مشتركة، والمتباينات غير مشتركة،
<lb n="2"/> فلا تشارك مقدارا واحدا، فلا يوجد لها مقدارا مشترك يعد جميعها. وإذا لم يوجد استحال
<lb n="3"/> عود التشكل بعينه. </p><p>
<lb n="4"/> فإن كانت الحركة الأولى، ثم حركة الثوابت، ثم حركات الأوجات والجوزهرات،
<lb n="5"/> ثم حركة السيارات، تتشارك مدد عوداتها الخاصية فى واحد يعدها، فستكون الإعادة
<lb n="6"/> المدعاة واجبة. </p><p>
<lb n="7"/> وإن كان كلها، أو واحد منها، غير مشارك لم يكن ذلك. </p><p>
<lb n="8"/> لكن طريق إحاطتنا بهذه الأمور هو الرصد، والرصد هو على التقريب بأجزاء
<lb n="9"/> الآلات المقسومة. ومثل هذا التقريب لا يحصّل التقدير الحقيقى. وحساب الأوتار
<lb n="10"/> والقسى وما يبنى عليها أيضا مستعمل فيها الجذور الصم. وقد سومح فى أجزائها مجرى
<lb n="11"/> المنطقيات والتفاوت بين المنطق والأصم مما لا يضبطه الحس، فكيف يحققه الرصد.
<lb n="12"/> فإذن لا سبيل إلى إدراك ذلك من جهة الرصد والحساب المبنى عليه. وليس عندنا
<lb n="13"/> فيه سبيل غيره. </p><p>
<lb n="14"/> وأما تقسيم العلماء الزمان بالشهور وألايام والساعات وأجزائها، وتقسيمهم الحركة
<lb n="15"/> بإزائها، وايقاعهم بينهما نسبة عددية، فذلك على جهة التقريب، مع علمهم بأنه غير
<lb n="16"/> ضرورى، إلا أنه مما لا يظهر تفاوته فى المدد المتقاربة. لكنه، وان لم يظهر فى المدد
<lb n="17"/> المتقاربة، فيشبه أن يظهر فى المدد المتباعدة. </p><p>
<pb n="199"/>
<lb n="1"/> وأكثر ما يمكن أن يُحدَس فى هذا هو أنه يجوز أن تكون عودات متقاربة
<lb n="2"/> الأحوال، وإن لم تكن متشابهة بالحقيقة. ويكون حال الكلى منها قريبا من حال
<lb n="3"/> العودات الجزئية، كصيف يشبه صيفا، وربيع يشبه ربيعا، أو يكون أشد مشابهة من ذلك،
<lb n="4"/> أو لعل الأمر يكون بخلاف هذا الحدس. </p><p>
<lb n="5"/> فإذ قد فرغنا من هذا البيان أيضا فبالحرى أن تختم هذا الفن بإشارة مختصرة
<lb n="6"/> إلى علل الكون والفساد، فنقول: </p><p>
<lb n="7"/> إن لكل كائن مادة وصورة، وعلة فاعلة، وغاية تخصه يؤخذ ذلك بالاستقراء،
<lb n="8"/> وعلى سبيل الوضع. </p><p>
<lb n="9"/> فأما جملة الكون والفساد واتصاله فعلته الفاعلية المشتركة التى هى أقرب، هى
<lb n="10"/> الحركات السماوية، والتى هى أسبق فالمحرك لها. </p><p>
<lb n="11"/> والعلة المادية المشتركة هى العنصر الأول. </p><p>
<lb n="12"/> والعلة الصورية المشتركة هى الصورة التى للمادة قوة على غيرها مما لا يجتمع معها. </p><p>
<lb n="13"/> والعلة الغائية استبقاء الأمور التى لا تبقى بأعدادها واستحفاظها بأنواعها. </p><p>
<lb n="14"/> فإن المادة العنصرية لما كانت كما تلبس شيئا قد خلعت غيره، وكان الشىء كما
<lb n="15"/> يكون هو قد فسد غيره، ولا سبيل إلى بقاء الكائنات بأشخاصها، دبرّ فى استبقاء أنواعها
<lb n="16"/> بالتناسل والتحارث والتعاقب المتعلق بالكون والفساد. </p><p>
<pb n="200"/>
<lb n="1"/> والأسبق من ذلك هو الجود الإلهى المعطى كل موجود ما فى وسع قبوله، وإبقاؤه
<lb n="2"/> إياه، كما يحتمله، إما بشخصه، كما للأجرام السماوية، وإما بنوعه، كما للعنصريات.
<lb n="3"/> تم الفن الثالث من الطبيعيات بحمد الله ومّنه. </p>
</div>
</div>
</body>
</text>
</TEI>